معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام الفلسفیة والعرفانیة — الشیخ حسن المیلاني

معرفة الله تعالی بالله

لا بالأوهام الفلسفية والعرفانية

الشیخ حسن المیلاني

٦معرفة الله تعالی بالله

بسم الله الرحمن الرحیم

معرفة الله تعالی بالله

لا بالأوهام

البشـریة الفلسفیة والعرفانیة

التوحید؛ الحجّة؛ الولایة

الشیخ حسن المیلاني

معرفة الله تعالی بالله

تقدیم

الإمام أمیر المؤمنین علیه السلام:

«إعرفوا الله بالله، والرسول بالرسالة، وأولي الأمر بالمعروف والعدل والإحسان».١

إنّ الدین قد بني علی أساس التوحید والعدل،

وهما علی معرفة الحجّة،

وقد حرّفت الثلاثة عند أكثر المتأخّرین،

ابتعاداً عن العقل والبرهان،

واتّكالاً علی الموهومات، وتأویلاً للمحكمات إلی المتشابهات،

فأوّل التوحید الحقیقي إلی الكثرة الحقیقیّة والوحدة الاعتباریّة، بل الوهمیّة!

والعدل والاختیار إلی الجبر، بل نفي كلّ فاعل غیر الله تعالی!

والحجّة إلی كلّ منحرف عن المحجّة، ومدعٍ بلا عصمة ولا حجّة!

وحیث إنّ تأویل المبطلین أشدّ ضرراً علی بنیان الدین من الردّ والإنكار،

فرأینا أن نكشف عن أخطائهم الخطیرة في ذلك،

وبیان ما یلیق بالمعارف العقلیّة والدینیّة علی أساس العقل والبرهان والوحي،

مستعیناً في ذلك بالله تعالی وحججه علیهم السلام.

قم المشـرّفة، الشیخ حسن المیلاني


  1. التوحید، ٢٨٦، عن التوحید.

كیف ولمَ نقرّ بوجود الخالق المتعال؟!

معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام

یهدف هذا الفصل إليالكلام عن:

إراءة الطریق الصحیح١إلى الإلتفات والمعرفة والإقرار٢بوجود الخالق ٣ عز وجل، وتعالیه٤عن وجود خلقه.

إثبات وجود الخالق تعالی بإقامة برهان یباین البراهین المذكورة في المعارف البشـریة الفلسفیة والعرفانیة، وهو یمتاز عن غیره من البراهین بأنه:

ألف: یكشف عن الملاك الواقعي٥الذي یكون به الخالق خالقا والمخلوق مخلوقا، وهو كون المخلوق امتداديا عددیا متجزیا قابلا للزیادة والنقصان، والخالق تعالی على خلاف ذلك كله.

ب: یتضح به بطلان البراهین التي أقامها أصحاب الفلسفة والعرفان على إثبات واجبهم.

ج: إثبات تباین ذات الخالق تعالی مع سائر المخلوقات، خلافا لما تتوهمه مدرسة الفلسفة والعرفان من وحدة وجود الخالق والمخلوق في العین.

د: إثبات حدوث العالم وجمیع ما سوی الله تعالی ووجوده بعد عدمه الحقیقي، خلافا لما یزعمه أصحاب الفلسفة والعرفان من أزلیة وجود العالم وامتناع إیجاد الأشیاء لا من شـيء.


  1. قد أومأنا بهذا التعبير إلى بطلان الطرق التي تذهب إليها مدارس المعرفة البشـرية لإثبات وجود الخالق تعالی كما بين ذلك في مبحث ملاك المعلولية وغیره,.
  2. إيماء إلى تغاير الوجود المحمول على الخالق تعالی مع معناه المحمول على غيره كما بین في مبحث الوجود العام والخاص,.
  3. قد أومأنا بأخذ عنوان "الخالق" هاهنا دون غيره من أسماء الله تبارك وتعالى إلى أن طريق معرفة الخالق تعالي ينحصـر بالدلالة عليه من جهة كونه تعالى خالقاً لما سواه لا غير، ويطلب التفصيل من مواضع متكررة,.
  4. علماً بأنّ الأدلة التي لا يثبت بها كون الخالق جل وعلا متعاليا عن وجود خلقه وتكون نتيجتها وحدة وجود الخالق والخلق وكون أحدهما عين الآخر فلا يكون في الواقع برهاناً لإثبات وجود الله جل وعلا بل هي نفي في صورة الإثبات.
  5. إشارة إلى أن الملاكات التي تعطيها المعرفة البشـرية للفرق بين الخالق والمخلوق ـ كالوجوب والإمكان، والتناهي وعدم التناهي، والقدم والحدوث على معناهما المتعارف، والشدة والضعف في الوجود، والعلية والمعلولية و... ـ ليست بشـيء، وذلك أن بعضها موهوم من أصله، والبعض الآخر منها يحتاج بنفسه إلى الملاك أيضا، وقد بین مفصلا في مبحث: ملاك المعلولية والاحتياج,.
٧كیف ولمَ نقرّ بوجود الخالق المتعال؟!

اشارة

إن لمدرسة الوحي الإلهي، لإیصال الخلق إلى معرفة الخالق تبارك وتعالى برهانا بینا واضحا، كثیر الفوائد، هام النتائج، مبتنیا على أصول ومقدمات بدیهیة وجدانیة، یثبت به وجود الخالق المتعالي عن وجود الخلق جلیا، ویكشف به الستر عن وجه الخلل الكثیر الذي وقع في البراهین التي أقامتها مدارس الفكر والتعمق البشـري لإثبات وجود معبودهم.

فنحن نشیر إلى ما صدر عن مشكاة النبوة ومصباح الولایة للاهتداء إلى ذلك أولا،

ونردف ذلك بالمقدمات البدیهیة وصورة البرهان المشار إلیه ثانیا،

ثم نشـرع في تبیین البرهان وأصوله وبیان ما یتفرع علیه بإیضاح تام، مقارنا لتطبیق ذلك على النصوص السماویة والعلوم الإلهیة إن شاء الله جل وعلا في مرحلة ثالثة.

المرحلة الأولى: الهتاف من السماء إلى تعریف الخالق الحق جل وعلا

نقول مستعینا بالله عزّ وجلّ ومتمسكا بحبل ولاء ولیه عجل الله تعالى فرجه الشـریف:

قال الله تبارك وتعالى:

«وَكُلُّ شَيْ ءٍ

معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام٨

عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعالِ».١

الإمام الصادق عليه السلام:

«واحد في ذاته فلا واحد كواحد، لأن ما سواه من الواحد متجزئ، وهو تبارك وتعالى واحد لا يتجزى، ولا يقع عليه العدّ».٢

الإمام الرضا عليه السلام:

«تعالى ربنا أن يكون متجزيا أو مختلفا، وإنما يختلف ويأتلف المتجزئ لأن كل متجزئ متوهم، والكثرة والقلة مخلوقة دالة على خالق خلقها».٣

الإمام الجواد عليه السلام:

«إن ما سوى الواحد متجزئ، والله واحد أحد لا متجزئ ولا متوهم بالقلة والكثرة، وكل متجزئ، أو متوهم بالقلة والكثرة فهو مخلوق دال على خالق له».٤

و:

الإمام أمیر المؤمنین عليه السلام:

«بل هو الذي لم یتفاوت في ذاته، ولم یتبعض بتجزئة العدد في كماله».٥

«قبل كل غایة ومدة وإحصاء وعدة، تعالى عما ینحله المحددون من صفات الأقدار ونهایات الأقطار».٦

«قال [الزندیق] فحده [أي صفه] لي، قال [الإمام الرضا عليه السلام]:

«إنه لا یحدّ [أي لا یوصف]. قال: لمَ؟ قال: لأن كل محدود متناه إلى حد، فإذا احتمل التحدید احتمل الزیادة، وإذا احتمل الزیادة احتمل النقصان، فهو غیر محدود، ولا متزائد، ولا متجزئ، ولا متوهم.٧

«لیس بذي كبر امتدت به النهایات فكبرته تجسیما، ولا بذي عظم تناهت به الغایات فعظمته تجسیدا، بل كبر شانا وعظم سلطانا».٨

«الحمد لله اللابس الكبریاء بلا تجسد، والمرتدي بالجلال بلا تمثیل... والمتعالي عن الخلق بلا تباعد، والقریب منهم بلا ملامسة.٩

الامام أمیر المؤمنین علیه السلام:

«... وكمال توحیده الإخلاص له، وكمال الإخلاص له نفي الصفات عنه، لشهادة كل صفة أنها غیر الموصوف. وشهادة كل موصوف أنه غیر الصفة. فمن وصف الله فقد قرنه، ومن قرنه فقد ثناه، ومن ثناه فقد جزأه، ومن جزأه فقد جهله».١٠

«تعالى الملك الجبار أن یوصف بمقدار».١١

إنه تعالى لطیف، عظیم، كبیر، جلیل، ولكن ذلك كله على خلاف اللطافة والعظمة والكبریاء والجلالة الامتدادية المتجزیة:

الإمام أمیر المؤمنین عليه السلام:

«إن ربي لطی


  1. الرعد (١٣): ١٠ ـ ١١.
  2. بحارالأنوار، ٤ / ٦٧، عن الاحتجاج.
  3. الاحتجاج، ٢ / ٤٠٦؛ بحارالأنوار، ١٠ / ٣٤٥. ولم نتعرض للاختلافات الیسیرة بین المصادر غالبا.
  4. الكافي ، ١ / ١١٦، بحار الأنوار، ٤/ ١٥٤، عن الاحتجاج.
  5. بحار الأنوار، ٤ / ٢٢١، عن التوحيد وأمالي الصدوق رحمه الله تعالی.
  6. بحار الأنوار، ٤ / ٣٠٧، عن نهج البلاغة.
  7. بحار الأنوار، ٣ / ١٥، عن علل الشرائع.
  8. بحار الأنوار، ٤ / ٢٦١، نهج البلاغة، صبحي صالح، ٢٦٩..
  9. بحار الأنوار، ٤ / ٢٦٦، التوحيد، ٣٣، باب التوحيد ونفي التشبيه.
  10. بحارالأنوار، ٤ / ٢٤٧ عن نهج البلاغة والاحتجاج.
  11. بحار الأنوار، ١٠ / ٥٦، أمالي الطوسي، ٢٢٠.
٩كیف ولمَ نقرّ بوجود الخالق المتعال؟!

ف اللطافة فلا یوصف باللطف، عظیم العظمة لا یوصف بالعظم، كبیر الكبریاء لا یوصف بالكبر، جلیل الجلالة لا یوصف بالغلظ».١

«جل عن أن تحله الصفات لشهادة العقول أن كل من حلته الصفات مصنوع و شهادة العقول أنه جل جلاله صانع ليس بمصنوع».٢

«


  1. بحار الأنوار، ٤ / ٣٠٤، التوحيد، ٣٠٨.
  2. الإرشاد، ١ / ٢٢٣، الاحتجاج، ١ / ٢٠٠، وعنه بحار الأنوار، ٤ / ٢٥٣.
معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام١٠

ما تصوّر فهو بخلافه».١

«ما تصوّر في الأوهام فهو بخلافه».٢

«فالحدّ لغیره مضـروب وإلى غیره منسوب».٣

«لأنه الله الذي لم یتناه في العقول فیكون في مهب فكرها مكیفا، وفي حواصل رویات همم النفوس محدودا مصـرفا... الذي لما شبّهه العادلون بالخلق المبعّض المحدود في صفاته، ذي الأقطار والنواحي المختلفة في طبقاته، وكان عز وجل الموجود بنفسه لا بأداته، انتفى أن یكون قدروه حق قدره».٤

«ولا تناله التجزئة والتبعیض».٥

«لیس بإله من عرف بنفسه، هو الدال بالدلیل علیه».٦

«دلیله آیاته، ووجوده إثباته».٧

«...إذا لتفاوتت ذاته ولتجزّء كنهه».٨

«... فمن وصف الله فقد قرنه، ومن قرنه فقد ثناه، ومن ثناه فقد جزأه».٩

الإمام المجتبى عليه السلام:

«الحمد لله الذي لم یكن له... شخص فیتجزی، ولا اختلاف صفة فیتناهی.١٠


  1. بحار الأنوار، ٤ / ٢٥٣، الإرشاد، ١ / ٢٢٣، الاحتجاج، ١ / ٢٠٠.
  2. بحار الأنوار، ٤ / ٣٠١، عن تحف العقول.
  3. بحار الأنوار، ٤/ ٣٠٧، نهج البلاغة.
  4. بحار الأنوار، ٤ / ٢٧٧، عن التوحید.
  5. بحار الأنوار، ٤/ ٣١٩، عن نهج البلاغة.
  6. بحارالأنوار ، ٤ / ٢٥٣. عن الاحتحاج.
  7. بحار الأنوار، ٤ / ٢٥٣، عن الاحتحاج.
  8. بحار الأنوار، ٤/ ٢٥٤، عن التوحید.
  9. بحارالأنوار، ٤ / ٢٤٧ از نهج البلاغة والاحتجاج.
  10. بحار الأنوار، ٤ / ٢٨٩، عن التوحید.
١١كیف ولمَ نقرّ بوجود الخالق المتعال؟!

الإمام سید الشهداء عليه السلام:

«لیس بربّ من طرح تحت البلاغ أو وجد في هواء أو غیر هواء».١

«یوحّد ولا یبعّض».٢

الإمام الصادق عليه السلام:

«وكل شـيء وقع علیه اسم شـيء فهو مخلوق ما خلا الله، فأما ما عبرت الألسن عنه أو عملت الأیدي فیه فهو مخلوق،... وكل موصوف مصنوع وصانع الأشیاء غیر موصوف بحد مسمّى، لم یتكون فتعرف كینونته بصنع غیره، ولم یتناه إلى غایة إلا كان غیره.

لا یزلّ من فهم هذا الحكم أبدا وهو التوحید الخالص فاعتقدوه وصدقوه وتفهموه بإذن الله عز وجل، ومن زعم أنه یعرف الله بحجاب أو بصورة أو بمثال فهو مشـرك لأن الحجاب والمثال والصورة غیره، وإنما هو واحد موحد، فكیف یوحد من زعم أنه عرفه بغیره».٣

«لكنا نقول: كل موهوم بالحواس، مدرك بها تحده الحواس ممثلا فهو مخلوق، ولا بد من إثبات صانع الأشیاء خارجا من الجهتین المذمومتین: إحدیهما النفي إذ كان النفي هو الإبطال والعدم، والجهة الثانیة التشبیه بصفة المخلوق الظاهر التركیب والتألیف.

فلم یكن بدّ من إثبات الصانع لوجود المصنوعین والاضطرار منهم أنهم


  1. بحار الأنوار، ٤ / ٣٠١، عن تحف العقول.
  2. بحارالأنوار، ٤ / ٢٤٧ عن نهج البلاغة والاحتجاج.
  3. بحار الأنوار، ٤/ ١٦١، عن التوحيد.
معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام١٢

مصنوعون وأن صانعهم غیرهم ولیس مثلهم».١

«لا بد من الخروج من جهة التعطیل والتشبیه، لأن من نفاه أنكره ورفع ربوبیته وأبطله، ومن شبهه بغیره. فقد أثبته بصفة المخلوقین المصنوعین الذین لا یستحقون الربوبیة، ولكن لا بد من إثبات ذات بلا كیفیة، لا یستحقها غیره، ولا یشارك ولا یحاط بها ولا یعلمها غیره».٢

«... فقال له أبو عبد الله عليه السلام: اسأل عما شئت، فقال: ما الدلیل على حدوث الأجسام؟

فقال: إني ما وجدت شیئا صغیرا ولا كبیرا إلا وإذا ضمّ إلى مثله صار أكبر، وفي ذلك زوال وانتقال عن الحالة الأولى، ولو كان قدیما^٣٤. ما زال ولا حال، لأن الذي یزول ویحول یجوز أن یوجد ویبطل، فیكون بوجوده بعد عدمه٣ دخول في الحدث، وفي كونه في الأزل دخوله في القدم، ولن تجتمع صفة الأزل والحدوث، والقدم والعدم٤ في شـيء واحد.

فقال عبد الكریم: هبك علمت في جري الحالتین والزمانین على ما ذكرت


  1. بحار الأنوار، ٣ / ٢٩، عن الاحتجاج.
  2. التوحيد، ٢٤٧.
  3. إشارة إلى بداهة حكم العقل بأن: "كل ممكن يكون حادثا"، خلافا لأهل الفلسفة و العرفان المنكرين لهذا الأمر البديهي القائلين بأن: "العالم أزلي في عين أنه يكون ممكنا ومستندا في وجوده إلی غيره!
  4. إشارة إلى أن تقابل "الحادث" و"القديم" لا يكون من حيث تناهي وجود أحدهما من حيث الزمان وعدم تناهي ذلك في الآخر، بل من حيث أن أحدهما يكون موصوفا بقابلية الوجود والعدم والكون في الزمان، والآ خر يكون متعاليا عن قابلية النسبة إلى الوجود والعدم، والاتصاف بالزمان والمكان.
١٣كیف ولمَ نقرّ بوجود الخالق المتعال؟!

واستدللت على حدوثهما، فلو بقیت الأشیاء على صغرها، من أین كان لك أن تستدل على حدثها؟ فقال العالم عليه السلام: إنما نتكلم على هذا العالم الموضوع، فلو رفعناه ووضعنا عالما آخر، كان لا شـيء أدل على الحدوث من رفعنا إیاه ووضعنا غیره١.ولكن أجبتك من حیث قدرت أن تلزمنا ونقول: إن الأشیاء لو دامت على صغرها لكان في الوهم أنه متى ما ضم شـيء إلى مثله كان أكبر، وفي جواز التغییر علیه، خروجه من القدم٢. كما بان في تغییره دخوله في الحدث، لیس لك ورآءه شـيءیا عبد الكریم».٣

الإمام الكاظم عليه السلام:

«لا یكون شـيء في السماوات والأرض إلا بسبعة بقضاء وقدر وإرادة ومشیئة وكتاب وأجل وإذن. فمن قال غیر هذا فقد كذب على الله ، أو ردّ على الله عز وجل».٤

«... یونس بن عبد الرحمن عن أبي الحسن الرضا عليه السلام قال: قلت: لا یكون إلا ما شاء الله وأراد وقضـى؟ فقال: لا یكون إلا ما شاء الله وأراد وقدر وقضى. قال: قلت: فما معنى شاء؟ قال: ابتداء الفعل. قلت: فما معنى أراد؟ قال: الثبوت علیه. قلت: فما معنى قدّر؟ قال: تقدیر الشـيء من طوله وعرضه. قلت: فما معنى قضـى؟ قال: إذا قضاه أمضاه، فذلك الذي لا مردّ له».٥


  1. إن تمسكنا بالتغيير والزوال الموجودين في العالم، كان مقدمة للدلالة على أن العالم يجوز عليه الوجود والعدم المستلزم لحدوثه المستلزم لاحتياجه إلى الخالق، وحيث إنك تقرّ بجواز الوجود والعدم للعالم في نفس الفرض، فنحن نأخذ بالنتيجة بلا احتياج إلى تلك المقدمة.
  2. وهو الذي لا يوصف به إلا ما يكون بخلاف الامتداد.
  3. الكافي، ١ / ٧٦، بحار الأنوار، ٣ / ٤٧، عن التوحید.
  4. الخصال، ٢ / ٣٥٩؛ بحار الأنوار، ٥ / ٨٨؛ الكافي، ١ / ١٥٠.
  5. المحاسن، ١ / ٢٤٤، بحار الأنوار، ٥ / ١٢٢.
معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام١٤

الإمام الرضا عليه السلام:

«خلقة الله الخلق حجاب بینه وبینهم، ومباینته إیاهم مفارقته أینیتهم... وأدوهم إیاهم دلیل على أن لا أداة فیه، لشهادة الأدوات بفاقة المادین... وكنهه تفریق بینه وبین خلقه، وغیوره تحدید لما سواه».١

«فكلّ ما في الخلق لا یوجد في خالقه، وكل ما یمكن فیه یمتنع في صانعه... إذا لتفاوتت أجزائه».٢

«أول عبادة الله معرفته، وأصل معرفة الله توحیده، ونظام توحید الله نفي الصفات عنه، لشهادة العقول أن كل صفة وموصوف مخلوق وشهادة كل موصوف أن له خالقا لیس بصفة ولا موصوف، وشهادة كل صفة وموصوف بالاقتران، وشهادة الاقتران بالحدث، وشهادة الحدث بالامتناع من الأزل الممتنع من الحدث، فلیس الله عرف من عرف بالتشبیه ذاته، ولا إیاه وحد من اكتنهه، ولا حقیقته أصاب من مثله، ولا به صدق من نّهاه، ولا صمد صمده من أشار إلیه، ولا إیاه عنى من شبهه ولا له تذلل من بعضه، ولا إیاه أراد من توهمه».٣

«


  1. بحار الأنوار، ٤/ ٢٨٨، عن الاحتجاج.
  2. بحار الأنوار، ٤/ ٢٣٠، عن التوحید والعیون.
  3. عيون أخبار الرضا، ١ / ١٥٠، خطبة الرضا عليه السلام في التوحيد، وكتاب التوحيد، الصدوق، ٣٥، وعنهما بحار الأنوار، ٤ / ٢٢٨، و٥٤ / ٤٣ وغيرها.
١٥كیف ولمَ نقرّ بوجود الخالق المتعال؟!

كل معروف بنفسه مصنوع».١

«بصنع الله یستدل علیه».٢

«وفیها أثبت غیره ومنها أنیط الدلیل».٣

الإمام أبو جعفر الثاني عليه السلام:

«جل وعز عن أداة خلقه وسمات بریته وتعالى عن ذلك علوّا كبیرا.٤

إن المستفاد من هذه النصوص السماویة هو:

١. كل ما سوی الله تبارك وتعالى یكون مخلوقا امتداديا متجزیا قابلا لفرض الزیادة علیه والنقصان منه، والله جلّ جلاله یخالف خلقه في كلّ ذلك، فهو خالق متعال عن الامتداد والأجزاء والعدد. والمراد من المقدار والمقداري والامتداد والامتدادي هو كون الشـيء متجزیا، سواء فرض محدودا ومقدارا وامتدادا معینا، أو غیر محدود وغیر متناه.

٢. كلّ ما سوى الله تعالى قابل للتعریف والتوصیف والتحدید، وهو جلّ وعلا لا یوصف ولا یعرف بذاته أبدا، ولا سبیل للعلم بوجوده إلا بالدلالة العقلیة علیه من وجود خلقه.

٣. لا یكون كبر الله تعالى وعظمته بمعنى سعته الوجودیة باشتمال كل زمان ومكان وكل شـيء من الأشیاء، وبعبارة أخرى: لا یكون من حیث كون ذاته تعالى غیر متناهیة ومحیطة بكل شـيء.

٤. لا یعقل فرض وجود شـيء ثالث بین الله (الخالق). وما سواه (المخلوق). على


  1. بحار الأنوار، ٤ / ٢٢٨، عن التوحید.
  2. بحار الأنوار، ٤ / ٢٢٨ عن التوحید.
  3. بحار الأنوار، ٤ / ٢٣٠، عن التوحید.
  4. بحار الأنوار، ٤/ ١٥٤، عن الکافي.
معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام١٦

أساس ملاك الصفات التي بیّناها لهما.

٥. كلّ ما یتصور من الصفات والأحوال فهو من ملكات الأقدار، والله تعالى خارج عن قابلیة الاتصاف بها شأنا وموضوعا.

٦. إن كمال معرفة الله تعالى هو التصدیق بوجوده فقط، وأما البحث والفحص عن معرفة ذاته جلّ وعلا على أي نحو كان ـ حصولیا أو حضوریا أو... ـ فهو تشبیه وضلالة وتضلیل.

٧. من أنكر وجود الخالق تعالی على ما عرّفناه ـ من أنه شـيء بخلاف الأشیاء ـ فقد أنكر بداهة ما یحكم به عقله من امتناع وجود الخلق بلا خالق یخالفه.

٨. من أثبت وجود الله تعالى على جهة التشبیه والمسانخة بینه وبین خلقه، أو على جهة الوحدة والعینیة بینهما فهو ضال عن المعرفة الحقة الإلهیة ضلالا بعیدا.

وهناك مطالب أخری نذكرها في محلها إن شاء الله تعالى.

هذا، ولكن المعرفة البشـریة (الفلسفة والعرفان). تخالف العلوم البرهانیة السماویة في كلّ النقاط المذكورة كما سنتعرض إلى تفصیل ذلك بعون الله جلّ جلاله.

المرحلة الثانیة: أصول البرهان ومقدماته:

الأصل الأول: كل ما یمكن أن یوجد یمكن أن یوجد مثله ـ وإلا لم یمكن أن یوجد الفرد الأول منه فإن حكم الأمثال واحد ـ كما أن ذلك یكون قابلا للانعدام أیضا، وحیث إن قبول التكرر والانعدام في الوجود هو عبارة أخری عن قبول الشـيء للزیادة والنقصان، وقبول الشـيء للزیادة والنقصان متفرع على كون الشـيء المتزائد والمتناقص

١٧كیف ولمَ نقرّ بوجود الخالق المتعال؟!

امتداديا متجزیا١ محدودا٢ فیكون كل ما یمكن أن یوجد امتداديا متجزیا ٣محدودا.

الأصل الثانی: إن كل ما یمكن أن یوجد فلا بد لوجوده من علة ـ أي خالق وموجد ـ فلا شـيءیمكن أن یوجد بنفسه أبدا.

تبصـرة : الحقیقة الامتدادية، محدودة بحدود أجزائها المعینة فلا یمكنها أن تضیف إلى نفسها شیئا وأن تكون موجدة لمثلها أبدا.


  1. ويأتي التحدث عن أسطورة المجردات وأوهام المتوهمين حولها في محله إن شاء الله تعالى. وليعلم أنه لا فرق بين الكم المتصل والمنفصل من حيث الذات وحقيقة الشـيء القابل للاتصاف بهما وماهيته، فإن العدد (وهو الكم المنفصل) هو اعتبار خاص في نفس موضوع الكم المتصل كما بين ذلك في مبحث معرفة حقيقة التوحيد,.
  2. و إن من البديهي أن الامتداد لا يمكن تصور موضوعه إلا في بعدي الزمان والمكان، وعليه فكل ما يمكن أن يوجد لا بد وأن يكون امتداديا متجزيا محدودا زمانيا مكانيا.
  3. وأما قول القائل بإمكان تعدد موجودات مجردة غير متجزية وغير قابلة للانقسام فباطل، وذلك أنا إذا فرضنا مجردات عشـرة مثلا فهي إما أن يكون كل واحد منها محيطا بما دونها من حيث الوجود، أو يكون لكل منها وجود مستقل عن غيرهاو علی كلا التقديرين فلا ريب في كون التسعة منها جزءا من عشـرتها، وكذلك الثمانية والسبعة والخمسة و... منها تكون أجزاء من العشـرة أيضا، وحينئذ فإن لم يكن بين الأجزاء المفروضة من الكل فرق لزم تساوي الأجزاء المتفاوتة، وإن كان بينها فرق بكون الفرد العالي مشتملا على ما يكون السافل فاقدا له، فإنا لا نعني من كون الشـيء متجزيا امتداديا شيئا غير ذلك. مضافا إلى أن القول باستحالة تقسيم أفراد المثال المذكور إلى أكثر من أجزاء عشـرة مستلزم للقول بوجود الجزء الذي لا يتجزئ الباطل في نفسه، أضف إلى ذلك كله أن صحة فرض التقارن والاثنينية بين شيئين يكون متفرعا على كونهما متجزيين كما قال أمير المؤمنين عليه السلام: "ومن قرنه فقد ثناه، ومن ثناه فقد جزأه، ومن جزأه فقد جهله". (بحارالأنوار، ٤ / ٢٤٧ عن نهج البلاغة والاحتجاج). هذا كله من ناحية امتناع وجود الأشياء المتعددة المجردة عن الأجزاء الامتدادية المكانية، وأما القول بتجرد ما يجوز له الوجود والعدم والتعدد والتكثر عن الزمان فبطلانه أوضح من أن يخفى، وذلك أن كل ما يمكن وجوده يكون وجوده بإيجاد غيره، ومن البديهي أن إيجاد الموجود محال، وأن كل ما كان لوجوده ابتداء فهو حادث يجري عليه الزمان. مضافا إلى أن نفس تصور التلازم والمصاحبة بين شيئين يوجب اتصافهما بالزمان، فهذا القول يجرّ صاحبه إلى الالتزام بكون الخالق للزمان زمانيا وهو يريد إثبات مخلوق مجرد عن الزمان!
معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام١٨

الأصل الثالث: إن كل ما یكون موجودا وكل ما یمكن أن یزید علیه یكون محدودا متناهیا دائما لاستحالة وجود اللا متناهي في الامتداد والعدد مطلقا.١

تقریر البرهان:

كل ما یكون موجودا وكل ما یمكن أن نفرضه زائدا علیه، فهو امتدادي متجزئ محدود من كل الجهات، (أي حتى من جهة زمان وجوده، وهو نفس معنى حدوثه) وذلك إما أن یكون تحققه بنفسه أو بغیره، وذلك الشـيء الذى یكون غیره فإما أن یكون مثله أو بخلافه ـأي بخلاف الامتداد والعدد.

أو فقل: إن الشـيء القابل للزیادة والنقصان في الوجود ـ وهو جمیع العالم الذي یلزمه التناهي مطلقا، (أي زمانا ومكانا). فإما یزید وینقص بنفسه، أو بمثله، أو بما یكون بخلافه، فإن الزیادة والنقصان الحقیقیین هما الوجود والعدم لا غیر.

والأول باطل بما بیناه في الأصل الثاني؛ والثاني أیضا باطل للأصل الثالث٢ فالثالث هو المتعین.٣

فبالنتیجة یكون الخالق تبارك وتعالى شیئا بخلاف الأشیاء كلها، ومتعالیا عن قابلیة الاتصاف بالامتداد والأجزاء والعدد، والزمان والمكان، والتناهي وعدم التناهي، والصغر والكبر، والشكل والشبح، والثبات والتغیر، والبساطة والتركب، والوجدان والفقدان، والإطلاق والتقیید، والظهور والخفاء، والشهود والبطون، والتكثر والتعدد، والشدة


  1. أي فردا وأفرادا، وبعبارة أخرى: سواء كان الكم متصلا أم منفصلا، بل لامتناع وجود اللامتناهي مطلقا. (أي امتداديا كان الشـيء أو متعاليا عن الامتداد) كما بین مكررا,.
  2. وذلك لما بيناه من أن كل ما يمكن أن يوجد فهو محدود متناه فردا وأفرادا، فلا شـيء امتدادي هناك يمكن فرض وجوده خارجا عن العالم المحدود المتناهي حتی يمكن استناد العلية والخالقية إليه. مضافا إلى أن الحقيقة الامتدادية لا يمكنها أن تكون خالقةً لغيرها أبدا كما تقدم.
  3. وعليه، فادعاء أصحاب الفلسفة بإمكان قدم الممكن وتجرده، باطل بالبداهة والدليل. وبین تفصيل ذلك في مبحث ملاك المعلولية,.
١٩كیف ولمَ نقرّ بوجود الخالق المتعال؟!

والضعف، والنزول والصعود، والقوة والفعل، والوحدة والكثرة، والولادة والصدور، و...

فإن هذه المعاني تكون من ملكات الأقدار والأشیاء ذوات الأجزاء، فخالق المقادیر المخالف لها بالذات یكون خارجا عن إمكان الاتصاف بها موضوعا.

برهان آخر

إنه یمكن تقریر البرهان بحذف المقدمة الثالثة (أي استحالة اللامتناهي) بأن یقال:

إن تخصیص وجود العالم بكمه وكیفه اللذین خص بهما یكون بغیره، وكل ما یكون بالغیر فهو حادث، فالعالم حادث ویمتنع أن یكون أزلیا.

وبعبارة أخری: إن الحقیقة الامتدادیة لا تكون موجودة إلا في كم وكیف معینین، لاستحالة خروج الامتداد عن كم وكیف معینین؛ ـ وذلك كما أن الشمس مثلا تكون كرویة حارة على عدد معین، وكان یمكنها أن تكون على غیر ذلك العدد والصفات والكیفیات بالنظر إلى ذاتها ـ وتخصصها بذینك الكم والكیف لا یكون باقتضاء ذاتها، وإلا امتنع تحولها عما هي علیها؛ وكل ما لا یكون بالذات فهو بغیره؛ وكل ما یكون بغیره فهو حادث وذو بدء في الوجود، لاستحالة إیجاد الموجود، ولبداهة امتناع التأثیر في الأزلي القدیم بل امتناع كون الزمان بنفسه غیرمتناه.

إن قیل: "إن الحقیقة الامتدادیة لو فرضناها حادثة وموجودة بعد أن لم تكن فلا شك في دلالتها على وجود الخالق، وأما إن فرضناها موجودة أزلا فلا تحتاج إلى وجود الخالق".

قلنا: إن فرض عدم التناهي وأزلیة الوجود للحقیقة الامتدادیة محال بنفس هذا البرهان١وذالك لما قلنا من أن تخصیص وجود العالم بكمه وكیفه اللذین خص بهما یكون بغیره، وكل ما یكون باالغیر فهو حادث فالعالم حادث ویمتنع أن یكون أزلیا.٢


  1. وهذا هو الفارق بين هذا البرهان والبرهان الأول حيث إنه لا نحتاج فيه إلی المقدمة الثالثة أي استحالة اللامتناهي بل يكون ذلك ثابتا هاهنا بنفس البرهان.
  2. ومن هنا يعلم أن "صفة القِدَم" هو كون الشـيء على خلاف الامتداد والعدد والأجزاء والزمان والمكان، لا كونه موجودا في زمن غير متناه. فيكون تقابل الحادث والقديم من حيث تخالفهما وتباينهما في سنخ الذات والحقيقة، وكون أحدهما امتداديا متجزيا والآخر متعاليا عن الامتداد والأجزاء، لا كون أحدهما موجودا في زمن متناه والآخر في زمن غير متناه.
معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام٢٠

ونقول في توضیح الدلیل الثاني: إن ما بأیدینا من الانفعالات تكون علی قسمین:

أحدهما: هو فعل الفاعل المختار ولا شك في أنه یكشف عن وجود فاعله وخالقه القادر علی الفعل والترك ـولا بد وأن یكون هو شیئا بخلاف الأشیاء ومتعالیا عن الامتداد والأجزاء إذا كان موجدا لذوات الأشیاء وماهیاتها وأعیانها الخارجیة دون مجرد التغییر فیها وتحویلها عن صورة إلی أخری كما بیناه.

ثانیهما: هو ما نری من انفعالات الأشیاء غیر القسم الأول ـ وذلك كإحراق النار وإشـراق الشمس وأمثالهما ـ ولا شك في أن هذا القسم حیث لا یكون باقتضاء ذوات الأشیاء ـ وإلا لم یمكن سلبها عن الأشیاء وفرض كونها علی كیفیة أخری ـ فلا بد وأن یستند إلی فعل الفاعل المختار.

قال الله تعالی:

«أَ فِي الله شَكٌ فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْض ؟!»١

فإن كونه مفطورا بمقتضـی ذاته محال.

الإمام الصادق عليه السلام:

«... أمصنوع أنت أم غیر مصنوع؟ فقال عبد الكریم ابن أبي العوجاء: بل أنا غیر مصنوع، فقال له العالم عليه السلام: فصف لي لو كنت مصنوعا كیف كنت تكون؟ فبقي عبد الكریم ملیا لا یحیر جوابا وولع بخشبة كانت بین یدیه وهو یقول: طویل، عریض، عمیق، قصیر، متحرك، ساكن، كل ذلك صفة خلقه.


  1. وتری أنه تعالی يرشدك إلی أن كون السماوات والأرض مفطورا ومنفعلا بفطر فاطر يكون أمرا مفروغا عنه، فهو استدلال عقلي خلافا لمن يتوهم أن الآية تدل علی كون الإقرار بوجود الله تعالی غير عقلي.
٢١كیف ولمَ نقرّ بوجود الخالق المتعال؟!

فقال له العالم عليه السلام: فإن كنت لم تعلم صفة الصنعة غیرها فاجعل نفسك مصنوعا لما تجد في نفسك مما یحدث من هذه الأمور».١

«... فقال أبو عبد الله عليه السلام: أیها الرجل لیس لمن لا یعلم حجة على من یعلم فلا حجة للجاهل. یا أخا أهل مصـر تفهم عني فإنا لا نشك في الله أبدا.

أ ما ترى الشمس والقمر واللیل والنهار یجریان لیس لهما مكان إلا مكانهما فإن كانا یقدران على أن یذهبا ولا یرجعان فَلمَ یرجعان؟ وإن لم یكونا مضطرین فلمَ لا یصیر اللیل نهارا والنهار لیلا؟ اضطرا والله یا أخا أهل مصـر إلى دوامهما، والذي اضطرهما أحكم منهما وأكبر منهما، قال الزندیق صدقت.

ثم قال أبو عبد الله عليه السلامیا أخا أهل مصـر الذي تذهبون إلیه وتظنونه بالوهم فإن كان الدهر یذهب بهم لمَ لا یردهم وإن كان یردهم لمَ لا یذهب بهم؟ القوم مضطرون یا أخا أهل مصـر. السماء مرفوعة والأرض موضوعة لمَ لا تسقط السماء على الأرض؟ ولمَ لا تنحدر الأرض فوق طباقها فلا یتماسكان ولا یتماسك من علیهما؟ فقال الزندیق أمسكهما والله ربهما وسیدهما».٢

«فآمن الزندیق على یدي أبي عبد الله عليه السلام. فقال له حمران بن أعین: جعلت فداك إن آمنت الزنادقة على یدیك فقد آمنت الكفار على یدي أبیك.

فقال المؤمن الذي آمن على یدي أبي عبد الله عليه السلام اجعلني من تلامذتك. فقال أبو عبد الله عليه السلام لهشام بن الحكم: خذه إلیك فعلمه. فعلمه هشام، فكان معلم أهل مصـر وأهل الشام، وحسنت طهارته حتى رضـيبها أبو عبد الله عليه السلام».٣

«ویلك وكیف


  1. الكافي، ١ / ٧٦، بحار الأنوار، ٣ / ٤٦، عن التوحید.
  2. ينبغي التأمل جدا في أنه كيف لم يفحض الأمام عليه السلام عن موارد الاستثناء في عالم الخلق لإثبات وجود الباري تعالی، بل الفت المخاطب إلی إن كل ما نجده يكون من موارد الانفعال والتخصص والاستثناء في الوجود الدال علی وجود الباري الحاكم الحكيم القادر المختار.
  3. الكافي، ١ / ٧٤؛ بحارالأنوار، ٣ / ٥١، عن التوحيد.
معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام٢٢

احتجب عنك من أراك قدرته في نفسك، نشأك ولم تكن، وكبرك بعد صغرك، وقوتك بعد ضعفك، وضعفك بعد قوتك، وسقمك بعد صحتك، وصحتك بعد سقمك، ورضاك بعد غضبك، وغضبك بعد رضاك، وحزنك بعد فرحك، وفرحك بعد حزنك، وحبك بعد بغضك، وبغضك بعد حبك، وعزمك بعد إبائك، وإباءك بعد عزمك، وشهوتك بعد كراهتك، وكراهتك بعد شهوتك، ورغبتك بعد رهبتك، ورهبتك بعد رغبتك، ورجاءك بعد یأسك، ویأسك بعد رجائك، وخاطرك بما لم یكن في وهمك، وعزوب ما أنت معتقده عن ذهنك، وما زال یعد علی قدرته التي هي في نفسـي التي لا أدفعها حتى ظننت أنه سیظهر فیما بیني وبینه».١

«... عن سلمان الفارسـي في حدیث طویل یذكر فیه قدوم الجاثلیق المدینة مع مائة من النصارى وما سأل عنه أبا بكر فلم یجبه ثم أرشد إلى أمیر المؤمنین علي بن أبي طالب علیهما السلام فسأله عن مسائل فأجابه عنها، وكان في ما سأله أن قال له: أخبرني عرفت الله بمحمد أم عرفت محمدا بالله عز وجل؟

فقال علي بن أبي طالب علیهما السلام: ما عرفت الله بمحمد صلی الله علیه و آله ولكن عرفت محمدا بالله عز وجل حین خلقه وأحدث فیه الحدود من طول وعرض فعرفت أنه مدبر مصنوع باستدلال وإلهام منه وإرادة كما ألهم الملائكة طاعته وعرفهم نفسه بلا شبه ولا كیف».٢

«سئل أمیر المؤمنین عليه السلام: بم عرفت ربك؟ قال: بما عرّفني نفسه، قیل: وكیف عرّفك نفسه؟ قال: لا یشبهه صورةٌ ولا یحسّ بالحواس، ولا یقاس بالناس، قریب في بعده، بعید في قربه، فوق كل شـيء ولا یقال شـيء فوقه، أمام كل


  1. التوحيد، ١٢٧.
  2. التوحيد، ٢٨٦.
٢٣كیف ولمَ نقرّ بوجود الخالق المتعال؟!

شـيء ولا یقال له أمام، داخل في الأشیاء لا كشـيء داخل في شـيء، وخارج من الأشیاء لا كشـيء خارج من شـيء، سبحان من هو هكذا ولا هكذا غیره».١

وقال الشیخ الصدوق رحمه الله:

«قال مصنف هذا الكتاب القول الصواب في هذا الباب هو أن یقال عرفنا الله بالله لأنا إن عرفناه بعقولنا فهو عز وجل واهبها وإن عرفناه عز وجل بأنبیائه ورسله وحججه ^ فهو عز وجل باعثهم ومرسلهم ومتخذهم حججا وإن عرفناه بأنفسنا فهو عز وجل محدثها فبه عرفناه.

وقد قال الصادق عليه السلام لو لا الله ما عرفنا ولو لا نحن ما عرف الله.

ومعناه لو لا الحجج ما عرف الله حق معرفته ولو لا الله ما عرف الحجج.

وقد سمعت بعض أهل الكلام یقول لو أن رجلا ولد في فلاة من الأرض ولم یر أحدا یهدیه ویرشده حتى كبر وعقل ونظر إلى السماء والأرض لدله ذلك على أن لهما صانعا ومحدثا. فقلت إن هذا شـيء لم یكن وهو إخبار بما لم یكن أن لو كان كیف كان یكون ولو كان ذلك لكان لا یكون ذلك الرجل إلا حجة الله تعالى ذكره على نفسه كما في الأنبیاء ^ منهم من بعث إلى نفسه ومنهم من بعث إلى أهله وولده ومنهم من بعث إلى أهل محلته ومنهم من بعث إلى أهل بلده ومنهم من بعث إلى الناس كافة.

وأما استدلال إبراهیم الخلیل عليه السلام بنظره إلى الزهرة، ثم إلى القمر، ثم إلى الشمس، وقوله:"فَلَمَّا أَفَلَتْ قالَ یا قَوْمِ إِنِّي بَرِی ءٌ مِمَّا تُشـركُونَ" فإنه عليه السلام كان نبیا ملهما مبعوثا مرسلا وكان جمیع قوله بإلهام الله عز وجل إیاه وذلك قوله عز وجل "


  1. الوافي، ١ / ٣٤٠، نقلا عن الكافي، ١ / ٨٥.
معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام٢٤

وَتِلْكَ حُجَّتُنا آتَیناها إِبْراهِیمَ عَلى قَوْمِهِ".

ولیس كل أحد كإبراهیم عليه السلام، ولو استغنى في معرفة التوحید بالنظر عن تعلیم الله عز وجل وتعریفه لما أنزل الله عز وجل ما أنزل من قوله:"فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا الله" ومن قوله:"قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ" إلى آخرها. ومن قوله:"بَدِیعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى یكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صاحِبَةٌ" إلى قوله:"وَهُوَ اللَّطِیفُ الْخَبِیرُ" وآخر الحشـر وغیرها من آیات التوحید».١

وقال السید هاشم البحراني رحمه الله تعالی:

«واعلم أیها الأخ أن بعض العلماء ذهب إلی أن معرفة الله فطریة ضـروریة، وبعضهم إلی أنها ثابتة بالاستدلال.

والصحیح الثاني، فإنها ثابتة بالاستدلال وإن كان دلیلها وجداني، وهي الآیات المنصوبة من السماء والأرض وما فیهما وما بینهما. فإن جمیع المشاهدات وجمیع المحسوسات دالة علی وجوده دلالة بینة واضحة منیرة منكشفة."إن في ذلك لذكری لمن كان له قلب أو القی السمع وهو شهید".جعلنا الله وإیاكم من ذكر فنفعته الذكری٢.

وهذه الطرق التي ذكرناها عن أهل العصمة ^ طرق واضحة الاستدلال، براهین تفید العلم محتاجة إلی إبطال الدور والتسلسل وما أحسن قول السید العارف العالم ابن طاووس في وصیته لابنه قال: وإیاك وطریق المعتزلة فإنهم بعدوا القریب وعلیك بكتاب الله ونهج البلاغة وكتاب الحجة وكتاب المفضل بن عمر».٣


  1. التوحيد، ٢٨٨.
  2. المعالم الزلفی، ١٩.
  3. المعالم الزلفی، ٢١.
٢٥كیف ولمَ نقرّ بوجود الخالق المتعال؟!

فإن من الواضح أن ابن طاووس رحمه الله تعالی أیضا لم ینكر أن تكون معرفة الله تعالی بالاستدلال، ولم یذهب إلی طریق التجرد والكشف والشهود كالفلاسفة والعرفاء والمفكّكین، بل هو أیضا كالبحرانی رحمه الله تعالی قال إن الأدلة العقلیة فی ذلك واضحة وجدانیة ولا نحتاج إلی سلوك الطرق الغامضة الموهونة المصنوعة بید الفلاسفة والعرفاء المنحرفین.

وعلی هذا فالمعرفة الفطریة والقلبیة لیست شیئا في عرض المعرفة العقلیة، ولیس هي بمعنی شهود ذات الله تعالی من طریق غیر دلالة العقل الواضحة كما زعمه بعض البسطاء.

الإمام الكاظم عليه السلام:

«يا هشام إن الله يقول: إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ، يعني: العقل، وقال وَلَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الْحِكْمَةَ قال الفهم والعقل ».١

فإن شأن القلب هو التدبر والتعقل وتفقه البیان والإنذار، لا وجدان وشهود ذات الله تعالی بالعلم الحضوري الذي لیس إلا مبنیا علی وحدة وجود العالم والمعلوم، والعقل والمعقول، والخالق والمخلوق، تعالی الله عن ذلك علوا كبیرا. وقد قال الله تعالى:

«أَ فَلَمْ یسِیرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ یعْقِلُونَ بِها».٢

«لَهُمْ قُلُوبٌ لا یفْقَهُونَ بِها».٣

«فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ خَتَمَ اللَهُ على قُلُوبِهِمْ».٤

«أَ فَلا ی


  1. تحف العقول، ٣٨٦، بحارالأنوار، ١ / ١٣٥.
  2. الحج (٢٢): ٤٦.
  3. الأعراف (٧)، ١٧٩.
  4. البقرة (٢)، ٧.
معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام٢٦

تَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها».١

«فَإِنَّها لا تَعْمَى الأبصار وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ».٢

«لا یؤاخِذُكُمُ الله بِاللَّغْوِ فِي أَیمانِكُمْ وَلكِنْ یؤاخِذُكُمْ بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُم ».٣

«نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِینُ عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِینَ بِلِسانٍ عَرَبِي مُبِین ».٤

وعن أَبي جعفر عليه السلام في قوله:

«لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها».^٧٥

«یقول: طبع الله علیها فلا تعقل».٥

وعن أبي عبد الله عليه السلام:

«فأَلهمَها فُجورَها وَتقوَاها. قال: بیّن لها ما تأتي وما تترك.

وقال:«إِنَّا هَدَیناهُ السَّبِیلَ إِمَّا شاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً قَالَ عَرَّفْنَاهُ إِمَّا آخِذٌ وَإِمَّا تَارِكٌ.

وعن قوله: وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَیناهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى عَلَى الْهُدى .

قَالَ:«عَرَّفْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى وَهُمْ یعْرِفُونَ.َ

وفِي رِوَایةٍ:«بَینَّا لَهُمْ».٦

الإمام أمیر المؤمنین


  1. محمد (٤٧)، ٢٤.
  2. الحج (٢٢): ٤٦.
  3. البقرة (٢)، ٢٢٥.
  4. الشعراء (٢٦)، ١٩٤.
  5. بحارالأنوار، ٥ / ١٩٧، عن تفسير القمي .
  6. الكافي، ١ / ١٦٣.
٢٧كیف ولمَ نقرّ بوجود الخالق المتعال؟!

عليه السلام:"ولا قلب من أثبته یبصـره":

«دلت علیه أعلام الظهور، وامتنع على عین البصیر، فلا عین من لم یره تنكره، ولا قلب من أثبته یبصـره... لم یطلع العقول على تحدید صفته، ولم یحجبها عن واجب معرفته، فهو الذي تشهد له أعلام الوجود على إقرار قلب ذي جحود».١

وقال الشیخ الصدوق أعلی الله مقامه:

«اعتقادنا في الفطرة والهدایة أن الله عز وجل فطر جمیع الخلق على التوحید:

وذلك قوله عز وجل: فِطْرَتَ الله الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَیها. وَقَالَ الصَّادِقُ عليه السلام فِي قَوْلِ الله عَزَّ وَجَلَّ: وَما كانَ الله لِیضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَداهُمْ حَتَّى یبَینَ لَهُمْ ما یتَّقُونَ، قَالَ: حَتَّى یعَرِّفَهُمْ مَا یرْضِیهِ وَمَا یسْخِطُهُ. وَقَالَ فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها، قَالَ: بَینَ لَهَا مَا تَأْتِي وَمَا تَتْرُكُ. وَقَالَ فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: إِنَّا هَدَیناهُ السَّبِیلَ إِمَّا شاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً قَالَ عَرَّفْنَاهُ إِمَّا آخِذاً وَإِمَّا تَارِكاً. وَفِي قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَیناهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى عَلَى الْهُدى، قَالَ: وَهُمْ یعْرِفُونَ».٢

عن أبي عبد الله عليه السلام:

«قَوْلُهُ فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها، قَالَ: مَعْرِفَةُ الْحَقِّ مِنَ الْبَاطِل ».٣

قال السید المرتضى رضـي الله عنه في الغرر والدرر:

«أنه یحول بین المرء وقلبه بإزالة عقله وإبطال تمیزه وإن كان حیا وقد یقال لمن فقد عقله وسلب تمییزه إنه بغیر قلب، قال تعالى: إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ».٤


  1. بحار الأنوار، ٤ / ، عن نهج البلاغة، ٣٠٨.
  2. بحار الأنوار، ٥ / ١٩٦، عن العقائد.
  3. بحار الأنوار، ٢٤ / ٧٢. عن كنز جامع الفوائد وتأويل الآيات الظاهرة.
  4. التوحيد، ٤٣٢، بحار الأنوار، ٥ / ٢٠٦.
معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام٢٨

بل للعلم والجهل حد واضح، والقول بالعلم الحضوري من التحریفات الواضحة الفاضحة لمعنی العلم عن حقیقته، وعلم الله تعالی بخلقه لیس حصولیا ولا حضوریا قطعا، لامتناع حصول صور الأشیاء أو نفس ذواتها في ذات الله تعالی:

«قال: عمران يا سيدي هل كان الكائن معلوما في نفسه عند نفسه؟ قال الرضا عليه السلام: إنما تكون المعلمة بالشي ء لنفي خلافه وليكون الشـي ء نفسه بما نفي عنه موجودا ولم يكن هناك شـي ء يخالفه فتدعوه الحاجة إلى نفي ذلك الشـي ء عن نفسه بتحديد علم منها. أ فهمت يا عمران؟ قال: نعم والله يا سيدي، فأخبرني بأي شـي ء علم ما علم، أ بضمير أم بغير ذلك؟

قال الرضا عليه السلام: أ رأيت إذا علم بضمير هل تجد بدا من أن تجعل لذلك الضمير حدا ينتهى إليه المعرفة؟ قال عمران: لا بد من ذلك.

قال الرضا عليه السلام: فما ذلك الضمير؟ فانقطع ولم يحر جوابا.

قال الرضا عليه السلام: لا بأس إن سألتك عن الضمير نفسه تعرفه بضمير آخر؟ فقال الرضا عليه السلام: أفسدت عليك قولك ودعواك يا عمران. أ ليس ينبغي أن تعلم أن الواحد ليس يوصف بضمير؟ وليس يقال له أكثر من فعل وعمل وصنع، وليس يتوهم منه مذاهب وتجزئة كمذاهب المخلوقين وتجزئتهم؟ فاعقل ذلك، وابن عليه ما علمت صوابا».١

«قال الرضا عليه السلام: واعلم أنه لا يكون صفة لغيـر موصوف، ولا اسم لغيـر معنى، ولا حد لغير محدود، والصفات والأسماء كلها تدل على الكمال والوجود ولا تدل على الإحاطة، كما تدل على الحدود التي هي التربيع والتثليث والتسديس، لأن الله عز وجل وتقدس تدرك معرفته بالصفات والأسماء، ولا تدرك بالتحديد بالطول والعرض والقلة والكثرة واللون والوزن وما أشبه ذلك، وليس يحل بالله جل وتقدس شـي ء من ذلك حتى يعرفه خلقه بمعرفتهم أنفسهم بالضـرورة التي ذكرنا. ولكن يدل على الله عز وجل بصفاته ويدرك بأسمائه ويستدل عليه بخلقه حتى لا يحتاج في ذلك الطالب المرتاد إلى رؤية عين ولا استماع أذن ولا لمس كف ولا إحاطة بقلب.

فلو كانت صفاته جل ثناؤه لا تدل عليه وأسماؤه لا تدعو إليه، والمعلمة من


  1. التوحيد، ٤٣١، وقریب منه: بحار الأنوار، ١٠/ ٣١١ ـ٣١٢.
٢٩كیف ولمَ نقرّ بوجود الخالق المتعال؟!

الخلق لا تدركه لمعناه، كانت العبادة من الخلق لأسمائه وصفاته دون معناه.

فلو لاأن ذلك كذلك لكان المعبود الموحد غير الله تعالى، لأن صفاته وأسماءه غيره، أ فهمت؟ قال: نعم يا سيدي زدني.

قال الرضا عليه السلام: إياك وقول الجهال أهل العمى والضلال الذين يزعمون أن الله عز وجل وتقدس موجود في الآخرة للحساب والثواب والعقاب وليس بموجود في الدنيا للطاعة والرجاء ولو كان في الوجود لله عز وجل نقص واهتضام لم يوجد في الآخرة أبدا ولكن القوم تاهوا وعموا وصموا عن الحق من حيث لا يعلمون، وذلك قوله عز وجل وَمَنْ كانَ فِي هذِهِ أَعْمى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمى وَأَضَلُّ سَبِيلًا، يعني أعمى عن الحقائق الموجودة وقد علم ذوو الألباب أن الاستدلال على ما هناك لا يكون إلا بما هاهنا ومن أخذ علم ذلك برأيه وطلب وجوده وإدراكه عن نفسه دون غيرها لم يزدد من علم ذلك إلا بعدا لأن الله عز وجل جعل علم ذلك خاصة عند قوم يعقلون ويعلمون ويفهمون».١

وتأتي للبحث تتمة كاملة٢ إن شاء الله تعالی.


  1. التوحيد، ٤٣٨.
  2. ویسمّي العلامة الحلي رحمه الله ذلک فطري القیاس لا الحضور والکشف والشهود الموهوم ویقول: إنه تعالى لم يجعل لكل الناس القوة القدسية التي تكون علومهم معها فطرية القياس فتكون القوة الوهمية والشهوية والغضبية مغلوبة دائما وهذا ظاهر فإنه لم ينقل في عصـر من الأعصار ذلك. وقال: فلا بد في كل زمان من إمام معصوم يعرف سبل السلام وتلك الطرق اليقينية وتكون آيات الكتاب بالنسبة إليه نورا لأنه لا شـيء في الهداية مثل النور فإنه يفيد الإبصار اليقيني الذي لا يقبل الشك فلهذا شبه طرق الكتاب وذلك لا يمكن إلا للمعصوم الذي نفسه قدسية يكون العلوم بالنسبة إليها من قبيل فطرية القياس وهذا هو الحق. وقال: ... الرابعة العلم بكون الإمام حجة مساو للعلم بتمايز أحكام الشـرعية وهو ممنوع لجواز كون العلم بكون الإمام حجة أظهر فإن النتائج التي من مقدمات يقينية أشد علما وأكبر من مقدمات غير يقينية والتحقيق أن العلم بكون الإمام حجة من قبيل فطرية القياس.
معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام٣٠

المرحلة الثالثة إیضاح البرهان وأصولِه ونتائجِه

تبیین الأصل الأول (وهو أن كل ما يمكن أن يوجد يكون عدديا امتداديا متجزيا محدودا):

إن كل ما نراه وندركه ویمكن أن نتصوره من الأشیاء والموجودات یجوز علیه التغیر والزوال والتحول عما هو علیه إلى غیره، ویمكن فرض الزیادة علیه

٣١كیف ولمَ نقرّ بوجود الخالق المتعال؟!

والنقصان منه١ بالنظر إلى ذاته٢ وكل ما كان كذلك فیكون حقیقة امتدادیة، متجزیة، وماهیة عددیة یستوي له الوجود والعدم٣ بداهة أن الزیادة والنقصان لا یمكن أن یتصور إلا في الامتداد والعدد، ولا یتحقق موضوعهما إلا في الحقیقة ذات الأجزاء والأبعاض.٤

فلا نعقل شیئا موجودا ـ لا تصورا ولا خارجا٥ ـ إلا في الامتداد والأجزاء والعدد٦ والحكم بذلك بدیهي وجداني لا یحتاج إلى أي برهان، وأضف إلى ذلك:

١. إن كل ما یمكن أن یوجد فهو قابل لوصف الانقسام والمساواة والتعدد، ـ وذلك أنه قابل لفرض الزیادة علیه، وكل ذلك یكون من خواص الكم ویتفرع على وجود الامتداد والأجزاء بالبداهة.

٢. إن ما یمكن أن یوجد یمتنع أن یتحقق مبهما ولا یوجد إلا بالتشخص والتعین بالحدود الوجودیة، والتشخص والتمیز لا یتصور أن یتحقق إلا بالامتداد والأجزاء، فلا یتحقق شـيء إلا متجزیا امتدادیا.

الإمام المجتبى عليه السلام:

«


  1. إن جواز التغير والزوال والتحول عما هو عليه الشـيء إلى غيره يكون آية حدوثه.
  2. أضف إلى بداهة هذا الحكم أن تصور الزيادة على وجود الشـيء لو كان ممتنعا لذاته لامتنع تصور وجود الفرد الأول منه أيضا، ـ فإن حكم الأمثال واحد ـ وحيث إنه لم يمتنع تصور وجود الفرد الأول منه ـ بل يكون بعض أفراده موجودا عينا وخارجا ـ فهو قابل للتكرار والزيادة والنقصان، فهو عددي.
  3. وإن من البديهي أن الذات العددية والحقيقة الامتدادية القابلة للزيادة والنقصان، لهي قابلة للوجود والعدم، فإن الزيادة والنقصان الحقيقيين ليسا إلا الوجود والعدم نفسهما.
  4. إن كون الشـيء ذا امتداد وأجزاء وأبعاض، هو ملاك كونه حادثا وقابلا للتغير والتحول والزيادة والنقصان والوجود والعدم.
  5. حتى الزمان والمكان، ولو على تقدير كونهما جوهرين لا صفتين.
  6. وأما في مورد موضوع اجتماع النقيضين وارتفاعهما وما يشبهه، فليس ذاك إلا حكم العقل بالامتناع والارتفاع على الأمور المتصورة الامتدادية، ولا حكم هناك أيضا إلا على ما يوجد في الامتداد والعدد، كما أن ما لا يقبل الوجود استقلالاً كالعلم القائم بالعالم أيضا ـ مع الغض عن الجهل بحقيقته ـ ليس إلا موجودا في الامتداد والعدد وقابلاً للزياده والنقصان والوجود والعدم.
معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام٣٢

الحمد لله الذي لم یكن له... شخص فیتجزی، ولا اختلاف صفة فیتناهی».١

الإمام الصادق عليه السلام:

«فهو الواحد الذي لا واحد غیره لأنه لا اختلاف فیه».٢

٤. إنه یشهد لهذا الحكم الوجداني البرهاني أنك لا تجد أحدا أثبت وجود شـيء مطلقا، إلا اعتقد فیه الامتدادیة ـ متناهیا فرضه أم غیر متناه ـ حتى أنهم وصفوا بها الذات المتعالیة!!٣ وهو واضح من موارد ما أتينابها من شواهد كلامهم وتوضیح مرامهم في مواضع كثیرة.

٥. دلالة مضمون الأدلة الشـرعیة القطعیة الخارجة عن حد الإحصاء على استحالة تحقق الموجود المجرّد عن الامتداد مطلقا، ویأتي تفصیل البحث عن ذلك إن شاء الله تعالى في مبحث " أسطورة المجردات".

الإمام الجواد عليه السلام:

«إن ما سوى الواحد متجزئ، والله واحد لا متجزئ ولا متوهم بالقلة والكثرة، وكل متجزئ أو متوهم بالقلة والكثرة فهو مخلوق دالّ على خالق له».٤


  1. بحار الأنوار، ٤ / ٢٨٩، عن التوحید.
  2. بحار الأنوار، ٣/ ١٩٦، ذَكَرَ السَّيِّدُ ابْنُ طَاوُسٍ قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ فِي كِتَابِ النُّجُوم*.
  3. وإن رأيت بعض أصحاب المدارس البشـرية يجتنبون عن التصـريح بذلك أحيانا، فليس ذلك منهم إلا غفلة عما تقضـي به مبانيهم، أوحفظا لكلمة التوحيد الدائرة على ألسن أهل الأديان والشـرائع، أووفقا لما تحكم به بداهة قياسات عقولهم المفطورة بها أنفسهم من لزوم تباين وجود الخالق والمخلوق، ووجوب تعالى ذات الإله المعبود عن وجود مخلوقاته ومصنوعاته.
  4. بحار الأنوار، ٤/ ١٥٣، عن الاحتجاج.
٣٣كیف ولمَ نقرّ بوجود الخالق المتعال؟!

الإمام الباقر عليه السلام:

«إنما یعقل ما كان بصفة المخلوق ولیس الله كذلك».١

فكل ما سوى الله تعالى مخلوق امتدادي متجزئ، فإن صفة الصنعة لیست إلا ذلك:

الإمام الصادق عليه السلام:

«... أمصنوع أنت أم غیر مصنوع؟ فقال عبد الكریم ابن أبي العوجاء: بل أنا غیر مصنوع، فقال له العالم عليه السلام: فصف لي لو كنت مصنوعا كیف كنت تكون؟ فبقي عبد الكریم ملیا لا یحیر جوابا وولع بخشبة كانت بین یدیه وهو یقول:

طویل، عریض، عمیق، قصیر، متحرك، ساكن، كل ذلك صفة خلقه، فقال له العالم عليه السلام: فإن كنت لم تعلم صفة الصنعة غیرها فاجعل نفسك مصنوعا لما تجد في نفسك مما یحدث من هذه الأمور».٢

بیان الأصل الثاني (وهو: أن كل ما یمكن أن یوجد فلا بد لوجوده من خالق وموجد):

الزیادة والنقصان في الذات الامتدادیة ـ أو الوجود والعدم لها ـ لیس إلا بالفاعل الموجد والمعدم، فلا یصبح العدم بنفسه وجودا والوجود عدما أبدا بالبداهة.

قال الله تبارك وتعالى:

«أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْ ء؟!»٣

الإمام الصادق عليه السلام:

«إنك تعلم أن المعدوم لا یحدث شیئا».٤

«ولا بد


  1. بحار الأنوار، ٤/ ٦٩، عن التوحید.
  2. الكافي، ١ / ٧٦، بحار الأنوار، ٣ / ٤٦، عن التوحید.
  3. الطور (٥٢): ٣٥.
  4. بحار الأنوار، ٣/ ٥٣، عن التوحید.
معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام٣٤

للمخلوق من الخالق».١

«فما لیس بشـيء لا یقدر على أن یخلق شیئا وهو لیس بشـيء».٢

«مع أنا لم نجد بناء من غیر بان، ولا أثرا من غیر مؤثر، ولا تألیفا من غیر مؤلف».٣

«ألا ترى أنك إذا نظرت إلى بناء مشید مبني علمت أن له بانیا وإن كنت لم تر الباني ولم تشاهده؟»٤

«لو رأیت تمثال إنسان مصورا على حائط، فقال لك قائل: إن هذا ظهر هاهنا من تلقاء نفسه لم یصنعه صانع، أكنت تقبل ذلك؟ بل كنت تستهزئ به، فكیف تنكر هذا في تمثال مصور جماد ولا تنكر في الإنسان الحي الناطق».٥

«فلم یكن بد من إثبات الصانع لوجود المصنوعین والاضطرار منهم إلیه أنهم مصنوعون».٦

«كیف یخلق لا شـيء شیئا؟!»٧

*هل هناك مانع منالأخذ ببراهین الكتاب والسنة قبل اثبات الله تعالی أم لا؟!

ولا مجال للإشكال في الأدلة الشـرعیة المشار إلیها بأن یقال: "إنها ظنیة"،

وذلك لكثرتها المذكورة بحیث یحصل القطع بصدور مضمونها ـ


  1. *بحار الأنوار، ٤/ ٥٤.
  2. بحار الأنوار، ١٠/ ١٨٢، عن الاحتجاج.
  3. بحار الأنوار، ١٠/ ١٨٢، عن معاني الأخبار.
  4. بحار الأنوار، ١٠/ ١٩٥، عن التوحید.
  5. بحار الأنوار، ٣/ ٨٨، الخبر المروي عن المفضل بن عمر في التوحيد.
  6. بحار الأنوار، ٣/ ١٩٦، عن التوحید.
  7. بحار الأنوار، ٣/ ١٥٨، الخبر المروي عن المفضل بن عمر في التوحيد المشتهر بالإهليلجة.
٣٥كیف ولمَ نقرّ بوجود الخالق المتعال؟!

بل إن وجوب التسلیم عند مضامینها من ضـروریات الدین ـ لمن راجع عشـر أعشار ما ورد من النصوص والخطب الواردة لبیان توحید الباري جل وعلا في نهج البلاغة والصحیفة السجادیة والكافي والتوحید والمحاسن والبحار و... وعلى هذا فیكون النظر في أسناد تلك الأدلة من الغفلة بل الخبط جدا.

هذا كله، مع غض النظر عن اشتمال تلك النصوص على براهین قطعیة جلیة غالبا بحیث لا یقاس بها غیرها من الأدلة التى أقامتها الأفكار البشـریة لإثبات المعارف الإلهیة إلا ظلما عدوانا وجورا واعتسافا.

كما أنه لا یرد الإشكال فیها بأن یقال: "لا یجوز التعبد بقول الغیر في المعارف العقلیة لاستلزامه الدور"، لأنه إذا كان مدعي الإمامة والتقدم على غیره ذا كمالات یثبت بها تقدمه على غیره، یحكم العقل بوجوب اتباعه. ومن الكمالات المذكوره هي نفس ما یصدر عنه بعنوان الإعجاز لا من حیث كون ذلك فعلا إلهیا حتى یلزم الدور، بل من حیث دلالة المعجزة المذكورة على كمال صاحبها وكونه مقدما على غیره من حیث العلم والقدرة.

بل یمكن أن یقال: "إن وجود الخالق تعالی وحجیة الحجج ^یثبتان معا في مرتبة واحدة بإرائة الإعجاز ـ ولو بعنوان أنه فعل الهي ـ من مدعي مقام الحجیة، ولا یكون إثبات حجیة الحجّة متوقفة على إثبات وجود الخالق تعالى قبل ذلك حتى یتوهم منه لزوم الدور.

والتامل في سیرة الحجج الإلهیة في هدایة الأمم إلى معرفة الخالق تعالی یقضـيبأن أمر الهدایة الإلهیة استقر على هذا الوجه، ولم یكن الناس یهتدون إلى معرفة خالقهم قبل معرفتهم السفراء الإلهیة، حتى یحثهم ذلك إلى الفحص عن وجود حججه بعد ذلك.

إن قلت: إنا إذا أثبتنا وجود الخالق تعالی وكونه حكیما لا یصدر عنه القبیح، یلزم منه أن لا یصدّق مدعي النبوة والإمامة كذبا، وأما في المقام فلا دلیل على امتناع صدور

معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام٣٦

الكذب والقبیح عن الشخص المذكور.

قلت: إن مدعي التقدم على غیره إذا أثبت لنفسه علما وقدرة لا یحتاج معهما إلى غیره، فلا یصدر عنه الكذب والقبیح بنفس ما دل على كون الخالق تبارك وتعالى منزها عنهما ـ وهو كونه تعالى عالما قادرا غنیا عن غیره ـ.

فقد ثبت بهذا البیان وجوب التسلیم عند نصوص مكتب الوحي، ولزوم اتباع أهله مطلقا بلا فرق في ذلك بین الأصول الاعتقادیة وغیرها، ولا یلزم الدور في شـيء منهما أصلا. ومع هذا كله لا یخفى أنا لا نحتاج إلى هذه المرحلة أصلا، لأن الأصول الاعتقادیة في مكتب الوحي مبینة ببراهین لا نحتاج معها إلى التعبد فیها أبدا، بل هم البرهان الواقعي فقط وما سواهم أوهام وشبهات:

يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمْ بُرْهانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ نُوراً مُبيناً.١

قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقينَ.٢

قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ هذا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلي بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ.٣

قُلْ قَدْ جاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلي بِالْبَيِّناتِ وَ بِالَّذي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقينَ.٤

قُلْ إِنِّي نُهيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ الله لَمَّا جاءَنِي الْبَيِّناتُ مِنْ رَبِّي وَ أُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ الْعالَمينَ.٥

كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشـرينَ وَ مُنْذِرينَ وَ أَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتابَ


  1. النساء (٤): ١٧٤.
  2. البقرة (٢): ١١١.
  3. الأنبیاء (٢١): ٢٤.
  4. آل عمران (٣): ١٨٣.
  5. الغافر(٤٠): ٦٦.
٣٧كیف ولمَ نقرّ بوجود الخالق المتعال؟!

بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فيمَا اخْتَلَفُوا فيهِ وَ مَا اخْتَلَفَ فيهِ إِلاَّ الَّذينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَ اللَّهُ يَهْدي مَنْ يَشاءُ إِلى صـراطٍ مُسْتَقيمٍ.١

فَقَدْ جاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَ هُدىً وَ رَحْمَةٌ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآياتِ الله وَ صَدَفَ عَنْها سَنَجْزِي الَّذينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آياتِنا سُوءَ الْعَذابِ بِما كانُوا يَصْدِفُونَ.٢

لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَ يَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَ إِنَّ الله لَسَميعٌ عَليمٌ.٣

أَ فَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَ يَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنه.٤

أَ فَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَ اتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ.٥

تبیین النكتة القادمة (وهو أن الحقيقة الامتدادية لا يمكن أن تكون خالقة وموجدة أبدا)

الحقیقة الامتدادیة المتجزیة العددیة، تكون محدودة بحدود أجزائها المعینة، فلا یمكنها أن تضیف على نفسها شیئا بالبداهة، فلا تكون موجدةً ومعدمةً لشـيء أبدا.

فإن إدعاء: "زیادة الشـيء أو نقصانه بنفسه"، مساو لادعاء: "كونه موجدا ومعدما لغیره"، ولا اختلاف بینهما إلا بالاعتبار، حیث إن الشـيء المتجزئ إن فرضنا أنه وجد


  1. البقرة (٣): ٢١٣.
  2. الأنعام (٦): ١٥٧.
  3. الأنفال (٨):٤٢.
  4. هود (١١): ١٧.
  5. محمد (٤٧): ١٤.
معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام٣٨

زائدا علیه شـيء آخر، فكما یصح لنا أن نقول: "إنه زیدَ علیه بلا علة سوى نفسه"، كذلك یصح لنا أن نعبّر عن ذلك بقولنا: "إنه أوجد شیئا آخر زائدا على نفسه".

بل لا اختلاف بین التعبیرین المذكورین وبین أن نقول: "إنه قد وجد هناك شـيء ولا علة له سوى نفسه!!" إلا بالاعتبار. وذلك أنه إذا جاز أن یوجد شـيء بلا استناد إلى إیجاد الخالق المتعال، فلا فرق في ذلك بین أن ننظر إلى شـيء كان هناك من قبل في جنبه أم لا، كما أنه لا فرق في ذلك بین أن نعتبر أحدهما علة للآخر أم لا.

القرآن الكریم:

«ِنَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ الله لَنْ يَخْلُقُوا ذُباباً وَ لَوِ اجْتَمَعُوا لَه».١

«أَمْ هُمُ الْخالِقُون؟!»٢

الإمام الرضا عليه السلام:

«كیف ینشـيء الأشیاء من لا یمتنع من الإنشاء».٣

«لعجز كل مبتدء عن ابتداء غیره».٤

«فكلّ ما في الخلق لا یوجد في خالقه، وكل ما یمكن فیه یمتنع في صانعه... إذاً لتفاوتت أجزاؤه».٥

الإمام أمیر المؤمنین عليه السلام:

«ولو اجتمع جمیع حیوانها من طیرها وبهائمها وما كان من مراحها وسائمها وأصناف أسناخها وأجناسها وأكیاسها، على إحداث بعوضة ما قدرت على إحداثها، ولا عرفت كیف السبیل


  1. الحج (٢٢): ٧٣.
  2. الطور (٥٢): ٣٥.
  3. بحار الانوار، ٤/ ٢٣٠، عن التوحید والعیون.
  4. بحار الأنوار، ٤/ ٢٢٨، عن التوحید والعیون.
  5. بحار الأنوار، ٤/ ٢٣٠، عن التوحید والعیون.
٣٩كیف ولمَ نقرّ بوجود الخالق المتعال؟!

إلى إیجادها ولتحیرت عقولها في علم ذلك وتاهت، وعجزت قواها وتناهت، ورجعت خاسئة حسیرة... مقرّة بالعجز عن إنشائها، مذعنة بالضعف عن إفنائها».١

الإمام الصادق عليه السلام:

«فما لیس بشـيء لا یقدر أن یخلق شیئا وهو لیس بشـيء، كذلك ما لم یكن فیكون شیئا یسأل فلا یعلم كیف كان ابتداؤه».٢

الإمام الكاظم عليه السلام:

«لا یكون شـيء في السماوات والأرض إلا بسبعة بقضاء وقدر وإرادة ومشیئة وكتاب وأجل وإذن. فمن قال غیر هذا فقد كذب على الله ، أو ردّ على الله عز وجل».٣

الإمام الرضا عليه السلام:

«لشهادة العقول أن كل صفة وموصوف مخلوق، وشهادة كل موصوف أن له خالقا لیس بصفة ولا موصوف».٤

«بتشعیره المشاعر عرف أن لا مشعر له، وبتجهیره الجواهر عرف أن لا جوهر له،... ففرق بها بین قبل وبعد لیعلم أن لا قبل له ولا بعد، شاهدة بغرائزها أن لا غریزه لمغرزها».٥

«... یونس بن عبد الرحمن عن أبي الحسن الرضا عليه السلام قال: قلت: لا یكون إلا ما شاء الله وأراد وقضى؟ فقال: لا یكون إلا ما شاء الله وأراد وقدر وقضى. قال: قلت: فما معنى شاء؟ قال: ابتداء الفعل. قلت: فما معنى أراد؟ قال: الثبوت علیه. قلت: فما معنى قدر؟ قال: تقدیر الشـيء من طوله وعرضه. قلت: فما معنى قضى؟ قال: إذا قضاه أمضاه، فذلك الذي لا مرد ّ له».٦


  1. الاحتجاج ٤/ ٢٥٥.
  2. بحار الأنوار، ١٠/ ١٨٢، عن الاحتجاج.
  3. الخصال، ٢ / ٣٥٩؛ بحار الأنوار، ٥ / ٨٨؛ الكافي، ١ / ١٥٠.
  4. بحار الأنوار، ٤/ ٢٢٨، عن التوحيد والعيون.
  5. بحار الأنوار، ٤/ ٢٢٨، عن التوحيد والعيون.
  6. المحاسن، ١ / ٢٤٤، بحار الأنوار، ٥ / ١٢٢.
معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام٤٠

فلا یكون الموجد والمعدم إلا ما هو بخلاف الامتداد:

قال الله تعالى:

«قل أرأیتم شـركائكم الذین تدعون من دون الله أروني ما ذا خلقوا من الأرض أم لهم شـرك في السموات»؟١

«أم جعلوا لله شـركاء خلقوا كخلقه فتشابه الخلق علیهم قل الله خالق كل شـيء وهو الواحد القهار».٢

«یا عیسى أنا ربك ورب آبائك الأولین، اسمي واحد وأنا الأحد المتفرد بخلق كل شـيء، وكل شـيء من صنعي وكل إلي راجعون».٣

الإمام أمیر المؤمنین عليه السلام:

«انفرد بصنعه الأشیاء، فأتقنها بلطائف التدبیر».٤

الإمام الحسین عليه السلام:

«یوجد المفقود ویفقد الموجود، ولا تجتمع لغیره الصفتان في وقت».٥

«... وتفردت بخلق الخلق كلهم، فما من بارئ مصور صانع متقن غیرك... وأشهد أن الذین اتخذوا من دونك آلهة أن آلهتهم لا یخلقون شیئا وهم یخلقون».٦


  1. الفاطر (٣٥): ٤٠.
  2. الرعد (١٣): ١٦.
  3. بحار الأنوار، ١٤/ ٢٨٩ عن الكافي .
  4. بحار الأنوار، ٤/ ٣١٩، الأمالي للشيخ الطوسي.
  5. بحار الأنوار، ٤/ ٣٠١، عن تحف العقول.
  6. *بحار الأنوار، ٩٥/ ٤٢٢.
٤١كیف ولمَ نقرّ بوجود الخالق المتعال؟!

الإمام الصادق عليه السلام:

«إنه جل ثناؤه علة كل شـيء ولیس شـيء بعلة له».١

بل لیس في إمكان الموجود المتجزئ إلا التغیر والتحول:

الإمام أمیر المؤمنین عليه السلام:

«كل معط منتقص سواه».٢

الإمام الصادق عليه السلام:

«هو أجل من أن یعاني الأشیاء بمباشـرة ومعالجة، لأن ذلك صفة المخلوق الذي لا یجيء الأشیاء له إلا بالمباشـرة والمعالجة، وهو تعالى نافذ الإرادة والمشیة فعال لما یشاء».٣

الإمام الرضا عليه السلام:

«وإن كل صانع شـيء فمن شـيء صنع، والله الخالق اللطیف الجلیل خلق وصنع لا من شـيء».٤

«لا یتغیر الله بانغیار المخلوق، كما لا ینحد بتحدید المحدود.٥

فلا وجه لفرض استناد وجود الممكنات والمحدثات إلى ممكن أو حادث آخر، ـ كما في برهان الوجوب والإمكان، أو الحدوث والقدم ـ ولا نكون محتاجا إلى تجشم الاستدلال لإبطال الدور والتسلسل بل ظهر بما بیناه أن فرضها باطل في نفسه.

وبعبارة أخرى: إن التسلسل والدور في أمر الإیجاد محال موضوعي ولا نحتاج لإبطالهما


  1. بحار الأنوار، ٣/ ١٤٨، الخبر المشتهر بتوحيد المفضل بن عمر.
  2. نهج البلاغة، ١٢٤؛ بحار الأنوار، ٤ / ٢٧٤، عن التوحید.
  3. التوحيد، ٢٤٧.
  4. الكافي، ١ / ١٢٠، بحارالأنوار، ٤ / ١٧٤، عن التوحيد والعیون. التوحيد، ٤٠.
  5. *بحار الأنوار، ٤/ ٢٢٩.
معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام٤٢

إلى إقامه الدلیل على استلزامها المحال. مضافا إلى أن التسلسل لا یمكن إبطاله على مباني أصحاب مدرسة الفلسفة إن لم نقل إن بناء عقائدهم یكون على جواز التسلسل، فإنه مع القول ببطلان التسلسل یهدم بنیان معارفهم من الأساس.

توضیح ذلك ـ كما یأتي مفصلا إن شاء الله تعالى ـ إن الأدلة التي أقیمت على بطلان التسلسل تكون على قسمین، قسم منها یدل على بطلان التسلسل من حیث استحالة اللامتناهي مطلقا، وقسم آخر منها فلا یدل علیه من هذه الجهة.

فالقسم الثاني منهما لا یتم في نفسه ویكون باطلا من رأسه، والقسم الأول، فلیس لأهل الفلسفة أن یتمسكوا به لأنهم لا یعترفون باستحالة مطلق اللامتناهي، بل اعترافهم بذلك یستلزم بطلان كل معارفهم المبتنیة على أزلیة العالم وقدم الموجودات وتحقق اللامتناهي في الامتداد والعدد.

وبالجملة، فإنهم إن اعترفوا باستحالة اللامتناهي على إطلاقه، فلا یستقر لهم حجر على حجر وینهدم أساس مطالبهم. وإن لم یقولوا به فلا دلیل لهم على إبطال التسلسل وإثبات واجبهم.

تقول الفلسفة:

«إنه تعالى واجد لما یعطیه من الخلقة وشؤونها وأطوارها، مليء بما یهبه ویجود به، وإن كانت أفهامنا من جهة اعتیادها بالمادة وأحكامها الجسمانیة یصعب علیها تصور كیفیة اتصافه تعالى ببعض ما یفیض على خلقه من الصفات ونسبته إلیه تعالى».١

ونقول: إذا قلنا بأن الخالق تعالى "هو واجد لما یعطیه ومليء بما یهبه" فالالتزام باتصافه


  1. الطباطبايى، محمد حسين، تفسير الميزان، ٢ / ١٠٤.
٤٣كیف ولمَ نقرّ بوجود الخالق المتعال؟!

بصفات الأشیاء ـ بل وعینیة ذاتهما فضلا عن الصفات ـ یكون من إلزام الحكم العقلي البرهاني، ولا یصح لنا أن نقول: "إن ذلك یكون من جهة اعتیاد أفهامنا بالمادة وأحكامها الجسمانیة".

فإن مع الاعتقاد بـ"وجوب السنخیة بین العلة والمعلول"، أو "كون المعلول مرتبة من مراتب وجود العلة ورابطة بالنسبة إلیها، وامتناع كون المعطي فاقدا" وأمثال ذلك من القواعد الفلسفیة، فامتناع القول بتنزه ذات الخالق عن الصفات المادیة المخلوقة أوضح من أن یخفى.

بیان

اللامتناهي، حقیقة أم خیال؟!

معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام٤٦

الأصل الثالث (وهو امتناع وجود اللامتناهي مطلقا):

اللامتناهي، حقیقة أو خیال؟!

تقول المعرفة البشـریة:

حدوث العالم محال، وأزمنة وجوده لا متناهیة،

المعلول مرتبة من مراتب وجود العلة،

للوجود مرتبة غیر متناهیة الشدة،

الله تعالى هو الوجود اللامتناهي، اللامتناهي الجسمي١

ونقصد هاهنا الرد على ذلك كله ببیان:

استحالة تحقق موضوع اللامتناهي مطلقا،

إبطال برهان أصحاب الفلسفة لإثبات واجبهم المبتني على كون الوجود مشككا،

الكشف عن تحریف الفلسفیون حقیقة معنى العلة والمعلول،

إبطال كون الوجود مشككا،

بیان تنزه وجود الخالق عن الخلق كله،

الماهیة العددی


  1. ملا صدرا: «فليجز أن يكون في الوجود جسم إلهي ليس كمثله شـيء وهو السميع البصير».شـرح أصول الكافي، ٣ /٢٠٥ ـ ٢٠٧.
٤٧اللامتناهي، حقیقة أم خیال؟!

ة والموجود المتجزئ یستحیل أن تصل من طرف الزیاده إلى حد "لا یتناهی" و"غیر محدود"، فإن نفس جواز التكرار فیها دلیل على التناهي، فلا یكون الموجود المتجزئ على نحو لا یمكنه الزیادة بل هي محدودة وقابلة للزیادة علیها دائما١ وإلا یلزم:

ألف: خلاف الذات

ب: خلاف الفرض

ج: خلاف البداهة

ونقول مضافا إلى ذلك:

١. إن ما فرض غیر محدود وبلا نهایة وغیر متزائد فهل له نصف وأجزاء أم لا؟! فإن لم یكن له نصف فلیس امتدادیا ولا عددیا ـ وحینئذ فالتعبیر عنه بالأكبر والأكمل والأكثر والأشد والأزید... مما لا یرجع إلى معنى معقول، ویستلزم التناقض. ـ

وإن كان له نصف، فالنصف منه إما یساوي الكل أو أقل منه أو أكثر، والأول خلاف ما فرضناه نصفا،


  1. ومما ناقض به صاحب الأسفار وشيخه أصول مكتبهما ومعتقداتهما هو قوله: "ومن هذا القبيل قول الشيخ العربي في التدبيرات الإلهية كل ما دخل في الوجود فهو متناه". الأسفار، ٢ / ٣٠٦. فإن تجليات الرب وأطوار وجوده عندهم غيرمحدود، وهو مما دخل في الوجود عندهم بلا شبهة!
معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام٤٨

والثاني فمحدود فالكل أیضا محدود لأنه لیس إلا نصفا ونصفا والمحدود مع المحدود لیس إلا محدودا، والثالث ـ مضافا إلى أنه خلاف ما فرضناه نصفا ـ یدل على محدودیة ما فرضناه غیر محدود وبلا نهایة أیضا.

٢. نكرر البرهان بعد ما نقصنا امتدادا معینا مما فرضناه غیر محدود ولا متناه فنقول: الناقص إما أن یساوي الكل أو...

٣. إن ما یحتمل الزیادة والنقصان فلا یتحقق إلا بتحقق تمام أجزائه وتشخصها، واللامتناهي لا نهایة لأجزائه حتى یمكن أن یكون محققا بتمام أجزائه وإلا كان متناهیا.

ولا فرق في ذلك بین أن یكون الأجزاء المفروضة مترتبة في الوجود من حیث الزمان ـ كنفس أجزاء الزمان ـ، أو مترتبة من حیث المكان ـ كنفس أجزاء المكان ـ فإن الثاني أیضا لا یمكن وجود أي جزء منه إلا بعد فرض وجود عدد غیر متناه من تلك الأجزاء في نفس الأمر حتى یمكنه أن یقع في محله أو مرتبته المخصوصة به.

٤. فرض وجود الشـيء بلا نهایة یستلزم عدمه وذلك لأن نسبة كل النقاط المفروضة فیه مع الكل إما متساویة وإما متفاوتة، فإن كانت متساویة فالنقاط منطبقة والفواصل معدومة فالكل عدم، وإن كانت متفاوتة فاختلاف المقادیر الحاصل من النسب المختلفة یستلزم تناهي الكل.

وعلى هذا فمن زعم أن اللامتناهي یكون موجودا واقعیا ـ لا یمكن فرض الزیادة علیه، أو لا یتزاید بما یزاد علیه، ولا یتناقص بما ینقص منه ـ لقد خلط بین أحكام العقل والوهم.

وإلیك بعض ما یدل على الملازمة بین العدد والامتداد والتناهي:

في مناظرة رسول الله صلى الله علیه و آله مع الدهریة:

«

٤٩اللامتناهي، حقیقة أم خیال؟!

أ ولستم تشاهدون اللیل والنهار وأحدهما بعد الآخر؟ فقالوا: نعم، فقال صلی الله علیه و آله: أفترونهما لم یزالا ولا یزالون؟ فقالوا: نعم؛ قال صلی الله علیه و آله: أفیجوز عندكم اجتماع اللیل والنهار؟ فقالوا: لا، فقال: فإذن ینقطع أحدهما عن الآخر فیسبق أحدهما ویكون الثاني جاریا بعده، فقالوا: كذلك هو، فقال صلی الله علیه و آله: قد حكمتم بحدوث ما تقدم من لیل أو نهار ولم تشاهدوهما فلا تنكروا لله قدرته».١

وقال رسول الله صلی الله علیه و آله:

«أتقولون ما قبلكم من اللیل والنهار متناه أم غیر متناه؟ فإن قلتم غیر متناه فقد وصل إلیكم آخر بلا نهایة لأوله، وإن قلتم إنه متناه فقد كان ولا شـيء منهما».٢

«... فخبرني الآن عما قاله نبیكم في المسیح من أین أثبت له الخلق ونفی عنه الإلهیة وأوجب فیه النقص وقد عرفت ما یعتقد فیه كثیر من المتدینین؟!»

فقال أمیر المؤمنین عليه السلام: أثبتّ له الخلق بالتقدیر الذي لزمه، والتصویر والتغیر من حال إلى حال، والزیادة التي لم ینفك عنها والنقصان».٣

الإمام الصادق عليه السلام:

«إنه متى ما ضم شـيء إلى مثله كان أكبر».٤

«فقال له عبد الكریم: سألتني عن مسألة لم یسألني أحد عنها قبلك ولا یسألني أحد بعدك عن مثلها، فقال أبو عبد الله عليه السلام:... إنك تزعم أن الأشیاء من الأول سواء٥ فیكف قدمت٦ وأخرت».٧

«


  1. الاحتجاج، ١/ ٢١.
  2. الاحتجاج، ١/ ٢١، عنه بحار الانوار، ٩ / ٢٦١.
  3. بحار الأنوار، ١٠ / ٥٦، الأمالي للشيخ الطوسي.
  4. بحار الأنوار، ٣/ ٤٧، التوحيد.
  5. لا ابتداء لها ولا تناهي.
  6. فإن التقدیم والتأخیر فرع الامتداد، والامتداد یمتنع فیه عدم التناهي.
  7. التوحيد، ٢٩٧.
معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام٥٠

وما احتمل الزیادة كان ناقصا١ وما كان ناقصا لم یكن تاما٢ وما لم یكن تاما كان عاجزا ضعیفا».٣

قال بعض الزنادقة لأبي الحسن عليه السلام:

«فحدّه٤ لي، قال: إنه لا یحد٥ قال: لم؟ قال: لأن كل محدود٦متناه إلى حد٧ فإذا احتمل التحدید، احتمل الزیادة، وإذا احتمل الزیادة احتمل النقصان... فهو غیر محدود ولا متزائد ولا متجزئ ولا متوهم».٨

إن التجزي واختلاف الصفة والكیفیة مستلزم للامتداد المستلزم للتناهي:

الإمام أمیر المؤمنین عليه السلام:

«ولم تحط به الصفات فیكون بإدراكها إیاه بالحدود متناهیا».٩

الإمام المجتبى عليه السلام:

«الذي لم یكن له... اختلاف صفة فیتناهی».١٠

الإمام الصادق عليه السلام:

«إن الكیفیة جهة الصفة والإحاطة».١١

إن الامتداد قلیل دائماً


  1. .دائما.
  2. أبدا.
  3. بحار الانوار، ٣ / ١٩٤، َكَرَ السَّيِّدُ ابْنُ طَاوُسٍ قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ فِي كِتَابِ النُّجُوم*.
  4. أي صِفه.
  5. أي لا یوصف فلا یعرف.
  6. أي موصوف.
  7. فإن التعریف والتوصیف فرع الامتداد المستلزم للتناهي.
  8. بحار الأنوار، ٣/ ١٥، علل الشرائع.
  9. بحار الأنوار، ٤/ ٢٧٥، عن التوحید.
  10. بحار الأنوار، ٤/ ٢٨٩، عن التوحید.
  11. التوحيد، ٢٤٧.
٥١اللامتناهي، حقیقة أم خیال؟!

لجواز الزیادة علیه أبدا:

الإمام أمیر المؤمنین عليه السلام:

«كل مسمى بالوحدة غیره قلیل».١

(وأما الواحد الحقیقي فلا یوصف بالقلة والكثرة).

إن قولنا: "إلى م" و"حتى م" فرع الامتداد المستلزم للتناهي:

الإمام الرضا عليه السلام:

«ومن قال "إلى م؟" فقد نهّاه، ومن قال "حتى م؟" فقد غیّاه».٢

كما أن الوصف والحد لیس إلا للامتداد المستلزم للتناهي أیضا:

الإمام الصادق عليه السلام:

«ولا تحد فتكون محدودا».٣

كما قلنا إن الله تعالى لا یوصف من حیث الذات والوجود بالتناهي وعدم التناهي، فكذلك علْمه تعالى لا یوصف بالتناهي وعدم التناهي أیضا، لتعالیه الذاتي عن العلم العددي، فإنه إن فرض علمه عددیا امتدادیا للزم تناهیه مطلقا:

«... ثم قال الرضا عليه السلام: یا سلیمان هل یعلم الله جمیع ما في الجنة والنار؟ قال سلیمان: نعم. قال: فیكون ما علمه الله عز وجل أنه یكون من ذلك؟ قال: نعم. قال: فإذا كان حتى لا یبقى منه شـيء إلا كان، أیزیدهم أو یطویه عنهم؟ قال سلیمان: بل یزیدهم. قال: فأراه في قولك، قد زادهم ما لم یكن في علمه أنه یكون. قال: جعلت فداك، فالمزید لا غایة له. قال: فلیس یحیط علمه عندكم بما یكون فیهما إذا لم یعرف غایة ذلك! وإذا لم یحط علمه بما فیهما لم یعلم


  1. بحارالأنوار، ٤ / ٣٠٩، عن نهج البلاغة.
  2. بحار الانوار، ٣/ ١٩٤، عن توحید المفضل.
  3. بحار الأنوار، ٩٣/ ٢٦٣، دُعَاءٌ آخَرُ فِي يَوْمِ عَرَفَةَ مَرْوِيٌّ عَنِ الصَّادِقِ جَعْفَرٍ عَلَيْهِ السَلَام*.
معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام٥٢

ما یكون فیهما أن یكون! تعالى الله عن ذلك علوا كبیرا».١

قال العلامة المجلسـي قدس الله روحه في الهامش:

«لعل هذا السؤال والجواب مبني على أن الغير المتناهي اللايقفي يستحيل وجود أفراده بالفعل وخروجه من القوة إلى الفعل... لأن حقيقة اللايقفية تقتضـي ذلك، فإنه لو خرج جميع أفرادها إلى الفعل ولو كانت غير متناهية يقف ما فرضنا أنه لا يقف، ويلزم في أجزاء الجسم الجزء الذي لا يتجزى كما لزم على النظام، وفي المراتب العددية أن لا يتصور فوقه عدد آخر وهو خلاف البديهة، بل مفهوم الجميع ومفهوم اللايقف متنافيان كما قرروه في موضعه.

وأما نحو علمه سبحانه بها فهو مجهول الكيفية لا يمكن الإحاطة به، فلعله يكون على نحولا يجري فيه براهين إبطال التسلسل والله يعلم».٢

أقول قوله: "لعله يكون على نحولا يجري فيه براهين إبطال التسلسل"، لأن التسلسل لا یتصور موضوعا إلا فی الحقیقة العددیة، والله تعالی خالق الأعداد، ومنزه عنها.

الآیات القرآنیة فی استحالة غیر المتناهی

وعلى القائل بعدم التناهي، أن یفسـر أمثال هذه النصوص، وأنّى له بذلك وهو یعتقد بأن الموجودات غیر متناهیة. فإنه من الواضح أن أمثال قوله تعالى "خلق كل شـيء"یستلزم تناهي وجود المخلوقات، ضـرورة أنه لو كانت المخلوقات لا متناهیة فلا یمكن أن یتم أمر خلقها أبدا حتى یصح أن یقال: "خلق كل شـيء"، كما لا یصح أن یقال:"یزید في الخلق ما یشاء"


  1. بحار الأنوار، ١٠/ ٣٣٢ ـ ٣٣٣، عن التوحید.
  2. بحار الأنوار، ١٠ / ٣٣٢ (الهامش)*.
٥٣اللامتناهي، حقیقة أم خیال؟!

أو... بل اللازم من فرض عدم تناهي المخلوقات هو امتناع وجود المخلوق مطلقا فضلا عن امتناع عدم تناهیها، وذلك أن إیجاد كل فرد من المخلوقات یمتنع إلا بعد انقضاء إیجاد أفراد لا متناهیه أو أجزاء لا متناهیة من الخلق قبله، وحیث إن انقضاء ما لا یتناهی محال فیلزم أن لا یوجد شـيء مطلقا.

«وَ نَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِ شَيْ ء».١

«وَ كُلَ شَيْ ءٍ فَصَّلْناهُ تَفْصِيلا».٢

«أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَ لَمْ تَكُنْ لَهُ صاحِبَةٌ وَ خَلَقَ كُلَّ شَيْ ء».٣

«وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْ ء».٤

«وَخَلَقَ كُلَ شَيْ ءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرا».٥

«وَخَلَقَ كُلَ شَيْ ءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرا».٦

«صُنْعَ الله الَّذِي أَتْقَنَ كُلَ شَيْ ء».٧

«يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ ما يَشاءُ، إِنَ الله عَلى كُلِ شَيْ ءٍ قَدِير».٨

«وَكُلَ شَيْ ءٍ أَحْصَيْناهُ فِي إِمامٍ مُبِين ».٩

«اللَّهُ خَالِقُ كُلِ شَيْ ءٍ».١٠

«


  1. النحل (١٦): ٩٠.
  2. الإسـراء (١٢): ١٨.
  3. الأنعام (٦): ١٠٢.
  4. يوسف (١٢): ١١٢.
  5. الفرقان (٢٥): ٣.
  6. النور (٢٤): ٤٦.
  7. النمل (٢٧): ٨٩.
  8. الفاطر (٣٥): ٢.
  9. يس (٣٦): ١٣.
  10. الزمر (٣٩): ٦٣.
معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام٥٤

رَبَّنا وَسِعْتَ كُلَ شَيْ ءٍ رَحْمَةً وَ عِلْما».١

«وَكُلُّ شَيْ ءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعالِ .٢».٣

«إِنَّا كُلَ شَيْ ءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَر».٤

«إِنَ الله بالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِ شَيْ ءٍ قَدْرا».٥

«وَأَنَ الله قَدْ أَحاطَ بِكُلِ شَيْ ءٍ عِلْما».٦

«وَأَحْصى كُلَ شَيْ ءٍ عَدَدا».٧

«وَكُلَ شَيْ ءٍ أَحْصَيْناهُ كِتاباً».٨

«


  1. الغافر (٤٠): ٨.
  2. الرعد (١٣): ١٠ ـ ١١.
  3. إن قيل في أمثال هذه الآية الشـريفة: إن العالم والمعلوم كليهما غير متناهيين فلا إشكال. قلنا: إن عدد العالم والمعلوم يزيد على المعلوم وحده، فهو متناه؛ كما أن عدد ما يكون غيبا وشهادة يزيد على الغيب وحده وعلى الشهادة وحدها فهما متناهيان، مضافا إلى بداهة تناقض الاعتقاد بتعدد غير المتناهي في نفسه. إن قيل: إذا كانت الذات وغيرها من الصفات والأشياء غيرمتناهيين فهما متحدتان مصداقا، قلنا: إنه إن كان هناك صفة وموصوف فيمتنع الحكم باتحادهما ذاتا وعينيتهما مصداقا، لشهادة كل صفة أنها غير الموصوف وشهادة كل موصوف أنه غير الصفة، فيكونان متعددين بالضـرورة، وإذا تعددا فيمتنع عدم تناهيهما بالبداهة، وعليه ففرض تعدد الذات والصفات دليل على امتناع عدم تنهاهيهما في أنفسهما لا أنهما متحدتان في عين تعددهما وعدم تناهيهما. هذا، مع العلم بأن ما سوى الخالق تعالی امتدادي متجزئ، والله جل وعلا يخالف الامتداد ويباين العدد فيمتنع أن يتحدا عينا ومصداقا.
  4. القمر (٥٤): ٥٠.
  5. الطلاق (٦٥): ٤.
  6. الطلاق (٦٥): ١٣.
  7. الجن (٧٢): ٢٩.
  8. النباء (٧٨): ٣٠.
٥٥اللامتناهي، حقیقة أم خیال؟!

وَمِنْ كُلِ شَيْ ءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُون ».١

«سُبْحانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْواجَ كُلَّها».٢

«لا إِلهَ إِلَّا هُوَ خالِقُ كُلِ شَيْ ءٍ فَاعْبُدُوه ».٣

«قُلْ أَ غَيْرَ الله أَبْغِي رَبًّا وَ هُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْ ء».٤

«قالَ عَذابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشاءُ وَ رَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَ شَيْ ء».٥

«إِنَ رَبِّي عَلى كُلِ شَيْ ءٍ حَفِيظ».٦

«قالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطى كُلَ شَيْ ءٍ خَلْقَهُ ثُمَ هَدى ».٧

«يَخْلُقُ اللَّهُ ما يَشاءُ إِنَ الله عَلى كُلِ شَيْ ءٍ قَدِير».٨

«لا إِلهَ إِلَّا هُوَ كُلُ شَيْ ءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَه ».٩

«ثُمَ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَ الله عَلى كُلِ شَيْ ءٍ قَدِير».١٠

«الَّذِي أَحْسَنَ كُلَ شَيْ ءٍ خَلَقَهُ وَ بَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسانِ مِنْ طِين ».١١

«أَ وَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلى وَ هُوَ


  1. الذاريات (٥١): ٥١.
  2. يس (٣٦): ٣٧.
  3. الأنعام (٦): ١٠٣.
  4. الأنعام (٦): ١٦٥.
  5. الأعراف (٧): ١٥٧.
  6. هود (١١): ٥٨.
  7. طه (٢٠): ٥١.
  8. النور (٢٤): ٤٦.
  9. القصص (٢٨): ٨٩.
  10. العنكبوت (٢٩): ٢١.
  11. السجدة (٣٢): ٨.
معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام٥٦

الْخَلَّاقُ الْعَلِيم ».١

«أَ وَ لَمْ يَرَوْا أَنَّ الله الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ قادِرٌ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُم ».٢

ثم إنه قد یتوهم أنه:

∞+∞= ∞(∞ = اللامتناهي)

∞ - ∞ = ∞

∞عليه السلام∞ = ∞

∞ = ٠ ÷∞

∞ = ٠ ÷∞

٠ =∞÷∞

فلیعلم أن بیان أمثال هذه العبارات في علم الریاضیات والهندسة والفیزیا لا صلة بینها وبین الاعتقاد بوجود اللامتناهي المزعوم أصلا، بل المراد من تلك العبارات هو التوسعة وتبیین أحكام اللامتناهي الذي لا یقف إلی حد ولكن كل ما وحد منه بالفعل فیكون محدوداً متناهیا، وهو كما قد جاء في "دائرة المعارف الفارسىة" في معنى " لا متناهي":

«اللامتناهي في علم الریاضیات متغیر دائما، المقدار الثابت مهما كان قلیلا وصغیرا لا یكون اللا متناهي المقصود في علم الریاضیات».

قال صدر الفلاسفة:

«قالت الحكماء كل كثرة لها اجتماع وترتیب في الطبع أو في الوضع فدخول اللانهایة فیها ممتنع وأما إذا لم یجتمع كالحركات والأزمنة أو اجتمعت ولا ترتیب لا في الطبع كالعلل والمعلولات ولا في الوضع كالمقادیر فاحتمال الزیادة والنقصان فیها لا یوجب


  1. يس (٣٦): ٨٢.
  2. الإسـراء (١٧): ١٠٠.
٥٧اللامتناهي، حقیقة أم خیال؟!

التناهي.١

وقد أشكل علی كثیر من أهل النظر هذا إذا لم یشترطوا في احتمالهما للتناهي إمكان المطابقة فصار ذلك شبهه عظیمة وقعوا بسببها في ضلالات كثیرة فمنهم من جحد بقاء النفوس بعد بوار البدن... ومنهم من ذهب إلی حقیة التناسخ...

ومنهم من ذهب إلی وجوب تناهي الحركات والانفعالات وإن أوجب التعطیل في صنع الله وجوده... كل ذلك لأجل اعتقادهم بأن كل ما یحتمل الزائد والناقص فهو متناه. والذي یكشف عن هذه الشبهة أن العلم بأن كل ما یحتمل الزیادة والنقصان یكون متناهیا».٢

وقد أجاد في الرد علیه من قال٣:

«فإن قلت: إن مراتب الأعداد غیر متناهیة، إذ لا عدد إلا وفوقه عدد، ولا شك أن عدد آحادها یجب أن یكون أزید من ألوفها مثلا، مع أنهما غیر متناهیین.

قلت: هذا الذي یوجب استحالة وجود الأعداد جمیعا إذ لو وجدت لزم أن یكون آحادها لا یزید علی ألوفها وهو محال، فلیست الأعداد موجودة بعین ما ذكرناه.

... وقد أغرب في هذا المقام صاحب الأسفار حیث قال: إن العلم بأن كل ما یحتمل الزیادة والنقصان یكون متناهیا إما من البدیهیات أو من النظریات، والأول باطل وإلا لم یقع الاختلافات فیه بین العقلاء لكنهم اختلفوا... والمسلمون اتفقوا علی أن معلومات الله ومقدوراته لا نهایة لها... وكذلك یعلم بالبدیهة أن مراتب


  1. أقول: وهذا غفلة منه عن أن فرض المساواة والتفاوت وقبول الزيادة والنقصان في غير المقادير واضح البطلان.
  2. الأسفار الأربعة، ٤ / ٢٧.
  3. الحائري المازندراني، عليّ بن فضل اللّه: الحجة البالغة للحجة البالغة في قمع المذاهب المختلفة الزائغه، ١٢ ـ ١٧.
معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام٥٨

العدد غیر متناهیة، مع أن الألوف الغیر المتناهیة أكثر من الآحاد الغیر المتناهیة بألف مرة، والحركات المستقبلة سیما حركات أهل الجنة ـ غیر متناهیة، مع أن كلا من هذه الأمور قابل للزیادة والنقصان.

وإذا ضممنا هذه المعتقدات مع اعتقاد الفلاسفة صار إجماعا منعقدا علی أن الغیر المتناهي مما یجوز أن یقبل الزیادة والنقصان، فكیف یكون العلم بامتناعه بدیهیا.

فإذن هذه القضیة لا یمكن الجزم بها إلا بالبرهان، وذلك البرهان لا یتقرر إلا في ما یحتمل التطبیق، وبیانه أن الموجب للتناهي هو أنه یجب انتهاء الناقص إلی حد لا یبقي منه شـيء، ویبقي من الزائد بعده، وهذا إنما یجب أن لو تعذر وقوع جزء من الجملة الناقصة في مقابلة جزئین من الزائدة، وإلا لم یجب انتهاء الناقص في حد یكون بعده للزائد شـيء بإزائه منه، وذلك في ما یحتمل الانطباق، وفي ما یمتنع انطباق جزئین من إحدی الجملتین علی جزء واحد من الأخری، كاستحالة وقوع جسمین في حیز واحد وكاستحالة وقوع علة ومعلول في مرتبة إحدیهما...

أما الأمور التي لا انطباق بینهما لا بالطبع ولا بالوضع بل بالجعل فقط، فكل ما یجعل من إحدی الجملتین بقوته الخیالیة بإزاء الآخر من الأخری یكون عددا متناهیا، لكن یمكن أن یبقیمن الجملتین ما لا یقویعلی استحضاره، لأن عقولنا ـ ونحن في هذه الدار ـ لا تقدر علی أفعال وانفعالات غیر متناهیة، فلم یظهر الخلف في البواقي إلا بهذا الشـرط. انتهیمحل الحاجة من نقل كلامه.

ثم فصّل في الردّ علی الأسفار بقوله:

أقول: أما ما استند إلیه في إبطال ضـروریة القاعدة من وقوع الاختلافات بین العقلاء، فعجیب، إذ الضـروري قد یتحمل الشبهة فیقع من جهتها الاختلاف، وأیضا إن البصائر مختلفة كالأبصار قوة وضعفا، فكما أن بصـرا یدرك ما لا یدركه الآخر من المحسوسات، فكذلك قد تدرك بصیرة ما لا تدركه الأخری من الضـروریات.

٥٩اللامتناهي، حقیقة أم خیال؟!

وأعجب منه ما استنتجه من الأمثلة التي ذكرها من إطباق العقلاء علی جواز قبول غیر المتناهي للزیادة والنقصان، فإن جملة من الأمثلة من قبیل ما یستحیل وجوده كذلك ـ أي غیر متناه كمعلومات الله ومقدوراته ـ فإنه یستحیل وجودهما تماما في الخارج. وكذلك أنواع الأكوان المقدورة والحركات المستقبلة نحوها، فإن الجواب الذي ذكرناه في مراتب العدد ـ التي من جملة أمثلته أیضا ـ هو الجواب في أمثاله.

وأعجب منه حصـره الدلیل علی القاعدة بالتطبیق الذي قرره بمجرد أنه لم یجد دلیلا آخر، وقد عرفت من تقریرنا في التنبیه علی هذه القاعدة أنه لا یتحقق الزیادة إلا ولا بد أن یكون للزائد مقدار لا یكون قدر ذلك المقدار بعینه للناقص في نفس الأمر، كالساعات للأزمنة... ولا مساس للقول بأنه یجوز أن یكون ما بإزاء ساعة من الناقص ساعتین من الزائد، إذ لو جاز ذلك لجاز أن یكون الناقص أزید من الزائد بكثیر بهذا الحساب...

فإن قلت: إن حكم العقل غیر قابل للتخصیص، فلا بد أن لا یجري ما ذكرت في موارد النقوض التي أشـرت إلی بعضها. قلت: أما النقوض بالموجودات ـ كالنفوس المفارقة وحركات الأفلاك ونحوها، من نقض القاعدة بما هو منتقض بنفسها، فإن القاعدة حاكمة بامتناعه، وجوازه فرع بطلانها، وكل من یصححها لا یصححه...

أما النقوض بالمعدومات كمراتب الأعداد ونحوها، فالجواب أن قضیة "أن الكل أعظم من الجزء" قضیة مقدرة الموضوع، یعني أن الكل إذا وجد فهو أعظم من الجزء، وأما المعدوم الخارج عن الذهن والخارج فلا یخبر عنه ولا میز فیه، فلیس فیه كل ولا جزء ولا زائد ولا ناقص.

ثم إنه قد جزاه الله بإصـراره في إنكار القاعدة الشـریفة التي نص علیها المعصوم، بفضیحة

معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام٦٠

الغلط في الحساب في قوله: "مع أن الألوف الغیر المتناهیة أكثر من الآحاد الغیر المتناهیة بألف مرة"، فإن الصحیح أن یقول: "أقل منها بما لا یتناهی"، ولفضیحة الدار الأخری أخزي وأمر وأدهي. فإن قلت: إن المعدومات متحققة في علمه تعالی. قلت: تحققها في علمه بريء عن العدد، سبحانه أحصی الأعداد من غیر أن یوجد فیه آحاد.

إذا عرفت ما تلوناه علیك فقد علمت أن دخول اللانهایة في الكثرة ـ أي كثرة كانت ـ ممتنع، لعدم قبولها الوجود إلا بقدر متناه، سواء كان لها اجتماع أم لا، وسواء كان لها ترتیب في الطبع أو في الوضع أم لا، فیلزم وجوب تناهي الحركات والانفعالات، ووجوب تناهي جمیع التنزلات والترقیات، ووجوب تناهي كل قوي ینحل إلی الضعیف وشـيء فوقه.

وأما تهویل صاحب الأسفار بلزوم التعطیل في صنع الله وجوده، وانقطاع فیضه وكرمه، فیؤمننا الجواب عنه بأن الله تبارك وتعالي لیس بزماني حتی یكون فارغا في زمان عن شأنه. بل هو الله العظیم الشأن الخالق للزمان والمكان، لیس بینه وبین شأنه زمان حتی یلزم تعطیله فیه عن ذلك الشأن، ولیس انتهاء الزمان والزمانیات إلی عدم غیر زماني یوجب انقطاع فیضه وكرمه، لأن الانقطاع لا یصدق إلا بعدم زماني فتأمل.

ثم إن انقطاع الفیض إن كان من لوازم إمكانه، فالنقصانات الإمكانیة في الفیض والكرم لا یوجب نقصا في الذات. بل جعل الفیض قدیما حینئذ یوجب انثلام وحدة الواجب تعالی ویفضـيإلی أن یمتنع عن الأزل معناه، تعالی الله الواحد القیوم أن یثني فیضه بثناء نفسه، قال مولانا أمیر المؤمنین عليه السلام : ولو كان شـيء معه قدیما لكان إلها ثانیا...

نسأل الله التوفیق لأن نهتدي بدلالة ولیه إلی سواء الطریق، وأن یجعله لنا خیر دلیل وخیر ورفیق، وصلی الله علیه وعلی

٦١اللامتناهي، حقیقة أم خیال؟!

آبائه صلوة بشأنه تعالی في حقهم تلیق...

واعلم أن كبریهذا الاستدلال من كلام الإمام الصادق عليه السلام ، حیث استدل به علی تنزیهه تعالی عن الجسمیة بأن الجسم محدود، وإذا كان محدودا كان قابلا للزیادة والنقصان. وفي هذا القدر كفایة لمن استبصـر».

"الموجود البسیط" موهوم آخر

قد قلنا إن الله تعالى لا یتصف بالتناهي وعدمه شأنا حیث إن ذلكما من ملكات الأقدار والأشیاء ذات عدد وامتداد وأجزاء ولیس الله تبارك وتعالى كذلك؛ ونقول هاهنا: إن وصف التركّب والبساطة أیضا یكون من شؤون الحقیقة الامتدادیة، وذلك بعد غض النظر عن أن وصف البساطة أیضا یكون موهوما ومحالا موضوعیا حتى بالنسبة إلى الامتداد، وذلك أن الحقیقة العددیة والموجود الامتدادي المتجزئ القابل للنقصان والانقسام بالذات، لا یخرج بالتقسیم عن الامتداد والأجزاء أبدا وإلا لزم:

١. خلاف الذات،٢. خلاف الفرض، ٣. خلاف البدیهة.

وللزم أن یصبح العدم بتضعیفه بعدد غیر متناه، موجودا امتدادیا عددیا، وبدیهي أن العدم لا یصیر بالتكرار وجودا أبدا. ١

الإمام الصادق عليه السلام:

«إن ما سواه من الواحد متجزئ».٢

«فهو الواحد الذي لا واحد غیره لأنه لا اختلاف فیه».٣

الإمام أبوالحسن الرضا عليه السلام:

«


  1. وتضعيف الشـيء بعدد غير متناه وإن كان محالاً بالفعل ولكنّ العقل حاكمٌ بأن العدم واللا شـيء لا يصير شيئا وموجودا بالتضعيف مطلقا.
  2. بحار الأنوار، ٤/ ٦٧، عن الاحتجاج.
  3. بحار الأنوار، ٣/ ١٩٦، باب ٥ الخبر المروي عن المفضل بن عمر في التوحيد المشتهر بالإهليلجة.
معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام٦٢

والله جل جلاله واحد لا واحد غیره، لا اختلاف فیه ولا تفاوت ولا زیادة ولا نقصان».١

الإمام الجواد عليه السلام:

«إن ما سوى الواحد متجزئ، والله واحد أحد لا متجزئ ولا متوهم بالقلة والكثرة، وكل متجزئ، أو متوهم بالقلة والكثرة فهو مخلوق دال على خالق له».٢

ولا یرد الإشكال على الاعتقاد باستحالة وجود الموجود البسیط، بلزوم حصـر أجزاء بلا نهایة في مقدار محصور معین؛ وذلك أن الاستحالة لا تكون في مورد اجتماع أجزاء تنتصفن دائما، بل المقطوع به من موارد الاستحالة هو ما إذا اجتمع في حصـر معین أجزاءٌ یستقل كل واحد منها عن الآخرین. مضافا إلى أن التنصیف أمر عددي فلا یتحقق عدد غیر متناه منه بالفعل مطلقا.

انتفاء التسلسل والواجب الفلسفي موضوعا.

وبناء على ما قلناه من استحالة وجود اللامتناهي ثبوتا وبالذات،

١. لا یبقى للتسلسل موضوع، فتبطل العقیدة الفلسفیة القائلة بعدم بطلان التسلسل في صورة عدم ترتب الأفراد، أو عدم اجتماعها في الوجود.

توضیح ذلك: أنه یحكم العقل والبرهان على استحالة وجود ما لا نهایة له مطلقا ـ وقد صـرح بذلك أعلام العلم والدین كما أنهم یقولون:

«إن وجود ما لا نهایة له محال».٣

«فیلزم


  1. بحار الأنوار، ٤/ ١٧٣، عن التوحید.
  2. الكافي ، ١ / ١١٦، بحار الأنوار، ٤/ ١٥٤، عن الاحتجاج.
  3. الشيخ الطوسي: الاقتصاد، ٢٤.
٦٣اللامتناهي، حقیقة أم خیال؟!

ما قلناه من وجود ما لا نهایة له، مع استحالته بدلیل وجوب حصـر ما وجد».١

«فیؤدي إلى وجود ما لا نهایة له».٢

«وذلك یؤدي إلى إیجاد ما لا یتناهى من المشتهیات».٣

«ولأنه یوجب علیهم تقدم تكلیف على تكلیف إلى ما لا نهایة له... وذلك محال».٤

«إن ذلك یقتضـيتقدم تكلیف قبل تكلیف إلى ما لا یتناهى، وذلك محال».٥

«لأنه لو وجب ذلك لأدّى إلى وجوب ما لا یتناهى، وذلك محال».٦

«إن وجود ما لا یتناهى محال على ما یأتي».٧

«وأما تناهي جزئیاتها فلأن وجود ما لا یتناهى محال للتطبیق».٨

«وهكذا إلى ما لا یتناهى وهو محال. أما أولا فلما بینا من امتناع وجود ما لا یتناهى مطلقا، وأما ثانیا فلأن تلك الاضافات موجودة دفعة ومترتبة في الوجود باعتبار تقدم بعض المضاف إلیه على بعض فیلزم اجتماع أعداد لا تتناهى دفعة مترتبة وهو محال اتفاقا، وأما ثالثا فلأن وجود الاضافات یستلزم وجود المضاف إلیه فیلزم وجود ما لا یتناهى من الأعداد دفعة من ترتبها، وكل ذلك مما برهن


  1. أبو الصلاح الحلبي: تقريب المعارف، ٧٦.
  2. أبو الصلاح الحلبي: تقريب المعارف، ٨١.
  3. أبو الصلاح الحلبي: تقريب المعارف، ٨٧.
  4. أبو الصلاح الحلبي: تقريب المعارف، ١٣٦.
  5. أبو الصلاح الحلبي: الكافي، ٥٣.
  6. الشيخ الطوسي: الاقتصاد، ٨٢.
  7. العلاّمة الحلّي، شـرح التجريد، ٣٥.
  8. العلاّمة الحلّي، شـرح التجريد ٢٦١.
معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام٦٤

على استحالته».١

«وأما ما ذكره آخرا من أنه لا یلزم التسلسل المحال لفقدان شـرط الترتب الخ، فدلیل على جهله بشـرائط استحالة التسلسل عند المتكلمین، فإن وجود ما لا یتناهى في الخارج محال عندهم مطلقا سواء كان هناك ترتب أو لا، كما صـرحوا به وعرفه من له أدنى تحصیل».٢

مع هذا كله قد تقول الفلسفة بأن وجود ما لا نهایة له لا یكون محالا إلا مع شـرطین:

الأول). اجتماع الأفراد فى الوجود

الثانى). وجود الترتب بین الأفراد

ومن هاهنا تراهم قائلین بأن العالم قدیم، وحركاته أزلیة غیر متناهیة، وعدد النفوس غیر متناه و...؛ وعلى ذلك فالمستحیل من وجود ما لا نهایة له عندهم هو ما اجتمع فیه الشـرطان اللذان ذكرناهما، وذلك كالسلسلة غیر المتناهیة من العلل والمعلولات حیث إنه یكون فیها وجود كل معلول مترتبة على وجوده علته (وهذا هو الشـرط الأول عندهم)، ویكون جمیع أفراد العلة والمعلول مجتمعة في الوجود (وهذا هو الشـرط الثاني عندهم) وذلك أن المعلول لا وجود له یستقل عن وجود علته عندهم، وذلك بمعنى أنه لا یكون له وجود خارج عن وجود علته.

والأمر الأعجب الأغرب هو أنهم لا یحكمون باستحالة وجود هذا الفرد الجامع للشـرطین أیضا في نهایة أمرهم، بل یحكمون بوجوب وجود ذلك فضلا عن الإقرار باستحالته! وذلك أنهم یقولون: إن فوق كل مرتبة من مراتب الوجود المعلولة مرتبة أخرى هي علة


  1. العلاّمة الحلّي، شـرح التجريد، ٣٦٨ ـ ٣٦٩.
  2. المرعشي: شـرح إحقاق الحق، ١ / ٢٤٤. أيضا: الشيخ الطوسي: الاقتصاد، ٢٧ ـ ٣١؛ السيد المرتضى: الشافي في الإمامة، ١ / ١٦٢؛ السيد المرتضى: الانتصار، ٤٠٧؛ المحقّق الحلّي، المسلك في أصول الدين، ١٠١؛ ابن ميثم البحرانى: قواعد المرام في علم الكلام، ٥٧.
٦٥اللامتناهي، حقیقة أم خیال؟!

لما تحتها ومعلولة لما فوقها ـ والعلة والمعلول عندهم مترتبان متلازمان غیر منفكین، فالشـرطان للاستحالة فیهما موجودان ـ حتى یصل الأمر إلى ما لا نهایة له شدة وقوة، وتلك المرتبة هي واجبة الوجود لذاتها!!

فتری أن واجب وجودهم هذا هو نفس ما حكموا باستحالة وجوده لأنه اجتمع فیه الشـرطان الموجبان لاستحالة ما لا نهایة له عندهم.

إن قلت: إنهم لا یقولون بأن الوصول إلى تلك المرتبة یكون بعد عدّ مراتب غیر متناهیة من أفراد العلة والمعلول، بل یقولون بأن تلك المرتبة هي غیر متناهیة شدة وقوة.

قلت: بل إنهم یقولون: "إن كل مرتبة من مراتب الوجود محدودة، وفوقها مرتبة محیطة بها، المحاط هو المعلول والمحیط هو العلة، وهذا الأمر یستمر إلى أن یصل إلى ما لا نهایة له وجودا"، وهذا نفس ما حكموا بامتناع وجوده؛

هذا كله مضافا إلى العلم بأن الوصول إلى ما لا نهایة له من المراتب لا یمكن إلا بعد استمرار الأمر بعدد غیر متناه بالضـرورة.

٢. یبطل القول بقدم وجود العالم وأزلیة الحركة في الجوهر أو غیره، وكون الزمان والمكان غیر متناهیین، ویأتي تفصیل ذلك إن شاء الله تعالى.

٣. یظهر بطلان ما تعتقده الفسلفة الصدرائیه ـ المسماة بالحكمة المتعالیة ـ القائلة بأن: الوجود حقیقة ذات مراتب لامتناهیة، وأشد المراتب فیها هو الحقیقة الواجبیة، وذلك أنه:

ألف) نفس تحقق موضوع ذلك یكون محالا ذاتا وثبوتا، لأن الحقیقة التي فرضناها ذات مراتب تكون حقیقة عددیة، واللامتناهي المتصور فیه هو اللامتناهي اللایقفي، وهو ما لا یتحقق منه عدد غیر متناه مطلقا، بل كل ما یمكن أن یوجد منه بالفعل فهو مقدار متناه قابل للزیادة علیه دائما، ولا یصل إلى ما لا یتناهی أبدا. وعلیه فالقائلین بوجود اللامتناهي قد خلطوا بین أحكام اللامتناهي اللایقفي الذي یكون متناهیا دائما مع اللامتناهي الحقیقي

معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام٦٦

الذي یكون موجودا وهمیا صـرفا.

ب) إن الحقیقة التي تكون كذلك فهي متجزیة بالبداهة، بل بناء على الفرض، فلا وجه للحكم علیه بالوجوب (ومن المسلم عندهم: أن المركب محتاج، والمحتاج لا یكون واجبا). والبساطة بمعنى عدم التركیب عن الأجزاء الامتدادیة الخارجیة الواقعیة.

نعم كیف یمكن الفلسفة أن تقول ببساطة ذات الخالق تعالی وهيقائلة:

«فالعلة هي نفس الوجود الذي يصدر عنه وجود المعلول».١

«إن العلّة تمام وجود معلولها...أن تمام الشـيء هو الشـيء ومايفضل عليه ».٢

«إن ذاته المتعالية مبدأ لكل كمال وجودي ومبدأ الكمال غير فاقد له ففي ذاته حقيقة كل كمال يفيض عنه وهو العينية».٣

«لا يشذ عنه وجود».٤

ويُعتَبر في كتاب بدایة الحكمة ونهايتها عينية ذات الله تعالی مع الأشياء بلا غيرية أصلا، وأن ذات الله تعالى یتطور بصور الأشياء المختلفة، ويعتبر تقدم وجوده تعالى على وجود الممكنات على نحو التطور، وينفى فیهما كون العالم بإيجاده تعالى وخلقه وتأثيره وفاعليته وعليته الاختيارية:

«تقدم الوجود على الوجود فهو تقدم آخر غير ما بالعلية، إذ ليس بينهما تأثير وتأثر ولا فاعلية ولا مفعولية، بل حكمهما حكم شـيء واحد له شؤون وأطوار وله تطور من طور إلى طور».٥

«


  1. الطباطبائي، محمد حسين، نهاية الحكمة، ١٦٦.
  2. الطباطبائى، محمدحسين، نهايةالحكمة، ٢٣٤ ـ٢٦٩.
  3. الطباطبائي، محمد حسين، بداية الحكمة، ١٦٢.
  4. الطباطبائي، محمد حسين، بداية الحكمة، ١٦٣
  5. الطباطبائي، محمد حسين، نهاية الحكمة، ٢٢٦.
٦٧اللامتناهي، حقیقة أم خیال؟!

قول بعضهم إن علّة الإيجاد مشيئته وإرادته تعالى دون ذاته كلام لامحصل له».١

وبدلا من أن يُثبَت في الكتابين الوجوب لله الخالق المتعال يُثبَت ذلك علی العكس لنفس وجود الأعيان والأجسام والمخلوقات!

وبدلا من أن يُنفى في الكتابین وجود إله ثان، ینفى علی العكس وجود أي شـيء ثان، فكل شـيء عندهم لا یكون غیر وجود الله!:

«إن حقيقة الوجود التي هي عين الأعيان وحاق الواقع... يمتنع عليها العدم واجبة الوجود بالذات».٢

«حقيقة الوجود... لا ثاني لها فهي واجبة الوجود بالذات».٣

«واجب الوجود تعالى حقيقة الوجود الصـرف التي لا ثاني لها... إذ كل ما فرض ثانيا لها عاد أولا».٤

وهي القائلة بأن: علة الكل ـ بل وسائر المراتب الوجودیة النازلة عندهم ـ هي المفیضة والمعطیة لوجود غیرها، والمعطي لا یكون عندهم فاقدا لما یعطي مما یوجد في ذوات الممكنات، بل تكون المعلولات ـ وهي المراتب النازلة للوجود عندهم المحاطة بحیطة وجودات ما فوقها ـ غیر خارجة عن وجود العلة ولو بنفس أعیانها الخارجیة الامتدادیة المتجزیة.

ويأوّل معنى العلية والمعلولية في كتابي بداية الحكمة ونهایتها إلى ما ليس في الحقيقة إلا معنى الجزء الذي ليس خارجا عن الكلّ، بل يكون متقوما بوجود الكلّ لا بإيجاده،


  1. الطباطبائي، محمد حسين، بداية الحكمة، ١٦٢.
  2. الطباطبائي، محمد حسين، نهاية الحكمة، ٢٦٨.
  3. الطباطبائي، محمد حسين، بداية الحكمة، ١٥٦.
  4. الطباطبائي، محمد حسين، بداية الحكمة، ١٥٧.
معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام٦٨

ومن الغريب أنهم سموا ذلك تشكیكا وحمل الحقيقة والرقيقة! وما التفتوا إلى أن ما ابتدعوه وسمّوه تشكیا وحمل الحقيقة والرقيقة هما نفس معنى الجزء والكل! والمعاني لا يختلف بصـرف تغيير الألفاظ والعبارات الفارغة:

«الوجودات الإمكانية كائنة ما كانت... محاطة له بمعنى ماليس بخارج».١

«إن الموجود الرابط... هو موجود في غيره... بمعنى ما ليس بخارج... لا بمعنى الجزئية والتركب... وهو نوع من حمل الحقيقة والرقيقة».٢

«إن ما سواه من الموجودات معاليل له... حاضـرة عنده بوجوداتها».٣

ویعتبر فیهما ذات الله تعالى عین كل شـيء مع إضافة غیره إلیه، فوجوده عندهم تعالى مساو لوجود جمیع الأشیاء!:

«إن العلّة تمام وجود معلولها...إن تمام الشـيء هو الشـيء وما يفضل عليه».٤

«من الواجب في التشكیك أن یشمل الشدید علی الضعیف وزیادة».٥

إن قلت: فما هو قولهم بأن: "الواجب واجد لوجود غیره بنحو أعلى وأتم؟!"

قلت: كل ذلك لا یفید شیئا للتخلص عن الإشكال، فإن العلو والتمامیة عندهم هو: "واجدیة العلة للشـيء وما یفضل علیه"، وإنهم یقولون: حیث إن المعلول یكون في وجوده محدودا والعلة غیر متناه، فهي واجدة لوجود المعلولات بنفس أعیانها الخارجیة دون حدودها المستلزمة لكون العلة محدودة ومتناهیة؛ وهذا هو معنى الكمال والتمام عندهم فلا تغفل.


  1. الطباطبائي، محمد حسين، نهاية الحكمة، ٣٠١.
  2. الطباطبائي، محمد حسين، نهاية الحكمة، ٢٤١ ـ ٢٤٢.
  3. الطباطبائي، محمد حسين، نهاية الحكمة، ٢٨٩ـ ٢٩٠.
  4. الطباطبائى، محمدحسين، نهايةالحكمة، ٢٣٤ ـ٢٦٩.
  5. الطباطبائي، محمدحسين، نهايةالحكمة، ١١٨.
٦٩اللامتناهي، حقیقة أم خیال؟!

قال السبزواري في حاشیة الأسفار:

«وذلك الوجود الوسیع أیضا هو هذه الوجودات لكونه جامعا لها بنحو أعلى وأبسط في مقام ذاته الشامخ، وتلك الوجودات أیضا هي هو لكونها ظهوراته، فهي حاكیة إیاه بنحو الضعف وهو حاك إیاها بنحو التمام».١

فإنا إذا فرضنا دوائر موجودة بعضها أوسع من بعضها الآخر محیطة بهالكانت كل دائرة محاطة محدودة بحد وجودها الخاص بها، ولكن الدائرة الأوسعمنها المحیطة بها لا تكون محدودة بحدود وجود الدائرة المحاطة، بل تفضل علیها بزیادة من الوجود الذي لا تكون تلك الزیادة للدائرة المحاطة، وكذلك الدائرة الثالثة الأوسع منهما تحیط بوجود الدائرتین تحتها، وكذالك تحیط دائرة رابعة بما تحتها من الدوائر، وهكذا إلى ما لا نهایة له عندهم.

هذه الإحاطة تكون عندهم هي واقع معنى العلیة، كما أن هذه المحاطیة تكون عندهم هي حقیقة معنى المعلولیة، ولهذا قد ترى أنهم یصـرحون بأن تقابل وجود الخالق والمخلوق هو تقابل الجزء والكل، ویقولون بأن المعلول ـ حتى المادي الجسماني منه ـ یكون حاضـرا عند وجود علته ومحاطا به بنفس وجوده الجسمي المادي.

وجاء في "نهایة الحكمة":

«من الواجب في التشكیك أن یشمل الشدید على الضعیف وزیادة».٢

وفي "تعلیقات كشف المراد":

«... وهذا الإطلاق الحقیقي الاحاطي حائز للجمیع، ولا یشذّ عن حیطته شـيء».٣

ویقول السبزواري في معنى شدّة الوجود ونورانیته:

«إن الكثرة التي من حیث الشدة والضعف والتقدم والتأخر وغیرهما في أصل الحقیقة الوجودی


  1. حاشية الأسفار، ١ / ٣٣.
  2. الطباطبايى، محمد حسين: نهاية الحكمة، ١١٨.
  3. حسن زاده آملي، حسن، تعليقات كشف المراد، ٥٠٢.
معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام٧٠

ة، كاشفة عن الأشملیة والأوسعیة وفقد السلب بما هو سلب الوجود».١

وفي "تعلیقة نهایة الحكمة":

«وأما علم العلة بالمعلوم علما حضوریا فیمكن تعلقه بالموجود المادي بما أنه موجود مادي. والإشكال بأنه: لا حضور للموجود المادي لنفسه فكیف یكون حاضـرا للعالم؟ مندفع بأن غیبوبة أجزائه بعضها عن بعض لا تنافي حضورها للفاعل المفیض».٢

وفي كتاب "وحدت از دیدگاه عارف وحكیم":

«التشكیك، في مرأى العارف ومشهد شهوده بمعنى سعة وضیق مجالي ومظاهر الحقیقة الواحدة».٣

ویقول السبزواري في حاشیة الأسفار:

«لم یشذ المادة عن حیطته بل حضورها له بنحو أشد لأن لها حضورا للفاعل بالوجوب... بالنسبة إلى المبدإ المحیط ووحدته الجمعیة وحضوره في كل دابر وحاضـر وغابر وثباته في كل متجدد وزائل وداثر وأنه الأصل الثابت في كل أصل وفرع والمعنى المحفوظ في كل صورة وشكل ووضع فالفرق بما هو فرق عین الجمع والغیبة بما هي غیبة عین الحضور».٤

ومن هنا ترى أنهم عمدوا ـ خلافا للعقل والبرهان والضـرورة والوجدان ـ إلى تحریف معنى "التركیب" عن معناه الواضح عند كل بسیط، إلى معنى "التركیب عن الوجود والعدم!"


  1. حاشية الأسفار، ٦ / ٢٢.
  2. المصباح اليزدي، محمد تقي، تعليقة على نهاية الحكمة: ٣٥٢.
  3. حسن زاده، حسن: وحدت از ديدگاه عارف و حكيم، ٦١.
  4. ملا هادي السبزواري، حاشية الأسفار، ٦/١٦٤.
٧١اللامتناهي، حقیقة أم خیال؟!

كما ترى أنهم حرفوا معنى "البساطة" التي تكون بمعنى: "عدم كون الشـيء ذات أجزاء، وغیر قابل للتجزي والانقسام"، إلى معنى كونه "كل الأشیاء"!

التركیب عن الوجود والعدم!!

إن الفلسفة حیث عجزت عن نفي كون الخالق تبارك وتعالى مركبا عن الأجزاء الامتدادیة الخارجیة ـ وهم القائلون بكون الخالق تعالی كل الأشیاء ولا یكون شـيء من الأشیاء خارجا عن حیطة وجوده ـ عمدوا خلافا للبرهان والضـرورة والعرف واللغة إلى تحریف معنى التركیب والبساطة، وابتدعوا للبساطة معنى یناقض معنى البساطة في الحقیقة! وذلك أنهم قالوا: إن من التركیب هو التركیب عن الوجود والعدم، وهو شـر التراكیب!

ثم فرعوا على ذلك وقالوا: حیث إن كل شـيء غیر الواجب یكون محدودا متناهیا فهو مركب من وجود وعدم! ـ أي عدم الشـيء المحدود وراء حده الخاص به ـ، وأما الواجب حیث إنه یكون لا متناهیا وغیر محدود بوجود خاص لا یحد وجودَه حدود وجود الأشیاء الواقعة في حیطة وجوده، ولا یكون مركبا من وجود شـيء وعدم شـيء آخر، وهذا هو معنى بساطته! فهو یكون ببساطته ـ أي بوجوده اللامتناهي غیر المركب من وجود شـيء وعدم شـيء آخر ـ كل الأشیاء، ولا یشذ عن حیطة وجوده شـيء مطلقا. قد جاء في نهایة الحكمة:

«وهذا المعنى... نوع من البساطة والتركیب في الوجود غیر البساطة والتركیب... من جهة الأجزاء الخارجیة أو العقلیة أو الوهمیة... إن المرتبة... كلما عرجت وزادت قرباً من أعلى المراتب قلّت حدودها واتسع وجودها حتى یبلغ أعلى المراتب فهي مشتملة على كل كمال وجودي من غیر تحدید ومطلقة من غیر نهایة».١

ولا تغفل


  1. الطباطبايي، محمد حسين: نهاية الحكمة، ١٨ ـ ٢٠.
معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام٧٢

عن أن القول بوجود حقیقة غیر متناهیة لا جزء لها، ولا كل، ولا امتداد، ولا زمان، ولا مكان، ولا جهة، ولا كیف، ولا صورة، و... وهو مع هذا لا یخرج عن حیطة وجوده شـيء من الأشیاء، أشبه بالهزل منه بالجدّ.

ج) إذا كان معنى العلیة والمعلولیة والشدة والضعف هو الإحاطة الوجودیة والمحاطیة، وكان وجود كل مرتبة من الحقیقة المفروضة معللا بما فوقه، فلیكن كل ما فوق كذلك أیضا أبدا، ـ اقتضاء لعدم انقطاع السلسلة، وامتناع الوصول إلى المرتبة اللامتناهیة إلا بعد وجود عدد لا متناه من المراتب! ـ فلا یبقى حینئذ مجال لإمكان وجود الواجب بالإمكان العام، فضلا عن وجوب وجوده! فإن المرتبة اللامتناهیة تستحیل وجودها إلا بعد وجود مراتب لامتناهیة، وانتهاء اللامتناهي خلاف كونه لامتناهیا.

(والفرق بین هذا الإشكال والإشكال الأول هو أخذ عنوان المعلولیة هاهنا دون هناك؛ والعجب من الفلسفة حیث إنها مع الاعتراف باستحالة عدم التناهى في العلل، یستند إلى الدلیل المذكور لإثبات واجبها!!)

مضافا إلى أن القاعدة الفلسفیة المسماة عندهم بالإمكان الأشـرف أیضا تقتضـي بنفسها أن لا یتحقق ممكن ولا واجب، وذلك أن وجود كل ممكن یتوقف على وجود ممكن أشـرف منها وهكذا ـ فإنه لاموجب لتحدید المراتب الممكنة بالذات، بمرتبة خاصة منها ـ فیمتنع أن یوجد شـيء من الممكنات مطلقا، هذا من ناحیة الممكنات.

وأما من ناحیة وجود الواجب فإنه یمتنع أن یكون هناك واجب وذلك أنه كما قلنا لا موجب لتحدید مراتب الشـرافة بمرتبة خاصة منها، فكل مرتبة من المراتب یجب أن یكون فوقها مرتبة أشـرف منها وهكذا، فلا تصل النوبة إلى إمكان وجود الواجب فضلا عن وجوبه.

وقولهم: "لا مناص عن وجود الواجب لذاته، لاستحالة الدور والتسلسل" لا یفید إثبات الواجب إلا بعد:

٧٣اللامتناهي، حقیقة أم خیال؟!

الالتزام بتناهي السلسلة، والرجوع عن: "القول بكون الواجب هو نفس المرتبة اللامتناهیة من مراتب السلسلة ذات المراتب"، وعن "القول بقدم العالم"

وإلا فمع عدم الالتزام بكون الخالق تبارك وتعالى متعالیا عن الاتصاف بالجزء والكل والتناهي وعدم التناهي وعن الوقوع في السلسلة ذات المراتب، ومع إنكار حدوث العالم، وإنكار استحالة مطلق اللامتناهي، فلیس كلامهم المذكور إلا تناقضا بین الدلیل والنتیجة، بداهة أن القول بالحدوث الذاتي والحركة الجوهریة الأزلیة وقدم العالم وعدم تناهي سلسلة الموجودات وإمكان وجود المرتبة اللامتناهیة لحقیقة الوجود یكون الكلام المذكور نفس القول بالتسلسل، بمعناه الحقیقي فكیف یمكن إثبات شـيء من طریق إبطاله؟!

ونقول ببیان مختصـر: إن إثبات وجود المرتبة اللامتناهیة، یتوقف على إثبات امتناع وجودها في نفس الاستدلال من جهة استحالة التسلسل وامتناع ذهاب السلسلة إلى مرتبة لامتناهیة، وهو تناقض ظاهر.١

الإمام الصادق عليه السلام:

«فإن كنت صنعتها وكانت موجودة فقد استغنیت بوجودها عن صنعتها».٢


  1. لا يخفى أنه يشكل أمر إثبات الواجب على أصحاب الفلسفة من ناحية عدم إمكان إبطال الدور على مبانيهم أيضا. وذلك أنه إذا كان يجوز عندهم أن يكون ممكن الوجود ازليا ملازما لوجود علته، فلا وجه لتسمية أحد هذين الأمرين المتلازمين في الوجود واجبا والآخر ممكنا، بل إذا جاز أن يكون الوجود الأزلي مستندا إلى غيره، فالمتلازمان يكونان في هذا الأمر سواء، فيصبحان ممكنين أزليين يستند وجود كل منهما إلى الآخر، حيث إن أمر الاستناد والإيجاد يكون على هذا الفرض شيئا اعتباريا صـرفا، والأمر الاعتباري يتعاكس بتعاكس الاعتبار. وهذا هو نفس القول بالدور الباطل عند جميع العقلاء بالضـرورة. وعن الإمام أمير المؤمنين عليه السلام: ولو كان قديما لكان إلها ثانيا (*بحار الأنوار، ٤ / ٢٥٥).
  2. التوحيد، ٢٩٠، عنه بحارالأنوار، ٣ / ٥٠.
معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام٧٤

الإمام الرضا عليه السلام:

«كیف یكون خالقا لمن لم یزل معه؟!»١

د) إن الاعتقاد بكون اختلاف الأشیاء بالشدة والضعف في عرض الاختلاف بالزیادة والنقصان ممنوع، ـ حتى في المثال المشهور على ألسنتهم في ذلك بحقیقة النور ـ موجا كان أو ذرة أو... ـ بل في سائر الأمثلة التي یمثلون بها لتبیین القول بالتشكیك كالعدد والحركة و... ـ ویأتي تفصیل ذلك عند البحث عن أسطورة وجود المجردات إن شاء الله تعالى.

ولا بأس بأن نشیر إلى ذلك هاهنا إجمالا فنقول: إن كل ما سوى الخالق تعالى فهو یمكن أن یوجده وإن كل ما یمكن أن یوجد فرد منه فیجوز أن یوجد له ثان، وكل ما یمكن الزیادة علیه فهو عددي متجزئ كمّي، ومن الواضح أن اختلاف الكم والعدد لا یتصور إلا بالزیادة والنقصان لا غیر؛ فلا وجه للقول بكون اختلاف الأشیاء بالشدة والضعف في عرض اختلافها بالزیادة والنقصان، وقد اعترفت بذلك الفلسفة حیث تقول:

«إن الكم لا یوجد فیه التشكیك بالشدة والضعف وهو ضـروري أو قریب منه، نعم یوجد فیه التشكیك بالزیادة والنقص كأن یكون خط أزید من خط في الطول، إذا قیس إلیه وجودا، لا في أن له ماهیة الخط، وكذا السطح یزید وینقص من سطح آخر من نوعه، وكذا الجسم التعلیمي».٢

ه) إنا ولو فرضنا كون الاختلاف بالشدة والضعف أمرا ممكنا في نفسه لكنه لا وجه لادعاء كون شدة الوجود مناطا للوجوب. بل لقائل أن یعكس الأمر ویقول إذا كانت مرتبة ضعیفة من الوجود محتاجة إلى غیرها فكلما اشتدت المرتبة اشتد الفقر والاحتیاج.

والألطف في المقام هو أن یقول قائل بوجوب وجود الهیولا، حیث إن الهیولا ـ أو سمّه ما شئت ـ عندهم هو ما یكون فعلیته أن لا فعلیة له!:

«وحيثية الفعل غير حيثية القوة لأن الفعل متقوم بالوجدان والقوة متقومة بالفقدان ففيه جوهر... ليس له من الفعلية إلا فعلية أنه قوة محضة».٣

«كالمادة الأولى التي لها قوة الأشياء وفعلية أنها بالقوة».٤

«إذا أخذنا مرتبة ضعيفة واعتبرناها مقيسة إلى ما هي أضعف منها وهكذا حتى ننتهي


  1. الكافي، ١ / ١٢٠؛ بحار الأنوار، ٤ / ١٧٦، عن التوحید والعیون.
  2. الطباطبايي، محمد حسين: نهاية الحكمة، ١١٢.
  3. الطباطبايي، محمد حسین، بدايةالحكمة، ٧٢.
  4. الطباطبايي، محمد حسین، بداية الحكمة، ١٢٤.
٧٥اللامتناهي، حقیقة أم خیال؟!

إلى مرتبة من الكمال والفعلية ليس لها من الفعلية إلا فعلية أن لا فعلية لها».١

«فكل حد من حدود هذا الوجود الواحد المستمر كمال بالنسبة إلى الحد السابق ونقص وقوة بالنسبة إلى الحد اللاحق حتى ينتهي إلى كمال لا نقص معه، أي فعلية لا قوة معها كما ابتدء من قوة لا فعلية معها».٢

«تنتهي حركة الجوهر من جانب البدء إلى قوة لا فعل معها إلا فعلية أنها قوة لا فعل معها وهو المادة الأولى ومن جانب الختم إلى فعل لا قوة معها وهو التجرد».٣

أقول: فما یكون "فعلیته أن لا فعلیة له أصلا"هو "معدوم محض"، بل هو "موجود ومعدوم"! فهو أحرى بأن لا یسأل عن علته، وما لا یسأل عن علته أحرى بأن لا یكون معلولا!!

نقد العقیدة الفلسفیة القائلة بتشكیك الوجود

تقول الفلسفة الصدرائیة:

«إن الوجود حقیقة واحدة بسیطة ذات مراتب مختلفة بالشدة والضعف، ولا یكون الاختلاف بین مراتبها المختلفة إلا بنفس حقیقته البسیطة، كل مرتبة منها ففوقها مرتبة أشد منها محیطة بها إلى أن تصل إلى مرتبتها اللامتناهیة، وهي مرتبة لا یتصور أشد


  1. الطباطبايي، محمد حسین، نهاية الحكمة، ١٩.
  2. الطباطبايي، محمد حسین، نهاية الحكمة، ٢٠٠.
  3. الطباطبايي، محمد حسین، نهاية الحكمة، ٢٠٤
معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام٧٦

منها، بل هو فوق ما لا یتناهی بما لا یتناهی، ودون كل مرتبة منها أیضا مرتبة أضعف منها حتى تصل إلى مرتبة لا أضعف منها».

فنقول: إن القول بالشدة والضعف في الوجود، إما أن یبتني:

على الإمكان الاستعدادي

وإما على الإمكان الماهوي

وإما على الإمكان الفقري

فنبحث عن ذلك على المباني الثلاثة ونقول:

١) إن الإمكان الذي تصورت فیه الشدة والضعف إن أرید به الاستعدادي فبطلان المبنى عند العقل والنقل ـ الحاكمین بحدوث العالم وكون المخلوقات بأسـرها ذات بدء وانتهاء بل امتناع أزلیة الفعل بالذات ـ یكون من الواضحات (وبینتفصیل ذلك في البحث عن ملاك المخلوقیة وآیة المصنوعیة,).

مضافا إلى أن التعبیر بالشدة والضعف في الوجود عن الاختلاف في الاستعداد لا یناسبه أصلا وأجبني عن حقیقة معناه طرا؛ ومع غض النظر عن ذلك كله، إن الخالق تعالى لا یقع بالذات في ضمن سلسلة لا تأبى أفرادها عن القوة والاستعداد، وذلك حیث إنه تكون القوة والاستعداد ملكة للموجود الامتدادي، والله تعالى خالق المقادیر ومبائن لها بالذات.

٢. إن أرید بالإمكان الذي ادعیت فیه الشدة والضعف الإمكان الماهوي المقابل للوجوب والامتناع، ففرض الشدة والضعف فیه مناقض لحقیقة معنى إمكانه، فإن مع فرض الشدة والأولویة لأحد طرفي الوجود والعدم للمكن فإن كان الطرف الآخر ممكنا أیضا، فالأولویة لیست بأولویة، وإن لم یكن ممكنا فقد انقلب الإمكان إلى الوجوب أو الامتناع.

مضافا إلى ما تقدم ویأتي مفصلا إن شاء الله تعالى من أن وجود الخالق جل وعلا لیس مسانخا مع أفراد سلسلة یجوز علیها

٧٧اللامتناهي، حقیقة أم خیال؟!

الوجود والعدم بالذات حتى یصح البحث عن مرتبة وجوده تعالى في ضمن مراتب تلك السلسلة.

٣. إن كان التشكیك في حقیقة الوجود بناء على الإمكان الفقري للأشیاء، فحیث إن ذلك یبتنى على معرفة حقیقة معنى العلة والمعلول عند الفلاسفة، فقبل بیان بطلان الاعتقاد بالتشكیك في حقیقة الوجود بناء على الإمكان الفقري، نبتدء بتعریف الفلسفة عن معنى العلة والمعلول ـ بل تحریفها لحقیقتهما ـ ونقول:

تحریف معنى العلة والمعلول عن حقیقته

تقول الفلسفة إن العلة لا تكون موجدة لحقیقة وجود المعلول عن عدم، والخالق لا یكون موجدا لكیان الأشیاء ووجودها بعد أن لم تكن، بل العلة لیست في حقیقة وجودها شیئا مبائنا لوجود المعلول، كما أن المعلول أیضا لیس في حقیقة وجوده شیئا خارجا عن وجود العلة، فلا اثنینیة حقیقیة في البین.

قال في الأسفار:

«رجعت العلیة والإفاضة إلى تطور المبدأ الأول بأطواره».١

«لیس لما سوى الواحد الحق وجود لا استقلالي ولا تعلقي بل وجوداتها لیس إلا تطورات الحق بأطواره وتشؤناته بشؤونه الذاتیة».٢

هذا كله مع غض النظر عن أن لدیهم قواعد أخرى تقتضـي امتناع وجود شـيء سوى واجبهم وحیث لا وجود لغیره عندهم فلا یبقى لدیهم موضوع یمكن تسمیته بالمعلول أو غیر ذلك، وهي قولهم: إن الواجب یكون لا متناهیا فلا مجال لفرض وجود شـيء سواه، وقولهم بأصالة الوجود وكون المتأصل العیني هو حقیقة الوجود المحض غیر القابل للجعل والعدم بالذات، و...).

یقولون:

«ینقسم الموجود إلى ما وجوده في نفسه ونسمیه الوجود المستقل... وما وجوده في غیره ونسمیه الوجود الرابط... إن الوعاء الذي یتحقق فیه الوجود الرابط هو الوعاء الذي یتحقق فیه وجود طرفیه... إن تحقق الوجود الرابط بین الطرفین یوجب نحوا من الاتحاد الوجودي بینهما.

وذلك لما أنه متحقق فیهما غیر متمیز الذات منهما ولا خارج منهما، فوحدته الشخصیة تقضـيبنحو من الاتحاد بینهما... إن حاجة المعلول إلى العلة مستقرة في ذاته، ولازم ذلك أن یكون عین الحاجة وقائم الذات بوجود العلة لا استقلال له دونها بوجه... فحدود الجواهر والأعراض... روابط وجودیة بقیاسها إلى المبدأ الأول تبارك وتعالى».٣

«إن من الموجودات الرابطة ما یقوم بطرف واحد كوجود المعلول بالقیاس إلى علته... إن نشأة الوجود لا تتضمن إلا وجودا واحدا مستقلا هو الواجب عز اسمه والباقي روابط ونسب وإضافات».٤

«إن وجود المعلول بقیاسه إلى علته، وجود رابط موجود في غیره، وبالنظر إلى ماهیته التي یطرد عنها العدم وجود في نفسه جوهري أو عرضي».٥

«لا حكم للمعلول إلا وهو لوجود العلة وبه».٦

«إن العلة والمعلول بمعناهما المتعارف في الأذهان لا یجري على الأول تعالى وآیاته


  1. ملاصدرا، المشاعر، ٥٤.
  2. ملا صدرا، الأسفار: ٢/٣٠٥.
  3. الطباطبايى، محمد حسين: نهاية الحكمة، ٢٨ ـ ٣١.
  4. الطباطبايى، محمد حسين: نهاية الحكمة، ٣١.
  5. الطباطبايي، محمد حسين: نهاية الحكمة، ١٥٧.
  6. الطباطبايي، محمد حسين: نهاية الحكمة، ١٧٦.
معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام٧٨

والعدم بالذات، و...

یقولون:

«ینقسم الموجود إلى ما وجوده في نفسه ونسمیّه الوجود المستقلّ … وما وجوده في غیره ونسـمیّه الوجود الرابط … إنّ الوعـاء الذي یتحقّق فیه الوجود الرابط هو الوعـاء الـذي یتحقّق فیه وجود طرفیـه … إنّ تحقّق الوجـود الرابط بین الطرفین یوجب نحواً من الاتّحاد الوجودیّ بینهما.

وذلك لمـا أنّه متحقّق فیهمـا غیر متمیّز الـذات منهما ولا خـارج منهما، فوحدته الشخصیّة تقضي بنحو من الاتّحاد بینهما … إنّ حاجة المعلول إلى العلّة مستقرّة في ذاته، ولازم ذلك أن یكون عین الحاجة وقائم الذات بوجود العلّة لا استقلال له دونها بوجه … فحـدود الجواهر والأعراض … روابط وجودیّة بقیاسـها إلى المبدأ الأوّل تبارك وتعالى».١

«إنّ من الموجودات الرابطة ما یقوم بطـرف واحد كوجود المعلول بالقیاس إلى علّته … إنّ نشأة الوجود لا تتضمّن إلّا وجوداً واحداً مستقلّاً هو الواجب عزّ اسمه والباقي روابط ونسب و إضافات».٢

«إنّ وجـود المعلول بقیاسـه إلى علّتـه، وجود رابط موجود في غیره، وبالنظر إلى ماهیّته التي یطرد عنها العدم وجود في نفسه جوهريّ أو عرضيّ».٣

«لا حكم للمعلول إلّا وهو لوجود العلّة وبه».٤

«إنّ العلّة والمعلول بمعناهما المتعارف في الأذهان لا یجري على الأوّل


  1. الطباطبائي، محمّد حسین، نهایة الحكمة، ٢٨ ـ ٣١.
  2. الطباطبائي، محمّد حسین، نهایة الحكمة، ٣١.
  3. الطباطبائي، محمّد حسین، نهایة الحكمة، ١٥٧.
  4. الطباطبائي، محمّد حسین، نهایة الحكمة، ١٧٦.
٧٩اللامتناهي، حقیقة أم خیال؟!

التي هي مظاهر أسمائه التي هي شؤون ذاته الصمدیة التي لا جوف لها، وإن التمایز بین الحق سبحانه وبین الخلق لیس تمایزا تقابلیا، بل التمایز هو تمیز المحیط عن المحاط بالتعین إلإحاطي والشمول الإطلاقي...

وهذا الإطلاق الحقیقي الإحاطي حائز للجمیع ولا یشذ عن حیطته شـيء فهو الكمال الحقیقي وهو سبحانه محیط بكل شـيء لأنه الحي القیوم أي القائم لذاته والمقیم لغیره،... وكون العلة والمعلول على النحو المعهود المتعارف في الأذهان السافلة لیس علی ما ینبغي بعز جلاله وعظموته سبحانه وتعالى».١

«حیث إنه تعالى وجود صمدي فهو الواحد الجمیع».٢

«إن المدافعین عن نظریة وحدة الوجود ـ وفي صدرهم العرفاء منا ـ یعدون منكرین لقانون العلیة، فإنه على وفق نظریتهم لیس في الدار غیره دیار، ولا واقعیة سوى واقعیة واحدة من جمیع الجهات، وبالجملة فلا اثنینیة في البین حتى یبحث عن ارتباط واقعیة مع الأخرى، بل العرفاء القائلین بوحدة الوجود الممحضون في ذلك یجتنبون من استعمال لفظ العلیة والمعلولیه».٣

«وبالنظر إلى ما قدمناه من اعتقاد أصحاب الفلسفة في معنى العلیة والمعلولیة بل تصـریحاتهم بذلك فیظهر أنه لا تفاوت بین أصحاب الفلسفة والعرفان في تفسیر العلیة والمعلولیة، فإنه یقول القائل نفسه:

إن حقیقة المخلوقات هي نفس ظهور ذات الحق وتجلیه».٤

«


  1. حسن زاده، حسن: تعليقات كشف المراد: ٤٦٣.
  2. حسن زاده، حسن: تعليقات كشف المراد: ٤٦٣.
  3. المطهرى، مرتضى: حاشية أصول الفلسفة، ٣ / ١٩٥، نقلنا ذلك معربا.
  4. المطهري، مرتضى: حاشية أصول الفلسفة، ٥ / ١١٠، نقلنا ذلك معربا.
معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام٨٠

المعلول قائم بعلته المفیضة لوجوده، وما هذا شأنه لا یكون خارجا عن وجود علته... فلازم الوقوع في حیطته وعدم الخروج عنها، كون الأشیاء كلها حاضـرة لدى ذاته».١

«إن الوجود العیني المعلول لیس له استقلال عن وجود علته المانحة للوجود، فهما لیسا بصورة موجودین مستقلین... ویعتبر هذا الموضوع من أنفس المواضیع الفلسفیة التي أثبتها المرحوم صدر المتألهین، وقد فتح بذلك السبیل لحل كثیر من المعضلات، ویعتبر هذا بحق من أروع ثمار الفلسفة الإسلامیة...

وبناء على هذا یصبح كل الوجود مكوّنا مجموعة من الوجودات العینیة التي قوام كل حلقة منها بالحلقة الأعلى، وهي أضعف وأكثر محدودیة من حیث المرتبة الوجودیة بالنسبة إلیها، وهذا الضعف والمحدودیة هو ملاك معلولیتها، ویستمر هذا حتى یصل إلى مبدأ الوجود الذي هو غیر متناه من حیث الشدة الوجودیة، ومحیط بجمیع المراتب الإمكانیة ومقومها الوجودي».٢

وفي الأسفار:

«إنه كما أن الموجد لشـيء بالحقیقة ما یكون بحسب جوهر ذاته وسنخ حقیقته فیاضا بأن یكون ما بحسب تجوهر حقیقتها هو بعینه ما بحسب تجوهر فاعلیتها، فیكون فاعلا بحتا لا أنه شـيء آخر یوصف ذلك الشـيء بأنه فاعل، فكذلك المعلول له هو ما یكون بذاته أثرا ومفاضا لا شـيء آخر غیر المسمى معلولا یكون هو بالذات أثرا حتى یكون هناك أمران ولو بحسب تحلیل العقل واعتباره أحدهما شـيء والآخر أثر...

فإذا ثبت تناهي سلسلة الوجودات من العلل والمعلولات إلى ذات بسیطة الحقیقة النوریة الوجودیة متقدما


  1. السبحاني، جعفر: تلخيص الإلهيات، تلخيص علي الرباني الگلپايگاني، ١٢٨ـ ١٢٩.
  2. المصباح اليزدي، محمد تقي،,
٨١اللامتناهي، حقیقة أم خیال؟!

عن شوب كثرة ونقصان، وإمكان وقصور وخفاء، بريء الذات عن تعلق بأمر زائد حال أو محل خارج أو داخل، وثبت أنه بذاته فیاض وبحقیقتة ساطع وبهویته منور للسماوات والأرض، وبوجوده منشأ لعالم الخلق والأمر، تبین وتحقق أن لجمیع الموجودات أصلا واحدا أو سنخا فاردا هو الحقیقة والباقي شؤونه وهو الذات وغیره وأسماؤه ونعوته وهو الأصل وما سواه أطواره وشؤونه، وهو الموجود وما ورائه جهاته وحیثیاته.

ولا یتوهمن أحد من هذه العبارات أن نسبة الممكنات إلى ذات القیوم تعالى یكون نسبة الحلول، هیهات إن الحالّیة والمحلّیة مما یقتضیان الاثنینیة في الوجود بین الحال والمحل، وهاهنا أي عند طلوع شمس التحقیق من أفق العقل الإنساني المتنور بنور الهدایة والتوفیق، ظهر أن لا ثاني للوجود الواحد الأحد الحق، واضمحلت الكثرة الوهمیة، وارتفعت أغالیط الأوهام.

والآن حصحص الحق، وسطع نوره النافذ في هیاكل الممكنات یقذف به على الباطل فیدمعه فإذا هو زاهق، وللثنویین الویل مما یصفون إذ قد انكشف أن كل ما یقع اسم الوجود علیه ولو بنحو من الأنحاء فلیس إلا شأنا من شوؤن الواحد القیوم، ونعتا من نعوت ذاته، ولمعة من لمعات صفاته.

فما وصفناه أولا أن في الوجود علة ومعلولا بحسب النظر الجلیل قد آل آخر الأمر بحسب السلوك العرفاني إلى كون العلة منهما أمرا حقیقیا والمعلول جهة من جهاته، ورجعت علّیة المسمى بالعلة وتأثیره للمعلول إلى تطوره وتحیثه بحیثیة لا انفصال شيءمبائن عنه».١

وعلق علیه السبزواري عند قوله "فما وصفناه..." بقوله:

«ما أقرب هذا من قوله قریبا من مبحث الوجود الذهني: إیجاده للأشیاء اختفاؤه فیها


  1. ملا صدرا: الأسفار، ٢ / ٢٩٩ ـ ٣٠١.
معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام٨٢

مع إظهاره إیاها، وإعدامه لها في القیامة الكبرى ظهوره بوحدته وقهره إیاها بإزالة تعیناتها، ولیس المراد أنه ظهر خلاف ما وضع بل إنه كان یترائی البینونة العزلیة ولیس الأمر كذلك فاحكم بالعلیة ولكن تصـرف فیها بأنها التشأن لا التوحید [!!] مثلا كما یقوله المعتزلي فإنه تعالى لم یلد ولم یولد بل كل یوم هو في شأن».١

وعلق على قوله "فكذلك المعلول له..." بقوله:

«ومعلوم أن الأثر لیس شیئا على حیاله، بل هو ظهور مبدئه، والغرض من هذا البیان أن لیس المقصود من التوحید الخاصـي في لسان القوم إلا أن الوجودات فقراء بحتة إلى الله الغني وروابط محضة إلى القیوم الصمد ذواتا وصفاتا وأفعالا، وظهوره منطو في ظهوره كما في الدعاء یا نور كل نور، وإن الوجودات متقومات بذواتها بذاته، وذاته مقومة بذاته لذواتها».٢

وتقول الفلسفة أیضا:

«إن ما لا یكون وجودا ولا موجودا في حد نفسه، لا یمكن أن یصیر موجودا بتأثیر الغیر وإفاضته، بل الموجود هو الوجود وأطواره وشؤونه وأنحائه».٣

«فالوجود غیر مجعول مطلقا، كما أنه غیر قابل للعدم مطلقا لاستحالة انفكاك الشـيء عن نفسه وانقلابه إلى غیره».٤

«إن غیر المتناهي قد ملأ الوجود كله... فأین المجال لفرض غیره».٥

«


  1. الأسفار، ٢ / ٣٠٠.
  2. الأسفار، ٢ / ٢٩٩.
  3. ملا صدرا: الأسفار، ٢ / ٣٤١.
  4. حسن زاده، حسن: تعليقات كشف المراد، ٤٧٧.
  5. جوادي آملي، عبد الله، علي بن موسی الرضا والفلسفة الإلهية،٣٦، ١٣٧٤ش.
٨٣اللامتناهي، حقیقة أم خیال؟!

كل ما عداه فهو فیضه، فلا یكون أمرا مبائنا عنه».١

«وأما تفسیر حصـر الوجود في الله بأن یكون الله هو الموجود بالذات وما سواه موجودا بالغیر وأن یكون الله مُوجِدا لغیره فلا یتلائم مع الوحدة الشخصیة للوجود أبدا».٢

«لیس موجود إلا الله وكل ما یكون غیر وجهه فهو معدوم دائما».٣

«في العرفان لیست نسبة وجود العالم مع الواجب تعالى وجودا رابطیا كالعرض، ولا وجودا ربطیا كالحرف، وإصـرار صدر المتألهین قدس سـره على ذلك لا یفید شیئا، لأن على أساس الوحدیة الشخصیة للوجود فللوجود مصداق واحد فقط وهو الواجب الذى یكون مستقلا ولا مصداق لغیره أبدا».٤

«إذا ینبغي أن یكون الهدف الأسمى هو العود إلى ذلك الأصل واندراج وانطفاء ذواتنا في طي الذات الواجبیة، كما تندرج القطرة في البحر، وهذا هو معنى الفناء الحقیقي للذات، فلا غضاضة بعد ذلك إذا ما سئلت القطرة ما أنت؟ فتقول: أنا البحر!»٥

«إنّ وجوده سبحانه غیر متناه، وحیث یكون كذلك، فلا یمكن أن یفرض هناك وجود... إلّا والحقّ سبحانه واجد لها».٦

أقول: ومع هذه التصـریحات الواضحة فكیف یمكن أن یدعى:

«وهذه الوحدة التي قال بها صدر المتألّهین لیست هي وحدة الوجود العرفاني


  1. جوادي آملي، عبد الله ، علي بن موسی الرضا والفلسفة الإلهية، ٩، ١٣٧٤ هـ.
  2. جوادي آملي، عبد الله، تحرير تمهيد القواعد، ١ / ٦٥.
  3. جوادي آملي، عبد الله، تحرير تمهيد القواعد، ٣ / ٣٩٥.
  4. جوادي آملي، عبد الله، تحرير تمهيد القواعد، ١ / ٧٢.
  5. الحيدري، كمال، من الخلق إلی الحق، ١٤٢٦ ق.٨٧.
  6. التوحيد، تقرير دروس السيد كمال الحيدري، ١ / ٩٩.
معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام٨٤

التي یقولها العارف والصوفي. ویعبِّر عنها بوحدة الوجود الشخصیة!»١

كما لا وجه لما قد یقال تناقضا:

«التناهي وعدمه من خواص الكم. وسیأتي في الإلهیات بالمعنى الأخص أنه عند ما یقال بأن الحق سبحانه وتعالی غیر متناه فلا یراد به التناهي الذي یعرض الكم، فلو فرض وجود غیر متناه آخر غیر الله تعالى فإن هذا لا یجعله واجباً. إذ اللاتناهي في الواجب سبحانه وتعالى غیر اللاتناهي الذي یعرض الكم!»٢

فإن من الواضح أن من التفت إلى معنى اللامتناهي كما هو حقه لا یرى مجالا لوجود أي شـيء آخر بوجه من الوجوه، وقد اعترف بذلك جمیع أساطین الفلسفة والعرفان والتصوف. ومن الطریف أن القائل یقول بنفسه:

«وأنّه تعالى غیر متناهي الذات ولا محدودها، فلا یقابل ذاته ذات وإلّا لهدّده بالتحدید».٣

و یقول:

«إنّ صدر المتألّهین... بعد تبلور أفكاره في مسائل ومباحث الوجود ذهب إلى القول بالوحدة الشخصیة للوجود، وهي عین رأي العرفاء الإلهیین. وصـرح الشیرازي... یشیر به إلى عدم وجود أي شـيء في الوجود عدا الذات والصفات والأفعال الإلهیة...

یقول [ملا صدرا]: "... إنّ وجوده تعالى... یكون كلَّ الوجود ... فالحقیقة إذن واحدة وهي الحقّ تعالى، وما عداه شؤون وأطوار وانعكاس وظلّ لتجلّیات الذات الإلهیة... كلّ ما في الكون وهمٌ أو خیال أو عكوسٌ في المرایا أو ظلال...


  1. رزق، خليل، قراءة في مرتكزات الحكمة المتعالية، ١٦٤، من محاضـرات السيد كمال الحيدري .
  2. شـرح بداية الحكمة، ١/٣٨٠، رزق، خليل، تقريرا لأبحاث السيد كمال الحيدري .
  3. الحيدري، كمال، بحوث عقائدية، ٣ / ٣٨.
٨٥اللامتناهي، حقیقة أم خیال؟!

ما نحن بصدده من ذي قبل إن شاء الله من إثبات وحدة الوجود والموجود ذاتاً وحقیقة، كما هو مذهب الأولیاء والعرفاء... إنّ الوجودات... من مراتب تعینات الحقّ الأوّل».١

«ما من وجود أو كمال وجودي إلّا والحق (تعالی) واجد له بنحو البساطة لأنه بسیط الحقیقة، وبسیطة الحقیقة كل الأشیاء. وعلیه فالواجب (تعالی) لا متناه بل فوق ما لا یتناهی بما لا یتناهی».٢

وقد یقال في مدرسة التفكیك المدعی أنه یقابل الفلسفة والعرفان وهو نفس مدرسة الفلسفة والعرفان والتصوف:

«لیس شـيء غیره تعالى وغیر وجوده وإلا یلزم التحدید».٣

«إن واقع الأمر هو أنّه لیس في العالم شـرك أصلا».٤

«الحقیقة مختصة


  1. رزق، خليل، قراءة في مرتكزات الحكمة المتعالية، ١٦٧ ـ ١٧١، من محاضـرات السيد كمال الحيدري .
  2. الحيدري، كمال، دروس في الحكمة المتعالية، ١/ ٢٤٦.
  3. الميرزا مهدي الإصفهاني، التقريرات بقلم الشیخ محمود الحلبي. (والمؤلف هو الميرزا مهدي الإصفهاني مبتدع مدرسة التفكيك، وهو كان يظهر المخالفة الشديدة مع الفلاسفة والعرفاء ولكنّه لم يأت مع الأسف بشـيء غير ما نسجه العرفاء والفلاسفة في مقام الإثبات، وهو مع هذا يدّعي أن مدرسته هي مدرسة القرآن وأهل البيت ^! فمال إلی مدرسته بعض من لا خبرة له بحقائق المعارف الدينية وعقايد الفقهاء والمتكلمين، ولهذا صار مذهب التفكيك من أعظم مصائب الإسلام فعلا، لأنه يروج أوهام الفلاسفة والعرفاء والصوفية باسم مدرسة أهل البيت ^ كما قد صـرح بذلك وردّ عليه جميع العلماء والمراجع الذين رأوا مكتوبات مؤسسه وإن يحسن الظن به بعضهم من جهة شخصيته فقط لا من حيث مطالبه العلمية. فمدرستهم من هذه الجهة تكون كفرقة الشيخية وهم أعظم خطرا وأشد ضـررا علی شيعة أهل البيت ^ من نفس الفلسفة والعرفان جدا.)
  4. الحلبي، محمود، المعارف الإلهية، ٧٥٥. (والمؤلف من أساطين مدرسة التفكيك التي تظهر المخالفة مع الفلاسفة والعرفاء ولكنها موافقة معهم في جميع مباني مطالبهم الباطلة).
معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام٨٦

بذات الله، الذات مختصة بحضـرة ربّ العزة. فهل أنت ذات والله أیضا هو ذات؟ هل أنت حقیقة والله أیضا هو حقیقة؟ لا، لا، كلا! هذا یكون غلطا محضا! یكون كفرا محضا! إن كان هكذا فأنت أیضا تكون موجودا فى قبال الله! وأنت تكون واحدا والله یكون واحدا آخر!»١

«مشاهدته، ولهیة واندكاكیة؛ والإنسان لا یقدر أن یتفوه بشـيء».٢

«إن ظهوره تعالى یكون بظهوره الذاتي. فما قیل: "إنّه تعالى ظاهر بالاستدلال"، ضعیف جدا».٣

«واقع الأمر هو أنّه لا یكون في العالم شـرك بأي وجه».٤

«كل ما یكون موجودا في العالم فهو لیس خارجا عنك».٥

السفسطة أم الفلسفة والعرفان:

من الواضح أن مذهب السفسطة ونفي وجود ما سوى الله والتفوه بأن العالم موهوم لهي عقیدة باطلة على أساس ضـرورة العقل والبرهان، وبالاتفاق من جمیع أهل الأدیان، ولكن الفلسفة والعرفان یقولان بأن لا وجود إلا لله وما سواه من المخلوقات والموجودات لیس إلاّ أوهاما وخیالات كما قالوا:

«كـلّ ما في الكون وهم أو خیال

أو عكوس في المرایا أو ظـلال»٦

«الحضـرة الوجودیة إنّما هي حضـرة الخیال ثم تقسم ما تراه من الصور إلى محسوس ومتخیل، والكلّ متخیل... ولا یقرب من هذا المشهد إلاّ السوفسطائیة».٧

«چه


  1. ميرزا مهدي، الإصفهاني، معرفت نفس، تحرير يگانه، ٣٥٧ ـ ٣٥٦، ابواب الهدی، ١٣٨٧ ش، ١٢٩. (رئيس مدرسة التفكيك المروجة لعقيدة وحدة الموجود تحت لواء نفيها!).
  2. حلبي، محمود، المعارف الإلهيه، خطي، الدرس ٤٤. (والمؤلف من أصحاب مدرسة التفكيك المروجة لعقيدة وحدة الموجود وهي تزعم أنها مخالفة معها!)
  3. الملکي الميانجي، محمد باقر، توحيد الإمامية، ١٧٤. (وهذا أيضا من أصحاب مدرسة التفكيك الباطلة).
  4. الحلبي، محمود، المعارف الإلهية، خطي، ٧٥٥. (والقائل من أصحاب التفكيك).
  5. الحلبي، محمود، المعارف الإلهية، خطي، الدورة الثانية.
  6. الأسفار ١/ ٤٧.
  7. ابن عربي، الفتوحات، ٥/ ٥٢٥.
٨٧اللامتناهي، حقیقة أم خیال؟!

شك داري در این كاین چون خیال است

كه با وحـــــدت دوئي عــین ضلال است».

یعنی: أي شك لك في أنّ هذا یكون كالخیال؟ لأن مع الوحدة تكون الإثنینیة ضلالة واضحة.

«كل ما یكون موجودا في العالم فهو لیس خارجا عنك».١

«قال محي الدین العربي في بیت شعر في فصوص الحكم: "إنما الكون خیال وهو حق في الحقیقة؛ كل من یعرف هذا حاز أسـرار الطریقة"».٢

«على أساس النظر الدقیق كل ما في دار الوجود یكون وجوبا، والبحث عن الإمكان یكون هزلا ولعبا».٣

«چون یك وجود هست و بود واجب و صمد

«از ممـــكن این همه سخنان فسانه چیست؟»٤

یعنی: حیث إنّ الوجود یكون منحصـرا في واحد وهو واجب وصمد، فما هذه الأساطیر والكلمات اللاهیة عن وجود الممكن؟!

«وكم نشعر بالراحة أن نصیر سوفسطیین من أول الأمر ونقول لیس لنا أي ألف أصلا، وما أعجب أنّه یجب علینا أخیرا أن نصیر بأجمعنا في هذا الطریق سوفسطیین، ونقول إنّا لا نكون موجودین وكذا غیرنا، والموجود هو الله فقط، أول الكلام وآخره هو الله، والله هو الذي یشتغل بكونه إلها، وبعد ذلك فلا همّ للإنسان أصلا ویستریح!»٥

«


  1. الحلبي، محمود، المعارف الإلهية، خطي، الدورة الثانية.
  2. راجع: تجلي وظهور، ١٠٧.
  3. حسن زادة آملي، حسن، ممد الهمم في شـرح فصوص الحكم، ١٠٧.
  4. صمدي، آملي، داوود، مآثر آثار، (نماذج آثار حسن زادة)، ١/٧٢.
  5. صمدي، آملي، داوود شـرح نهاية الحكمة، ١٥.
معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام٨٨

الخلق متوهم، والحق متحقق، بل الخلق عین الحق... الحقّ تعالى یكون جمیع الأشیاء، ولیس شیئا منها».١

«الوجود ینحصـر بالله فقط وكل ما سواه وهم وخیال».٢

«الحقّ هو المشهود، والخلق موهوم».٣

«الخلق متوهم والحق متحقق، بل الخلق عین الحق... الحق تعالی هو جمیع الأشیاء ولیس شیئا منها بعینه».٤

یقول ابن عربی:

«فالحضـرة الوجودیة إنما هي حضـرة الخیال ثم تقسم ما تراه من الصور إلى محسوس ومتخیل والكل متخیل وهذا لا قائل به إلا من أشهد هذا المشهد... ولا یقرب من هذا المشهد إلا السوفسطائیة».٥

«انّ من علم حقایق السّموات، أدرج حقائها في وجوده فضلا عن رقائقها».٦

یحسب ابن عربي في فصوص الحكم كل الموجودات أعراضا لذات الله، ویحسب أهل الاستدلال والتعقل والبراهین كلهم مخطئین، ویستثني من هذا الخطأ السفسطائیین فقط! یقول ابن عربي وشارحه الخوارزمي (شـرح الفصوص، الخوارزمي، ١ / ٤٤٥ ـ ٤٩٩):

«لكن [قد] عثرت علیه... الحسبانیة في العالم كله. وجهّلهم أهل النظر بأجمعهم. أما الحسبانیه في جمیع العالم اطلعوا ووقفوا علی هذا المعنی وقالوا: "مجموع العالم متبدل في الصورة". وأهل النظر بأجمعهم جهّلوا الحسبانیة المسمّی عندهم بالسفسطائیة».٧

«


  1. صمدي، آملي، داوود، مآثر آثار، (نماذج آثار حسن زادة)، ١/٧٢.
  2. ناسخ التواريخ، ٣/٢٣٨، مجلد هبوط.
  3. صمدي، آملي، مآثر آثار، (نماذج آثار حسن زادة)، ٢ / ٨٩.
  4. صمدي، آملي، داوود، مآثر آثار، (منتخب آثار حسن زاده)، ١/٧٢.
  5. ابن عربي، الفتوحات، ٣ / ٥٢٥.
  6. شـرح الأسماء الحسنی، ملا هادي سبزواري، ١٧٠.
  7. خوارزمي، شـرح الفصوص، ١ / ٤٤٥ ـ ٤٩٩.
٨٩اللامتناهي، حقیقة أم خیال؟!

العالم الذي نشاهده لا یزید علی توهم... عالَم كل إنسان هو نفس تصوره عن العالم».١

«العالم لیس له وجود خارجي ولیس له واقعیة... إن یكن العالم موجودا خارجا عنا فأین هو؟ العالم لیس إلا تصوراتنا. فكل أحد خالق نفسه».٢

«إنا نصل إلی الكل المطلق والوجود الحقیقي إذا أطفأنا ذهننا فقط ولم نر جمیع صور أذهاننا».٣

هذه هي آراء أصحاب الفلسفة في تفسیر العلیة والمعلولیة وبعض ما یتعلق بهما، وأنت خبیر بأن ذلك تكون في الواقع تحریفا لمعنى العلیة إلى ما یكذبهم في ذلك الوجدان والبرهان والضـرورة، ویخالفون في ذلك اعتقاد أهل التوحید والأدیان الذین یعبدون إلها واحدا فردا صمدا لم یتخذ صاحبة ولا ولدا، خالق الأشیاء وموجدها لا من شـيء، ومبدع الكائنات بعد أن لم تكن مطلقا.

فإنه من الواضح والبدیهي أن ما یكون بأعیننا من الذوات والحقایق لیست إلا أشیاء امتدادیة متجزیة قابلة للوجود والعدم والزیادة والنقصان، وهي لو كانت نفس حقیقة الوجود لما جاز علیها العدم مطلقا لبداهة امتناع سلب الشـيء عن نفسه، وحیث أن إنكار جواز العدم على الأشیاء یكون إنكاراً للبدیهي، فلا یبقى أيةقیمة للعقیدة الفلسفیة القائلة بأصالة الوجود وكون الواقعیة الخارجیة هي نفس حقیقة الوجود اللامتناهیة غیر القابلة للعدم لذاتها.

(ولیعلم


  1. آفتاب و سايه ها، ٣٠.
  2. آفتاب و سايه ها، ٢٢٣.
  3. آفتاب و سايه ها، ١٨٢.
معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام٩٠

أنه قلّ من تفطن إلى أن القول بأصالة الوجود لا یكون من مقدمات عقیدة وحدة الوجود بل هو نفس القول بوحدة الوجود، ، كما أنه لیست عقیدة وحدة الوجود أیضا من نتایج القول بأصالة الوجود، بل هما شـيء واحد، فمن زعم أنه یمكنه القول بأصالة الوجود والفرار عن القول بوحدة الوجود یكون مخطئـا جدا، وللبحث عن ذلك مجال آخر).

إن الفلسفة أخذت عقیدتها الباطلة في معنى العلة والمعلول عما بأیدیها من تطورات وجود المخلوقات بأطوارها المتشاكلة وتغیراتها بصورها المختلفة، فحصـر معنی العلیة في ذلك التطور، ثمّ أخطأت ثانیا حیث قاس حقیقة فعل الخالق تبارك وتعالى وإیجاده الأشیاء لا من شـيء بتطورات الأشیاء وتغیراتها.

وهو حكم على غیر قیاس وقیاس بغیر مقیاس، فإن الله تعالى هو الخالق الذي یخلق ما یشاء، ویفعل ما یرید، ولا یحتاج في فعله إلى مادة ومدة، بل هو الله الخالق الباریء المصوّر السبوح القدوس العزیز الذي خلق ما خلق لا من شى ء، لا من أصول أزلیة ولا من أوائل أبدیة، كل ذلك على خلاف مزعمة أصحاب الفلسفة والعرفان والعلة تكون موجودة لذات المعلول تفصیل ذلك في مواردها إن شاء الله تعالى.

وهم قد یعترفون بأنفسهم بأن المعلول هو شـيء غیر حقیقة وجود العلة ذاتا، ولا یخفى أن ذلك یكون رجوعا منهم إلى اقتضاء ما یرتكز في العقول من إدراك معنى العلیة والمعلولیة وتباینهما ذاتا، فإنهم یقولون:

«المعنى المتصور عند كل شخص من معنى العلة هو أن العلة تكون موجدة للمعلول».١

«كل شخص ـ متكلما كان أو حكیما أو إلهیا أو مادیا أو عالما أو فیلسوفا ـ یذعن بهذا القانون ویعتقد أن العلة هي التي تكون موجدة للمعلول».٢

«ننظر إلى واقعیة المعطي (الموجد والعلة). فنرى أنه یجب أن تكون واقعیته


  1. المطهري، مرتضى: حاشية أصول الفلسفة، ٣/١٢٠.
  2. المطهري، مرتضى: حاشية أصول الفلسفة، ملخصا.
٩١اللامتناهي، حقیقة أم خیال؟!

مستقلة عن واقعیة الأخذ، فإن المعطي (العلة). هو واقعیة نشأت منها واقعیة أخرى، ولا یمكن ألبتة أن یكون شـيء منشأ لنفسه، فإن ذلك مستلزم للصدفة وتقدم الشـيء على نفسه المستلزم للمحال، فلیس في الخارج إلا واقعیتان وهما واقعیة العلة وواقعیة المعلول».١

«وإذا كان الله تعالى هو الموجد لكل ذي وجود مما سواه یحتاج إلیه فیقصده كل ما صدق علیه شـيء غیره في ذاته وصفاته وآثاره».٢

بطلان وحدة وجود الخالق والمخلوق بناء علی الإمكان الفقري

وهاهنا فبعد ما بینا بطلان عقیدة الفلسفة في حقیقة معنى العلیة والمعلولیة فنأخذ في بیان ما وعدناه من بطلان الاعتقاد بالشدة والضعف في الوجود بناء على الإمكان الفقري الذي ذهب إلیه الفلسفیون.

إن من البديهي على أساس ضـرورة العقل والبرهان والأديان أن الذات الأحدية تكون غير وجود مخلوقاتها، وليست متجزئة ومركبة من وجود الأشیاء، وإنّ فرض تركب شـيءمن الأجزاء العدمية التي ابتدعته الفلسفة يكون من الموهومات المموهة.

وقد يمثل في كتابي بدایة الحكمة ونهایتها لبيان سعة وجود الله وشموله لجميع الأشياء بنور غير متناه شامل لجميع الأنوار بحيث لا يبقي مجالا لوجود أينور آخر إلا وهو داخل في الأول وجزء وحصة ومرتبة من ذلك! ولا تظنن أن هذا مجرد مثال لهمللتقريب إلى الذهن فقط، بل یكون ذلك نفس اعتقادهم في الله تعالی! بل ولو كان هذا مجرد مثال لهم ـ وليس كذلك ـ فهو یكون أبعد مثال عن التوحيد وأقرب مثال للإلحاد ونفي وجود الله، والتبعيد عن معرفته الحقيقية، ولا يمكن لأحد أن يأتي بمثال في ما نحن فيه أقبح وأوهن وأغلط وأبطل من مثالهم، وإليك نص العبارات:

«


  1. المطهري، مرتضى: حاشية أصول الفلسفة، ١٢٢. نقلنا ذلك ملخصا.
  2. الطباطبائي، محمد حسين: تفسير الميزان: ٢٠ / ٣٨٨.
معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام٩٢

النور حقیقة واحدة بسیطة متكثرة في عین وحدتها ومتوحدة في عین كثرتها، كذلك الوجود حقیقة واحدة ذات مراتب مختلفة بالشدة والضعف والتقدم والتأخر والعلو والدنو وغیرها... وكان من شأن المرتبة الضعیفة أنها لا تشتمل على بعض ما للمرتبة الشدیدة من الكمال، لكن لیس شـيء من الكمال الذي في المرتبة الضعیفة إلا والمرتبة الشدیدة واجدة له.

فالمرتبة الضعیفة كالمؤلفة من وجدان وفقدان فذاتها مقیدة بعدم بعض ما في المرتبة الشدیدة من الكمال... وإذا فرضنا مرتبة أخرى فوق الشدیدة كانت نسبة الشدیدة إلى هذه التي فرضنا فوقها كنسبة التي دونها إلیها... وعلى هذا القیاس في المراتب الذاهبة إلى فوق حتى تقف في مرتبة لیس فوقها مرتبة، فهي المطلقة من غیر أن تكون محدودة.

والأمر بالعكس مما ذكر إذا أخذنا مرتبة ضعیفة واعتبرناها مقیسة إلى ما هي أضعف منها وهكذا حتى ننتهي إلى مرتبة من الكمال والفعلیة لیس لها من الفعلیة إلا فعلیة أن لا فعلیة لها... وهذا المعنى... نوع من البساطة والتركیب في الوجود غیر البساطة والتركیب... من جهة الأجزاء الخارجیة أو العقلیة أو الوهمیة... إن المرتبة... كلما عرجت وزادت قرباً من أعلى المراتب قلّت حدودها واتسع وجودها حتى یبلغ أعلى المراتب فهي مشتملة على كل كمال وجودي من غیر تحدید ومطلقة من غیر نهایة».١

ترد على هذا الكلام إشكالات ـ قد أشـرنا إلى بعضها في ما تقدم ـ وهی:

١. كما أن جهل الفلاسفة بحقیقة وجود السماوات والأرضین كان سببا لأوهام لهم في ذلك كاعتقادهم بكون الأرض مركز العالم، ودوران الأفلاك حول الأرض، وكون أفلاك السماء طبقات زجاجیة، والثوابث مسامیر طرقت علی سقف السماء الزجاجي وغیر


  1. الطباطبايي، محمد حسين: نهاية الحكمة، ١٨ ـ ٢٠
٩٣اللامتناهي، حقیقة أم خیال؟!

ذلك، فالجهل بحقیقة النور أوجب لهم أوهاما في تلك أیضا، وإلا فلا أقل مع احتمال كون حقیقة النور موجا أو ذرة لا یبقى مجال للقول ببساطتها أو التشكیك فیها.

هذا كله مع العلم بأن ادعاء بساطة مصداق حقیقة النور خطأ محض (وقد تنبه إلى ذلك بعض الفلسفیین ـ ومنهم القائل نفسه ـ واعترف به). وخلاف الضـرورة، ولا ینبغي الاستناد إلى ذلك حتى بعنوان المثال فإن التمثیل بذلك لمعرفة الذات المتعالیة ما یقرب من الحق شیئا ولا یزید منه إلا بعدا.

وذلك أنه بعد العلم بأن النور موجود متجزئ مركب بلا شبهة، فكیف یجوز التمثیل بذلك وحمل أحكامها على ذات متعال عن الجزء والبعض والامتداد والعدد، هو خالق الأشیاء كلّها وجاعل الظلمات والنور، لا یشبه خلقه ولا عدیل له ولا مثیل.

٢. إنه لو كانت حقیقة النور بسیطة للزم أن تكون ببساطته كل الأشیاء بناء على قاعدتهم الباطلة القائلة بأن بسیط الحقیقة كل الأشیاء، وحینئذ فما هو الفرق بین المثال والممثّل به؟! وهل المثال وهو حقیقة النور البسیطة نفس وجود الخالق أو شـریكه أو عدیله أو...؟! بل وعلى فرض صحة هذا التمثیل فأین المجال لفرض وجود بسیط آخر هوالواجب؟ وهم یقولون مع فرض وجود الموجود البسیط لا یبقى مجال لوجود أي شـيء آخر؟!

وهل یفرون هاهنا إلى القول بأصالة الماهیة وكون النور ذا حقیقة عینیة، أو الاعتراف بأن النور وما استنتجوا لها من الأحكام لهي أوهام وخیالات.

٣. یلزم على هذا المبنى أن تكون ذات الخالق المتعال متجزئة ومركبة عن عدد غیر متناه من مراتب وأجزاء امتدادیة، ولذلك تراهم اضطروا إلى تحریف معنى التركیب عن معناه الواقعي وتأویله إلى معنى التركب من الوجود والعدم!!

«وهذا المعنی... نوع من البساطة والتركیب في الوجود غیر البساطة والتركیب... من جهة الأجزاء الخارجیة أو العقلیة أو الوهمیة... إن المرتبة ... كلما عرجت وزادت قربا من أعلی المراتب قلت حدودها واتسع وجودها حتی يبلغ أعلی المراتب فهي مشتملة علی كل كمال وجودي من غیر تحدید ومطلق من غیر نهایة».١

«وحیث إنه بسیط محض، والبسیط المحض لا یفقد شیئا وإلا صار مركبا من وجدان شـيء وفقدان شـيء آخر، وهذا هو شـر التراكیب كما قیل ـ٢لعدم رجوعه إلی البساطة أصلا فلا مجال حینئذ لفرض الواجب الثاني، وإلا لزم أن یكون كل واحد منهما واجدا لنفسه وفاقدا لشقیقه، فیصیر مركبا لا بسیطا».٣

«قلت


  1. الطباطبايى، محمد حسين: نهاية الحكمة، ١٨ ـ ٢٠
  2. ارجع إلی: السبزواري، حاشية الأسفار، ١/١٣٦.
  3. جوادي آملي، عبد اللّه، علي بن موسى الرضا عليه السلام والفلسفة الإلهية، ٣٧.
معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام٩٤

شـر التراكيب هو التركيب من الوجود والعدم».١

«هذا هو شـر التراكیب كما قیل ـ لعدم رجوعه إلی البساطة اصلاً فلا مجال حینئذ لفرض الواجب الثاني، وإلا لزم أن یكون كل واحد منهما واجدا لنفسه وفاقدا لشقیقه، فیصیر مركبا لا بسیطا».٢

وعلیه، فلا مناص لأهل الفلسفة والعرفان عن الالتزام بكون وجود واجبهم متجزئا مركبا من الأجزاء الحقیقیة، ولابد لهم عن الاعتراف بضعف أدلتهم عن نفي الأجزاء المقداریة عنه تعالى. وقد جاء في "نهایة الحكمة" في وصف البراهین الفلسفیة لإثبات وحدة واجبهم:

«وهذه البراهین غیر كافیة في نفي الأجزاء المقداریة كما قالوا، لأنها أجزاء بالقوة لا بالفعل، كما تقدم في بحث الكم من مرحلة الجواهر والأعراض، وقد قیل في نفیها: إنه لو كان للواجب جزء مقداري فهو إما ممكن فیلزم أن یخالف الجزء المقداري كله في الحقیقة وهو محال٣ وإما واجب فیلزم٤ أن یكون الواجب بالذات غیر موجود بالفعل بل بالقوة وهو محال».٥

أقول: بل الصحیح أن یقال: إن الأدلة المشار إلیها تخبر عن أن المستدلین


  1. السبزواري، حاشية الأسفار، ١/١٣٦.
  2. الجوادي آملي، عبد اللّه، علي بن موسى الرضا عليه السلام والفلسفة الإلهية، ١٣٧٤ش، ٣٧.
  3. وحيث إن لزوم هذا اللازم غير قابل للإنكار فلا مفر لهم عن الاعتراف بكون المبنى باطلا من أساسه.
  4. وهذا أيضا يكشف عن بطلان المبنى، وإلا فلا مفرّ لهم عن الالتزام بلزوم هذا اللازم أيضا.
  5. الطباطبايي، محمد حسين: نهاية الحكمة، ٢٧٦
٩٥اللامتناهي، حقیقة أم خیال؟!

بها بنوا أدلتهم على توهم كون الله تعالى مركبا عن عدد غیر متناه من الأجزاء المقداریة،١لا أن أدلتهم لا یكون كافیا لنفي الأجزاء المقداریة عن الله تعالى!

وأما ما جيء به في المقام لنفي الأجزاء المقداریة عن الله تعالى فلا یرتبط بالأدلة المذكورة، بل یجب على المستدل بهذا الدلیل ـ وأمثاله الدالة على نفي الأجزاء المقداریة عن الله تعالى ـ أن یعترف ببطلان الأدلة الفلسفیة المذكورة من أصلها.

وذلك لما قلنا من أنها تكون مبنیة على كون وجود الخالق تعالی مركبا عن عدد غیر متناه من الأجزاء والأبعاض والحصص والمراتب ـ على التعابیر المختلفة ـ الوجودیة المقداریة. وعلى أي حال فوجوب كون الخالق متعالیا عن الأجزاء المقداریة هو نفس الدلیل على بطلان ما توهمه الفلسفیون دلیلا وبرهانا لإثبات واجبهم وهم یقولون:

«إنا نرى في أول ما نعقل أن لهذا العالم المشهود الذي هو مؤلف من أشیاء كثیرة كل واحد منها محدود في نفسه متمیز من غیره وجودا، ولیس وجوده ولا وجود شـيء من أجزائه من نفسه وقائما بذاته... فوجوده ووجود أجزائه... من غیرها ولغیرها٢ وهذا الغیر هو الذي نسمیه "الله " عز اسمه».٣

«إن لازم كون الوجود لا متناهیا٤ هو أن تكون علاماته مشهودة بالتوجه إلى كل جزء والتدبیر في كل شـيء: أینما تولوا فثمّ وجه الله ».٥

بل وأصـرح مما نقلناه عنهم هو تصـریحهم بما یرجع إلى كونه تعالى جزء بنفسه! حیث یقال:

«وأما سائر أجزاء العالم فإنه تعالى جزء علته التامة ضـرورة توقفه على ما قبله من العلل وما هو معه من الشـرایط والمعدات».٦

٤) التشكیك في أمر الوجود باطل من أساسه وقد تقدم بیانه بالتفصیل.

٥)


  1. تقول الفلسفة: الثابت بالبرهان والمعتضد بالكشف والعيان أن الحق موجود مع أجزاء العالم، ومع كل جزء من أجزاء العالم، وكذا الحال في نسبة كل علة مفيضة إلى معلولها. ملاصدرا: الأسفار ٧ / ٣٣١.
  2. ولا تغفل عن أن ذاك یكون عندهم على نحو "الوجود الربطي" أي: "الوجود في غیره" وهو ما لا یكون خارجا عن وجود ذاك الغیر.
  3. الطباطبايي، محمد حسين: تفسير الميزان، ١٢ / ٢٦. أضف إلى ذلك أن ذاك الغير ليس غيرا عندهم على مبانيهم، بل وتصـريحاتهم أيضا.
  4. وهو نفس ذات الله عندهم.
  5. الجوادي، عبد الله: مبدأ ومعاد، ٢٠٩.
  6. الطباطبايي، محمد حسين: تفسير الميزان، ١٥ / ١٣٨.
معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام٩٦

وجوب توقف السلسلة القابلة للاشتداد عند حصول مرتبة معینة من مراتبها خلاف ذاتها، فلا تقف السلسلة في مرتبة إلا وهي محدودة متناهیة قابلة لأن تكون فوقها مرتبة أخرى أشد منها.

٦) الاعتقاد بوجود "فعلیة لا فعلیة لها" من أظهر مصادیق التناقض.

٧)وصول الذات القابلة للشدة والضعف إلى مرتبة لا أضعف منها خلاف ذات المفروض.

٨) "الوجدان والفقدان"، ملكة للذات الامتدادیة والموجود المتجزئ، والله الخالق الجلیل ـ جلت عظمته ـ لا یتصف بهما ذاتا، فهو تعالى خارج عن السلسلة الموهومة المفروضة بالذات وغیر مسانخ لها على الإطلاق.

نقد برهان أصحاب الفلسفة لإثبات واجبهم

تقول الفلسفة الصدرائیة المسماة بـ"الحكمة المتعالیة" عند منتحلیه:

«إن الوجود كما مرّ، حقیقة عینیة واحدة بسیطة لا اختلاف بین أفرادها لذاتها إلا بالكمال والنقص والشدة والضعف، أو بأمور زائدة كما في أفراد ماهیة نوعیة، وغایة كمالها ما لا أتم منه، وهو الذي لا یكون متعلقا بغیره، ولا یتصور ما هو أتم منه، إذ كل ناقص متعلق بغیره مفتقر إلى تمامه.وقد تبین في ما سبق أن التمام قبل النقص، والفعل قبل القوة، والوجود قبل العدم، وبین أیضا أن تمام الشـيء هو الشـيء وما یفضل علیه.

فإذن الوجود إما مستغن عن غیره وإما مفتقر بالذات إلى غیره، والأول هو واجب الوجود، وهو صـرف الوجود الذي لا أتم منه ولا یشوبه عدم ولا نقص، والثاني هو ما سواه من أفعاله وآثاره ولا قوام لما سواه إلا به... فإذن قد ثبت واتضح أن الوجود إما تام الحقیقة واجب الهویة، وإما مفتقر الذات إلیه متعلق الجوهر به. وعلى القسمین یثبت ویتبین أن وجود الواجب غني الهویة عما

٩٧اللامتناهي، حقیقة أم خیال؟!

سواه وهذا ما أردناه».١

النقد:

١) كما أن فرض العینیة والواقعیة لنفس حقیقة البیاض٢ والحرارة و... دون الأشیاء المبیضة والحارة... ـ القابلة لأضدادها، بل القابلة للعدم من أساسها ـ، یكون موهوما جدا فكذلك فرض العینیة لنفس حقیقة الوجود دون الأشیاء الموجودة المخلوقة القابلة للعدم في كل ما نراه ونحسه وندركه یكون موهوما وغیر معقول.

بل الحق هو أن الموجود ـ خالقا كان أو مخلوقا ـ هو الشـيء بحقیقة الشیئیة إلا أن المخلوق هو الذات الامتدادیة المتجزیة الموجودة، والخالق تعالى هو شـيء بخلاف الأشیاء، وهو أیضا ثابت موجود غیر باطل ولا موهوم، ولا یدرك ولا یعرف حقیقة وجوده مطلقا.

الإمام أمیر المؤمنین عليه السلام:

«یا هو، یا من لا یعلم ما هو ولا كیف هو ولا أین هو ولا حیث هو إلا هو».٣

«...قال [الزندیق].: ما هو؟ قال [الصادق عليه السلام ]: هو شـيء بخلاف الأشیاء، ارجع بقولی: شـيء، إلى إثبات معنى وأنه شـيء بحقیقة الشیئیة غیر أنه لا جسم ولا صورة ولا یحس ولا یجس ولا یدرك بالحواس الخمس، لا تدركه الأوهام، ولا تنقصه الدهور، ولا یغیره الأزمان.

قال السائل: فله إنیة ومائیة؟ قال: نعم، لا یثبت الشـيء إلا بإنیة ومائیة».٤

٢) إن ادعاء البساطة للحقیقة العینیة الواقعة بأعیننا یكون من الغرائب، إلا أنهم یحرّ


  1. الطباطبائي، محمد حسين: نهاية الحكمة، ٢٧٠ ـ ٢٦٩.
  2. «لما كانت حقيقة كل شـيء هي خصوصية وجوده التي يثبت له، فالوجود أولى من ذلك الشـيء بل من كل شـيء بأن يكون ذا حقيقة، كما أن البياض أولى بكونه أبيض مما ليس ببياض ويعرض له البياض... لا يقال في العرف: إن البياض أبيض.» ملا صدرا، الأسفار: ١ / ٣٩ ـ ٤٠.
  3. دعاء المشلول؛ القمي، عباس "قدس سـره": مفاتيح الجنان، نقلاً عن كتب الكفعمي ومهج الدعوات.
  4. الكافي، ١ / ٨٠، الوافي، ١ / ٣٢٦. ويأتي الحديث بتمامه فراجع ولا تغفل.
معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام٩٨

فون أحكام العقول عن مواقعها ـ وكذلك یفعلون ـ فلا یهمهم الالتزام بتركیب ذات الخالق عن الأجزاء الخارجیة الامتدادیة.

وذلك أن مرادهم من نفي التركیب هاهنا هو تعبیر عن معنى وهمي غیر معقول في نفسه، وهو التركیب عن الوجود والعدم، لا التركیب عن الأجزاء الامتدادیة، فإنه لا سبیل لهم إلى نفي الأجزاء الحقیقیة الامتدادیة عن الله تعالى وهم قائلون بـ "أن الله تعالى محیط بنفس وجوده بكل شـيء" و"هو عین الأشیاء الامتدادیة حقیقة وغیرها اعتبارا"، و"المعلول لا وجود له خارجا عن وجود علته" وأمثال ذلك!!١

٣) ادعاء التشكیك لمصداق حقیقة الوجود باطل وذلك لاستحالة وجود موضوعه أولا ـ كما بیناه ـ، ولعدم معقولیة قبول الوجود ـ كیفما تفسـرـ للتضعف والاشتداد ثانیا.٢

قال نصیر الدین الطوسـي قدس الله نفسه في "الوجود":

«ولا تزاید فیه ولا اشتداد».٣

٤) إن الحقیقة التي تكون ذات مراتب متزائدة، فهي عددیة قابلة للتزاید ـ والاشتداد على تعبیرهم ـ أبدا، فالاعتقاد بوجود مرتبة منها لا یتصور أتم وأكمل وأشد من تلك المرتبة یكون خلاف ذاتها، فوجود الواجب الذي یكون هذا البرهان بصدد إثباته یكون منتفیا ثبوتا، ومحالا موضوعا.

إن قلت: إن آخر المراتب وهو الواجب غیر متناه ولكن المراتب متناهیة، قلت: إن الوصول إلی المرتبة غیر المتناهیة لا یمكن إلا بعد صعود المراتب بعدد غیر متناه، بل هما شـيء واحد لا شیئان. فواجب الوجود الفلسفي ـ وهو المرتبة غیر المتناهية من الوجود ـ مستحیل الوجود ذاتا!

٥) إن الذات المتعالیة، لیست امتدادیة متجزیة حتى یصح أن یقال: "هو تمام كل شـيء وتمام الشـيء هو الشـيء وما یفضل علیه!"

وإن الذات المتعالیة عن الأجزاء، تباین الموجود المتجزئ بالذات فلا یمكن تصور التفاضل أو عدم التفاضل بینهما بوجه، وإن التمامیة والنقصان، والقوة والفعل، ملكات الموجود المتجزئ المخلوق فلا یتصف الخالق بطرفیه


  1. فراجع إلى ما نقلنا عنهم في مواضع متكررة,.
  2. وقد بین تفصيل ذلك كرارا,.
  3. كشف المراد إلی تجريد الاعتقاد. ,
٩٩اللامتناهي، حقیقة أم خیال؟!

مطلقا.

٦) تقسیم الموجود إلى: "المفتقر وغیر المفتقر" لا یستقیم مع الاعتقاد بوحدة حقیقة الوجود مصداقا، فإن الموجود المتجزئ هو مجموعة أجزائه، والشـيء ذوالمراتب هو عین مراتبه، والفرق بین الشـيء ومراتب وجوده امرٌ اعتباري لا یصح أن یكون ملاكا واقعیا للعلیة والمعلولیة الواقعیة، إلا أنهم یؤولون معنى العلیة والمعلولیة أیضا من حقیقته إلى ما لا یساعدهم علیه الاعتبار والبرهان بل العرف واللغة أیضا وقد تقدم تفصیل ذلك. وقد قالوا:

«على أساس الوحدیة الشخصیة للوجود فللوجود مصداق واحد فقط وهو الواجب الذى یكون مستقلا ولا مصداق لغیره أبدا».١

«وأنّه تعالى غیر متناهي الذات ولا محدودها، فلا یقابل ذاته ذات وإلّا لهدّده بالتحدید».٢

٧) إن الإطلاق أمر اعتباري عقلي ذهني ولیس أمرا خارجیا، فلا یمكن تحقق الموجود المطلق على إطلاقه وصـرافته ومجردا عن قیوده ومشخصات وجوده في الخارج حتی یمكن انطباقه علی الله الواقعي الخارجي، هذا كله إذا فرضنا الشـيء موجودا بشـرط إطلاقه وأما إذا فرضناه مطلقا حتى عن الإطلاق والتقیید، فهو أیضا أمر اعتباري عقلي قد یصبح في الخارج مجموعة المقیدات ومن هنا تراهم یعترفون:

«الوجود الحق المطلق أي المطلق عن الإطلاق والتقیید على ما ذهب إلیه المحققون من أهل التوحید حقیقة واحدة ذات شؤون وشجون، ولكل شأن حكم لا یتجافي عنه من حیث إن ذلك الحكم حكم ذلك الشأن وإن كل رقیقة محاكیة عن حقیقتها،


  1. الجوادي آملي، عبد الله، تحرير تمهيد القواعد، ١ / ٧٢.
  2. الحيدري، كمال، بحوث عقائدية، ٣ / ٣٨.
معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام١٠٠

وكل حقیقة هي واجدة كمال مع ما علیها من الزیادة.

فالوجود المطلق الحق منصبغ بتلك الأحكام في عز وحدته وغناه الذاتي، والانصباغ في الحقیقة هو الاتصاف الوجودي الأحدي، ولذا قال بعض مشایخ التوحید بأن الله لا یعرف إلا بجمعه بین الأضداد في الحكم علیه بها».١

«لا حكم للمعلول إلا وهو لوجود العلة».٢

و لكن مدرسة الوحي الإلهي تقول موافقا لما یخضع لدیه العقل والبرهان:

الإمام الباقر عليه السلام:

«إن الله تعالى خلو من خلقه وخلقه خلو منه، وكل ما وقع علیه اسم شـيء فهو مخلوق ما خلا الله عزّ وجلّ».٣

الإمام الصادق عليه السلام:

«التوحید أن لا تجوّز على ربك ما جاز علیك».٤

«كیف یجري علیه ما هو أجراه؟ ویعود فیه ما هو أبداه؟ ویحدث فیه ما هو أحدثه؟ إذاً لتفاوتت ذاته، ولتجزأ كنهه و... لامتنع من الأزل معناه».٥

الإمام الرضا عليه السلام:

«كل ما یوجد في الخلق لا یوجد في خالقه، وكل ما یمكن فیه یمتنع في صانعه».٦

«من شبّه الله بخلقه فهو مشـرك».٧

٨)


  1. حسن زاده، حسن: تعليقات كشف المراد، ٤٦٨ ـ ٤٦٩.
  2. الطباطبائي، محمد حسين: نهاية الحكمة، ١٧٦.
  3. بحار الأنوار، ٤ / ٣٢٢، عن التوحید.
  4. بحار الأنوار ٤ / ٢٦٤، عن التوحید.
  5. بحار الأنوار، ٤ / ٢٥٤، الإحتجاج.
  6. بحار الأنوار، ٤ / ٢٣٠، عن التوحيد.
  7. بحار الأنوار، ٣ / ٢٩٩، عن التوحید.
١٠١اللامتناهي، حقیقة أم خیال؟!

إن الاعتقاد بوجود "ما سوى الله تعالى" لا یستقیم مع الاعتقاد بعینیة الخالق والمخلوق، أو كون المخلوق مرتبة من مراتب ذات خالقه، أو وجودا ربطیا بالنسبة إلیه غیر خارج عنه.

٩) إن ما سوى الخالق تعالى لا یكون قائما بذات الخالق المتعال، بل هو فعله سبحانه أنشأه لا من شـيء، فلا یكون جزءه ولا كله ولا مرتبة من مراتب وجوده ولا تطوراً من أطوار حقیقته ولا صورة من صور ذاته. تقول الفلسفة والعرفان:

«إن أهل التحقیق في التوحید أعني المتألهین، قائلون بأن الحق سبحانه لیس له سوى، فضلا عن أن یكون قدیما أو حادثا، بل لیس في الوجود إلا الحق وآیاته».١

«العلة واجدة للمعلول في رتبة ذاتها وفي مرتبة المعلول».٢

وتقول في وجوب وجود الممكنات وقدمها بعنوان أنها مراتب ذات الله:

«إن وجود المعلول بقياسه إلى علته وجود رابط موجود في غيره».٣

«لا معنى لتخلّل العدم بين وجود العلّة التامّة ووجود معلولها بأي نحو فرض... ففرض... وجود العلّة التامّة ولا وجود لمعلولها بعد...خلف ظاهر».٤

١٠) إن وحدة الخالق تبارك وتعالى لیست وحدة اعتباریة باجتماع أجزاء أو مراتب معینة واعتبار ذلك واحدة من حیث الإطلاق أو عدم التناهي أو... بل وحدته تعالى وحدة حقیقیة غیر عددیه بمعنى تعالیه الذاتي عن الاتصاف بالامتداد والجزء والكل والإطلاق والتقیید والتناهي وعدم التناهي. وتفسیر الفلسفة عن الوحدة العددیة بـ "الوجود المحدود المتناهي" وعن الوحدة غیر العددیة بـ "الوجود اللامتناهي"، خطأ محض.

الملكة والعدم


  1. حسن زاده، حسن: تعليقة كشف المراد، ٤٧٧ ـ ٤٧٨.
  2. المطهري، مرتضى؛ شـرح منظومه، ١ / ٧٨.
  3. الطباطبائي، محمد حسين، نهاية الحكمة، ١٥٧ .
  4. الطباطبائي، محمد حسين، نهاية الحكمة، ١٦٠.

الملكة و العدم

معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام١٠٤

تقول الفلسفة والعرفان:

باتصاف وجود الخالق بصفات المخلوقات بل باتحادهما عینا وخارجا،

إن الله تعالى هو حقیقة الوجود اللامتناهیة الموجود بكل زمان ومكان،

یمتنع حدوث الزمان والمكان،

ویهدف هذا الفصل الردّ على ذلك ببیان:

أن كل ما یدرك ویتوهم من الصفات، ملكة للمخلوق فلا ینسب إلى الخالق مطلقا.

تنزّه وجود الخالق تعالی عن الاتصاف بالزمان والمكان مطلقا،

أنه كیف یمكن أن یوجد الزمان والمكان،

الجواب عن شبهات الفلاسفة في ذلك،

١٠٥الملكة و العدم

لك أن تفرض معنیین متقابلین: "الإنسان واللا إنسان"، "الشجر واللا شجر"، "الحجر واللا حجر".

ومعنیین متقابلین أخرین أیضا، "البصـر والعمى"، "الثقیل واللا ثقیل"، "المریض واللا مریض"،

هل ترى اختلافا بین الأمثلة الثلاثة الأولى مع الثلاثة الثانیة أم لا؟

إذا قلت: "لیس في الدار إنسان" فواضح أنك ترید أن كل ما في الدار لیس بإنسان بل هو لا إنسان، وكذا إذا قلت: "لیس في الدار شجر"، إنك ترید أن كل ما في الدار غیر شجر.

وأما إذا قلت: "لیس في الدار بصیر" فهل یصح أن یقال: إنك تعني أن كل ما في الدار أعمى حتى الجدار والكتاب والفرش و...؟!!

أم إذا قلت: "لیس في الدار مریض" فهل تعني أن كل ما في الدار سالم وغیر مریض حتى الكرسـي والقلم؟!

فبالفرق الواضح بین الثلاثة الأولى مع الثلاثة الثانیة یقال لكل من الثلاثة الأولى: "النقیضان"، وهما: أمران أحدهما وجودي والآخرعدمي لا یجتمعان ولا یرتفعان، فرفع أحدهما یلازم وضع الآخر ووضع أحدهما یلازم رفع الآخرـ، ویقال لكل من الثلاثة الثانیة: "الملكه والعدم" ـ وهما أمران أحدهما وجودي والآخرعدمي لا یجتمعان معا ولكن من جهة

معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام١٠٦

ارتفاعهما معا ففیه تفصیل حیث إنهما في مورد ما له شأنیة الاتصاف بهما فلا یرتفعان معا أیضا بل یلزم من رفع أحدهما وضع الآخر، ولكن في مورد عدم صحة الاتصاف بهما فیرتفعان معا ولا یلزم من رفع أحدهما وضع الآخر. لأن السلب حینئذ لیس إلا من جهة عدم قابلیة الموضوع للاتصاف بذلك المعنى، فلا یستلزم إیجاب الطرف الآخر.

وعلیك بالتأمل في أن هل الصغر والكبر ـ مثلا ـ یكونان نقیضین حتى یلزم من نفي الصغر عن ذات شـيء كبر غیره مطلقا حتی ذات الله؟!

أم هما ملكتان للامتداد فقط وصحة سلبهما عن الخالق ـ مثلا ـ لیس إلا من حیث عدم قابلیة الموضوع ـ وهو الله تعالی ـ للاتصاف بالصغر والكبر؟

وحینئذ نقول:

حیث إن الملكات الخاصة للامتداد المخلوق المعلول المحتاج، أخذت عند عقلاء البشـر من النقائض، توهموا أن تلك السلوب عن الله تبارك وتعالى تلازم إثبات ما یقابلها له جل وعلا، ولم یتفطنوا إلى أن صحة سلب الموارد المذكورة عن الله تعالى لیست إلا من حیث عدم قابلیة اتصاف الموضوع بتلك الصفات فلا یدل على إثبات الطرف المقابل له جل وعلا.

ومن هنا توهموا أنه: حیث لا یكون وجوده محدوداً بزمان خاص ولا یجوز العدم علیه تعالى في وقت، فهو موجود دائما في كل الأزمان!

وحیث لم یصح خروجه عن مكان خاص، فهو موجود بكل مكان!

وحیث لم یصح تركیبه من الوجود والعدم (أی من وجود شـيء وعدم شـيء آخر، فهو بسیط(أي هو كل الأشیاء)!

وحیث لم یصح أن یكون بالقوة، فهو بالفعل التام!!

وحیث لم یصح أن یكون متناهیا، فهو غیر متناه!

وحیث

١٠٧الملكة و العدم

لم یصح أن یكون صغیرا فهو كبیر!

وحیث لم یصح أن یكون متغیرا، فهو ثابت!!

وحیث لم یصح أن یكون ناقصا، فهو كل الكل، وكل الكمال، وكل الأشیاء!!

بل وحیث إنه تعالى لیس بمعدوم، فهو موجود بالوجود الخاص المتجزئ الامتدادي الجائز علیه العدم ذاتا وسنخا

وحیث إنه لا یصح أن یكون لا شـيء، فیلزم أن یكون شیئا بالمعنى الخاص الذي یكون موجودا بوجود متناه أو غیر متناه.

مع وضوح أن ذلك كله١ـ بل كل ما یتصور ویدرك بنفسه ـ ملكات وأعدام خاصة للامتداد٢ فلا ینسب إثباتا إلا إلیه، وصحة سلب تلك الموارد عن الخالق تعالى لیس إلا من حیث تعالیه الذاتي عن شأنیة الاتصاف بصفات الأقدار ولا یلزم من نفي أحد طرفي تلك الصفات عنه تعالى إثبات الطرف الآخر له، فنفي الصغر عنه تعالى لا یثبت كبره، وسلب التركیب عنه تعالى لا یستلزم بساطته و...

وبعد الفراغ عن بیان هذه المقدمة فنبحث عن أمرین:

الأول: في نسبة وجود الخالق تعالى إلى الزمان والمكان.

الثاني: في نسبته تعالى إلى مطلق الامتداد والعدد.

كیف یتنزه وجود الخالق تعالى عن الزمان؟!

الأمر الأول: حدوث الزمان والمكان ونسبة وجود الخالق تعالى إلیهما

نتسائل: أصحیح أن یقال: إن الله كان ویكون بكل زمان ومكان؟

وتمهیدا


  1. قد تشتّت كلمات أصحاب الفلسفة في تعيين بعض ما يصح أن يمثل به لأقسام التقابل، وإنا قد جرينا في عدّ الأمور المذكورة من أمثلة تقابل الملكة والعدم على بعض التسامح.
  2. هذا كله، مع الغضّ عن أنّ "الزمان والمكان غیر المتناهیین"، "البساطة والكبر المطلق"، "الثبوت بالمعنى الفلسفي"، "الفعلیة التامة"، "الكون اللامتناهي" و"الواحد في باب العدد" كل ذلك لیس إلا أوهاما في أنفسها، محالات في ذواتها، فضلا عن إثباتها له تعالى.
معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام١٠٨

للجواب لا بد لنا عن تقدیم مقدمة في الزمان والمكان وهي أنه:

لا شك في أن الزمان حقیقة عددیة وذات امتدادیة فهو محدود متناه،

فإن لنا أن نقول: نصف الأزمنة أقل من كلها بالبداهة، فالنصف محدود والكل أیضا یمتنع أن یكون غیر متناه، فله أول وابتداء.

وحینئذ یحق لنا أن نسأل:

متى كان ابتداء الزمان؟! متى خلق الزمان وما هو الذي كان قبله؟!!

وما قلناه یجري في السؤال عن حقیقة المكان أیضا، فإن نصفه أقل من كله، فالنصف محدود فالكل كذلك.

فاسأل حینئذ، أین وجد المكان؟ وما هو الذي كان قبله وما ذا یكون بعد انتهاء المكان؟! وهل المكان المحدود واقع في مكان أوسع؟! وهل الزمان حدث في زمان أبسط؟!

الزمان متى خلق والمكان أین وجد؟! وانعدام الزمان والمكان كیف یتصور؟!

فنجیبك بأنّه: بینما نحن لا نشك في حدوث الزمان والمكان ومحدودیتهما ـ لقیام الدلیل العقلي القطعي على ذلك ـ، ولكننا مع ذلك لا یمكننا تصور موضوع حدوثهما بخصوصه إلا بأن نتصور حدوثهما في زمان أو مكان أبسط.

وإنا كلما جهدنا أن نتصور حدوث الزمان أو المكان، لما أمكننا ذلك إلا بأن نتصور زمانا أوسع ولد فیه الزمان، أو مكانا أبسط وجد فیه المكان.

ومن الواضح أنه لیس هذا أیضا إلا حدوثا إضافیا لا حقیقیا.

كما أنا لا یمكننا تصور محدودیتهما أیضا إلا بالنسبة إلى زمان أو مكان أوسع وقعا فیه، ولیس هذا إلا تناهیا إضافیا لا حقیقیا؛

فتصور

١٠٩الملكة و العدم

موضوع حدوثهما ومحدودیتهما حقیقیا ممتنع لنا، وكمال العلم والمعرفة بالنسبة إلى ذلك لیس إلا التصدیق بحدوثهما والإقرار بمحدودیتهما اقتضاء لقطعیة الدلیل الدال على ذلك. وواضح أن امتناع تصور موضوع الحدوث الحقیقي ـ لا الإضافي ـ للزمان والمكان لا یمنعنا عن إمكان الحكم بحدوثهما وعدمهما الحقیقیین قبل وجودهما بأن نتصور ما یمكننا من معنى الزمان والمكان أولا ثم نحكم بعد ذلك بعدمهما المطلق قبل حدوثهما ووجودهما.

الإمام الصادق عليه السلام:

«هو الذي أین الأین حتى صار أین، فعرفت الأین بما أین لنا من الأین».١

فلا یتوقف الحكم بعدم الزمان والمكان على تصور عدمهما، بل یكفى لذلك تصور وجود الزمان والمكان ثم الحكم بعدمهما الحقیقي قبل وجودهما وحدوثهما، فإنه لیس للناقص في إدراكه إنكار الحقائق والواقعیات الخارجة عن الإدراك، وذلك كما أنه لیس للأحول إنكار الواحد إذا دله دلیل عقلي قطعي على وجود ذلك؛

ولیس للأعمى إنكار وجود اللون بدلیل أنه لا یراه، ولیس للأصم إنكار وجود الأصوات بدلیل أنه لا یسمعها! بل القاضـي الفصل والحاكم العدل في ذلك كله هو العقل، وإننا أنفسنا لا یمكننا تصور عدم النور والظلمة معا بل لیس حكمنا بعدمهما إلا بأن نتصور وجودهما أولا ثم نحكم بعد ذلك بعدمهما جمیعا عقلا.

إن السمك لا یمكنه أن یعیش خارجا عن الماء، بل یعیش في الماء ولكن علیه أن یحكم بأن الحیاة خارج الماء شـيء بخلاف حیاته المدركة إذا دله على ذلك دلیل.

فكما أن التصدیق بوجود اللون من الأكمه لا یتوقف على رؤیته ذلك، ویصح منه ـ بل یجب علیه ـ التصدیق بوجود اللون بعد قیام الدلیل على وجود ذلك عنده والتفاته


  1. بحار الأنوار، ٤ / ٢٩٨، عن التوحید.
معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام١١٠

إلى محدودیة حواسه وإدراكه، بحیث لیس له حینئذ إلا أن یقول:

لا بد لي من الإقرار بوجود شـيء بخلاف ما أحس به، وخارج عما أدركه، وعدم إدراكي اللون بخصوصه لا یمنعني عن جواز تصدیقي بذلك، فكذلك، أنت بعد الالتفات إلى أن على وجودك وبصـرك وبصیرتك وإدراكك حجابا لایریك إلا الامتداد، لیس لك الا التصدیق بأن عدم الزمان والمكان أمر واقعي حقیقي، لابد لك من الإقرار بذلك بعد قیام الدلیل القطعي علیه وإن امتنع علیك تصور عدم الزمان والمكان بالخصوص.

الإمام الصادق عليه السلام:

«والهواء تمسكه القدرة، ولیس تحت الریح العقیم إلا الهواء والظلمات، والریح على الهواء، ولا ورآء ذلك سعة ولا ضیق ولا شـيءیتوهم».١

«تكلموا في ما دون العرش ولا تكلموا في ما فوق العرش، فإن قوما تكلموا في ما فوق العرش فتاهت عقولهم حتى كان الرجل ینادیمن بین یدیه فیجیب من خلفه، وینادیمن خلفه فیجیب من بین یدیه».٢

الروایات الدالة على تنزّه الخالق جل وعلا عن الاتصاف بالمكان، وبطلان الاعتقاد بكون ذاته تعالى في كل مكان:

«سئل أمیر المؤمنین عليه السلام: أین كان ربنا قبل أن یخلق سماء وأرضا؟

فقال: "أین" سؤال من المكان وكان الله ولا مكان».٣

الإمام الصادق عليه السلام:

«


  1. بحار الأنوار، ١٠ / ١٨٨، عن الاحتجاج.
  2. بحار الأنوار، ٣ / ٢٥٩.*
  3. بحار الأنوار، ٣ / ٣٢٦؛ عن التوحيد.
١١١الملكة و العدم

إن الله تبارك وتعالى لا یوصف بزمان ولا مكان، ولا حركة ولا انتقال ولا سكون، بل هو خالق الزمان والمكان والحركة والسكون، تعالى عما یقول الظالمون علوا كبیرا».١

«سألت زین العابدین علي بن الحسین بن علي بن أبي طالب ^ عن الله جلّ جلاله هل یوصف بمكان؟ فقال: تعالى الله عن ذلك، قلت: فلم أسـرى نبیه محمّدا صلی الله علیه و آله إلى السماء؟! قال: لیریه ملكوت السماء وما فیها من عجائب صنعه وبدائع خلقه».٢

«أخبرني عن الله تعالى أین هو الیوم؟ فقال أمیر المؤمنین عليه السلام:یا نصـراني، إن الله تعالى یجل عن الأین ویتعالى عن المكان. كان في ما لم یزل ولا مكان وهو الیوم على ذلك لم یتغیر من حال إلى حال».٣

الإمام الكاظم عليه السلام:

«إن الله تبارك وتعالى كان لم یزل بلا زمان ولا مكان وهو الآن كما كان، لا یخلو منه مكان، ولا یشتغل به مكان، ولا یحل في مكان».٤

فلا تتوهمن أنه تعالى موجود في كل مكان وزمان اقتضاء لسعة وجوده وعدم تناهي ذاته، كما تزعمه الفلسفة والعرفان والمعرفة البشـریة:

«سألت أبا عبد الله عليه السلام عن قول الله عزّ وجلّ "وهو الله في السموات وفي الأرض" قال: كذلك هو في كل مكان، قلت: بذاته؟!


  1. بحار الأنوار، ٣ / ٣٣٠؛ عن التوحيد.
  2. بحار الأنوار، ٣ / ٣١٤؛ عن أمالي الصدوق.
  3. بحار الأنوار، ١٠ / ٥٦، أمالي الشيخ الطوسي.
  4. بحار الأنوار، ٣ / ٣٢٧؛ عن التوحيد.
معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام١١٢

قال: ویحك إن الأماكن أقدار، فإذا قلت في مكان بذاته لزمك أن تقول في أقدار وغیر ذلك، ولكن هو بائن من خلقه، محیط بما خلق علما وقدرة وإحاطة وسلطانا، ولیس علمه بما في الأرض بأقلّ مما في السماء، لا یبعد منه شـيء والأشیاء له سواء علما وقدرة وسلطانا وملكا وإحاطة».١

«عن أبي عبد الله عليه السلام في قوله عزّ وجلّ "ما یكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أینما كانوا"، فقال: هو واحد، أحدي الذات، بائن من خلقه وبذاك وصف نفسه وهو بكل شـيء علیم.

محیط بالإشـراف والإحاطة والقدرة، لا یعزب عنه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض ولا أصغر من ذلك ولا أكبر، بالإحاطة والعلم لا بالذات، لأن الأماكن محدودة تحویها حدود أربعة فإذا كان بالذات لزمه الحوایة.٢

قلت لجعفر بن محمّد علیهما السلام: هل یجوز أن نقول: إن الله عزّ وجلّ في مكان؟ فقال: سبحان الله وتعالى عن ذلك، إنه لو كان في مكان لكان محدثا لأن الكائن في مكان محتاج إلى المكان والاحتیاج من صفات الحدث لا من صفات القدیم».٣

قد یقال: إن الله تعالى یكون ذاته في كل مكان ولكنه تعالى لا یكون محتاجا إلى المكان!

فنقول: كأن هذا القائل زعم أن الأشیاء الواقعة في المكان یكون على قسمین: قسم منها محتاج إلى المكان وقسم آخر منه غیر محتاج إلیه، وهذا أمر غیر معقول في نفسه وغفلة واضحة عن معنى كون الشـيء محتاجا إلى المكان، وذلك أن معنى كون الشـيء محتاجا


  1. بحار الأنوار، ٣ / ٣٢٣؛ عن التوحيد.
  2. بحار الأنوار، ٣ / ٣٢٣؛ عن التوحيد.
  3. بحار الأنوار، ٣ / ٣٢٧، عن التوحيد.
١١٣الملكة و العدم

إلى المكان هو نفس كونه امتدادیا متجزا متمكنا، ولیس معنى كونه محتاجا في المكان شیئا غیر كونه موجودا في المكان.

«وفي حدیث طویل یذكر فیه قدوم الجاثلیق المدینة مع مأة من النصارى بعد ما قبض رسول الله صلی الله علیه و آله وسؤاله أبابكر عن مسائل لم یجبه عنها، ثم أرشد إلى أمیر المؤمنین علي بن أبي طالب علیهما السلام، فسأله فأجابه، فكان في ما سأله أن قال له: أخبرني عن الرب، أین هو وأین كان؟

قال علي عليه السلام: لا یوصف الرب جل جلاله بمكان، هو كما كان وكان كما هو، لم یكن في مكان، ولم یزُل من مكان إلى مكان، ولا أحاط به مكان، بل كان لم یزل بلا حد ولا كیف.

قال: صدقت، فأخبرني عن الرب أفي الدنیا هو أوالآخرة؟ قال علي عليه السلام: لم یزل ربنا قبل الدنیا، هو مدبر الدنیا وعالم بالآخرة، فأما أن یحیط به الدنیا والآخرة فلا، ولكن یعلم ما في الدنیا والآخرة، قال: صدقت یرحمك الله ».١

«... إن بعض أحبار الیهود جاء إلى أبي بكر فقال له: أنت خلیفة رسول الله على الأمة؟! فقال: نعم، فقال: إنا نجد في التوراة أن خلفاء الأنبیاء أعلم أممهم، فخبرني عن الله أین هو؟ في السماء هو أم في الأرض؟ فقال له أبوبكر: في السماء على العرش. قال الیهودي: فأرى الأرض خالیة منه فأراه على هذا القول في مكان دون مكان!

فقال أبوبكر: هذا كلام الزنادقة، أعزب عني وإلا قتلتك! فولّى الرجل متعجبا یستهزئ بالإسلام فاستقبله أمیر المؤمنین عليه السلام فقال له: یا یهودي قد عرفت ما سألت عنه وما أجبت به وإنا نقول:

إن الله عزّ وجلّ أین الأین فلا أین له، وجلّ من أن یحویه مكان وهو في كل


  1. بحار الأنوار، ٣ / ٣٣٤، عن التوحيد.
معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام١١٤

مكان بغیر مماسة ولا مجاورة، یحیط علما بما فیها ولا یخلو شـيء من تدبیره تعالى.

وإني مخبرك بما جاء في كتاب من كتبكم یصدق بما ذكرته لك فإن عرفته أتؤمن به؟ قال الیهودي: نعم، قال: ألستم تجدون في بعض كتبكم أن موسى بن عمران كان ذات یوم جالسا إذ جاء ملك من المشـرق فقال له: من أین جئت؟ قال: من عند الله عزّ وجلّ ثم جاءه ملك من المغرب فقال له: من أین جئت؟ قال: من عند الله عزّ وجلّ، ثم جاءه ملك آخر فقال له: من أین جئت؟ قال: قد جئتك من السماء السابعة من عند الله عز وجل وجاءه ملك آخر فقال: من أین جئت؟ قال: قد جئتك من الأرض السابعة السفلى من عند الله عز وجل.

فقال موسى عليه السلام: سبحان من لا یخلو منه مكان ولا یكون إلى مكان أقرب من مكان. فقال الیهودي: أشهد أن هذا هو الحق المبین وأنك أحق بمقام نبیك ممن استولى علیه».١

الإمام أمیر المؤمنین عليه السلام:

«فارق الأشیاء لا على اختلاف الأماكن وتمكن منها لا على الممازجة».٢

«وهو في كل مكان بغیر مماسة ولا مجاورة یحیط علما بما فیها ولا یخلو شـيء من تدبیره تعالى».٣

الإمام الصادق عليه السلام:

«هو الذي أین الأین حتى صار أین، فعرفت الأین بما أین لنا من الأین».٤

الإمام الرضا عليه السلام:

«ولیس شـيء من خلقه أقرب إلیه من شـيء ولا شـيء أبعد منه من شـيء».٥

«... فقال أبو قرّه: فمن أقرب إلى الله ، الملائكة أو أهل الأرض؟ قال أبو الحسن عليه السلام: إن كنت تقول بالشبر والذراع، فإن الأشیاء كلها باب واحد هي فعله، لا یشتغل ببعضها عن بعض، یدبر أعلى الخلق من حیث یدبر أسفله، ویدبر أوله من حیث یدبر أخره من غیر عناء ولا كلفة ولا مؤونة ولا مشاورة ولا نصب، وإن كنت تقول من أقرب إلیه في الوسیلة فأطوعهم له.

وأنتم تروون أن أقرب ما یكون العبد إلى الله وهو ساجد، ورویتم أن أربعة أملاك التقوا، أحدهم من أعلى الخلق وأحدهم من أسفل الخلق أحدهم من شـرق الخلق وأحدهم من غرب الخلق فسأل بعضهم بعضا فكلهم قال: من عند الله أرسلني بكذا وكذا. ففي هذا دلیل على أن ذلك في المنزلة دون التشبیه٦ والتمثیل».٧

«إن قوما من ماورآء النهر سألوا الرضا عليه السلام:... عن معتمد رب العالمین أین كان وكیف كان إذ لا سماء ولا أرض ولا شـيء؟ فقال عليه السلام: وأما معتمد الرب عزّ وجلّ فإنه أین الأین وكیف الكیف وإن ربي بلا أین ولا كیف وكان معتمده على قدرته سبحانه وتعالى».٨


  1. بحار الأنوار، ٣ / ٣١٠؛ عن الإرشاد والاحتجاج.
  2. بحار الأنوار، ٤ / ٢٢١، عن التوحيد.
  3. بحار الأنوار، ٣ / ٣٠٩، عن الإرشاد.
  4. بحار الأنوار، ٤ / ٢٩٨، عن التوحید.
  5. بحار الأنوار، ١٠ / ٣١٧، عن التوحید.
  6. فیظهر حینئذ أن: «قربه كرامته وبعده إهانته»: الإمام سيد الشهداء عليه السلام، بحار الأنوار، ٤ / ٣٠١.*
  7. بحار الأنوار، ١٠ / ٣٤٦ ـ ٣٤٧.*
  8. بحار الأنوار، ١٠ / ٣٤٩؛ عن مناقب آل أبي طالب، ٢ / ٤٠٨.
١١٥الملكة و العدم

المعرفة البشـریة تصف الخالق بالزمان والمكان

تقول الفلسفة:

«إن الحق تعالى لا إشكال في كون وجوده الخارجي غیر محدود بحد، وغیر فاقد لكمال، وإنه موجود في كل مكان وزمان وجودا حقیقیا خارجیا».١

وتقول:

«إن الخالق الحقیقي الذي عرّفه أنبیاؤه، الذي تعرّفه الفلسفة الإلهیة الإسلامیة هو موجود في جمیع الأزمنة وفي كل الأمكنة ویحیط بكل شـيء و«أینما تولوا فثم وجه الله »«وهو الله في السموات وفي الأرض»، «وهو معكم أینما كنتم»«واعلموا أن الله یحول بین المرء وقلبه، أینما تولوا فثم وجه الله ».

الحق سبحانه محیط بالعالم ـ من ناحیة الأول والآخر ـ بإحاطة توجب له سبق وجوده علیه، ومعیته معه، وبقائه بعده، وإلا لصار وجوده محدودا متناهیا ولفاته أزلیته وأبدیته».٢


  1. الملکي، جواد: رسالة لقاء الله، ١٦٩.
  2. الطباطبائي، محمد حسين: ظهور الشيعة، ١٣١.
معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام١١٦

وتقول:

«الثابت بالبرهان والمعتضد بالكشف والعیان أن الحق موجود مع أجزاء العالم، ومع كل جزء من أجزاء العالم، وكذا الحال في نسبة كل علة مفیضة إلى معلولها».١

«إن الواجب تعالى هو لا یتناهی إلى زمان أو مكان أو شـرط أو علة أو حیثیة أو مرتبة ولا غیر ذلك... إن وجود الواجب صـرف الوجود إذ لا فقد له حتى یشوبه العدم، بل هو كل الوجود وتمامه».٢

«فالزمان وسیع إذا كان صاحبه وسیعا! أما تسمع من الله تعالى في كتابه المجید یقول «فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَة» فسماه یوما، «فذكرهم بأیام الله » فلو كان سنة إلهیة أو یوم إلهي ألف أضعاف هذا، لم یكن نسبة إلى بقاء من هو غیر متناهي البقاء، إذ لا نسبة لغیر المتناهي إلى المتناهي ومن مقالات الحكیم الأنوري:

باقي به دوامي كه در أعداد سنینش

آحاد شـمارند ألوف دوران را»٣

«یعني: هو باق بدوام تعتبر ألوف الدهر بالنسبة إلی أعداد سنینهآحادا.

«إنه سبحانه وتعالى دائم الفضل على ما سواه بشؤون جمیع أسمائه الحسنى وصفاته العلیا كما أخبر عن نفسه بأنه كل یوم هو في شأن، فلا تعطیل في اسم من أسمائه أزلا وأبدا، لأنه الحق الأحدي الصمدي الغني».٤


  1. ملا صدرا: الأسفار، ٧ / ٣٣١.
  2. الخرازي، محسن: بداية المعارف، نقلاً عن أصول الفلسفة: الطباطبائي، محمد حسين.
  3. السبزواري، ملا هادي: شـرح الأسماء، ٦٤٧ ـ ٦٤٨.
  4. حسن زاده، حسن: تعليقات كشف المراد، ٥٥٠.
١١٧الملكة و العدم

هذه الآراء تقع فیها إشكالات:

١. إن الله تعالى محیط بالعالم قدرة وسلطانا وإشـرافا، ولایكون إحاطته بما سواه من جهة السعة الوجودیة وعدم تناهیه المستلزمة لمقارنة وجوده مع غیره.

٢. "الصـرافة" أمر اعتباري لا واقع خارجي له، والخالق تبارك وتعالى واحد حقیقي وشـيء بحقیقة الشیئیة.

٣. "الوجدان والفقدان" ملكة وعدم للذات الامتدادي المتجزي. والخالق جل وعلا یتعالى عن ذلك كله.

٤. بقاء الخالق تعالى لیس من حیث الزمان.

٥. "المحدودیة واللامحدودیة"، من أوصاف المقادیر، وتعالى الله عما ینحله المحددون من صفات الأقدار ونهایات الأقطار.

٦. دوام الفضل على الخلق فرع وجود الخلق، وحیث إن الخلق حادث ویمتنع أن یكون قدیما ـ خلافا لأهل الفلسفة والعرفان ـ، فلا وجه للاعتقاد بقدم العالم وأبدیته من جهة الاعتقاد بدوام فضل الخالق تعالى.

٧. ما سوى الخالق تعالى موجود بإیجاده ومشیته وإرادته ولا یكون محققا بشؤون أسمائه تعالى أو صفاته التي هي نفس ذاته المتطورة بزعمهم.

٨. "الیوم" حادث بحدوث العالم، وحیث لا یوم أزلا فلیس هو تعالى في شؤون أزلیة وأبدیة.

٩. الفعل كله حادث ولا معنى لقدمه وأزلیته، فلا وجه للقول بعدم التعطیل في أسماء الله الدالة على الصفات الفعلیة.

١٠. الحقیة والأحدیة والصمدیة والغناء من الأوصاف الذاتیة للخالق تعالى، فخلط أحكامها مع مقتضیات الصفات الفعلیة خطأ.

١١. الزمان والمكان من ملكات الامتداد فلا یتصف بهما خالقهما المتعالى عن صفات الأقدار.

معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام١١٨

وبكلمة مختصـرة نردّ على من یصف الخالق جل وعلا بالزمان والمكان بما قاله مولانا أمیر المؤمنین عليه السلام:

«لیس بذي كبر امتدت به النهایات فكبرته تجسیما، ولا بذي عظم تناهت به الغایات فعظمته تجسیدا، بل كبر شأنا وعظم سلطانا».١

جاء في تفسیر "المیزان":

«لیست أولیته تعالى ولا آخریته ولا ظهوره ولا بطونه زمانیة ولا مكانیة بمعنى مظروفیته لهما، وإلا لم یتقدمهما ولا تنزه عنهما سبحانه بل هو محیط بالأشیاء على أي نحو فرضت وكیفما تصورت.

فبان مما تقدم أن هذه الأسماء الأربعة: الأول والآخر والظاهر والباطن، من فروع اسمه المحیط... ویمكن تفریع الأسماء الأربعة على إحاطة وجوده بكل شـيء.

...فهو تعالى الأول والآخر والظاهر والباطن على الإطلاق، وما في غیره تعالى من هذه الصفات فهي إضافیة نسبیة».٢

«إن حقیقة الأزل كونه تعالى غیر متناه في ذاته وصفاته ولا محدود، فإذا اعتبر من حیث إنه غیر مسبوق بشـيءیتقدم علیه كان هو أزله، وإذا اعتبر من حیث إنه غیر ملحوق بشـيءیتأخر عنه كان هو أبده، وربما اعتبر من الجانبین فكان دواما».٣

«كل ما یحمل معنى الفقد والنقص مسلوب عنه تعالى... كنفي الشـریك ونفي التعدد ونفي الجسم والمكان والزمان والجهل والعجز والبطلان والزوال وغیرها. فإن إطلاق وجوده وعدم تقیده بقید، ینفي عنه كل معنى عدمي أي إثبات الوجود مطلقا فإن مرجع نفي النفي إلى الإثبات.

... "الكبیر"یفید سعته لكل كمال وجودي».٤

«


  1. بحار الأنوار، ٤ / ٢٦١.
  2. الطباطبائي، محمد حسين: تفسير الميزان، ١٩ / ١٤٥.
  3. الطباطبائي، محمد حسين: تفسير الميزان، ٦ / ٩٦.
  4. الطباطبائي، محمد حسين: تفسير الميزان، ١٦ / ٢٣٦.
١١٩الملكة و العدم

ولذلك وصفه تعالى بأنه صمد، وهو المصمت الذي لا جوف له ولا مكان خالیا فیه، وثانیا بأنه لم یلد و... كل هذه الأوصاف مما یستلزم نوعا من المحدودیة والانعزال».١

ونحن نقول:

إن القول بأن وجود الخالق جل وعلا هو الوجود المطلق الصـرف اللامتناهي عن كل الجهات من ناحیة، وإدعاء تجرده عن الزمان والمكان والجسمیة و... من ناحیة أخرى یكون من أظهر مصادیق التناقض، والقول بتقدم وجود الخالق على الأشیاء الزمانیة والمكانیة من حیث الإطلاق والإحاطة الوجودیة هو عین القول بجریان الزمان والمكان على الذات المتعالیة. ولا مناص لأصحاب الفلسفة والعرفان عن الاعتراف بذلك وهم یقولون:

«إنه لا یصح لنا أن نحدّ وجود الواجب بحد محدود بأن نقول: إنه ذا صفة فلانة ولیس بذي صفة فلانة، بل یكون فیه صفات الممكنات كلها على نحو أعلى وأتم، إن كل واحد من الممكنات حد من خواصه اللامحدودة، ومرتبة من تجلیاته، ولذلك یقول أصحاب العرفان: إن كل واحد من الممكنات یكون مظهرا من أسمائه.

والحق هو ـ وإن كان استماع هذا الكلام ثقیلا ـ أن الشیطان أیضا یكون مظهر اسمه "یا مضل"؛ بسیط الحقیقة كل الأشیاء، إنا نرید أن ننسب إلى وجود الحق خواص كل الأشیاء».٢

«ولهذا یقول مشایخ علم التوحید: إنه عین الأشیاء وإن اختلفت حدودها فهو محدود بحد كل محدود، فما یحدّ شـيء إلا وهو حدّ للحق، فهو الساري في مسمى المخلوقات والمبدعات، ولو لم یكن كذلك ما صح الوجود فهو عین الوجود».٣

الروایات الدالة


  1. الطباطبائي، محمد حسين: تفسير الميزان، ٦ / ٩٠.
  2. حسن زاده، حسن: رسالة إنه الحق، ٦٦ ـ ٧٠؛ نقلاً عن أستاذه الشعراني.
  3. حسن زاده، حسن: رسالة إنه الحق، ٧٠.
معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام١٢٠

على تنزه وجود الخالق جل وعلا عن الاتصاف بالزمان، وبطلان توهم كونه تبارك وتعالى موجودا في كل زمان

إن الله تعالى كان ولا زمان، فهو قبل كل شـيء لا بقبلیة زمانیة بل كان الله تعالى ولاوجود للامتداد والعدد مطلقا. وتصور المخلوق عن وجود الخالق على نحو یراه موجودا قبل وجود الأشیاء، وبعد فناء الأشیاء، ومقارنا مع الأشیاء بعد وجودها وقبل فنائها، لیس إلا تصورا عن كون الخالق زمانیا امتدادیا عددیا؛ والخالق تعالى لیس كذلك.

إن الله تبارك وتعالى موجود واقعي وشـيء بحقیقة الشیئیة لیس بوهم ولا خیال، والعدم لا ینسب إلیه تعالى بوجه من الوجوه، كما أن المخلوق أیضا موجود واقعي وشـيء حقیقي لیس بوهم ولا خیال، وإنما الكلام في بطلان تصور المقارنة بین وجود الخالق والخلق وتصورهما معاصـرین وموجودین في الزمان والمكان، فإن ذلك توهم باطل بالنسبة إلى الله الخالق للزمان والمكان قطعا، فإنه كان الله ولا زمان، كان الله كذلك وكذلك هو الیوم، وهو كذلك لایزال أبدا، فلا ینسب إلیه "كان" و"یكون" و"لا یزال" إلا للإشارة إلى عدم كونه تعالى موهوما معدوما.

فلیس تصور من یتصور وجود الله تعالى ویصفه بأن یكون هو جل وعلا موجودا قبل وجود الأشیاء وبعدها ومعها إلا ناشئا عن انحصار إدراك المخلوق وتصوره بالزمان والزماني، واستحالة خروجه عن ذلك ولو تصورا وتوهما.

الإمام الباقر عليه السلام:

«إن الله تبارك وتعالى كان ولا شـيء غیره.١ نورا لا ظلام فیه، وصادقا لا كذب فیه، وعالما لا


  1. أي ليس هو إلا هو، وذلك بخلاف كل شـيء، إذ إن كل شـيء سواه ليس إلا بأجزائه وأدواته، والأجزاء والأدوات غير الشـيء لا نفسه ومن حيث إنه* تختلف الصفات والأحوال على شـيء واحد، والله تبارك وتعالى لا يختلف عليه الصفات والأحوال ولايقوم بالأجزاء والأبعاض فهو نفسه ونفسه هو؛ وبین تفصيل هذا المطلب عند البحث عن ملاك المخلوقية والوجود العام, .
١٢١الملكة و العدم

جهل فیه، وحیا لا موت فیه، وكذلك هو الیوم وكذلك لا یزال أبدا».١

الإمام الصادق عليه السلام:

«إن الله تبارك وتعالى لا یقدر قدرته، ولا یقدر العباد على صفته، ولا یبلغون كنه علمه، ولا مبلغ عظمته ولیس شـيء غیره، وهو نور لیس فیه ظلمة، وصدق لیس فیه كذب، وعدل لیس فیه جور، وحق لیس فیه باطل، كذلك لم یزل ولا یزال أبد الآبدین.

وكذلك كان إذ لم تكن أرض ولا سماء، ولا لیل ولا نهار ولا شمس ولا قمر ولا نجوم ولا سحاب ولا مطر ولا ریاح. ثمّ إن الله تبارك وتعالى أحب أن یخلق خلقا یعظمون عظمته ویكبرون كبریائه ویحلّلون حلاله، فقال: كونا ظلّین. فكانا كما قال الله تبارك وتعالى».٢

الإمام الكاظم عليه السلام:

«إن الله تبارك وتعالى كان لم یزل بلا زمان ولا مكان وهو الآن كما كان، لا یخلو منه مكان، ولا یشتغل به مكان، ولا یحل في مكان... لیس بینه وبین خلقه حجاب غیر خلقه، احتجب بغیر حجاب محجوب واستتر بغیر ستر مستور، لا إله إلا هو الكبیر المتعال».٣

فلا یقارن الخالق تعالى وجود الأشیاء، بل الأشیاء أنفسها تكون مقارنة، معاصـرة، قبلا، بعدا، ملتصقة، مفترقة، وأما هو فلیس لنا إلا تنزیهه وتقدیسه من وصف الاقتران والدخول والخروج ومن كل ما نتصور ونتوهم، لأنه لا یتعلق التصور والتوهم إلا بما یكون ملكة للمقادیر.


  1. بحار الأنوار، ٤ / ٦٩، عن التوحید.
  2. بحار الأنوار، ٣ / ٣٠٦، عن التوحید.
  3. بحار الأنوار، ٣ / ٣٢٧، عن التوحید.
معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام١٢٢

فكان الله ولم یكن معه شـيء وكذلك هو الیوم، لا یكون معه شـيء أبدا، فإن الاقتران والمعیة لا یكونان إلا للمقادیر. فهو تعالى لم یزل ولا یزال كان ویكون لا مصاحبا للأوقات ومقارنا لها، ولا بمرور الدهر علیه، وانقضائه عنه. فتعالى الله الملك الجبار عن توهم كل متوهم:

الإمام أمیر المؤمنین عليه السلام:

«كان لیس له قبل، هو قبل القبل بلا قبل... انقطعت عنه الغایات».١

«بل حارت الأوهام أن یكیف المكیف للأشیاء ومن لم یزل بلا مكان ولا یزول باختلاف الأزمان».٢

«لم یزل أولا قبل الأشیاء بلا أولیة، وآخرا بعد الأشیاء بلا نهایة، عظم أن تثبت ربوبیته بإحاطة قلب أو بصـر».٣

«وما اختلف علیه دهر فیختلف منه الحال».٤

«لأنك لم تزل كنت، الأول بك لا أنت به».٥

«أللهم إنك كنت قبل الأزمان، وقبل الكون والكینونیة والكائن... فأنت بادي الأبد وقادم الأزل ودائم القدم، لا توصف بصفات ولا تنعت بنعت ولا بوصف».٦

«كما كان قبل ابتدائها كذلك یكون بعد فنائها بلا وقت ولا مكان ولا حین ولا زمان، عدمت عند ذلك الآجال والأوقات وزالت السنون والساعات».٧


  1. الكافي، ١ / ٨٩، بحار الأنوار، ٣ / ٣٣٦، عن المحاسن والاحتجاج.
  2. بحار الأنوار، ٤ / ٢٩٤، عن التوحید.
  3. بحار الأنوار، ٤ / ٣١٧، عن نهج البلاغة.
  4. بحار الأنوار، ٤ / ٢٧٤، عن نهج البلاغةخُطْبَةِ الْأَشْبَاح.
  5. الصحيفة العلوية.
  6. الصحيفة العلوية، ٢٩.
  7. نهج البلاغة، ٢٧٦؛ بحار الأنوار، ٤ / ٢٥٦، عن الاحتجاج.
١٢٣الملكة و العدم

الإمام الرضا عليه السلام:

«سبق الأوقات كونه».١

«أشهد أنك ربنا الذي إیاه نعبد، كنت قبل الأیام واللیالي وقبل الأزمان والدهور وقبل كل شـيء وكوّنت كل شـيء فأحسنت كونها».٢

«ولا تصحبه الأوقات».٣

كیف یجري الزمان والمكان على الخالق وتحصیل الحاصل ممتنع؟! وذلك أنه لو كان الله تعالى یجري علیه الزمان فقد كان الزمان موجودا بوجوده تعالى لا أن الله جل جلاله خالقه ومبدعه ومُبدعه ومجریه:

الإمام الصادق عليه السلام:

«وتعالى الذي لیس له وقت معدود ولا أجل ممدود».٤

«والحمد لله أبد الأبد وبعد الأبد وقبل الابد، والله أكبر أبد الأبد وبعد الأبد وقبل الأبد، سبحان الله أبد الأبد وبعد الأبد وقبل الأبد».٥

«إن الله تعالى لا یوصف بزمان... بل هو خالق الزمان».٦

«جاء حبر من الأحبار إلى أمیر المؤمنین عليه السلام فقال له: یا أمیر المؤمنین متى كان ربك؟ فقال له: ثكلتك أمك ومتى لم یكن حتى یقال متى كان؟ كان ربي قبل القبل بلا قبل، ویكون بعد البعد بلا بعد، ولا غایة ولا منتهى لغایته، انقطعت الغایات


  1. الكافي، ١/ ١٣٩؛ بحار الأنوار، ٤ / ٢٢٩، عن التوحید والعیون.
  2. بحار الأنوار، ٩٢ / ٤٢١، من أصل قدیم.
  3. نهج البلاغة، ٢٧٢؛ بحار الأنوار، ٤ / ٢٢٩، عن التوحید والعیون.
  4. بحار الأنوار، ٤ / ٢٦٩، عن التوحید.
  5. بحار الأنوار، ٩٥ / ٤٤٣، مِنْ دُعَاء عَظِيم الشَّأْنِ مَرْوِيّاً عَنْ مَوْلَانَا الصَّادِقِ صَلَوَاتُ الله عَلَيْه.
  6. بحار الأنوار، ٤ / ٣٣٠، عن التوحید.
معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام١٢٤

عنه فهو منتهى كل غایة. فقال: یا أمیر المؤمنین فنبي أنت؟ فقال: ویلك، إنّما أنا عبدٌ من عبید محمّد صلی الله علیه و آله».١

الإمام الرضا عليه السلام:

«كیف یجري علیه ما هو أجراه؟ أو یعود فیه ما هو ابتدأه».٢

«ففرق بها [الأشیاء] بین قبل وبعد لیعلم أن لا قبل له ولا بعد، مخبرة بتوقیتها أن لا وقت لموقتها... ولا یوقته متى، ولا یشتمله حین».٣

فلا وجه للسؤال عنه تعالى بأین ومتى، لأنهما یختصان بالمتجزئ:

الإمام أمیر المؤمنین عليه السلام:

«لا یتوهم دیمومته».٤

«جاء رجل إلى أبي جعفر عليه السلام فقال له: یا أبا جعفر، أخبرني عن ربك متى كان؟ فقال: ویلك، إنّما یقال لشـيء لم یكن فكان: "متى كان؟!»٥

الإمام سید الشهداء عليه السلام:

«لیس عن الدهر قدمه».٦

الإمام الرضا عليه السلام:

«إنما تحد الأدوات أنفسها وتشیر الآلة إلى نظائرها».٧

«


  1. التوحيد، ١٧٤.
  2. بحار الأنوار، ٤ / ٢٣٠.*
  3. بحار الأنوار، ٤ / ٢٢٩، عن التوحید و العیون.
  4. بحار الأنوار، ٣ / ٣٠٣، عن تفسير الإمام عليه السلام المنسوب.
  5. بحار الأنوار، ٣ / ٣٢٦، عن التوحید.
  6. بحار الأنوار، ٤ / ٣٠١، عن تحف العقول.
  7. بحار الأنوار، ٤ / ٢٣٠، تحف العقول.
١٢٥الملكة و العدم

ومن قال "متى" فقد وقته».١

كیف یتوهم وجود شـيء لا یتقدم أوله على آخره، ولا یتأخر آخره عن أوله؟! والله تعالى هو أول بعین أنه آخر، وآخر بعین أنه أول، فلا یدخل تحت التصور والتوهم مطلقا:

الإمام أمیر المؤمنین عليه السلام:

«أولیتك مثل آخریتك وآخریتك مثل أولیتك».٢

ولیس معنى ذلك: أنه في الأول والآخر سواء وعلى حالة واحدة!! بل المعنى الصحیح هو أن الأول والآخر له واحد لا إثنان.

الإمام أمیر المؤمنین عليه السلام:

«لم تسبق له حال حالا فیكون أولا قبل أن یكون آخرا، ویكون ظاهرا قبل أن یكون باطنا».٣

یقول العلامة المجلسـي «قده»:

«قبل خلق العالم، الزمان والزمانیات معدومة مطلقا ونفي صـرف لا یجري فیه أمثال هذه الأوهام الكاذبة المخترعة الناشئة من الألفة بالزمان والمكان، فصاحب هذا المسلك یقول: بأن الزمان والحركات وسلسلة الحوادث كلها متناهیة في طرف الماضى، وإن جمیع الممكنات ینتهي في جهة الماضـيفي الخارج إلى عدم مطلق ولا شـيء بحت، لا امتداد فیه ولا تكمم ولا تدریج ولا قاریة ولا سیلان، وقبل ابتداء الموجودات لا شـيء إلا الواحد القهار.

وقوله: "ینتهي الموجودات إلى عدم مطلق" وكذا قوله: "قبل ابتداء الموجودات لا شـيء محض" من ضیق العبارة، ولا تتصور القبلیة والانتهاء إلى العدم حقیقة...


  1. بحار الأنوار، ٤ / ٢٢٩، عن التوحید والعیون.
  2. الصحيفة العلوية،٣٠.
  3. بحار الأنوار، ٤ / ٣٠٩، عن نهج البلاغة.
معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام١٢٦

وقد روي عن الصادق عليه السلام أنه قال بعد عدّ أجسام العالم: ولا ورآء ذلك سعة ولا ضیق، ولا شـيءیتوهم. فكذا الحال في انقطاع الزمان وجمیع الموجودات الممكنة في جهة الماضـيلا یتصور فیه امتداد أصلا، لا موجود كما زعم الحكماء، ولا موهوم كما توهمه المتكلمون، فلا یمكن فیه حركات كما استدل به الحكماء على عدم تناهي الزمان، بل لا شـيء مطلق وعدم صـرف.

ولما ألف الناس بالأبعاد القارة وجسم خلف جسم، تعسـر تصور عدمه على بعض المتكلمین، وذهب إلى الابعاد الموهومة غیر المتناهیة وقال بالخلا وكذا لما شاهدوا موجودا قبل موجود، وزمانا قبل زمان، صعب علیهم تصور اللا شـيء المحض. فذهب طائفة من الحكماء إلى لا تناهي الزمان الموجود، وطائفة من المتكلمین إلى لا تناهي الزمان الموهوم.

ولكن تصور اللا زمان المطلق أصعب١ من تصور اللا مكان ویحتاج إلى زیادة دقة ولطف قریحة».٢

وبما حققناه یظهر الجواب عما قد یقال:

«ما صوره المتكلمون في حدوث العالم، یعني ما سوى الباري سبحانه زمانا بالبناء على استحالة القدم الزماني في الممكن، ومحصله: أن الموجودات الإمكانیة منقطعة من طرف البدایة، فلا موجود قبلها إلا الواجب تعالى، والزمان ذاهب من الجانبین إلى غیر النهایة وصدره خال عن العالم وذیله مشغول به ظرف له، ففیه إن الزمان نفسه موجود ممكن مخلوق للواجب تعالى، فلیجعل من العالم الذي


  1. بل تصور عدم الزمان والمكان بخصوصهما محال كما بيناه.
  2. بحار الأنوار، ٥٧ / ٢٨٩ / ٢٩٠.
١٢٧الملكة و العدم

هو فعله تعالى، وعند ذلك لیس وراء الواجب وفعله أمر آخر، فلا قبل حتى یستقر فیه عدم العالم استقرار المظروف في ظرفه، على أن القول بلا تناهي الزمان أولا وآخرا یناقض قولهم باستحالة القدیم الزماني.

مضافا إلى أن الزمان كم عارض للحركة القائمة بالجسم وعدم تناهیه یلازم عدم تناهي الأجسام وحركاتها وهو قدم العالم المناقض لقولهم بحدوثه».١

توضیح الجواب: أن المتكلم القائل بحدوث العالم لا یجب علیه أن یقول بقدم الزمان ـ كما ظهر من تصـریح العلامة المجلسـي قدس سـره بذلك، ویأتي في نص كلام الكراجكي إن شاء الله تعالى ـ ولا یخفى على المتأمل أن من شأن الفلسفة غالبا هو إرائته مذهب المتكلمین على الإطلاق على نحو محرّف واضح البطلان عند من لا خبرة له بالمباني الكلامیة الرصینة حتى یسهل له النقض علیهم. وهذا ذنب في طریق التحقیق لا یغفر، أعاذنا الله تعالى منه.

وقد ظهر أیضا بما حققناه بطلان قول القائل:

«إن من قال بحدوث الزمان فقد قال بقدمه من حیث لا یشعر».٢

أو آخر وهو یقول:

«افرضوا العالم متناهیا، وشخص واقف في انتهاء العالم، یمد یده إلى الخارج من كرة العالم وحینئذ فإما أن یكون هو قادرا على أن یمد یده خارج الكرة، فیلزم أن یكون البُعد في خارج العالم موجودا، وإما أن لا یقدر على إخراج یده فیعلم بذلك أن هناك جسم مانع فیلزم أن یكون البعد هناك موجودا أیضا، ولا یكون هناك إنتهاء العالم».٣

فإن


  1. الطباطبائي، محمد حسين: نهاية الحكمة، ٣٢٥.
  2. الطباطبائي، محمد حسين: نهاية الحكمة، ٢٣٢، نقلاً من أرسطو.
  3. حسن زاده، حسن: آيتِ حُسن، ٨٠، نقلنا ذلك معربا.
معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام١٢٨

كل هذه التصورات الخاطئة لأرباب الفلسفة والقائلین بقدم العالم تنشأ من خلط أحكام الوهم بالعقل كما أوضحنا ذلك.

یقول الكراجكي رحمه الله أیضا في ردّ شبهات الفلاسفة لإثبات قدم العالم:

«ولسنا نقول: إن هذا التقدم موجب للزمان، لأن الزمان أحد الأفعال، والله تعالى متقدم لجمیع الأفعال، ولیس أیضا من شـرط التقدم والتأخر في الوجود أن یكون ذلك في زمان... والكلام في هذا الموضع جلیل، ومن فهم الحق فیه سقطت عنه شبه كثیرة.

فلو قلنا: إن بین القدیم وأول الأفعال أوقاتا في الحقیقة، لناقضناه ودخلنا في مذهب خصمنا، نعوذ بالله من القول بهذا،... لا ینبغي أن نقول: "بین القدیم وبین المحدث"، لأن هذه اللفظة إنّما تقع بین شیئین محدودین، والقدیم لا أول له، والواجب أن نقول: إن وجود القدیم لم یكن عن عدم،... ولسنا نرید بذلك: أنه كان قبل أن فعل مدة یزید امتدادها، لأن هذا هو الحدوث والتجدد وهو معنى الزمان والحركة.

فإن قال قائل: إنه لا یثبت في الأوهام إلا هذا الامتداد، قیل له: لیس یجب إذا ثبت في الوهم أن یكون صحیحا».١

وعلى هذا فأوهن الأدلة على قدم الزمان هو ما یعدّ عند أصحاب الفلسفة أهمها حیث نقلنا عنهم قولهم:

«إن من قال بحدوث الزمان قال بقدمه من حیث لا یشعر».٢

بل نحن نقول إنّ نسبة عدم الشعور إلى الإنسان الظلوم الجهول الناظر بأوهامه إلى خالقه المتعالي عن الوهم ألیق من نسبته إلى أولیاء الله تعالى الشهداء على الخلق وهم ینادون


  1. بحار الأنوار، ٥٧ / ٢٩١ ـ ٢٩٢، نقلاً عن كنز الفوائد للكرجكي رحمه الله.
  2. الطباطبائي، محمد حسين، نهاية الحكمة، ٢٣٢، نقلا من أرسطو.
١٢٩الملكة و العدم

بأعلى أصواتهم بحدوث الزمان والمكان وعدمهما الحقیقي ووجودهما الحقیقي أیضا بعد العدم الحقیقي.

فبناء أصحاب الفلسفة على استحالة حدوث الزمان ـ بل وسایر الأشیاء بتبعها ـ، وتأویلهم الحدوث إلى الحدوث الذاتي أو الدهري أو الحدوث والقدم بالحق أو... من تركیب الجهل.

وهم ودفع:

إن قیل: إنكم قلتم لإثبات حدوث الزمان والمكان وتناهیها: "إن حقیقة الزمان والمكان أمر امتدادي وكل امتدادي قابل لفرض الزیادة والنقصان فیه، فهما متناهیان وحادثان"، مع أن من الواضح أنه لا یمكن فرض الزیادة والنقصان بالنسبة إلى واقع الزمان والمكان فإنهما غیر قابلین للارتفاع مطلقا،

نقول: هذا التوهم ینشأ من النظر إلى عدم الزمان والمكان من عین لا تُرینا إلا الزمان والمكان، فإن حكم هذا السائل بامتناع فرض الزیادة والنقصان بالنسبة إلى واقع الزمان والمكان، لیس إلا من جهة أنه یرید أن ینظر في مرآة الامتداد إلى عدم الامتداد، وهو ما قلناه مرارا من أن حكم أصحاب الفلسفة بقدم الزمان لیس إلا من حیث إنهم ینظرون إلى غیر الامتداد في مرآة الامتداد، وینظرون إلى عدم الزمان والمكان من عین لا تُریهم إلا الزمان والمكان، فیرون عدم الزمان زمانا وعدم المكان مكانا. نعم، فإن الأحول حیث یرى بعینه كل واحد اثنین، فلا لؤم علیه إن حكم بجهله بخطأ من یرى الواحد واحدا والاثنین اثنین!!

الأمر الثانی:

معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام١٣٠

ما یدل من نصوص علم السماء على أن كل ما یتصور ویدرك یكون ملكة للامتداد فیسلب بطرفیه النقص والكمال عن الله تعالى

الإمام أمیر المؤمنین عليه السلام:

«تأویل الصمد لا اسم، ولا جسم، ولا شبه، ولا صورة، ولا تمثال، ولا حد، ولا حدود، ولا موضع، ولا مكان، ولا كیف، ولا أین، ولا هنا، ولا ثمّة، ولا ملا، ولا خلا، ولا قیام، ولا قعود، ولا سكون، ولا حركة، ولا ظلماني، ولا نوراني، ولا روحاني، ولا نفساني، ولا یخلو منه موضع، ولا یسعه موضع، ولا على لون، ولا على خطر قلب، ولا على شم رائحة، منفي عنه هذه الأشیاء».١

«جل عن أن تحله الصفات لشهادة العقول أن كل من حلته الصفات مصنوع و شهادة العقول أنه جل جلاله صانع ليس بمصنوع».٢

«... سأل الزندیق عن الصادق عليه السلام فقال:... أمختلف هو أم مؤتلف؟ قال: لا یلیق به الاختلاف ولا الائتلاف، إنّما یختلف المتجزئ ویأتلف المتبعض، فلا یقال له مؤتلف ولا مختلف».٣

«داخل في الأشیاء لا كشـيء في شـيء داخل، وخارج من الأشیاء لا كشـيء من شـيء خارج، سبحان من هو هكذا ولا هكذا غیره».٤

«لا یشبه صورة، ولا یقاس بالناس، بعید في قربه، فوق كل شـيء ولا یقال شـيء تحته، وتحت كل شـيءولا یقال شـيء فوقه، أمام كل شـيء ولا یقال شـيء خلفه، وخلف كلشـيء ولا یقال شـيء أمامه، داخل في الأشیاء لا كشـيء في


  1. بحار الأنوار، ٣ / ٢٣٠، عن جامع الأخبار.
  2. الإرشاد، ١ / ٢٢٣، الاحتجاج، ١ / ٢٠٠، وعنه بحار الأنوار، ٤ / ٢٥٣.
  3. بحار الأنوار، ٤ / ٦٧، الاحتجاج.
  4. بحار الأنوار، ٣ / ٢٧١، عن التوحيد.
١٣١الملكة و العدم

شـيء، سبحان من هو هكذا لا هكذا غیره».١

«إن ربي لا یوصف بالبعد ولا بالحركة ولا بالسكون ولا بالقیام قیام انتصاب ولا بجیئة ولا بذهاب، لطیف اللطافة لا یوصف باللطف، عظیم العظمة لا یوصف بالعظم، كبیر الكبریاء لا یوصف بالكبر، جلیل الجلالة لا یوصف بالغلظ، رؤوف الرحمة لا یوصف بالرّقة...

هو في الأشیاء على غیر ممازجة، خارج منها على غیر مباینة،... داخل في الأشیاء لا كشـيء في شـيء داخل، وخارج منها لا كشـيء من شـيء خارج».٢

«من قال "كیف؟" فقد شبهه، ومن قال "لم؟" فقد علله».٣

«فلم یحلل فیها [الأشیاء] فیقال: هو فیها كائن، ولم ینأ عنها فیقال: هو عنها بائن، ولم یخل منها فیقال: له أین، لكنه سبحانه أحاط بها علمه وأتقنها صنعه وأحصاها حفظه».٤

«هو في الأشیاء كلها غیر متمازج بها ولا بائن عنها، ظاهر لا بتأویل المباشـرة، متجل لا باستهلال رؤیة، بائن لا بمسافة، قریب لا بمداناة».٥

«لیس في الأشیاء بوالج ولا عنها بخارج».٦

«لا تجري علیه الحركة والسكون».٧

«فمعاني


  1. جامع الأخبار، ٥.
  2. بحار الأنوار، ٤ / ٢٧، عن التوحيد.
  3. بحار الأنوار، ٤ / ٢٢٩، أمالي الطوسي.
  4. بحار الأنوار، ٤ / ٢٧٠، عن التوحيد.
  5. بحار الأنوار، ٤ / ٣٠٤. فإن كل ذلك ليس إلا ملكة للامتداد.
  6. بحار الأنوار، ٤ / ٢٥٤، عن الاحتجاج.
  7. بحار الأنوار، ٤ / ٢٥٤، عن الاحتجاج.
معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام١٣٢

الخلق عنه منفیة».١

«وكل ظاهر غیره غیر باطن، وكل باطن غیره غیر ظاهر».٢

«لم یحلل في الأشیاء فیقال: هو فیها كائن، ولم ینأ عنها فیقال: هو عنها بائن، ولم یخل منها فیقال أین، ولم یقرب منها بالالتزاق، ولم یبعد عنها بالافتراق، بل هو في الأشیاء٣. بلا كیفیة وهو أقرب إلینا من حبل الورید وأبعد من الشبه من كل بعید».٤

الإمام المجتبى عليه السلام:

«الذي لم یكن له... شخص فیتجزئ، ولا اختلاف صفة.٥ فلا تدرك العقول وأوهامها ولا الفكر وخطراتها ولا الألباب وأذهانها صفته».٦

الإمام سید الشهداء عليه السلام:

«علوه من غیر توقل، ومجیئه من غیر تنقل».٧

«هو في الأشیاء كائن لا كینونة محظور بها علیه ٨ ومن الأشیاء بائن لا بینونة غائب عنها».٩

الإمام الباقر عليه السلام:

«إن ربي لا یوصف بالبعد والحركة والسكون والقیام».١٠


  1. بحار الأنوار، ٤ / ٢٩٤، عن التوحید.
  2. بحار الأنوار، ٤ / ٣٠٩، عن نهج البلاغة.
  3. وهذا هو معنى خاص من الدخول لا يليق إلاّ به تعالى ولا يعرف إلاّ بأنّه ما ليس بدخول في الأشياء.
  4. التوحيد، ٧٩.
  5. لأن اختلاف الصفة لا يتصور إلا في ما كان امتداديا عدديا فيتناهی لاستحالة عدم التناهي في الامتدادي المختلفة الأجزاء والصفات.
  6. بحار الأنوار، ٤ / ٢٨٩، عن التوحید.
  7. بحار الأنوار، ٤ / ٣٠١، عن تحف العقول.
  8. بخلاف الامتدادي المخلوق الذي لا يكون إلا كذلك.
  9. بحار الأنوار، ٤ / ٣٠١، عن تحف العقول.
  10. بحار الأنوار، ٤ / ٢٧ ؛ ١٠ / ١١٨، عن التوحيد.
١٣٣الملكة و العدم

الإمام الصادق عليه السلام:

«من زعم أن الله في شـيء، أو على شـيء، أو یحول من شـيء إلی شـيء، أو یخلو منه شـيء، أو یشتغل به شـيء، فقد وصفه بصفة المخلوقین. والله خالق كل شـيء، لا یقاس بالقیاس ولا یشبه بالناس، لا یخلو منه مكان ولا یشتغل به مكان، قریب في بعده، بعید في قربه، ذلك الله ربنا لا إله غیره.

فمن أراد الله وأحبّه بهذه الصفة فهو من الموحدین، ومن أحبه بغیر هذه الصفة فالله منه بريء ونحن منه برءاء».١

«إن الله تبارك وتعالى لا یوصف بزمان ولا مكان ولا حركة ولا انتقال ولا سكون، بل هو خالق الزمان والمكان والحركة والسكون، تعالى عما یقول الظالمون علوا كبیرا».٢

«وإنما الكیف بكیفیة المخلوق».٣

«أما التوحید، فأن لا تجوز على ربك ما جاز علیك».٤

«فالله تبارك وتعالى داخل في كل مكان وخارج من كل شـيء».٥

الإمام الكاظم عليه السلام:

«إن الله تبارك وتعالى أجل وأعظم من أن یحد بید، أو رجل، أو حركة، أو سكون، أو یوصف بطول، أو قصـر، أو...»٦

الإمام


  1. بحار الأنوار، ٣ / ٢٨٨، عن كفاية الأثر في النص على الأئمة الإثنى عشـر.
  2. بحار الأنوار، ٣ / ٣٣٠، عن التوحيد.
  3. بحار الأنوار، ٣ / ١٩٣، الخبر المروي عن المفضل بن عمر في التوحيد المشتهر بالإهليلجة.
  4. بحار الأنوار، ٤ / ٢٦٤، عن التوحيد.
  5. بحار الأنوار، ٤ / ٢٩٨ والكافي، ١ / ١٠٤.
  6. بحار الأنوار، ٣ / ٣٠٠، عن التوحيد.
معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام١٣٤

الرضا عليه السلام:

«ولكنه عزّ وجلّ لم یخلق شیئا لحاجة ولم یزل ثابتا لا في شـيء ولا على شـيء إلا أن الخلق یمسك بعضه بعضا ویدخل بعضه في بعض ویخرج منه، والله جل وتقدس بقدرته یمسك ذلك كلّه ولیس یدخل في شـيء ولا یخرج منه ولا یؤوده حفظه ولا یعجز من إمساكه».١

«لیس مذ خلق استحق معنى الخالق، ولا بإحداثه البرایا استفاد معنى البرائیة، كیف ولا تغیبه مذ، ولا تدنیه قد، ولا یحجبه لعل، ولا یوقته متى، ولا یشمله حین، ولا تقارنه مع، إنّما تحد الأدوات أنفسها وتشیر الآلة إلى نظائرها».٢

«ومن قال "كیف؟" فقد استوصفه».٣

الإمام أبو جعفر الثاني عليه السلام:

«الكیفیة للمخلوق المكیف».٤

الباب الثاني:

الله تعالى واحد، ما


  1. بحار الأنوار، ١٠ / ٣١٧، عن التوحيد.
  2. بحار الأنوار، ٤ / ٢٢٩، عيون أخبار الرضا عليه السلام، ١ / ١٥٢.
  3. بحار الأنوار، ٤ / ٢٨٤، عن التوحید.
  4. بحار الأنوار، ٤ / ١٥٤، عن الاحتجاج.
١٣٥الملكة و العدم

معناه؟ وما هو البرهان علیه؟!

معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام١٣٦

تقول الفلسفة والعرفان:

الوجود اللامتناهي لا یقبل التعدد، وهذا هو دلیل إثبات وحدة الخالق،

الوحدة العددیة هي محدودیة الوجود، وحقیقة التوحید هي سلب الحدود،

العالم ولید ذات الخالق وصادر عنه، أو تجلیه الذاتي،

أهداف الفصل:

بیان انتفاء موضوع اللامتناهي ثبوتا،

الواحد الحقیقي هو المتعالي عن الوجود الامتدادي،

الوحدة العددیة هي أمر اعتباري صـرف،

لا یمكن إثبات وحدة الخالق جل وعلا مع الالتزام بالمباني الفلسفیة العرفانیة،

إثبات وحدة الخالق تعالی بعد الكشف عن عجز المدارس المعرفة البشـریة بأسـرها عن ذلك،

تفنید القول بصدور الأشیاء عن ذات الخالق، أو تجلي الخالق عز اسمه بصور المخلوقات،

الخلقة هي: الإیجاد لا من شـيء.

١٣٧الملكة و العدم

إن كلمة التوحید هي الكلمة العلیا في الإسلام بل عند أهل الأدیان بأسـرهم، القرآن هو المبین لحقیقتها بأوضح بیان كما أن عترة الرسول صلی الله علیه و آله الذین هم أعدال الكتاب ومفسـرو القرآن ومحال معرفة الله تعالى هم المؤكدون على معناه أشد التأكید.

ثم إن كلمة التوحید عندهم هو:

الإقرار بوجود خالق متعال عن الامتداد والعدد والجزء والكل والاتصاف بالتناهي وعدم التناهي، وعن وجود الخلق بأسـره، هو المنشئ للأشیاء لا من شـيء، والخالق البارئ لما سواه لا عن وجود؛

هذا، وقد أصبح هذا المعنى عند البعض من المتأخرین محرفا عن حقیقته إلى معنى آخر، فالتوحید عند هؤلاء هو أن:

«حقیقة الوجود ـ وهو عندهم نفس ذات المعبود جل عن وصف الواصفین وأوهام المتوهمین ـ حقیقة محضة صـرفة لا متناهیة، هي المتجلي بالصور المختلفة، والمتعین بأعیان الأشیاء المتبائنة أزلا وأبدا، وحیث إن لهذه الحقیقة الشدة والسعة الوجودیة غیر المتناهیة ـ بل فوق ما لا یتناهى [!] بما لا یتناهى [!!] ـ فلا مجال لفرض وجود غیره مطلقا. هو كل الأشیاء وكل الأشیاء هو، ولیس في الدار غیره دیار».١

هم المبتهجون بتحقیق هذا المعنى أشد الابتهاج، ویعتبرون ذلك من أعلى وأغلى ما


  1. يقول ابن عربي: «وما في الكون أحدية إلا أحدية المجموع»: كتاب المعرفة، ٣٦.
معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام١٣٨

وصلت إلیه ید التحقیق والتفكر والتعمق في معرفة الذات الإلهیة.١

ونحن نروم بالاختصار إلى بیان معنى حقیقة التوحید على أساس البرهان ونصوص الوحي والقرآن أولا، ثم نكشف الحجاب عن بطلان ما علیه أصحاب الفلسفة والعرفان في ذلك ثانیا.

هو تعالى واحد، ما معناه؟ وما هو البرهان علیه؟!

للواحد معنیان: معنى اعتباري ـ ولیس من العدد إلا ذاك ـ ومعنى حقیقي؛

[وهناك معنی ثالث موهوم، وهو كون الشـيء واحدا بمعنی كونه جمیع الأشیاء وكل الأشیاء وأوسع الأشیاء! وهو اللامتناهي الموهوم المستحیل الوجود].

أما المعنى الاعتباري فهو أن تعتبر مقدارا معینا من الشـيء واحدا، فتعدّ ذلك الشـيء بإعتبار الواحد المفروض، فتعتبر مثلا الإنسان واحدا ـ وهو في الحقیقة أجزاء متكثرة ـ فتعدّ أفراد قوم باعتبار آحادهم.

ولك أن تفرض القوم شیئاًًً واحدا ـ وهو كثیر في الحقیقة ـ فتعدّ بإعتباره الأقوام، ولك أن تعتبر كل جزء من الأجزاء المختلفة في وجود الإنسان واحدا فتعدّ باعتباره یدا ورجلا وبطنا ورأسا وفما و...

وتعتبر كل جزء مما یتركب منه كل عضو واحدا، فتعدّ كل عضو من أعضاء الإنسان


  1. الإمام السجّاد عليه السلام: «لم يجعل في أحد من معرفة إدراكه أكثر من العلم بأنّه لا يدركه، فشكر معرفة العارفين بالتقصير عن معرفته، وجعل معرفتهم بالتقصير شكرا كما جعل علم العالمين أنّهم لا يدركونه إيمانا». بحار الأنوار، ٧٨/١٤٢. الإمام أمير المؤمنين عليه السلام: «الحمد لله الّذي أعجز الأوهام أن تنال إلاّ وجوده». بحار الأنوار، ٤/٢٢١. الإمام أمير المؤمنين عليه السلام: «لم تجعل للخلق طريقا إلى معرفتك إلاّ بالعجز عن معرفتك». بحار الأنوار، ٩٤/١٥٠. الإمام الصادق عليه السلام: «من نظر في الله كيف هو، هلك». كافى، ١/٩٣؛ بحار الأنوار، ٣/٢٥٩. الإمام أمیر المؤمنین عليه السلام: »كمال معرفته التصديق به». نهج البلاغه، الخطبة، ١.
١٣٩الملكة و العدم

باعتبار الواحد المفروض لحما وعظما ودما و...

من الظاهر أنه لا شـيء تتصوره ثم تعتبره واحدا، إلا وهو قابل لزیادة مثله علیه، وبذلك یدخل في باب الأعداد، كما أنه لا شـيء تتصوره وتعتبره واحدا إلا وهو قابل للانقسام والدخول في باب الأعداد، ولذلك نقول: ما من شـيءیتصور إلا كان امتدادیا عددیا قابلا للزیادة والنقصان.

وأما الواحد الحقیقي، فهو ما یكون بخلاف الذات الامتدادیة المتجزیة، فلا جزء ولا امتداد لها حتى تقسمها أو تعتبر بعضها واحدا ویدخل باعتبار ذلك البعض في باب الأعداد، فالتعدید فرع الامتداد وقابلیة المعدود للزیادة والنقصان، وأما ما یكون بخلاف الامتداد فلا یتعدد بذاته، وذلك لانتفاء قابلیة التعدید والتحدید في موضوعه، فلا شبیه له ولا نظیر، ولا شـریك له ولا عدیل، ولا جزء له ولا كل ثبوتا.

فهو الواحد الأحد الفرد المتفرد بوحدانیته، المتعالي عن الأشباه والأنداد والنظائر، وهو المسمى بالواحد الحقیقي المعبر عنه بالصمد، أي ما لا جوف له، أي لا داخل له ولا مدخل ولا جزء ولا بعض:

الرسول الأعظم صلی الله علیه و آله:

«الله واحد وأحدي المعنى والإنسان واحد ثنوي المعنى، جسم، وعرض، وبدن وروح».١

الإمام أمیر المؤمنین عليه السلام:

«كل مسمى بالوحدة غیره قلیل».٢

الإمام الرضا عليه السلام:

«یوحد ولا یبعض».٣


  1. بحارالأنوار، ٤ / ٣٠٩، عن نهج البلاغة.
  2. بحار الأنوار، ٤ / ٣٠٩، عن نهج البلاغة.
  3. بحار الأنوار، ٣ / ٢٩٣، عن التوحید.
معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام١٤٠

وذلك لأن الامتداد والعدد قابل للزیادة دائما، وأما الخالق جل وعلا فلا تنسب إلیه القلة والكثرة والمحدودیة وغیر المحدودیة لأن كل ذلك فرع الامتداد والعدد:

الإمام أمیر المؤمنین عليه السلام:

«واحد لا من عدد».١

«أحد لا بتأویل عدد».٢

الإمام الباقر عليه السلام:

«الأحد الفرد المتفرد، والأحد والواحد بمعنى واحد وهو المتفرد الذي لا نظیر له، والتوحید الإقرار بالوحدة وهو الانفراد؛ والواحد: المتبائن الذي لا ینبعث من شـيء ولا یتحد بشـيء.

ومن ثم قالوا: إن بناء العدد من الواحد ولیس الواحد من العدد، لأن العدد لا یقع على الواحد بل على الاثنین، فمعنى قوله: الله أحد، أي: المعبود الذي یأله الخلق عن إدراكه والإحاطة بكیفیته فرد بإلهیته متعال عن صفات خلقه».٣

«... قال [الزندیق] فكیف هو الله الواحد؟

قال [الإمام الصادق عليه السلام]: واحد في ذاته فلا واحد كواحد، لأن ما سواه من الواحد متجزئ وهو تبارك وتعالى


  1. بحار الأنوار، ٤ /٢٢٢، عن التوحید.
  2. بحار الأنوار، ٤ / ٢٢٩؛ نهج البلاغة، الخطبة، ١٥٢.
  3. بحار الأنوار، ٣ / ٢٢٢ ـ ٢٢٣، التوحيد، ٩٠.
١٤١الملكة و العدم

واحد لا متجزئ ولا یقع علیه العد».١

فلا مصداق للواحد الحقیقي إلا الذات المتعالیة،٢ وكل شـيء غیره تعالى فهو متجزئ، كثیر متعدد في ذاته:

الإمام أمیر المؤمنین عليه السلام:

«لا یشمل بحد ولا یحسب بعدّ».٣

الإمام السجاد عليه السلام:

«لك یا إلهي وحدانیة العدد».٤

الإمام الرضا عليه السلام:

«والله جل جلاله واحد لا واحد غیره لا اختلاف فیه ولا تفاوت ولا زیادة ولا نقصان».٥


  1. بحار الأنوار، ٤ / ٦٧، الاحتجاج.
  2. إن المعرفة البشـرية تبتني على أن تنسب إلى الله تعالى أشـرف طرفي النقيض مما تتوهمه وتتصوره، وحيث إنها تزعم أن الموجود لا بد وأن ينقسم إلى المتناهي وغير المتناهي ويكون غير المتناهي أشـرف من المتناهي فالله تبارك وتعالى هو الموجود اللامتناهي بل أشد و أعلى من اللامتناهي بمراتب لا متناهية!! وهذه الفكرة هي أصل الخطأ ومنشأ الضلالة عن المعرفة الحقة حيث إن تقسيم الموجود إلى المتناهي و غير المتناهي تقسيم موهوم خاطئ جداً و ذلك أن: ألف ) الموجود ينقسم إلى: ١. الموجود ذو الامتداد و الأجزاء القابل للانقسام و الزيادة والنقصان (المخلوق)‎. ٢. الموجود المتعالي عن الامتداد والعدد والتجزي (الخالق). فالتناهي وعدم التناهي من صفات الشـيء ذي الامتداد القابل للزيادة والنقصان وهما له كالملكة و العدم فيختصان به، وأما الخالق المتعالي عن كونه ذا امتداد وأجزاء و المنزه عن قابلية التصور بالزيادة و النقصان فلا يتصف بالتناهي و عدم التناهي ثبوتاً، ويكون خارجا عن طرفي التقسيم بذينك موضوعاً. ب ) كل ما احتمل الزيادة و النقصان وكان امتداديا (المخلوق) فهو محدود دائما وصيرورته غير متناه يكون خلاف ذاته. فالاعتقاد بوجود اللامتناهي موهوم جدا وهو باطل ثبوتا وموضوعا كما حققناه في محله مفصلا. ج. إذا كان الشـيء غير متناه، فكيف يوجد شـيء أعلى منه وأشد، فضلا عن أن تكون تلك الشدة أيضا بمراتب لا متناهية؟!
  3. بحار الأنوار، ٤ / ٢٥٤، عن الاحتجاج.
  4. الصحيفة السجادية، الدعاء ٢٨.
  5. بحار الأنوار، ٤ / ١٧٣، عن التوحید.
معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام١٤٢

وحدة الخالق تعالى ذاتیة له، كما أن الكثرة لما سواه تكون ذاتیة كما أن التعدد للموجود المخالف للامتداد یكون مستحیلا ثبوتا وبالذات، فكذلك یكون فرض الوحدة للذات المتجزئ والعددي محالا ثبوتا.

وهذا هو سـرّ ضعف كل دلیل أقیم على إثبات وحدة الخالق في الفلسفة والفكرة البشـریة، ومن هناك أیضا اضطر كثیر من الباحثین إلى الإقرار بغموض الأدلة العقلیة التي أقیمت على إثبات توحید البارئ، فإنه لیس ذلك إلا من حیث أنهم یرومون إثبات ما لا یمكن ثبوتا وبالذات، ولكنك ترى بالتفرقة بین الواحد الاعتباري المتجزئ والواحد الحقیقي المتعالي عن الامتداد، أن الطریق إلى إثبات توحیده تعالى یصبح سهلا واضحا بل أسهل كل شـيء.

وإن تعجب فاعجب منهم حیث یجعلون مسألة إثبات وحدة الخالق وردّ الشبهة الموهونة المعروفة لابن كمونة، من الصعوبة بدرجة یقولون: إنه لو ظهر مولانا صاحب الزمان عجل الله تعالى فرجه الشـریف، لا نطلب منه معجزة سوى حل هذه المعضلة!!

وأعجب من ذلك وأغرب، هو حل تلك الشبهة على مبان أوهن من أصل الشبهة ـ كالقول بصـرافة الوجود وأصالته، وادعاء الكثرة في عین الوحدة والوحدة في عین الكثرة، ونفي وجود الغیر مطلقا، وكون بسیط الحقیقة كل الأشیاء، وأمثال ذلك ـ مما یكون صـریحا في الالتزام بالتركب والتعدد الحقیقي لذات المعبود، وتحریف معنى وحدة الخالق تعالى من الوحدة الحقیقیة إلى الوحدة الاعتباریة.

توضیح ذلك: إن مما استدل به أصحاب الفلسفة لإثبات وحدة واجبهم هو قولهم:

«لو كان هناك واجب وجود آخر لتشارك الواجبان في كونهما واجبي الوجود، فلا بد من تمیز أحدهما عن الآخر بشـيء وراء ذلك الأمر المشترك. وذلك یستلزم تركب كل منهما من شیئین: أحدهما یرجع إلى ما به الاشتراك، والآخر إلى ما به الامتیاز، وقد عرفت أن واجب الوجود بالذات بسیط لیس مركبا لا من الأجزاء العقلیة ولا الخارجیة».١

ویقال


  1. السبحاني، جعفر: تلخيص الإلهيات، تلخيص علي رباني الگلپايگاني، ٥٠.
١٤٣الملكة و العدم

في هذا المعنى أیضا:

«لو تعدد الواجب بالذات، كأن یفرض واجبان بالذات وكان وجوب الوجود مشتركا بینهما وكان تمیزهما بأمر وراء المعنى المشترك بینهما فإن كان داخلا في الذات لزم التركب وهو ینافي الوجوب».١

بطلان هذا الاستدلال واضح وذلك أن:

ألف.إن وجوب الوجود، من المعقولات الثانیة الفلسفیة عندهم، فلا حقیقة له في الخارج في عرض حقیقة الشـيء الذي حكم بوجوبه حتى یلزم التركب المفروض من وجوب الوجود وشـيء آخر. قال العلامة الحلي "قدس سـره":

«وهذا إنما یتمشـی بعد إثبات كون الوجوب ثبوتیا».٢


  1. الطباطبائي، محمد حسين: نهاية الحكمة، ٢٧٨.
  2. العلامة الحلي "قدس سـره": أنوار الملكوت، ٩٥.
معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام١٤٤

كما أن الفاضل المقداد "قدس سـره" أیضا یقول:

«إن مفهوم واجب الوجود شـيء ما له وجوب الوجود، والوجوب أمر عدمي، وما جزؤه عدمي فهو عدمي، فلا یوجب الاشتراك فیه التركیب، ولإن سلمنا أن الوجوب ثبوتي، لكن الشیئیة والوجوب من المعقولات الثانیة (والمعقولات الثانیة لا توجد إلا في العقل). اللاحقة للمعقولات الأولى، والاشتراك فیهما لا یوجب الاشتراك في الذوات. كما أنه لا یلزم من اشتراك ممكنین في حمل هذا المعنى علیهما تركیبهما من هذا المفهوم ومن فصل آخر».١

ب. لا دلیل لأهل الفلسفة والعرفان على امتناع تركیب واجبهم، بل هذا الادعاء منهم أمر غریب وهم یحرفون معنى التركیب عن معناه الحقیقي إلى معنى التركیب من الوجود والعدم!! ویلتزمون بكون واجبهم عین الأشیاء الخارجیة المركبة المتجزیة مصداقا!!

ثم إنه ینسب إلى إبن كمونه أنه قال:

«لم لا یجوز أن یكون هناك ماهیتان بسیطتان مجهولتا الكنه، متبائنتان بتمام الذات».٢

وجاء في نهایة الحكمة ردا على ما قاله "ابن كمونة":

«وأجیب عن الشبهة بأنها مبنیة على انتزاع مفهوم واحد عن مصادیق كثیرة متبائنة بما هي كثیرة متبائنة وهو محال».٣

ولكن بطلان هذا الجواب واضح، لأنه:

ألف. هذا الجواب أجنبي عن الشبهة، لأنه یدل على استحالة انتزاع مفهوم واحد عن حقائق متبائنة بما أنها متبائنة، ولكن الشبهة تبتني على الحكم على حقائق متبائنة


  1. الفاضل المقداد قدس سـره: إرشاد الطالبين إلى نهج المسترشدين، ٢٥٠.
  2. الطباطبائي، محمد حسين: نهاية الحكمة، ٢.
  3. الطباطبائي، محمد حسين: نهاية الحكمة، ٢٧٨.
١٤٥الملكة و العدم

بما هي مشتركة في أمر واحد ـ وهو أصل التحقق والوجود الذي ینكر صاحب الشبهة أصالته الفلسفیة ـ، لا بما هي متبائنة فلا یلزم محال أصلا؛ بل كیف، وجوابهم هذا هو بعینه حكم واحد ـ وهو امتناع انتزاع مفهوم واحد ـ على مصادیق كثیرة متبائنة، فكیف یكون أمرا ممتنعا؟!.

ب.لا دلیل على كون مفهوم الوجود أمرا انتزاعیا عن مصادیقه، بل كیف یمكن التفوه بذلك في شأن الخالق الذي لا یدخل تحت التصور والوصول مطلقا حتى یمكن انتزاع مفهوم عنه تعالى؟!

والصحیح في الجواب هو أن یقال: إن فرض التعدد لشـيء یناقض فرض بساطته بالذات، لأن فرض التعدد متفرع على كونه امتدادیا عددیا قابلا للتعدد وهو خلاف فرض كونه بسیطا، فالشبهة ساقطة من أصلها.

ثم هذا الاستدلال لإثبات توحید الخالق جل وعلا، والشبهة فیه، والجواب عن الشبهة، كل ذلك أجنبي عن حقیقة معنى توحید الرب تبارك وتعالى كماترى، لأن مبنى الكلام في كل ذلك على كون الخالق تعالی قابلا للتعدد والتكثر وهو خروج عن الموضوع اللائق بالخالقیة والربوبیة.

والحق في الجواب هو التذكیر بأن الخالق جل وعلا یتعالى بنفس ذاته القدوس، عن الامتداد والعدد والزیادة والنقصان وسایر صفات الأشیاء ذوات الامتداد والعدد القابلة للزیادة والنقصان والتعدد والتكثر:

الإمام أمیر المؤمنین عليه السلام:

«وخرج بسلطان الامتناع من أن یؤثر فیه ما في غیره».١

الإمام الرضا عليه السلام:

«لیس في محال القول حجة... ولا في إبانته عن الخلق ضیم إلا بامتناع الأزلي أن یثنى».٢

«


  1. بحار الأنوار، ٤/ ٢٥٤، عن الاحتجاج.
  2. عيون أخبار الرضا عليه السلام، ١/ ١٢٦.
معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام١٤٦

الحجاب بینه وبین خلقه لامتناعه مما یمكن في ذواتهم، ولإمكان ذواتهم مما یمتنع منه ذاته، ولافتراق الصانع والمصنوع».١

وعلى ما بیناه تعلم أن وجود الشـریك لله تعالى محال ثبوتي، فلا نحتاج لنفیه إلى إقامة الدلیل، فإن تعدد الآلهة فرع إمكان التعدد، وإمكان التعدد فرع الامتداد، والامتدادیة آیة المخلوقیة ولا تلیق بالإله الخالق المعبود المتعال.

فما لم تفرض الذات بخلاف الامتداد وغیر قابلة للتعدد بالذات فلا تلیق بأن تكون إلها، ولو فرضت بخلاف الامتداد فهي غیر قابلة للتعدد بنفسها لا بدلیل آخر.

فمن یفرض للخالق جل وعلا ثانیا، ویطلب الدلیل لنفي ذلك الثاني بعد إمكان فرض وجوده، فقد أخرجه عما یلیق به من معنى الألوهیة وجعله مخلوقا أولا، ثم یفحص عن وجود الدلیل لجعل المخلوق خالقا!! ولإثبات كون الكثیر واحدا!! والحال هذه، فإن هو أثبت من هذا الموجود القابل للتعدد بالذات ألوفا لم یضـرنا ذلك في دعوانا من وحدة البارئ، وإن نفى وجود كلها ـ أو أثبت وحدتها على الفرض المحال ـ لم ینفعنا ذلك شیئا أیضا من إثبات الخالق الواحد المتعال، لأنه خارج عن الفرض، وكلامه حینئذ في وحدة المخلوق لا الخالق!!

وقد قلنا كما أن تعدد الخالق محال ذاتا، فكذلك وحدة المخلوق محال أیضا ذاتا وثبوتا. فأنّى یتیسـر لهم إثبات ما هم بصدده؟! فإن كل ثان دلیل على أنه نفسه وما تقدم علیه كلاهما مخلوقان متجزیان فلا یمكن فرض الوحدة لهما فضلا عن إثباتها لهما!!

إن التوحید لیس بمعنى "كون الخالق تعالى واحدا أم أكثر"، فإن هذه الوحدة والكثرة ملكتا المقادیر المخلوقة، بل یكون التوحید بمعنى كونه تعالى بخلاف كل الأشیاء والمقادیر والتوهمات والتصورات، وكونه بلا شبیه ولا نظیر ثبوتا وبالذات، فالتوحید هو ما یقابل العدد، ولیس معناه ما یقابل الثاني والثالث.

وعلیك بالتأمل


  1. التوحيد، ٥٦.
١٤٧الملكة و العدم

في كلام أمیر الكلام علیه صلوات الله الملك العلام حتى ترى كیف أخرج عليه السلام معنى توحید الباري جل وعلا عما یكون عددیا وجعله في معنى مقابل للامتداد والعدد:

«... إن أعرابیا قام یوم الجمل إلى أمیر المؤمنین عليه السلام فقال: یا أمیر المؤمنین، أتقول: إن الله واحد؟ قال: فحمل الناس علیه وقالوا: یا أعرابي أما ترى ما فیه أمیر المؤمنین من تقسّم القلب؟ فقال أمیر المؤمنین عليه السلام: دعوه، فإن الذي یریده الأعرابي هو الذي نریده من القوم.

ثم قال: یا أعرابي، إن القول في أن الله واحد على أربعة أقسام، فوجهان منها لا یجوزان على الله عزّ وجلّ، ووجهان یثبتان فیه، فأما اللذان لا یجوزان علیه فقول القائل: "واحد"یقصد به باب الأعداد فهذا ما لا یجوز، لأن ما لا ثاني له لا یدخل في باب الأعداد، أما ترى أنه كفر من قال: إنه ثالث ثلاثة. وقول القائل: هو واحد من الناس، یرید به النوع من الجنس فهذا ما لا یجوز، لأنه تشبیه وجل ربنا وتعالى عن ذلك.

وأما الوجهان اللذان یثبتان فیه فقول القائل: هو واحد لیس له في الأشیاء شبه، كذلك ربنا. وقول القائل: إنه عزّ وجلّ أحدي المعنى، یعني به: أنه لا ینقسم في وجود ولا عقل ولا وهم، كذلك ربنا عزّ وجلّ».١

التوحید هو المدعى وهو الدلیل

بما أن نفس حقیقة وجود الخالق جل وعلا تستلزم وحدته، فالدلیل هو نفس المدعى:

قال الله تعالى:

«شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُو».٢

الإمام أمیر المؤمنین عليه السلام:

«اسم الله الأعظم وعماد التوحید لله: لا إله إلا هو. ثم قرء:

«شَ


  1. بحار الأنوار، ٣ / ٢٠٦ ـ ٢٠٧.*
  2. آل عمران (٣): ١٩.
معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام١٤٨

هِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُو».١

فكلمة "لا إله إلا الله " لا یحتاج إلى إثبات، بل هي المدعى وهي الدلیل:

الإمام أمیر المؤمنین عليه السلام:

«معرفته توحیده... وتوحیده تمییزه من خلقه، وحكم التمییز بینونة صفة لا بینونة عزلة^٤٦٢ما تصور فهو بخلافه».٢

الإمام الصادق عليه السلام:

«جل عن الأشباه والأضداد وتكبر عن الشـركاء والأنداد».٣

الإمام الرضا عليه السلام:

«أول عبادة الله معرفته، وأصل معرفة الله توحیده، ونظام توحید الله نفي الصفات عنه، لشهادة العقول أن كل صفة وموصوف مخلوق وشهادة كل موصوف أن له خالقا لیس بصفة ولا موصوف، وشهادة كل صفة وموصوف بالاقتران، وشهادة الاقتران بالحدث، وشهادة الحدث بالامتناع من الأزل الممتنع من الحدث.

فلیس الله عرف من عرف بالتشبیه ذاته، ولا إیاه وحد من اكتنهه، ولا حقیقته أصاب من مثله، ولا به صدق من نّهاه، ولا صمد صمده من أشار إلیه، ولا إیاه عنى من شبهه ولا له تذلل من بعضه، ولا إیاه أراد من توهمه».٤


  1. بحار الأنوار، ٣ / ٢٢٢.*
  2. بحار الأنوار، ٤ / ٢٥٣، عن الاحتجاج.
  3. بحار الأنوار، ٣ / ١٩٦، الخبر المروي عن المفضل بن عمر في التوحيد المشتهر بالإهليلجة.
  4. بحار الأنوار، ٤/ ٢٢٨، عن التوحيد والعيون.
١٤٩الملكة و العدم

الإمام العسكري عليه السلام:

«الله واحد أحد، لم یلد ولم یولد ولم یكن له كفوا أحد... جل ثناؤه وتقدست أسمائه أن یكون له شبه، هو لا غیره، لیس كمثله شـيء وهو السمیع البصیر».١

إن كون ما سوى الله تعالى امتدادیا قابلا للوجود والعدم، هو وجه تعلیل التوحید:

«وَ لا تَدْعُ مَعَ الله إِلهاً آخَرَ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْ ءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَ إِلَيْهِ تُرْجَعُون ».٢

الإمام أمیر المؤمنین عليه السلام:

«وعلا عن اتخاذ الأبناء، وتطهر وتقدس عن ملامسة النساء، وعزّ وجلّ عن مشاركة الشـركاء فلیس له في ما خلق ضد، ولا في ما ملك ند، ولم یشـرك في ملكه أحد».٣

«وارتفع عن مشاركة الأنداد، وتعالى عن اتخاذ صاحبة وأولاد».٤

الإمام سید الشهداء عليه السلام:

«فذلك الله لا سمي له تعالى لیس كمثله شـيء وهو السمیع البصیر».٥

وحدته تعالى یختص به، ولا یجري على خلقه إلا دون المعنى الجاري علیه تعالى:

الإمام أمیر المؤمنین عليه السلام:

«وخص نفسه بالوحدانیة».٦

«التوحید


  1. الكافي، ١ / ١٠٣.
  2. قصص (٢٨): ٨٨.
  3. بحار الأنوار، ٤ / ٢٧٠، عن التوحید.
  4. بحار الأنوار، ٤ / ٣١٩، عن أمالي الشيخ الطوسي.
  5. بحار الأنوار، ٤ / ٣٠١، عن تحف العقول.
  6. بحار الأنوار، ٤ / ٢٧٠، عن التوحید.
معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام١٥٠

ظاهره في باطنه، وباطنه في ظاهره، ظاهره موصوف لا یرى وباطنه موجود لا یخفى، یطلب بكل مكان، ولم یخل منه مكان طرفة عین، حاضـر غیر محدود، وغائب غیر مفقود».١

الإمام الباقر عليه السلام:

«إن الله عزّ وجلّ ـ تباركت أسماؤه وتعالى في علو كنهه ـ أحد، توحّد بالتوحید في توحده، ثم أجراه على خلقه، فهو أحد صمد ملك قدوس، یعبده كل شـيء ویصمد إلیه، وفوق الذي عسینا أن نبلغ، ربنا وسع كل شـيء علما».٢

إن ما یكون قابلا للتجزیة والتولید بالذات ـ وهو المعبر عنه بالإناث، ـ فلا یوحَّد بالذات:

قال الله تعالى:

«إن یدعون من دونه إلا إناثا».٣

كما أن ما یكون بخلاف ذلك ویتعالى عنه ـ وهو المعبر عنه بالصمد ـ لا یتعدد بالذات:

«بسم الله الرحمن الرحیم، قل هو الله أحد، الله الصمد، لم یلد ولم یولد، ولم یكن له كفوا أحد».٤

إن نفس فرض وجود الله تعالى بحیث یجوز أن یكون خالقا مبدعا یستلزم كونه واحدا أحدا، لأن ملاك الوحدة والخالقیة واحد وهو كون الشـيء متعالیا عن الامتداد، قال الله تعالى:

«


  1. بحار الأنوار، ٤ / ٢٦٤، عن معاني الأخبار.
  2. بحار الأنوار، ٣ / ٢٢٨، عن التوحید.
  3. النساء (٤): ١١٧.
  4. الإخلاص (١١٢).
١٥١الملكة و العدم

بدیع السموات والأرض، أنى یكون له ولد ولم یكن له صاحبة وخلق كل شـيء وهو بكل شـيء علیم، ذلكم الله ربكم لا إله إلا هو خالق كل شـيء فأعبدوه».١

الأوهام حول التوحید

تقول الفلسفة الیونانیة والسینویة: إن العالم صدر عن وجود الخالق المتعال؛

والحكمة الصدرائیة والعرفان المدعی إسلامیتهما یقولان: إن العالم متوهم، لیس له وجود حقیقي، وإن الخالق یظهر بصور المخلوقات، فالعالم هو تجلي وجود الخالق ورقص الذات الإلهیة.

وبما بینا من معنى التوحید الحقیقي والفرق بینه وبین التوحید الاعتباري، یظهر أن الفلسفة والعرفان في حجاب مستور عن معرفة توحید الإله، ولا یمكن للقائل بالصدور أو التجلي، الاعتقاد بالتوحید ثبوتا فضلا عن الإثبات.

وأما التابع لما جاءت به مدرسة الوحي الإلهي القائلة بإیجاد الخالق تبارك وتعالى العالم لا من شـيء، فلا یحتاج لإثبات توحید الخالق جل وعلا إلى أي دلیل سوى إثبات خالقیة الخالق وإبطال العقیدة القائلة بالصدور والتجلي الواهنة والموهونة:

الإمام أمیر المؤمنین عليه السلام:

«إنه كل یوم في شأن، من إحداث بدیع لم یكن، الذي لم یولد فیكون في العزّ مشاركا، ولم یلد فیكون موروثا هالكا».٢

إن الوحدة العددیة أمر محال في نفسها فضلا عن إثبات معناها لشیئین متمایزین، كواحد صدر عن واحد! أو واحدین متحدین كالعاقل والمعقول! ودلیل توحید الخالق عزّ وجلّ هو نفس الدلیل على عدم تجزیه تبارك وتعالى، الذي ینافي القول بالتجلي والصدور من اصله:


  1. الأنعام (٦): ١٠٢ ـ ١٠٣.
  2. بحار الأنوار، ٤ / ٢٥٦، عن التوحيد. الإرث المنفي هنا ليس بالمعنى الفقهي الخاص بالملكية الاعتبارية، بل المراد منه هو الوراثة في نفس الوجود وحقيقة الذات، فيكون بمعنى نفي الاستحالة (من شـيء إلی شـيء) والتجزئة الذاتية والصدور والتطور والتجلي.
معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام١٥٢

الإمام الباقر عليه السلام:

«له القدرة والملك أنشأ ما شاء بمشیته لا یحد ولا یبعض ولا یفنى».١

إن التوحید یعلل ببطلان الصدور والتجلى، فكیف یمكن ابتناء حقیقته على قاعدة "الواحد" وصدور الأشیاء عن ذات الخالق تعالی المستلزم لتركبه وتجزیه جل وعلا؟!!:

الإمام الصادق عليه السلام:

«فرداني لا خلقه فیه ولا هو في خلقه».٢

«من شبه الله بخلقه فهو مشـرك، إن الله تبارك وتعالى لا یشبه شیئا ولا یشبهه شـيء، وكل ما وقع في الوهم فهو بخلافه».٣

ومن هنا نشیر بالتنزیه إلى تعلیل نفي الشـریك:

«أَمْ لَهُمْ إِلهٌ غَيْرُ الله سُبْحانَ الله عَمَّا يُشْرِكُون».٤

فحقیقة معنى التوحید لیس إلا التنزیه، وحقیقة معنى الشـرك لیس إلا التشبیه؛ و"الوحدة" هي ما یقابل "الشباهة" لا ما یقابل الثاني والثالث و..:

«... سأل بعض أصحابنا الصادق عليه السلام فقال له: أخبرني أي الأعمال أفضل؟ قال: توحیدك لربك. قال: فما أعظم الذنوب؟ قال: تشبیهك لخالقك».٥

الإمام الصادق عليه السلام:

«التوحید أن لا تجوز على ربك ما جاز علیك».٦

«


  1. بحار الأنوار، ٤ / ٢٩٩، عن التوحيد.
  2. بحار الأنوار، ٤ / ٢٨٦، عن التوحيد.
  3. بحار الأنوار، ٣/٢٩٩، عن التوحید.
  4. الطور (٥٢): ٤٣.
  5. بحار الأنوار، ٣/٢٨٧، عن أمالي الشيخ الطوسي.
  6. بحار الأنوار، ٤/، التوحيد معاني الأخبار ٢٦٤.
١٥٣الملكة و العدم

والله واحد وهو له اسم ولا شـيء له شبیه... والإنسان واحد في الاسم ولیس بواحد في الاسم والمعنى والخلق، فإذا قیل لله، فهو الواحد الذي لا واحد غیره لأنه لا اختلاف فیه».١

«...سألت رحمك الله عن التوحید وما ذهب فیه من قبلك، فتعالى الله الذي لیس كمثله شـيء، وهو السمیع البصیر، تعالى الله عما یصفه الواصفون المشبهون الله تبارك وتعالى بخلقه، المفترون على الله .

واعلم رحمك الله أن المذهب الصحیح في التوحید ما نزل به القرآن من صفات الله عز وجل، فانف عن الله البطلان والتشبیه فلا نفي ولا تشبیه هو الله الثابت الموجود، تعالى الله عما یصفه الواصفون ولا تعد القرآن فتضل بعد البیان».٢

الإمام الرضا عليه السلام:

«للناس في التوحید ثلاثة مذاهب: نفي وتشبیه وإثبات بغیر تشبیه، فمذهب النفي لا یجوز، ومذهب التشبیه لا یجوز لأن الله تبارك وتعالى لا یشبهه شـيء، والسبیل في الطریقة الثالثة، إثبات بلا تشبیه».٣

نقد عقیدة التوحید الفلسفي والعرفانی

تقول الفلسفة والعرفان:

«إن ذات الواجب لذاته عین الوجود الذي لا ماهیة له ولا جزء عدمي فیه، فهو صـرف الوجود، وصـرف الشـيء واحد بالوحدة الحقة التي لا تتثني ولا تتكرر، إذ لا تتحقق كثرة إلا بتمیز آحادها باختصاص كل منهما بمعنی لا یوجد في غیره وهو ینافي الصـرافة، فكل ما فرضت له ثانیا عاد أولا، فالواجب لذاته واحد لذاته».٤


  1. بحار الأنوار، ٣ / ١٩٥ ـ ١٩٦.
  2. بحار الأنوار، ٣ / ٢٦٢، عن التوحيد.
  3. بحار الأنوار، ٣ / ٢٦٣، عن التوحيد.
  4. الطباطبائي، محمد حسين: نهاية الحكمة، ٢٧٨. لا يخفى أن هذا الدليل أجنبي عن مراد أصحاب الفلسفة والعرفان بل عن مراد المستدل به نفسه، ويكون مبتنيا على القول بأصالة الماهية التي يشد الإنكار عليها المستدل وساير القائلين بأصالة الوجود. توضيح ذلك: إن الصـرافة يراد منها معنيان، وهما: ألف.عدم التناهي، ب.الصـرافة الماهوية التي يقال عنها: صـرف الشـيء لا يتثنى ولايتكرر؛ والمراد من الصـرافة في مبحث إثبات التوحيد الفلسفي هو المعنى الأول دون الثاني الذي يكون أجنبيا عن المقام بالمرة، وخلط أعلام الفلسفة بين المقامين مع شدة وضوحه غريب.
معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام١٥٤

وتقول:

«فرض التعدد والتكثر في اللامتناهي محال».١

وتقول:

«إن الموجود المحدود المتناهي مقهور للحدود، والقیود حاكمة علیه... ومن هنا یتضح أن وحدته تعالى لیست وحدة عددیة ولا مفهومیة، قال العلامة الطباطبائي: إن كلا من الوحدة العددیة والوحدة النوعیة... مقهور بالحد الذي یمیز الفرد عن الآخر والنوع عن مثله، فإذا كان تعالى لا یقهره شـيء هو القاهر فوق كل شـيء فلیس بمحدود في شـيء فللّه من كل كمال محضه».٢

وتقول:

«الموجود اللامتناهي لا یقبل التعدد؛ إن وجود الواجب بالذات غیر متناه، فإن محدودیة الوجود ملازمة لتلبسه بالعدم وهو واضح، وعلى هذا الأساس لا یمكن اعتبار ذاته سبحانه محدودة، لأن لازم المحدودیة الفقدان والانعدام بالنسبة إلى مرتبة من الوجود والكمال الوجودي الموجود في النظیر، والفقدان مساوق للنقص والحاجة وهي تنافي وجوب الوجود بالذات.

وبعبارة أخرى تعدد واجب الوجود بالذات، هو تعدد موجودین غیر متناهیین


  1. المطهري، المرتضى: شـرح المنظومة، ٢ / ١٦٩ ـ ١٧٠.
  2. السبحاني، جعفر: محاضـرات في الإلهيات، تلخيص علي الرباني الگلپايگاني، ٥١ ـ ٥٢، نقل ذلك تلخيصا عن الطباطبائي، محمد حسين: الميزان، ٦ / ٨٨ ـ ٨٩.
١٥٥الملكة و العدم

بلحاظ الوجود والكمالات الوجودیة، وهو یستلزم تناهي كل واحد منهما، فإن التعدد فرع التمایز، وهو مستلزم تناهي كل أمرین من بعض الجهات حتى یصح أن نقول: هذا غیر ذاك، هذا خلف».١

وتقول:

«إن معنى تصدیق موجود خارجي غیر محدود بحدّ في مرتبة من مراتب الوجود، ملازم للتصدیق بأنه لا شـریك له في الوجود الخارجی... لا یلائم القول بموجود خارجي آخر غیر فاقد لمرتبة من مراتب الوجود الخارجی».٢

وتقول:

«إن من عجائب الأمور أن كثیرا من القشـریین یرون هذه الآیات والأحادیث الكثیرة ولا سیما كلام أمیر المؤمنین وهي صـریحة في وحدة الوجود، ویقولون بأنفسهم إن وجود الحق غیر محدود، ومع ذلك لا یقولون بوحدة الوجود، إن وحدة الوجود إن لم تكن صحیحة فیلزم أن یكون الحق تعالى محدودا، تعالى الله عن ذلك علوا كبیرا».٣

وتقول الفلسفة والعرفان أیضا:

«إن العقل والنقل ناهضان على أن وجوده سبحانه صـرف لا یتثنى ولا یتكرر بذاته وحقیقته».٤

وتقول:

«الواحد الذي لا حدّ لمعناه ولا نهایة له فلا یحتمل فرض الكثرة... ولا یشذ عن


  1. السبحاني، جعفر: محاضـرات في الإلهيات، ٥٠ ـ ٥١.
  2. الملکي التبريزي، جواد: رسالة لقاء الله، ١٦٩ ـ ١٧٠.
  3. حسن زاده، حسن: رسالة إنه الحق، ٦٦ ـ ٦٧.
  4. الطباطبائي، محمد حسين: تفسير الميزان، ١ / ٤٠٩.
معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام١٥٦

وجوده شـيء من معناه... بل كل ما فرض له ثان في معناه فإذا هو هو».١

وتقول:

«له تعالى من كل كمال محضه، وإن شئت زیادة تفهم وتفقه لهذه الحقیقة القرآنیة، فافرض أمرا متناهیا وآخر غیر متناه، تجد غیر المتناهي محیطا بالمتناهي بحیث لا یدفعه المتناهي عن كماله المفروض أي دفع فرضته، بل غیر المتناهي مسیطر علیه بحیث لا یفقده المتناهي في شـيء من أركان كماله...

فكلما فرضنا شیئا من الأشیاء ذا شـيء من الكمال في قباله تعالى لیكون ثانیا له وشـریكا، عاد ما بیده من الكمال لله سبحانه محضا،... وهذا المعنى هو الذي ینفي عنه تعالى الوحدة العددیة...فهو تعالى واحد بمعنى أنه من الوجود بحیث لا یحد بحد حتى یمكن فرض ثان له في ما وراء ذلك الحد».٢

وتقول:

«إن أمتن البراهین على توحید الله سبحانه، هو أنه موجود مطلق غیر مقید بشـيء ولا نهایة لوجوده، فحینئذ لا مجال لفرض إله آخر، لأنه فرض محال، لا أنه فرض للمحال، إذ إدراك الموجود المطلق الغیر المتناهي لا یدع مجالا لفرض واجب آخر، حیث إن غیر المتناهي قد ملأ الوجود كله، فأینما تولّوا وجوه عقولكم فثم وجه الواجب الغیر المحدود، فأین المجال لفرض غیره؟

وهذا الأصل أعني كون الواجب موجودا صـرفا غیر محدود بحد وغیر متناه إلى نهایة، هو الأساس لغیر واحد من المعارف المستفادة من العترة الطاهرة.

والدلیل علیه أیضا هو أنه لو كان محدودا لكان مخلوقا لأن كل محدود فله حدّ لا یتعداه، ولیس واجدا لما وراء حدّه فله حادّ یعین حدّه الخاص، فكل محدود


  1. الطباطبائي، محمد حسين: تفسير الميزان، ٦ / ٩٥.
  2. الطباطبائي، محمد حسين: تفسير الميزان، ٦ / ٨٩ ـ ٩٠.
١٥٧الملكة و العدم

مخلوق، وكل مخلوق فله خالق لا یكون مثله محتاجا إلى خالق. لأن وجوده عین ذاته فلا یحتاج إلى غیره ـ كما أن الحادث یحتاج إلى قدیم لا یكون مثله، فمبدء الحادث، هو الممتنع من الحدوث وهو القدیم في الأزل.

فبهذا التحلیل یمكن أن یستدل لوحدة الخالق بنفس وجوده الغیر المتناهي، لأن إطلاق الوجود وعدم تناهیه لیس وصفا زائدا، فحینئذ یكون إطلاقه وعدم تناهیه الذي هو عبارة عن أصل وجوده ومتن حقیقته ـ دلیلا على وحدته».١

وتقول:

«وهذا هو الحري بأن یستفاد من قوله تعالى «شهد الله أنه لا إله إلا هو«أي ألوهیته تشهد بوحدته، لأن الألوهیة المطلقة الغیر المتناهیة، تكون شاهدة بأنه لا شـریك له تعالى، ولا مجال لفرضه أصلا.

فهو تعالى دلیل نفسه في التوحید ـ كما أنه كذلك في أصل الثبوت ببرهان الصدیقین ـ لأن الوجود الحق الذي لا یشوبه شـيء فهو واجب بذاته وجوبا أزلیا ـ كما في محله ـ وحیث إنه صـرف الوجود وصـرف الشـيء لا تتكرر، فالواجب الخالق لا یتثنى ولا یتكرر.

وحیث إنه بسیط محض، والبسیط المحض لا یفقد شیئا وإلا صار مركبا من وجدان شـيء وفقدان آخر، وهذا هو شـر التراكیب ـ كما قیل٢ لعدم رجوعه إلى البساطة أصلا، فلا مجال حینئذ لفرض الواجب الثاني وإلا لزم أن یكون كل واحد منهما واجدا لنفسه وفاقدا لشقیقه، فیصیر مركبا لا بسیطا».٣

«ولیس صـرف الشـيء إلا واحداإذ لم یـــكــن لـه بـوجه فـاقــــدا

فهــو لقــدس


  1. الجوادي، عبد الله: علي بن موسى الرضا عليه السلام والفلسفة الإلهية، ٣٦.
  2. والقائل الحكيم السبزواري: في حاشية الأسفار، ١ / ١٣٦.
  3. الجوادي، عبد الله: علي بن موسى الرضا عليه السلام والفلسفة الإلهية، ٣٧.
معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام١٥٨

ذاتـــه وعـــــزّتهصـرف وجوده دلیل وحدته»١

الإشكالات الواردة على استدلال أصحاب الفلسفة والعرفان لإثبات التوحید:

١. تصور العینیة والواقعیة لشـيء هو نفس حقیقة الوجود لا غیر، خطأ. توضیح ذلك: لا شك في أن الأشیاء هي حقایق ولها واقعیات بل هي نفس الواقعیات الخارجیة وهي مصادیق الوجود والموجود على نحو الحقیقة دون أي مجاز كما قال مولانا الإمام الصادق عليه السلام ـ ردا على أصحاب الفلسفة والعرفان القائلین بأن الأشیاء هي أوهام وخیالات ـ في تفسیر قول الله تعالى "من كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى وأضل سبیلا":

«یعني أعمى عن الحقائق الموجودة».٢

ولكن مع هذا كله من الغریب هو قول أصحاب الفلسفة بأن لحقیقة الوجود واقعیة وعینیة هي الأصیلة وما سواها أوهام واعتبارات ـ وذلك كما أنهم یقولون أنه إن كان للبیاض حقیقة وواقعیة فهي أولى بكونها بیضاء مما یكون أبیض ولا یكون حقیقة البیاض!٣ ـ هذه الحقیقة عندهم حقیقة لا متناهیة أزلیة وأبدیة غیر قابلة للعدم لذاتها، هي نفس ذات واجبهم المتجلیة بالصور المتخالفة.

هذا هو قولهم بأصالة الوجود واعتباریة غیره وهو نفس القول بوحدة الوجود لا غیر، ثم إن هذا الاعتقاد یغنینا عن بیان بطلانه نفس استحالة موضوعه، فضلا عن الأدلة التي أقیم على إبطاله. وحیث إن بطلان هذا الاعتقاد غني عن البیان ثبوتا وإثباتا فینهدم بذلك بنیان ما أسسوه لإثبات وحدة واجبهم الذي یكون في الحقیقة دلیلا على إثبات وحدة الوجود لا وحدة واجبهم في الوجود.

٢.


  1. الخرازي، محسن: بداية المعارف، ٥٥، نقلاً عنأشعار المحقق الإصفهاني.
  2. التوحيد، ٤٣٨.
  3. راجعوا إلى الأسفار: ١/٣٨ ـ ٣٩.
١٥٩الملكة و العدم

احتساب العدم جزء الشـيء غیر سدید، بل أمر غریب وتحریف واضح لحقیقة معنى التركیب. فإن من الغریب جدا هو جعل اصطلاح موهون للتركیب ـ وهو التركیب عن الوجود والعدم! ـ وتسمیة ذلك بشـر التراكیب؛

وأغرب منه عدم الاعتناء بشأن لزوم تركیب الذات المتعالیة عن أجزاء خارجیة غیر متناهیة!

٣. الوحدة الحقة التي لا تتعدد بالذات، هي ما یتصف به الشـيء لتعالیه عن الامتداد والأجزاء وكونه بخلاف الأشیاء كلها، والصـرافة عند أصحاب الفلسفة هي ما یفسـر بمعنى عدم التناهي الذي یكون مصداقها نفس الأشیاء الخارجیة المركبة المتجزیة، فبأي مناط تسمى بالوحدة الحقة؟!.فإن اللامتناهي المزعوم المسمى بالواحد بالوحدة الحقة، متركب عن أجزاء لا متناهیة، فهو في الحقیقة مجموعة أشیاء وأجزاء لا متناهیة، وكم بین الواحد واللا متناهي من البعد والفرق!!

٤. اللامتناهي محال موضوعا.

٥. "الوجدان والفقدان" ملكة وعدم للشـيء الامتدادي المتجزئ المخلوق فلا یتصف بهما الخالق جل وعلا ویكون توصیفه بواجدیة الكمالات الوجودیة خطأ محضا.

٦. إن كون حقیقة الوجود ذات مراتب توهم باطل، وذلك لاستحالة وجود موضوعها أولا، ووضوح بطلان ادعاء بساطتها ثانیا، واستحالة فرض التعدد لما فرض بسیطا ثالثا، ووضوح استناد تعدد الأشیاء بتمایز أجزائها العینیة لا غیر ذلك رابعا و...

٧. لا یلزم من عدم كون الخالق محدودا أن یكون غیر محدود وغیر متناه، بل المحدودیة وغیر المحدودیة ملكة وعدم للشـيء الامتدادي المتجزئ، وعلیه فتسلب المحدودیة واللا محدودیة بطرفیهما عن ذات الخالق جل جلاله لعدم قابلیة اتصاف الموضوع بهما وخروجه تعالى عن سنخ الوجود الامتدادي بالذات. فاستنتاج وجوب الالتزام بوحدة الوجود، لكل من یقول إن الله تعالى غیر محدود، غیر وجیه.

٨. التعبیر عن

معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام١٦٠

محدث العالم بمبدء الحادث غیر سدید وغیر موافق لما یقتضیه البرهان والأدیان، بل التعبیر المذكور یوافق اعتقاد أصحاب الفلسفة القائلین بأزلیة العالم وصدور الأشیاء عن ذات الخالق.

كما أن عبارة "كل مخلوق له خالق" لا یلائم المباني الفلسفیة التي تؤوّل حقیقة معنى الخلق والإیجاد إلى معان خاطئة كالصدور والتولد والتجلي والتطور وما یشبه ذلك.

الأوهام حول اللامتناهی!!

تتوهم

الأوهام حول اللامتناهي!!

معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام١٦٢

المعرفة البشـریة:

أن كمالات الخالق والخلق١من سنخ واحد،

الخالق هو تمام كل شـيء، فلا یخرج عن حیطة وجوده شـيء،

و هذا الفصل من الكلام،

یكشف عن خطأهم في ذلك ویكشف الستر عن تخالف ذات الخالق والخلق وتباینهما من كل الجهات.


  1. كالوجود والعلم والقدرة و...
١٦٣الأوهام حول اللامتناهي!!

إثبات وحدة الخالق تعالى من حیث ما یقال: "إنه صـرف الوجود أو المرتبة اللا متناهیة منه، فهو بوحدته كل الأشیاء ولیس بشـيء منها"، واضح البطلان لأن من البدیهي أن الشـيء ذا المراتب هو نفس الحقیقة الامتدادیة العددیة ولا یخرج عن الامتداد والمحدودیة أبدا، وسلب الامتداد والحد عنه یساوي سلب الوجود منه، والموجود اللا بشـرط الإطلاقي والبسیط المحض لا یتجاوز فرض وجوده عن الاعتبار ولا یمكن تحققه خارجا إلا بكونه عین الأشیاء الامتدادیة المحدودة المتجزئة المقیدة المخلوقة المحتاجة إلى خالقٍ وموجِدٍ بخلافهاـ وقد تعترف بذلك الفلسفة والعرفان صـریحاـ.

ولیس لأحد أن یقول: إن الشـيءیخرج بالاشتداد عن الحد والامتداد فیصل إلى حد غیر متناه، ـ بل فوق ما لا یتناهی!! بما لا یتناهی!!! ـ

لأن ما یشتد ـ وهو لا محالة یكون امتدادیا ـ، في أي حد فرض وجوده فلا یكون في الحقیقة إلا صغیرا قابلا للاشتداد والزیادة دائما فلا ینسب إلیه الكبر إلا إضافیا، فالحد ـ وبالنتیجة النقص أیضا ـ لازم مساو لما لا یأبى بالذات عن قبول الوجود والتعریف والتوصیف والتعیین والتشكیك. وعلیه فلیس قول مولانا أمیر المؤمنین عليه السلام"بحد ولا نقص" إلا وصفا توضیحیا حیث یقول عليه السلام:

«الذي سئلت الأنبیاء عنه فلم تصفه بحد ولا نقص، بل وصفته بأفعاله ودلت علیه بآیاته».١


  1. بحار الأنوار، ٤ / ٢٦٤، عن التوحيد.
معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام١٦٤

الإمام الصادق عليه السلام:

«ولا تحدّ فتكون محدودا».١

«ویله، أما علم أن الجسم محدود متناه، والصورة محدودة متناهیة فإذا احتمل الحد احتمل الزیادة والنقصان، وإذا احتمل الزیادة والنقصان كان مخلوقا. قال: قلت: فما أقول؟

قال عليه السلام: لا جسم ولا صورة وهو مجسم الأجسام، ومصور الصور، لم یتجزأ ولم یتناه ولم یتزاید ولم یتناقص، لو كان كما یقول لم یكن بین الخالق والمخلوق فرق، ولا بین المنشئ والمنشأ، لكن هو المنشئ، فرق بین من جسمه وصوره وأنشأه، إذ كان لا یشبهه شـيء، ولا یشبه هو شیئا».٢

إن تقسیم الامتداد وما هو قابل للزیادة ـ أو الاشتداد ـ إلى المتناهي واللامتناهي یكون تقسیم الشـيء إلى نفسه وغیره، كما أن تقسیم الجسم إلى قسمین في قول من یقول: "إنه جسم لا كالأجسام"، هو أیضا یكون تقسیم الشـيء إلى نفسه وغیره. ومن هنا تعلم أیضا أن الجسم عنوان عام لجمیع المقادیر ویشمل ما سوى الله تعالى بأسـره:

الإمام أمیر المؤمنین عليه السلام:

«لیس بذي كبر امتدت به النهایات فكبرته تجسیما، ولا بذي عظم تناهت به الغایات فعظمته تجسیدا، بل كبر شأنا وعظم سلطانا».٣


  1. بحار الأنوار، ٩٨ / ٢٦٣، دُعَاءٌ آخَرُ فِي يَوْمِ عَرَفَةَ مَرْوِيٌّ عَنِ الصَّادِقِ جَعْفَرٍ عَلَيْهِ سَلَامُ الله.
  2. بحار الأنوار، ٣ / ٣٠٣، عن التوحيد.
  3. بحار الأنوار، ٤ / ٢٦١، عن الاحتجاج.
١٦٥الأوهام حول اللامتناهي!!

الإمام الصادق عليه السلام:

«إن كل شـيء جرى فیه أثر التركیب لجسم،... فما... نالته الحواس فهو غیر الله سبحانه، لأنه لا یشبه الخلق... ولیس المخلوق كالخالق».١

إن الاعتقاد بالعظمة الوجودیة اللامتناهیة لله تبارك وتعالى، لهو صـریح الاعتقاد بجسمیته وامتدادیته ونفس القول بتجسده! یصـرح ملا صدرا:

«تحقيق عرشـي وتوحيد مشـرقي يبتني على مقدمة وهي: إنه قد يكون لمعنى واحد وماهية واحدة انحاء من الوجود...إن المعنى المسمّى بالجسم له انحاء من الوجود متفاوتة في الشـرف والخسّة والعلو والدنو من لدن كونه طبيعيا إلى كونه عقليا.

فليجز أن يكون في الوجود جسم إلهي ليس كمثله شـيء وهو السميع البصير المسمّى بالأسماء الإلهية المنعوت بالنعوت الربانية، على أن الواجب تعالى لا يجوز أن يكون له في ذاته فقد شـيء من الأشياء الوجودية وليس في ذاته الأحدية جهة ينافي جهة وجوب الوجود وليس فيه سلب إلا سلب الأعدام والنقائص».٢

ویقول ابن عربي:

«لا أنه جسم ولا أنه ليس بجسم».٣

وفي مدرسة العقل والوحي:

الإمام الصادق عليه السلام:

«من زعم أن لله وجها كالوجوه فقد أشـرك، ومن زعم أن لله جوارح كجوارح المخلوقین فهو كافر بالله ، فلا تقبلوا شهادته، ولا تأكلوا ذبیحته، تعالى الله


  1. بحار الأنوار، ٣ / ١٥٤، الخبر المروي عن المفضل بن عمر في التوحيد المشتهر بالإهليلجة.
  2. ملا صدرا، شـرح أصول الكافي، ٣ /٢٠٥ ـ ٢٠٧.
  3. الفتوحات (٤ج)، ٣ / ٨١.
معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام١٦٦

عمّا یصفه المشبهون بصفة المخلوقین».١

الإمام الكاظم عليه السلام:

«أي فحش أو خناء أعظم من قول من یصف خالق الأشیاء بجسم، أو صورة، أو بخلقة، أو بتحدید وأعضاء، تعالى الله عن ذلك علوا كبیرا».٢

«قلت لأبي إبراهیم عليه السلام: إن... زعم أن الله تعالى جسم لیس كمثله شـيء، عالم سمیع بصیر، قادر متكلم ناطق، والكلام والقدرة والعلم یجري مجرى واحد لیس شـيء منها مخلوقا، فقال: قاتله الله ، أما علم أن الجسم محدود والكلام غیر المتكلم؟

معاذ الله ، وابرأ إلى الله من هذا القول، لا جسم ولا صورة ولا تحدید، وكل شـيء سواه مخلوق، وإنما تكون الأشیاء بإرادته ومشیته من غیر كلام وتردد نفس ولا نطق بلسان».٣

«... قلت له ـ یعني أبا الحسن عليه السلام: جعلت فداك أمرني بعض موالیك أن أسألك عن مسألة، قال...: وفي أي شـيء المسألة؟ قلت: في التوحید، قال: وأي شـيء من التوحید؟ قال: یسألك عن الله جسم أو لا جسم؟

فقال: إن للناس في التوحید ثلاثة مذاهب، إثبات بتشبیه، ومذهب النفي، ومذهب إثبات بلا تشبیه، فمذهب الإثبات بتشبیه لا یجوز، ومذهب النفي لا یجوز، والطریق في المذهب الثالث إثبات بلا تشبیه».٤

«...


  1. بحار الأنوار، ٣ / ٢٨٧ ـ ٢٨٨، كفاية الأثر.
  2. بحار الأنوار، ٣ / ٣٠٣، عن التوحيد.
  3. بحار الأنوار، ٣ / ٢٩٥، عن التوحيد والاحتجاج.
  4. بحار الأنوار، ٣ / ٣٠٤، عن التوحيد.
١٦٧الأوهام حول اللامتناهي!!

قلت لأبي عبد الله عليه السلام: إن بعض أصحابنا یزعم أن لله صورة مثل الإنسان، وقال آخر: إنه في صورة أمرد جعد قطط! فخر أبوعبدالله عليه السلام ساجدا ثم رفع رأسه فقال: سبحان الذي لیس كمثله شـيء، ولا تدركه الأبصار، ولا یحیط به علم، لم یلد لأن الولد یشبه أباه ولم یولد فیشبه من كان قبله، ولم یكن له من خلقه كفوا أحد، تعالى عن صفة من سواه علوا كبیرا».١

الإمام أبو جعفر الثاني عليه السلام:

«لا تصلوا خلفهم ولا تعطوهم الزكاة وابرؤوا منهم، برئ الله منهم».٢

الإمامان الهمامان الجواد والهادي علیهما السلام:

«من قال بالجسم فلا تعطوه من الزكاة ولا تصلوا وراءه».٣

ومما یشهد بالصـراحة على وجوب الالتزام بجسمیة الخالق تعالى على مباني أصحاب الفلسفة والعرفان هو فحصهم عن حقیقة ذاته تعالى وحكمهم الإثباتي (وهو قولهم بأن ذات الخالق تعالى هو حقیقة الوجود وهو كل الأشیاء). في جواب "ماهو؟"، بعد الفراغ عن إثبات واجبهم، ومن البدیهي أن كل حكم إیجابي بالنسبة إلى السؤال عن حقیقة ذاته تعالى بعد الحكم بوجوده لا یخرج عن التشبیه والتجسیم:

الإمام الصادق عليه السلام:

«إن الحق الذي تطلب معرفته من الأشیاء هو أربعة أوجه، فأولها: أن ینظر أموجود هو أم لیس بموجود؟ والثانی: أن یعرف ما هو في ذاته وجوهره؟ والثالث: أن یعرف كیف هو وما صفته؟ والرابع: أن یعلم لما ذا هو ولأیة علة؟

فلیس من


  1. بحار الأنوار، ٣ / ٣٠٤، عن التوحيد.
  2. بحار الأنوار، ٢ / ٢٩٢، عن أمالي الصدوق.
  3. بحار الأنوار، ٣/ ٣٠٣، عن التوحيد.
معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام١٦٨

هذه الوجوه شـيءیمكن المخلوق أن یعرفه من الخالق حق معرفته غیر أنه موجود فقط، فإذا قلنا: كیف هو؟ فممتنع علم كنهه وكمال المعرفة به. وأما لما ذا هو؟ فساقط في صفة الخالق، لأنه جل ثناؤه علة كل شـيء ولیس شـيء بعلة له».١

هل تكون ذات الله تعالى منبعا لكل كمال وواجدة لكل شـيء؟!!

لا شك في أن الله تعالى غني عن العالمین ولكنه لیس ذلك من حیث أنه واجد لذوات الأشیاء كلها لا یشذ عنه شـيء بحیث أن لو خرج عنه شـيءیلزم نقصانه وخلوه عن الكمال!!

بل هو أجل وأعظم شأنا من أن یتصف بالكمال الامتدادي الذي لا یأبى عن العدم لذاته ویكون الشـيء بوجدان ذلك الكمال كاملا وبفقدانه ناقصا! فهو متعال عن كل ما یوجد ویفقد، ولا یتصف بالوجدان والفقدان وبما یقبل الوجود والعدم، ولا تستكمل بذلك إلا الامتدادي المخلوق المحتاج، ألم یعلموا أن وجدان ذات الخالق الأشیاء مستلزم لتجزیه وتركبه؟ ـ وتعالى الله عما یقول الظالمون علوا كبیراـ:

هذا ملاصدرا وهو یعترف ویقول:

«ولا تصغ إلى قول من یقول هذه المكونات الجسمانیة وإن كانت في حدود أنفسها جسمانیة متغیرة، لكنها بالإضافة إلى ما فوقها من المبدأ الأول وعالم ملكوته ثابتة غیر متغیرة.

وذلك لأن نحو وجود الشـيء في نفسه لا یتبدل بعروض الإضافة، وكون الشـيء مادیا عبارة عن خصوصیات وجوده، ومادیة الشـيء وتجرده عنها لیسا صفتین خارجتین عن ذات، كما أن جوهریة الجوهر ووجوده الخاص شـيء واحد، وكذا عرضیة العرض ووجوده، فكما أن وجودا واحدا لا یكون جوهرا وعرضا باعتبارین، كذلك لا یكون مجردا ومادیا باعتبارین».٢


  1. بحار الأنوار، ٣ / ١٤٨، الخبر المشتهر بتوحيد المفضل بن عمر.
  2. العرشية، ٢٢٥.
١٦٩الأوهام حول اللامتناهي!!

الإمام أمیر المؤمنین عليه السلام:

«فمعاني الخلق عنه منفیة».١

«مبائن لجمیع ما أحدث في الصفات».٢

الإمام الباقر عليه السلام:

«إن الله تعالى خلو من خلقه وخلقه خلو منه».٣

الإمام الصادق عليه السلام:

«... لا یلیق بالذي هو خالق كل شـيء إلا أن یكون مبائنا لكل شـيء متعالیا عن كل شـيء سبحانه وتعالى».٤

الإمام الرضا عليه السلام:

«... كل ما یوجد في الخلق لا یوجد في خالقه».٥

«... كیف یجري علیه ما هو أجراه أو یعود فیه ما هو بدأه؟!».٦

«الحجاب بینه وبین خلقه لامتناعه مما یمكن في ذواتهم، ولإمكان ذواتهم ممایمتنع منه ذاته، ولافتراق الصانع والمصنوع».٧

ولا شك أنه تعالى له الكبریاء والعظمة والجلال، لكنه لیس ذاك من جهة أنه تعالى أكبر الأشیاء وأعظمها!! بل إنّما هو یتعالى عن أن یتصف بما یقبل الصغر والكبر، ویجلّ عن كبر لا یأبى عن الصغر لذاته، فإن كل ما كان قابلا للوجود والعدم ففرض وجوده أی


  1. بحار الأنوار، ٤ / ٢٩٤، عن التوحید.
  2. بحار الأنوار، ٤ / ٢٢٢، عن التوحید.
  3. بحار الأنوار، ٣ / ٣٢٢، عن التوحید.
  4. بحار الأنوار، ٣ / ١٤٨، الخبر المشتهر بتوحيد المفضل بن عمر.
  5. عيون أخبار الرضا عليه السلام، ١/ ١٢٥.
  6. عيون أخبار الرضا عليه السلام، ١ / ١٢٥ ـ ١٢٦.
  7. التوحيد، ٥٦.
معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام١٧٠

ضا نقص للذات المتعالیة لأنه آیة المصنوعیة والاحتیاج، والخالق یتعالى عنه:

الإمام أمیر المؤمنین عليه السلام:

«... لیس بذي كبر امتدت به النهایات فكبرته تجسیما».١

ولا شك أنه تعالى وتقدس غني عن كل قادر وقدرته، هو أقدر القادرین وأعظم المتجبرین ولكنه لیس ذاك بمعنى أنه واجد لقدرة كل قادر بعینها وأكثر كما یذهب إلى ذلك الأوهام الخاطئة، بل هو أعزّ وأجلّ من أن یتصف بقدرة تكون بالآلات والأدوات، قابلة للزیادة والنقصان، یصبح الشـيء بوجدانها كاملا وبفقدانها ناقصا، ولا تأبى عن العدم لذاتها، هذه هي قدرة المخلوقین فلا تنسب إلى الخالق المتعال:

الإمام الصادق عليه السلام:

«ولو كانت قوته تشبه قوة الخلق لوقع علیه التشبیه، وكان محتملا للزیادة وما احتمل الزیادة كان ناقصا،... والله عزّ وجلّ لا یشبه بشـيء، وإنما قلنا إنه قوي للخلق القوي وكذلك قولنا العظیم الكبیر، ولا یشبّه بهذه الأسماء الله تبارك وتعالى».٢

إنه هو الغني عن كل عالم وعلمه، لا لأنه واجد بذاته لنفس علومهم وأكثر! بل هو أجلّ من أن یتصف بعلم لا یأبى عن العدم لذاته ـ وهو العلم المخلوق ـ فإن الوجدان والفقدان ملكة وعدم للامتداد وهو تعالى أجل من أن یكون كاملا بما یكون بفقدانه ناقصا!!:

الإمام الصادق عليه السلام:

«ولم نصف علیما بمعنى غریزة یعلم بها، كما أن للخلق غریزة یعلمون بها».٣

«هو نورص لا ظلمة فیه، وحیاة لا موت فیه، وعلم لا جهل فیه، وحق لا باطل فیه».٤


  1. بحار الأنوار، ٤ / ٢٦١، عن الاحتجاج.
  2. بحار الانوار، ٣ / ١٩٤، عن توحید المفضل.
  3. بحار الأنوار، ٣ / ١٩٤، الخبر المروي عن المفضل بن عمر في التوحيد المشتهر بالإهليلجة.
  4. التوحيد، ١٤٦.
١٧١الأوهام حول اللامتناهي!!

فإن العلم الذي یكون به العالم عالما قابل للوجود والعدم والزیادة والنقصان، ویكون محدودا دائما. والله تبارك وتعالى عالم لا كغیره من الذوات الذین یكونون عالمین بوجدان العلم وجاهلین بفقدانه، فلا تدرك حقیقة علمه ولا تتصور لأن الإدراك والتصور لا یتعلقان إلا بالمقادیر المخلوقة مطلقا.

الإمام الصادق عليه السلام:

«... ولا یبلغون كنه علمه».١

فادعاء: "أنه:

لو كان شـيء خارجا عن ذات الله تعالى بائنا منه للزمه النقص والخلو عن الكمال والوجود، فهو تمام كل شـيء وفوق التمام"، ـ كما یقوله أصحاب الفلسفة ـ باطل من رأسه، ویكون حكمهم بذلك ناشئا عن رؤیة انحصار الكمال بالكمال الامتدادي والعددي، والغفلة عن وجوب تباین ذات الخالق والمخلوق:

الإمام الصادق عليه السلام:

«إن المخلوق أجوف معتمل مركب، للأشیاء فیه مدخل، وخالقنا لا مدخل للأشیاء فیه، لأنه واحد وأحدي الذات وأحدي المعنی».٢

الإمام الرضا عليه السلام:

«لیس في محال القول حجة... ولا في إبانته عن الخلق ضیم إلا بامتناع الأزلي أن یثنى».٣

«


  1. التوحيد، ١٢٨؛ بحار الأنوار، ٣ / ٣٠٦.
  2. التوحيد، ١٦٩؛ بحار الأنوار، ٣ / ٢٢٧.
  3. عيون أخبار الرضا عليه السلام: ١ / ١٢٦.
معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام١٧٢

إذا لتفاوتت ذاته ولتجزء كنهه ولامتنع من الأزل معناه، ولما كان للباري معنى غیر المبروء».١

وقد قالت علی مباني المعرفة البشـریة:

«كل ما هو بسیط الحقیقة فهو بوحدته كل الأشیاء، لا یعوزه شـيء منها... إن البسیط كل الوجودات من حیث الوجود والتمام».٢

«إن الإطلاق الذاتي لا یشذ عن شـيء ولا یشذ عنه شـيء».٣

«لیس الموجود الأزلي إلا واحدا مطلقا غیر محدود، فلا غیر هناك حتىیتباین معه، إذ لا مجال للغیر في تجاه الموجود الغیر المتناهي».٤

«الواجب بالذات وجود بحت لا سبیل للعدم إلى ذاته ولا یسلب عنه كمال وجودي، لأن كل كمال وجودي ممكن فإنه معلول مفاض من علته والعلل منتهیة إلى الواجب بالذات، ومعطي الشـيء لا یكون فاقدا له. فله تعالى كل كمال وجودي من غیر أن یداخله عدم، فالحقیقة الواجبیة بسیط بحت فلا یسلب عنها شـيء وهو المطلوب».٥

«إن الواجب لذاته تمام كل شـيء».٦

«إن تمام الشـيء هو الشـيء وما یفضل علیه».٧

«إن الوجود الواجبي لا یسلب عنه كمال وجودي قط، فما في الوجود من كمال


  1. التوحيد،٤٠، باب التوحيد ونفي التشبيه، بحار الأنوار، ٤ / ٢٢٨.
  2. ملا صدرا، العرشية، ٢٢١.
  3. الجوادي، عبد الله: على بن موسى الرضا عليه السلام والفلسفة الهيه، ٢٦.
  4. الجوادي، عبدالله: على بن موسى الرضا عليه السلام والفلسفة الالهية، ٤٦.
  5. الطباطبائي، محمد حسين: نهاية الحكمة، ٢٧٦.
  6. الطباطبائي، محمد حسين: نهاية الحكمة، ٢٧٧.
  7. الطباطبائي، محمد حسين: نهاية الحكمة، ٢٦٩.
١٧٣الأوهام حول اللامتناهي!!

كالعلم والقدرة فالوجود الواجبي واجد له بنحو أعلى وأشـرف وهو محمول علیه على ما یلیق بساحة عزته وكبریائه».١

«الذات المتعالیة... هي وجود صـرف جامع لكل كمال وجودي بنحو أعلى وأشـرف... الذات المتعالیة... هي وجود صـرف لا یسلب عنه كمال».٢

«له كل كمال وكل الكمال».٣

«إنه صـرف الوجود الذي لا یفقد شیئا من الكمال الوجودي».٤

وجاء في "تفسیر المیزان":

«إن أقدم ما نواجهه في البحث عن المعارف الإلهیة أنا نذعن بانتهاء كل شـيء إلیه، وكینونته ووجوده منه، فهو یملك كل شـيء لعلمنا أنه لو لم یملكها لم یكن أن یفیضها ویفیدها إلى غیره... فهو سبحانه یملك ما وجدناه في الوجود من صفة كمال كالحیوة والقدرة والعلم والسمع والبصـر والرزق والرحمة والعزة وغیر ذلك».٥

«إن جهات الخلقة وخصوصیات الوجود التي في الأشیاء ترتبط إلى ذاته المتعالیة من طریق صفاته الكریمة، أي إن الصفات وسائط بین الذات وبین مصنوعاته، فالعلم والقدرة والرزق والنعمة التي عندنا بالترتیب تفیض عنه سبحانه بما أنه عالم قادر رازق منعم بالترتیب... وإن شئت فقل بنظر آخر هو یقهرنا بقهره، ویحدنا بلا محدودیته، وینهینا بلا نهایته...

فتبین أنا ننتسب إلیه تعالى بواسطة أسمائه، وبأسمائه بواسطة آثارها المنتشـرة في أقطار عالمنا المشهود، فآثار الجمال والجلال في هذا العالم هي التي تربطنا


  1. الطباطبائي، محمد حسين: نهاية الحكمة، ٢٨٣.
  2. الطباطبائي، محمد حسين: نهاية الحكمة، ٢٩١.
  3. الطباطبائي، محمد حسين: نهاية الحكمة، ٣٠٧.
  4. الطباطبائي، محمد حسين: نهاية الحكمة، ٢٨٦.
  5. الطباطبائي، محمد حسين: تفسير الميزان، ٨ / ٣٥٠.
معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام١٧٤

بأسماء جماله وجلاله من حیاة وعلم وقدرة وعزة وعظمة وكبریاء، ثم الأسماء تنسبنا إلى الذات المتعالیة التي تعتمد علیها قاطبة أجزاء العالم في استقلالها».١

وتقول الفلسفة:

«كل ما ندركه فهو وجود الحق في أعیان الممكنات... فالعالم متوهم ما له وجود حقیقي، فهذا حكایة ما ذهب إلیه العرفاء الإلهیون والأولیاء المحققون».٢

«ومحصل الكلام إن جمیع الموجودات عند أهل الحقیقة والحكمة الإلهیة المتعالیة عقلا كان أو نفسا أو صورة نوعیة، من مراتب أضواء النور الحقیقي وتجلیات الوجود القیومي».٣

«لیس في الدار غیره دیار، كل ما یترائى في عالم الوجود أنه غیر الواجب المعبود، فإنما هو من ظهورات ذاته وتجلیات صفاته التي هي في الحقیقة عین ذاته».٤

الإشكالات الواردة على ما قالته الفلسفة:

١.إنا كما نذعن بانتهاء كل شـيء إلى الله تعالى وكون وجوده منه مملوكا له من جهة أن الأشیاء كلها مخلوقات له بإیجاده تعالى لها لا من شـيء، فكذلك نذعن بأن ذلك لا یمكن أن یكون على نحو الصدور عن ذات الخالق المتعال، أو بكون الأشیاء مراتب وجوده المتعالي عن الامتداد والأجزاء، أو تجلیه بصور الأشیاء المختلفة كما یتوهمه أصحاب الفلسفة والعرفان.

٢.إن الشـيء لا یمكن أن یكون مفیضا لوجود غیره وخالقَه إلا إذا كان متعالیا عن وجوده لا واجدا له بذاته وإلا لزم تحصیل الحاصل وهو محال، وذلك علی عكس ما


  1. الطباطبائي، محمد حسين: تفسير الميزان، ٨ / ٣٥٤.
  2. ملا صدرا: الأسفار، ٢ / ٢٩٤.
  3. ملا صدرا: الأسفار، ٢ / ٢٩١.
  4. ملا صدرا: الأسفار، ٢ / ٢٩٢.
١٧٥الأوهام حول اللامتناهي!!

تتوهمه الفلسفة من لزوم كون المعطي واجدا لما یعطیه.

٣.إن صفات الأشیاء من العلم والحیوة والقدرة و... كلها امتدادیة مخلوقة قابلة للوجود والعدم، والخالق المتعالي عن الامتداد والأجزاء یباین ذلك كله بالذات ولا یمكن أن یكون واجدا لها بأعیانها، ومالكا لها بنحو الاتصاف بها.

٤.الاعتقاد بالارتباط الذاتي السنخي بین الخالق وما سواه خطأ محض وموجب لانهدام بناء التوحید وخالقیة الخالق تعالی من الأساس.

٥.إن الله تعالى لا یتصف بالصفات مطلقا، وذلك لانتفاء موضوع الاتصاف في شأنه تعالى بل هو ذات علم قدرة حیاة نور...

٦.الصفة ـ وهي التي لا استقلال لها في وجودها ـ لا یمكن أن یفرض لها وجود متوسط بین شـيء وشـيء.

٧.القاهریة هي التسلط على المخلوق إیجادا وإعداما وحكما وسلطانا، ولا یكون بالحوایة والإحاطة الوجودیة كما تتوهمه الفلسفة.

٨.اللامتناهي منتف ثبوتا وموضوعا.

٩.إذا كان العالم بقاطبة أجزائه معتمدا على الذات المتعالیة فكیف یمكن الاعتقاد بأن وجود الخالق متعال عن الأجزاء والأبعاض؟!

وجاء في المیزان أیضا:

«قوله "الكبیر المتعال" اسم من أسمائه تعالى الحسنى، والكبر ویقابله الصغر من المعاني المتضایفة، فإن الأجسام إذا قیس بعضها إلى بعض من حیث حجمها المتفاوت فما احتوى على مثل حجم الآخر وزیادة كان كبیرا وما لم یكن كذلك كان صغیرا، ثم توسعوا فاعتبروا ذلك في غیر الأجسام.

والذي یناسب ساحة قدسه تعالى من معنى الكبریاء إنه تعالى یملك كل كمال

معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام١٧٦

لشـيء ویحیط به فهو تعالى كبیر أي له كمال كل ذي كمال وزیادة».١

نقول: التوسع الذي یدعونه لا یمكن أن یكون له مصداق غیر الأجسام ذوات الحجم القابلة للزیادة والنقصان التي ذكروها، وهم یصـرحون بأن:"له تعالى كمال كل ذي كمال وزیادة!!" بداهة أن هذا المعنى لا یفترق عن معنى الكبر الجسمي شیئا.

فتفسیر اسم "الكبیر" بما زعموه،یكون كقول القائل بـأن "الله تعالى جسم لا كالأجسام" حیث زعم أن للجسم معنى غیر الشـيء الامتدادي المتجزئ القابل للاتصاف بالتناهي وعدم التناهي، ثمّ یعتبرون الله تعالى مصداق ذلك بالتوسع. وهذا هو الإمام أمیر المؤمنین عليه السلامیقول:

«لیس بذي كبر امتدّت به النهایات فكبّرته تجسیما، ولا بذي عظم تناهت به الغایات فعظّمته تجسیدا، بل كبر شانا وعظم سلطانا».٢

فالكبر اللائق بساحة قدسه هو عظم الشأن والمقام، لا الكبر المفسـر بعدم تناهي الذات والإحاطة الوجودیة بكل شـيء والواجدیة لذات كل شـيء وأكثر!! الذي تخبر عنه الفلسفة بقولها:

«إنه تعالى في نفسه موجود ذو كمال غیر متناه وأي كمال فرض غیره فهو متناه والمتناهي متعلق الوجود بغیر المتناهي».٣

الباب الثالث:

أسطورة المجردات


  1. الطباطبائي، محمد حسين: تفسير الميزان، ١١ / ٣٠٧.
  2. بحار الأنوار، ٤ / ٢٦١، عن الاحتجاج.
  3. الطباطبايي، محمد حسين: تفسير الميزان، ١ / ٤١١.

أسطورة المجرّدات

معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام١٧٨

تزعم المعرفة البشـریة:

لا یصدر عن ذات الخالق تعالى إلا شـيء واحد، وذلك أنها تقول: "إن الواحد لا یصدر عنه إلا الواحد"

لا محیص عن القول بوجود وسائط مجردة عن الزمان والمكان والقوة والاستعداد و... بین الخالق والعالم الجسماني حتى یستقیم أمر الخلقة وصدور الأشیاء عن ذات الخالق المتعال.

یجب تعدد الموجودات المجردة وتكثرها

والعلوم الإلهیة البرهانیة تشددّ الإنكار على ذلك ببیان:

أن الله تعالى خالق الأشیاء لا من شـيء ولیس بمصدرها

هو الواحد الحقیقي المتعالي عن الامتداد

التوسیط في أمر الخلقة محال ذاتي وذلك أن الخلقة أمر دفعي لا یقبل التوسیط لذاته

التعدد والتجرد یتناقضان

قاعدة الواحد تناقض نفسها

وإلیك تفصیل البحث عن ذلك:

١٧٩أسطورة المجرّدات

قد تحقق أنه:

ألف). إن ما یجوز علیه الوجود والعدم ـ وهو كل ما سوى الله تعالى ـ یمتنع أن یتحقق ویوجد في غیر الامتداد والعدد والحدود والأجزاء وقابلیة الزیادة والنقصان .

ب). إن الخالق لا یلیق به إلا أن یكون متعالیا عن الامتداد والعدد، مبائنا لكل شـيء

ج). لا ثالث بین الخالق والمخلوق، أي بین الامتداد وما یباینه.

د). الموجود المبائن للامتداد لا یتعدد بالذات؛ كما أن الموجود المتجزئ أیضا لا یتوحد بالذات

فما ترى إذا الأسطورة الحاكیة عن وجود مجردات خارجة عن الامتداد والأجزاء والزمان والمكان والقوة والتغیر والحركة والسكون؟!!

یقول الله تبارك وتعالى:

«وجعلوا لله شـركاء الجن وخلقهم وخرقوا له بنین».١

نعم، بعد التأمل في النقاط المذكورة فینبغي أن نسأل:

ما هو ملاك تقسیم الشـيء إلى الثابت والمتحرك!؟، الحادث الذاتي والحادث الزمانی؟! ما بالقوة وما بالفعل؟! المتناهي واللامتناهي؟! الواجب والممكن؟! المجرد والمادي؟!


  1. الأنعام (٦): ١٠٠.
معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام١٨٠

فإن هذه التقسیمات لیست إلا تقسیمات بلا واقع موضوعي، ولیست إلا تقسیمات للامتدادي إلى نفسه وغیره، بل إلى نفسه وإلى ما یمتنع تحققه ثبوتا!!

وضـرورة الوجدان وواضح حكم العقل والبرهان وسیاق ـ بل صـریح ـ الروایات المتظافرة ـ بل المتواترة معنى ـ، تشهد بأن الموجود لا ینقسم إلا إلى الخالق والمخلوق، وأن الثاني هو الامتدادي العددي القابل للزیادة والنقصان، والأول هو ما یكون على خلاف ذلك، وهما متبائنان بكلّهما فلا یدخل الأول في الثاني، ولا الثاني في الأول أبدا.

ما ندري كیف یمكن الجمع بین الاعتقاد بتجرد المجردات والاعتقاد بتعددها؟! مع أن بین الكثرة وعدم التجرد تلازم بیّن، كما أن من البدیهي أن التجرد واستحالة التعدد متلازمان.

إن خروج وجود الخالق جل جلاله عن الزمان والمكان والأجزاء أمر ذاتي ثبوتي له، وهو متفرع على تعالیه جل وعلا عن الامتداد والأجزاء الذي یختص به تعالى ولا یمكن أن یوصف بذلك غیره مطلقا:

الإمام أمیر المؤمنین عليه السلام:

«... وخرج بسلطان الامتناع من أن یؤثر فیه ما في غیره».١

فنفس القول بتعدد المجردات، شاهدة على التناقض في القول بوجودها، فإن التعدد فرع الامتداد المبائن للتجرد.

الإمام الصادق عليه السلام:

«إن الله تبارك وتعالى لا یوصف بزمان ولا مكان، ولا حركة ولا انتقال ولا سكون، بل هو خالق الزمان والمكان والحركة والسكون، تعالى عما یقول الظالمون علوا كبیرا».٢


  1. بحار الأنوار، ٤ / ٢٥٤، عن الاحتجاج.
  2. بحار الأنوار: ٣ / ٣٠٣، عن التوحيد.
١٨١أسطورة المجرّدات

إن ما یقبل الوجود فلا یتحقق إلا في الامتداد ولا یخرج عنه أبدا... وما یكون بالقوة لا یخرج عن القوة مطلقا أبدا ولا ینفك عنها ذاتا، وما یتصف بالزمان والمكان لا یخرج عنهما أبدا، وما یكون مكیفا مقدرا محدودا لا یخرج عن ذلك أبدا إلا بالانعدام.

وبكلمة واحدة: إن ما یقبل الزیادة والنقصان بذاته لا یكون إلا قابلا للزیادة والنقصان أبدا، وخروجه عن ذلك یستلزم خروجه عن ذاته. فمن المحال أن یتحرك الشـيء في جوهره وذاته فیصبح بلا زمان ولا مكان ولا امتداد، فینقلب عن ذاته القائم فیها الموجود بها، فإن كل مخلوق قائم بأجزائه وأبعاضه.

كیف یصح ادعاء التجرد لما یقال إنه یتحرك في جوهره حتى یصل عالم التجرد؟! ألیس الحركة والتغیر متفرعا على كون الشـيء امتدادیا عددیا بالبداهة؟!

أ ولیس اتصاف الشـيء بالبعدیة والقبلیة نفس اتصافه بالزمان؟!!

وكیف یمكن القول بتجرد أشیاء ومخلوقات، مع أن كل ما سوى الله تعالى في معرض التغییر والزوال؟

الإمام الصادق عليه السلام:

«إنه لیس شـيء إلا یبید أو یتغیر، أو یدخله التغییر والزوال، أو ینتقل من لون إلى لون، ومن هیئة إلى هیئة، ومن صفة إلى صفة، ومن زیادة إلى نقصان ومن نقصان إلى زیادة، إلا ربّ العالمین، فإنه لم یزل ولا یزال واحدا... لا تختلف علیه الصفات والأسماء كما تختلف على غیره مثل الإنسان الذى... یتبدل علیه الأسماء والصفات والله عز وجل بخلاف ذلك».١

المجردات هي شـركاء الله تعالى!!

إنك ترى بالرجوع إلى روایات أهل العصمة أنهم ^ في مقام نفي الشبیه عن الله تعالى وبیان


  1. بحار الأنوار٤ / ١٨٢، عن التوحيد.
معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام١٨٢

انحصار عنوان المعبود اللائق به الألوهیة فیه تعالى، یكتفون بإقامة الدلیل على نفي الجسمیة والصورة والشبح والتخطیط والامتداد عنه تعالى، ولو كان هناك واسطة بین الله الخالق والامتداد المخلوق كما تزعمه الفلسفة القائلة بوجود عالم المجردات، لما كان الاستدلال بذلك كافیا لبیان ما یتمایز به الخالق عن المخلوق وتمییز ما یختص الله تعالى به من التعریف ویباین به غیره، بل كانت المجردات حینئذ تدخل في تعریف الخالق، وكان یثبت تعدد الآلهة لا وحدة الخالق، وكان ذلك إثبات التشبیه لا نفیه!!

وبالجملة فإنهم ^ اكتفوا في مقام تمییز ذات الخالق عن مطلق ما سواه بسلب صفات الامتداد عنه فقط، وذلك لا یصح إلا إذا كان مطلق ما سواه امتدادیا متجزءا.

الإمام الصادق عليه السلام:

«وإنما الكیف بكیفیة المخلوق، لأنه الأول لا بدء له، ولا شبه، ولا مثل، ولا ضد، ولا ندّ».١

«سأل الزندیق عن الصادق عليه السلام: إن الله تعالى ما هو؟ فقال عليه السلام: هو شـيء بخلاف الأشیاء. إرجع بقولي، "شـيء" إلى أنه شـيء بحقیقة الشیئیة، غیر أنه لا جسم، ولا صورة، ولا یحس، ولا یجس، ولا یدرك بالحواس الخمس، لا تدركه الأوهام، ولا تنقصه الدهور، ولا تغیره الأزمان».٢

الإمام أبو جعفر الثاني عليه السلام:

«الكیفیة للمخلوق المكیف، فربنا تبارك وتعالى لا شبه له ولا ضد ولا ند ولا كیفیة ولا نهایة ولا تصاریف».٣

فانظر إلى التقابل الموجود بین المخلوق الأجوف الامتدادي، والخالق الصمد الواحد


  1. بحار الأنوار، ٣ / ١٩٣، عن التوحيد.
  2. بحار الأنوار، ٣ / ٢٥٨، عن الاحتجاج.
  3. بحار الأنوار، ٤ / ١٥٤، عن الاحتجاج.
١٨٣أسطورة المجرّدات

الأحد، أي بین الموجود ذو الامتداد والموجود المتعالي عنه، واستنتج من ذلك عدم إمكان وجود الواسطة بینهما فإنه من ناحیة یقال:

«الحمد لله الذي لا یحس، ولا یمس، ولا یدرك بالحواس الخمس، ولا یقع علیه الوهم، ولا تصفه الألسن١

ومن ناحیة أخرى یقال:

فكل شـيء حسته الحواس، أو جسته الجواس، أو لمسته الأیدي فهو مخلوق».٢

«... فقال كیف صعدت الشیاطین إلى السماء وهم أمثال الناس في الخلقة والكثافة؟! وقد كانوا یبنون لسلیمان بن داوود من البناء ما یعجز عنه ولد آدم؟!

قال: [الإمام الصادق عليه السلام]: غلظوا لسلیمان كما سخروا، وهم خلق رقیق غذائهم التسنم، والدلیل على ذلك صعودهم إلى السماء لاستراق السمع، ولا یقدر الجسم الكثیف على الارتقاء إلیها إلا بسلّم أو سبب».٣

الإمام الصادق عليه السلام:

«والروح جسم رقیق ألبس قالبا كثیفا».٤

لا یوصف الله تعالى بأنه لطیف إلا بمعنى أنه جل ولطف عن الحس والوهم والدرك:

الإمام الرضا عليه السلام:

«وأما اللطیف فلیس على قلة وقضافة وصغر، ولكن ذلك على النفاذ في الأشیاء


  1. الإمام الصادق عليه السلام: بحار الأنوار، ٣ / ٢٩٨، عن التوحید.
  2. الإمام الصادق عليه السلام: بحار الأنوار، ٣ / ٢٩٨، عن التوحید.
  3. بحار الأنوار، ١٤ / ٧٠، عن الاحتجاج.
  4. بحار الأنوار: ١٠ / ١٨٥، عن الاحتجاج.
معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام١٨٤

والامتناع من أن یدرك، كقولك: لطف عني هذا الأمر، ولطف فلان في مذهبه، وقوله یخبرك أنه غمض فبهر العقل وفات الطلب وعاد متعمقا متلطفا لا یدركه الوهم، فهكذا لطف الله تبارك وتعالى عن أن یدرك بحد أو بوصف، واللطافة منا الصغر والقلة».١

ولیس اللطیف في أوصافه تعالى بمعنى أنه لطف في ذاته فأصبح ألطف الأشیاء وأرقها، فإن شدة اللطافة في الذات لا یخرج الشـيء عن الجسمیة والامتداد وإن بلغ ما بلغ:

الإمام أمیر المؤمنین عليه السلام:

«لطیف لا بالتجسم».٢

إن ما سواه تعالى لیس إلا جسما بمعناه العام الشامل لكل ما یوجد ویتحقق في الامتداد والأجزاء:

الإمام الصادق عليه السلام:

«إن كل شـيء جرى فیه أثر تركیب لجسم».٣

ففي مقام تنزیه وجود الخالق جل وعلا عن الأشباه والأنداد وتمییزه عن مطلق ما سواه یكفي سلب الصورة والجسم عنه تعالى فقط:

الإمام الصادق عليه السلام:

«سبحان من لا یعلم كیف هو إلا هو، لیس كمثله شـيء وهو السمیع البصیر، لا یحد، ولا یحس، ولا یجس، ولا یمس، ولا یدركه الحواس، ولا یحیط به شـيء، لا جسم، ولا صورة، ولا تخطیط، ولا تحدید».٤

الإمام الصادق عليه السلام:

«... ویله،


  1. بحار الأنوار، ٤ / ١٧٨، عن التوحيد والعيون.
  2. بحار الأنوار، ٤ / ٣٠٤، عن التوحید.
  3. بحار الأنوار، ٣ / ١٥٤، الخبر المروي عن المفضل بن عمر في التوحيد المشتهر بالإهليلجة.
  4. بحار الأنوار، ٣ / ٣٠١، عن التوحید.
١٨٥أسطورة المجرّدات

أما علم أن الجسم محدود متناه، والصورة محدودة متناهیة، فإذا احتمل الحدّ احتمل الزیادة وإذا احتمل الزیادة والنقصان كان مخلوقا. قلت: فما أقول؟!

قال عليه السلام: لا جسم ولا صورة، هو مجسم الأجسام، ومصور الصور، لم یتجزأ، ولم یتناه، ولم یتزاید، ولم یتناقص، لو كان كما یقول لم یكن بین الخالق والمخلوق فرق، ولا بین المنشئ والمنشأ، ولكن هو المنشئ، فرق بین من جسمه وصوره وأنشأه إذ كان لا یشبهه شـيء ولا یشبه هو شیئا».١

الإمام أبو الحسن الهادي عليه السلام:

«سبحان من لیس كمثله شـيء لا جسم ولا صورة».٢

الموجود إما له صورة وامتداد، وإما یكون متعالیا عن ذلك ولا ثالث غیرهما:

الإمام أمیر المؤمنین عليه السلام:

حد الأشیاء كلها عند خلقه إیاها».٣

الإمام الصادق عليه السلام:

«من زعم أنه یعرف الله بحجاب أو بصورة أو بمثال فهو مشـرك، لأن الحجاب والمثال والصورة غیره. وإنما هو واحد موحّد فكیف یوحّد من زعم أنه عرفه بغیره، إنما عرف الله من عرفه بالله فمن لم یعرفه به فلیس یعرفه إنما یعرف غیره، لیس بین الخالق والمخلوق شـيء، والله خالق الأشیاء لا من شـيء».٤

الإمام الرضا عليه السلام:

«...


  1. بحار الأنوار، ٣ / ٣٠٢، عن التوحید.
  2. بحار الأنوار، ٣ / ٣٠١، عن التوحید.
  3. بحار الأنوار، ٤ / ٢٦٩، عن التوحید.
  4. بحار الأنوار، ٤ /١٦١، عن التوحید.
معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام١٨٦

كل جسم مغذى بغذاء إلا الخالق الرازق، فإنه جسّم الأجسام وهولیس بجسم ولا صورة، لم یتجزأ ولم یتناه ولم یتزاید ولم یتناقص، مبرأ من ذات ما ركب في ذات من جسمه وهو اللطیف الخبیر، السمیع البصیر، الواحد الأحد الصمد، لم یلد ولم یولد ولم یكن له كفوا أحد، منشـيء الأشیاء ومجسم الأجسام ومصور الصور، لو كان كما تقول المشبهة١ لم یعرف الخالق من المخلوق، ولا الرازق من المرزوق، ولا المنشئ من المنشأ، لكنه المنشئ، فرق بین من جسمه وصوره وشیأه وبینه إذا كان لا یشبهه شـيء».٢

فهل ترى مجالا للقول بوجود الموجود المجرد ویقول الإمام الجواد عليه السلام:

«إن ما سوى الواحد متجزئ، والله واحد أحد لا متجزئ ولا متوهم بالقلة والكثرة، وكل متجزئ، أو متوهم بالقلة والكثرة فهو مخلوق دال على خالق له».٣

الإمام الصادق عليه السلام:

«إن الله تبارك وتعالى خلو من خلقه وخلقه خلو منه، وكل ما وقع علیه اسم شـيء ما خلا الله عز وجل فهو مخلوق، والله خالق كل شـيء، تبارك الذي لیس كمثله شـيء».٤

«وكل شـيء وقع علیه اسم شـيء فهو مخلوق ما خلا الله عز وجل، فأما ما عبرت الألسن عنه أو عملت الأیدي فیه فهو مخلوق».٥


  1. من القول بالصدور والسنخية وقاعدة الواحد اللازم منها بزعمهم القول بوجود المجردات ليقع برزخا بين وجود الخالق والعالم المادي ويكون مصححا لصدور الأشياء عن ذات الخالق.
  2. بحار الأنوار، ٤ / ٢٩١، عن التوحید.
  3. الكافي ، ١ / ١١٦، بحار الأنوار، ٤/ ١٥٤، عن الاحتجاج.
  4. بحار الأنوار، ٣ / ٢٦٣، عن التوحید.
  5. بحار الأنوار، ٤ / ١٦١، عن التوحید.
١٨٧أسطورة المجرّدات

فلا شـيء سواه تعالى إلا مختلفا في ذاته متجزیا امتدادیا:

الإمام المجتبى عليه السلام:

«الحمد لله الذي لم یكن له... شخص فیتجزئ ولا اختلاف صفة فیتناهی».١

الإمام الصادق عليه السلام:

«فهو الواحد الذي لا واحد غیره لأنه لا اختلاف فیه».٢

«قال [الزندیق]: فكیف هو الله الواحد؟ قال [الإمام الصادق عليه السلام] واحد في ذاته فلا واحد كواحد، لأن ما سواه من الواحد متجزئ، وهو تبارك وتعالى واحد لا متجزئ ولا یقع علیه العد».٣

«والله جل جلاله واحد لا واحد غیره، لا اختلاف فیه، ولا تفاوت، ولا زیادة، ولا نقصان».٤

الإمام الرضا عليه السلام:

«فالله تبارك وتعالى فرد واحد لا ثاني معه یقیمه ولا یعضده ولا یكفه، والخلق یمسك بعضه بعضا بإذن الله ومشیته وإنما اختلف الناس في هذا الباب حتى تاهوا وتحیروا وطلبوا الخلاص من الظلمة بالظلمة في وصفهم الله بصفة أنفسهم فازدادوا من الحق بعدا، ولو وصفوا الله عز وجل بصفاته ووصفوا المخلوقین بصفاتهم لقالوا بالفهم والیقین ولما اختلفوا».٥

فلا ینسب إلى ما بخلاف الامتداد إلا ما یمتنع منه الموجود الامتدادي وكذا العكس:


  1. بحار الأنوار، ٤ / ٢٨٩، عن التوحید.
  2. بحار الأنوار، ٣ / ١٩٦، الخبر المروي عن المفضل بن عمر في التوحيد المشتهر بالإهليلجة.
  3. بحار الأنوار، ٤ / ٦٧، عن الاحتجاج.
  4. بحار الأنوار، ٤ / ١٧٣، عن التوحید.
  5. بحار الأنوار، ١٠ / ٣١٦، عن التوحيد و العيون.
معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام١٨٨

الإمام الرضا عليه السلام:

«لا یوصف بالكون على العرش لأنه لیس بجسم، تعالى عن صفة خلقه علوا كبیرا».١

إن كان یمكن فرض عدم التلازم بین كون الشـيء مخلوقا وكونه امتدادیا عددیا، فما هو الطریق إلى إثبات كون ما سوى الله موجودا بإیجاده ومخلوقا بإحداثه؟!!

الإمام أمیر المؤمنین عليه السلام:

«ما عرفت الله عز وجل بمحمّد صلی الله علیه و آله، ولكن عرفت محمّدا بالله عز وجل حین خلقه وأحدث فیه الحدود من طول وعرض».٢

الأوهام حول عالم المجردات

تری في كتابي نهاية الحكمة وبدایتها في إسناد الخلقة والربوبية إلى غير الله، وإثبات أرباب الأنواع، وهي في الواقع إثبات للآلهة المتعددة:

«إن هذا العالم المادي معلول لعالم نوري مجرد عن المادة متقدسعن القوة».٣

«مرتبة الوجود العقلي معلولة للواجب تعالى بلا واسطة وعلة متوسطة لما دونها من المثال ومرتبة المثال معلولة للعقل وعلة لمرتبة المادة والماديات».٤

«مفيض الصورة العقلية جوهر عقلي مفارق للمادة فيه جميع الصور العقلية الكلية... مفيض الصور العلمیة الجزئية جوهر مثالي مفارق فيه جميع الصور المثالية الجزئية».٥

«


  1. بحار الأنوار، ٣ / ٣١٨، عن التوحيد والعيون.
  2. بحار الأنوار، ٣ / ٢٧٣، عن التوحيد والعيون.
  3. الطباطبائي، محمد حسين، نهاية الحكمة، ٢٨٠.
  4. الطباطبائي، محمد حسين، نهاية الحكمة، ٣١٠.
  5. الطباطبائي، محمد حسين، بداية الحكمة، ١٤٦.
١٨٩أسطورة المجرّدات

إن عالم العقل علّة مفيضة لعالم المثال وعالم المثال علّة مفيضة لعالم المادّة».١

«عالم العقل علّة لعالم المثال وعالم المثال علّة مفيضة لعالم المادّة».٢

وتقول الفلسفة عند التحدث عن عالم المجردات:

«العالم المادي عالم الحركة والتكامل، والنفس أیضا لتعلقها بالبدن المادي بل اتحادها به محكوم بهذا الحكم فهي لا تزال تسیر في منازل السیر وتعرج على مدارج الكمال وتقرب إلى الحق تعالی حتى تصل إلى ثغور الإمكان والوجوب فعندئذ ینتهي السیر وتقف الحركة " وأن إلى ربك المنتهى". ومنازل السیر هي المراتب المتوسطة بین المادة وبین أشـرف مراتب الوجود.

وهي بوجه ینقسم إلى مادیة وغیر مادیة، والأولى هي المراحل التي تقطعها حتى تصل إلى التجرد، والثانیة هي المراتب الكمالیة العالیة فوق ذلك، وحیث إن نسبة كل مرتبة عالیة بالنسبة إلى ما تحته نسبة العلة إلى المعلول، والمعنى الاسمي إلى الحرفي، والمستقل إلى غیر المستقل، كانت المرتبة العالیة مشتملة على كمالات المرتبة الدانیة من غیر عكس.

فكلما أخذ قوس الوجود في النزول ضعفت المراتب وكثرت الحدود العدمیة، وكلما أخذ في الصعود اشتدت المراتب وقلت الحدود إلى أن تصل إلى وجود لا حد له أصلا.

ووصول النفس إلى كل مرتبة عبارة عن تعلقها بتلك المرتبة، وبعبارة أخرى بمشاهدة النفس ارتباطها بها، بحیث لا ترى لنفسها استقلالا بالنسبة إلیها، وإن شئت قلت: بفنائها عن ذاتها وخروجها مما له من الحدود بالنسبة إلیها».٣


  1. الطباطبائي، محمد حسين، بداية الحكمة، ١٧٢.
  2. الطباطبائي، محمد حسين، نهاية الحكمة، ٣١٥.
  3. المصباح اليزدي، محمّد تقي: حاشية البحار، ٥٨ / ٤٧.
معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام١٩٠

وتقول:

«إن من الضـروري أن النشأة نشأة المادة والحاكم فیها قانون التحول والتكامل، فما من موجود من الموجودات التي هي أجزاء هذا العالم إلا وهو متدرج الوجود، متوجه من الضعف إلى القوة ومن النقص إلى الكمال في ذاته وفي جمیع توابعه ولواحقه من الأفعال والآثار.ومن جملتها الإنسان الذي لا یزال یتحول ویتكامل في وجوده وأفعاله وآثاره التي منها آثاره التي یتوسل إلیها بالفكر والإدراك.

فما من واحد منا إلا وهو یرى نفسه كل یوم أكمل من أمس ولا یزال یعثر في الحین الثاني على سقطات في أفعاله وعثراث في أقواله الصادرة منه في الحین الأول. وهذا أمر لا ینكره من نفسه إنسان ذو شعور».١

وتقول:

«إن في الأشیاء المكوّنه تدریجا الحاصلة بتوسط الأسباب الكونیة المنطبقة على الزمان والمكان جهة معراة عن التدریج خارجة عن حیطة الزمان والمكان هي من تلك الجهة أمره وفعله وكلمته، وأما الجهة التي هي بها تدریجیة مرتبطة بالأسباب الكونیة منطبقة على الزمان والمكان فهي بها خلق.

قال تعالى: "ألا له الخلق والأمر"٢ فالأمر هو وجود الشـيء من جهة استناده إلیه تعالى وحده، والخلق هو ذلك من جهة استناده إلیه مع توسط الأسباب الكونیة فیه».٣

وتقول:

«لا تزال الخلقة تقع مرحلة بعد مرحلة، وتنال غایة بعد غایة حتى تتوقف في غایة لا غایه بعدها، وذلك رجوعها إلى الله سبحانه، قال تعالى "وأن إلى ربك المنتهى"».٤

«


  1. الطباطبايي، محمد حسين: تفسير الميزان، ١ / ٦٦.
  2. الأعراف (٧): ٥٤.
  3. الطباطبايي، محمد حسين: تفسير الميزان، ١٣ / ١٩٧.
  4. النجم (٥٣): ٤٢؛ الطباطبايي، محمد حسين: تفسير الميزان، ١٣ / ١٩٧.
١٩١أسطورة المجرّدات

إن مقام النفس الإنسانیة یكون فوق التجرد... یقول [السبزواری] في منظومته:

وإنها بحت وجود ظل حقعندي وذا فوق التجرد انطلق

وتقول الفلسفة لتوجیه تعدد أفراد المجردات وتمیزها عرضا:

إن كل مجرد فنوعه منحصـر في فرد ... نعم یمكن الكثرة الأفرادیة في العقل المجرد فیما لو استكملت أفراد عن نوع مادي ـ كالإنسان بالسلوك الذاتي والحركة الجوهریة ـ من نشأة المادة والإمكان إلى نشأة التجرد والفعلیة، فیستصحب التمیز الفردي الذي كان لها عند كونها في أول وجودها في نشأة المادة والقوة».١

نقد وإشكال علی ما تقدم من عباراتهم:

١ . إن العقیدة الفلسفیة القائلة بالحركة الجوهریة إلى الكمال تخالف الأدیان والوجدان:

یقول الله تعالى:

«إِنَ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْر...»٢

«لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ، ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِين ».٣

«وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ أَ فَلا يَعْقِلُون ».٤

«وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَ الْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها وَ لَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها وَ لَهُمْ آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُون ».٥

«إِنَّا هَ


  1. الطباطبايي، محمد حسين: نهاية الحكمة، ٣١٦.
  2. العصر (١٠٣): ٣ ـ ٤.
  3. التين (٩٥): ٤ ـ ٥.
  4. يونس (١٠): ٦٩.
  5. الأعراف (٧): ١٨٥.
معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام١٩٢

دَيْناهُ السَّبِيلَ إِمَّا شاكِراً وَ إِمَّا كَفُورا».١

«وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَالَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فَانْسَلَخَ مِنْها فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ فَكانَ مِنَ الْغاوِينَ. وَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها وَ لكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَواهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِناَ....وأَنْفُسَهُمْ كانُوا يَظْلِمُونَ».٢

«فَأَمَّا عادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَق ».٣

«وَ أَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى عَلَى الْهُدى ».٤

«وَ قَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْناهُمْ وَ جَعَلْناهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً».٥

الإمام الصادق عليه السلام:

«وَ مَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ أَ فَلا يَعْقِلُون "«إن الإنسان لفي خسـر إلا الذین...»٦

«لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقویم ثم رددناه أسفل سافلین».٧

«ومن نعمره ننكسه في الخلق أفلا یعقلون».٨

«لقد ذرأنا لجهنم كثیرا من الجن والإنس، لهم قلوب لا یفقهون بها، ولهم أعین لا یبصـرون بها، ولهم آذان لا یسمعون بها، أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون».٩

«إنا هدیناه السبیل إما شاكرا وإما كفورا».١٠

«واتل علیهم نبأ الذي آتیناه آیاتنا فانسلخ منها فاتبعه الشیطان فكان من الغاوین. ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه فمثله كمثل الكلب إن تحمل علیه یلهث أو تتركه یلهث ذلك مثل القوم الذین كذبوا بآیاتنا فاقصص القصص لعلهم یتفكرون. ساء مثل القوم الذین كذبوا بآیاتنا وأنفسهم كانوا یظلمون».١١

«فأما عاد فاستكبروا في الأرض بغیر الحق».١٢

«وأما ثمود فهدیناهم فاستحبوا العمى على الهدى».١٣

«وقوم نوح لما كذبوا الرسل أغرقناهم وجعلناهم للناس آیة».١٤

الإمام الصادق عليه السلام:

«وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ أَ فَلا يَعْقِلُون» فإنه ردّ على الزنادقة الذین یبطلون التوحید ویقولون: "إن الرجل إذا نكح المرأة وصارت النطفة في الرحم تلقته أشكال من الغذاء ودار علیه الفلك، ومر علیه اللیل والنهار، فیولد الإنسان بالطبایع من الغذاء ومرور اللیل والنهار".

فنقض الله علیهم قولهم في حرف واحد فقال: «وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ أَ فَلا يَعْقِلُون» قال: لو كان هذا كما یقولون ینبغي أن یزید الإنسان أبدا ما دامت الأشكال قائمة، واللیل والنهار قائمان، والفلك یدور، فكیف صار یرجع إلى النقصان كلما ازداد في الكبر إلى حد الطفولیة ونقصان السمع والبصـر والقوة


  1. الإنسان (٧٦): ٤.
  2. الأعراف (٧): ١٧٦ ـ ١٧٨.
  3. فصلت (٤١): ١٤.
  4. فصلت (٤١): ١٧.
  5. الفرقان (٢٥): ٣٨.
  6. العصـر (١٠٣): ٣ ـ ٤.
  7. التين (٩٥): ٤ ـ ٥.
  8. يونس (١٠): ٦٩.
  9. الأعراف (٧): ١٨٥.
  10. الإنسان (٧٦): ٤.
  11. الأعراف (٧): ١٧٦ ـ ١٧٨.
  12. فصلت (٤١): ١٤.
  13. فصلت (٤١): ١٧.
  14. الفرقان (٢٥): ٣٨.
١٩٣أسطورة المجرّدات

والفقه والعلم والمنطق حتى ینقص وینتكس في الخلق ولكن ذلك من خلق العزیز الحكیم وتقدیره».١

٢ . القول بتعلق النفس بالبدن المادي یناقض القول بإتحادهما.

٣ . التقرب إلى الحق تعالی لیس من حیث الحقیقة الوجودیة، فإن الخالق والخلق متبائنان وجودا بالكلیة فلا یتصور بینهما القرب والبعد الوجودی:

سید الشهداء علیه السلام:

«قربه كرامته وبعده إهانته».٢

لیس بین الخالق والمخلوق حجاب یمكن رفعه، ولا یكون بینهما ثغر یمكن الاقتراب والدنو منه، فإن الإنسان امتدادي مخلوق متجزئ وذاك خالق متعال عن الامتداد والأجزاء، ولیس التفاوت بینهما بالتفاضل أو التناقص، أو الصغر والكبر حتى یمكن التقرب منه بالتزاید، أو الاشتداد، أو التشابه، ولیس بینه تعالى وبین خلقه حجاب إلا أنهم خلقه وفعله، فكیف یمكن ارتفاع هذا الحجاب أو ترقیقه؟!

الإمام أمیر المؤمنین عليه السلام:

«هو أقرب إلینا من كل قریب، وأبعد من الشبه من كل بعید».٣

الإمام الرضا عليه السلام:

«الحجاب بینه وبین خلقه لامتناعه مما یمكن في ذواتهم، ولإمكان ذواتهم مما یمتنع منه ذاته، ولافتراق الصانع والمصنوع».٤

٤ . إذا كان السیر بین درجات الإمكان والوجوب ممكنا بالذات، فما هو الموجب


  1. بحار الأنوار، ٤ / ٢٣١، عن تفسير القمي.
  2. بحار الأنوار، ٤ / ٣٠١، تحف العقول.
  3. التوحيد، ٧٩.
  4. التوحيد، ٥٦.
معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام١٩٤

للتوقف في درجة خاصة منها؟! واذا كان الصعود في المراتب الوجودیة ممكنا بالذات فما هو المانع من الوصول إلى درجة الوجوب؟!

فالآیة المستشهد بها وهي قوله تعالى: "وأن إلى ربك المنتهى"، على فرض دلالتها على إمكان السیر بین المراتب الموهومة الواقعة بین الواجب والممكن ـ وهو فرض باطل ـ فینبغي أن یستدل بها على وصول الممكن إلى مرتبة الوجوب لا التوقف دونها!!

والأعجب من ذلك كله أنهم یلتزمون بهذا التالي الفاسد ویعتقدون بعینیة ذات الخالق والمخلوق وفناء ذوات الأشیاء واندكاكها في الذات المتعالیة مطلقا.

٥ . الوجود یستحیل أن یكون مشككا وذا مراتب.

٦ . وجود الممكن الأشـرف محال، وذلك لاقتضاء نفس القاعدة الفلسفیة المسماة بقاعدة إمكان الأشـرف، فإن كل مرتبة من مراتب الإمكان یجب أن لا توجد إلا بعد وجود فرد أشـرف منها، فیجب أن لا یوجد فرد من أفراد السلسلة مطلقا، وذلك لأنه لا یمكن تحدید مراتب الكمال والشـرف الواقعة بین كل مرتبین من السلسلة، بل تحدید السلسلة القابلة للزیادة والنقصان بمرتبة خاصة منها خلاف ذاتها.

٧ . تقسیم ما سوی الله تعالی إلى مراتب مادیة وغیر مادیة باطل، والقول بوجود عالم التجرد وهم، بل نفس القول بإحاطة ذات المجرد على ما دونه من المادیات یخالف معنى التجرد ویناقضه.

٨ . خروج الشـيء الامتدادي المتجزئ عن أجزائه یساوي عدمه، فما هو معنى وصوله إلى مرتبة التجرد بالاستكمال؟!

٩ . إذا كان الموجود المجرد عند منتحلي الفلسفة بریئا عن القوة والاستعداد، فما هو معنى السیر في المراتب الكمالیه العالیة فوق التجرد؟!

١٠ . تأویل معنى العلة والمعلول إلى المعنى الاسمي والحرفي تحریفا وتمویها لا یساعده

١٩٥أسطورة المجرّدات

العرف واللغة والبرهان والوجدان.

فإن علة الوجود هي ما توجد المعلول، ولا یمكن أن یكون المعلول جزءاً من ذات العلة أو مرتبة من مراتب وجوده بالبداهة، وعدم استقلال المعلول في وجودها لیس بمعنى دخوله في ذات العلة وعدم خروجه عنها بل یكون بمعنى قبوله الوجود بعد عدمه بواسطة العلة إیجادا وإبداعا.

١١ . المرتبة المشتملة على مراتب وكمالات، تكون متجزیة ولا یمكن تجردها.

١٢ . تفسیر النیل إلى المراتب بمعنى التعلق تارة، وبمشاهدة عدم الاستقلال أخرى، وبالفناء عن الذات مرة ثالثة، یكون تفسیرا بالمتناقضات.

١٣ . ما هو معنى استصحاب التمیز الفردي للسالك الواصل إلى نشأة التجرد بعد خروجه عن عالم المادة؟! أهو حكم تعبدي فقهي، أم أمر فلسفي، أو...؟!

الحركة الجوهریة الموهومة

ثم إنه ما هو الدلیل والبرهان الملزم على جعل الأصل في جوهر الأشیاء هي الحركة إلى التجرد والكمال؟! حتى یلزمنا تأویل النقائص والمعاصـي والكفر والجحود الواقع بأعیننا إلى غیر واقعها؟! وقد مرّ الحدیث عن الإمام الصادق عليه السلام:

... «وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ أَ فَلا يَعْقِلُون» فإنه رد على الزنادقة الذین یبطلون التوحید ویقولون: إن الرجل إذا نكح المرأة وصارت النطفة في الرحم تلقته أشكال من الغذاء ودار علیه الفلك ومر علیه اللیل والنهار فیولد الإنسان بالطبائع من الغذاء ومرور اللیل والنهار.

فنقض الله علیهم قولهم في حرف واحد فقال: «ومن نعمره ننكسه في الخلق أفلا یعقلون؟» قال: لو كان هذا كما یقولون ینبغي أن یزید الإنسان أبدا ما

معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام١٩٦

دامت الأشكال قائمة واللیل والنهار قائمان والفلك یدور، فكیف صار یرجع إلى النقصان كلما ازداد في الكبر إلى حد الطفولیة ونقصان السمع والبصـر والقوة والفقه والعلم والمنطق حتى ینقص وینتكس في الخلق، ولكن ذلك من خلق العزیز الحكیم وتقدیره».١

قیل للإمام الباقر عليه السلام:

«... إنهم یقولون إن الفلك إن تغیر فسد. قال: ذلك قول الزنادقة، فأما المسلمون فلا سبیل لهم إلى ذلك، وقد شق الله القمر لنبیه صلی الله علیه و آله، وردّ الشمس قبله لیوشع بن نون، وأخبر بطول یوم القیامة وقال: «كألف سنة مما تعدون».٢

تقول الفلسفة حول عالم المجردات أیضا:

«إن الصادر الأول الذي یصدر من الواجب تعالى عقل واحد هو أشـرف موجود ممكن وإنه نوع منحصـر في فرد، وإذ كان أشـرف وأقدم في الوجود فهو علة لما دونه وواسطة في الإیجاد، وإن فیه أكثر من جهة واحدة یصح به صدور ما دون النشأة العقلیة بما فیه من الكثرة البالغة.

فمن الواجب أن یترتب صدور العقول نزولا إلى حد یحصل فیه من الجهات عدد یكافي الكثرة التي في النشأة التي بعد العقل».٣

وتقول:

«إن الممكن الأشـرف یجب أن یكون أقدم في مراتب الوجود من الممكن الأخس، فلا بد أن یكون الممكن الذي هو أشـرف منه قد وجد قبله»٤


  1. بحار الأنوار، ٩ / ٢٣١، عن تفسير القمي (قده).
  2. الفتال النيشابوري: روضة الواعظين، ٢ / ٢٦٤.
  3. الطباطبائي، محمد حسين: نهاية الحكمة، ٣١٦ ـ ٣١٧.
  4. الطباطبائي، محمد حسين: نهاية الحكمة، ٣١٩.
١٩٧أسطورة المجرّدات

وتقول:

«وحیث إنه موجود بسیط واحد محض، یصح القول بأن فیضه الصادر منه أمر واحد بسیط مطلق داخل في الأشیاء لا بالممازجة وخارج عنه لا بالمبائنة، من دون أن یراد من الفیض الواحد، الفعل الواحد العددي، لأن العدد وغیره من الكمیات وهكذا سائر الأعراض إنما تقع في المراتب النازلة والوسطى من مراتب ذلك الفیض الواحد بالوحدة الإطلاقیة.

فلا مجال للوحدة العددیة بالنسبة إلى فیضه العمیم ولطفه المطلق ـ المعبر عنه بوجه الله والفیض المنبسط ـ وهذا هو المراد من القاعدة الفلسفیة الناطقة بأن "الواحد لا یصدر عنه إلا الواحد"».١

وتقول:

«قد تحقق في مباحث العلة والمعلول أن الواحد لا یصدر منه إلا الواحد، ولما كان الواجب تعالى واحدا بسیطا من كل وجه، لا یتسـرب إلیه جهة كثرة لا عقلیة ولا خارجیة، واجدا لكل كمال وجودي وجدانا تفصیلیا في عین الإجمال، لا یفیض إلا وجودا واحدا بسیطا به كل كمال وجودي لمكان المسانخة بین العلة والمعلول، له الفعلیة التامة من كل جهة، والتنزه عن القوة والاستعداد.

غیر أنه وجود ظلي للوجود الواجبي، فقیر إلیه، متقوم به، غیر مستقل دونه فیلزمه النقص الذاتي والمحدودیة الإمكانیة التي یتعین بها مرتبتها في الوجود ویلزمها الماهیة الإمكانیة.

والموجود الذي هذه صفتها عقل مجرد ذاتا وفعلا متأخر الوجود عن الواجب تعالى من غیر واسطة، متقدم في مرتبة الوجود على سائر المراتب».٢


  1. الجوادي، عبد الله: علي بن موسى الرضا عليه السلام والفلسفة الإلهية، ٤٠.
  2. الطباطبائي، محمد حسين: نهاية الحكمة، ٣١٥ ـ ٣١٦.
معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام١٩٨

نقد وإشكال لعلاراتهم المتقدمة:

١ . تفسیر "العلیة والمعلولیة" بمعنى "ربطیة الوجود" ـ كما علیه صاحب الكلام المذكور تبعا للحكمة الصدرائیة ـ مناقض مع تفسیره بمعنى الصدور ـ كما علیه إبن سینا في فلسفته فكیف یجمع بینهما في كلام واحد؟ إلا أن یعترفوا بوحدة المباني في الفلسفات المختلفة وهذا كله مع الغض عن أن كلا التفسیرین أجنبیان عن حقیقة معنى العلیة والمعلولیة.

فإن ما سوى الخالق تعالى یكون موجودا بإیجاده جل وعلا، لا بالصدور والتولد عن ذاته القدوس، ولا بظهور ذاته المقدسة في صور الأشیاء وأعیانها وكون الصادر والمصدر واحدا عینا.

٢ . الواحد الحقیقي لا یمكن أن یصدر عن ذاته شـيء، وإن ما یصدر عنه شـيء فلا یمكن أن یكون واحدا، فإن صدور شـيء من شـيء متفرع على كونهما امتدادیین عددیین متجزئین.

٣ . الواحد الحقیقي هو المتعالى عن الأجزاء والمقادیر فلا یتعدد بالذات، وعلى هذا فالواحدان المذكوران (الصادر والمصدر). كیف یصح تعددهما وبِمَ یتمیز وجود أحدهما عن الآخر؟! فنفس فرض إمكان التعدد والصدور فیهما، یكشف عن بطلان وحدتهما الحقیقیة.

وقد جاء في "تفسیر المیزان" ما هو صـریح في الالتزام بما بیناه من امتناع فرض الوحدة الحقیقیة مع التعدد والتكثر وذلك حیث یقول:

«إن المفروضین من الموجودین لو لم یتمیز أحدهما عن الآخر بشـيء خارج عن ذاته، كان سبب الكثرة المفروضة غیر خارج من ذاتهما فیكون الذات صـرفة غیر مخلوطة، وصـرف الشـيء لا یتثنى ولا یتكرر، فكان ما هو المفروض كثیرا واحدا وهذا خلف. فكل موجود مغایر الذات لموجود آخر».١

٤ . التركیب


  1. الطباطبايي، محمد حسين: تفسير الميزان: ١ / ٢٦٣.
١٩٩أسطورة المجرّدات

الباطل والمحال في الواجب الفلسفي والعرفاني هو التركیب عن الوجود والعدم لا التركیب عن الأجزاء الخارجیة أو العقلیة.

كیف وإنهم قائلون بوحدة ذات الخالق مع الأشیاء المركبة الخارجیة وعینیتهما معا، فلا یمكنهم إدعاء بساطة الذات وعدم تسـرب الكثرة العقلیة أو الخارجیة إلیه؛ وذلك أن الفلسفة تقول:

«وهذا المعنى، أعني دخول الأعدام في مراتب الوجود المحدودة وعدم دخولها المؤدّي إلى الصـرافة، نوع من البساطة والتركیب في الوجود غیر البساطة والتركیب المصطلح علیها في موارد أخرى ـ وهو البساطة والتركیب من جهة الأجزاء الخارجیة أو العقلیة أو الوهمیة».١

٥ . "الوجدان التفصیلي" و"الوجدان الإجمالي" متناقضان فلا یجتمعان.

٦ . لا یتصف بالوجدان التفصیلي أو الإجمالي إلا الذات الامتدادیة العددیة والله جل جلاله یتعالى عن ذلك كله.

٧ . إذا فرض كل واحد من الصادر والمصدر بسیطا واجدا لكل كمال وجودي ولهما الفعلیة التامة من كل جهة والتنزه عن القوة والاستعداد، فبم یكون أحدهما علة والآخر معلولا ولا یقصـر أحدهما عن الآخر في أي كمال وجودي فرض على ما صـرحوا به؟!

٨ . المسانخة بین العلة والمعلول محال، فإن العلة الموجودة هي ما توجد المعلول وتخلقه، والخالق لا یكون إلا بخلاف خلقه:

الإمام الصادق عليه السلام:

«لا یلیق بالذي هو خالق كل شـيء إلا أن یكون مبائنا لكل شـيء متعالیا عن كل شـيء سبحانه وتعالى».٢


  1. الطباطبائي، محمد حسين: نهاية الحكمة، المرحله الأولى، الفصل الثالث.
  2. بحار الأنوار، ٣ / ١٤٨، الخبر المشتهر بتوحيد المفضل بن عمر.
معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام٢٠٠

إن ما یعدّ عند أصحاب الفلسفة علة ومعلولا ـ وقد یوجد بینهما المشابهة والمسانخة ـ فلیس من العلة الموجِدة والمعلول الموجَدة في شـيء، بل هو تطور شـيء واحد بأطوار مختلفة، وتغیره بصور متكثرة؛ هذا، مع أن الحلو قد ینتج حامضا والحامض حلوا.

قال الله تعالى:

«يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ ويُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ ويُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وكَذلِكَ تُخْرَجُونَ».١

وعن الرسول الأعظم صلی الله علیه و آله في حكایة المعراج:

«... ثم رأیت ملكا من الملائكة جعل الله أمره عجبا، نصف جسده النار، والنصف الآخر ثلج، فلا النار تذیب الثلج، ولا الثلج یطفئ النار، وهو ینادي بصوت رفیع ویقول: سبحان الذي كف حرّ هذه النار فلا تذیب الثلج، وكف برد الثلج فلا یطفئ حرّ هذه النار، اللهم یا مؤلف بین الثلج والنار ألّف بین قلوب عبادك المؤمنین».٢

مضافا إلى أن وجوب السنخیة المزعومة لا یستنتج إلا من العلل الطبیعية المادیة، فبأي وجه یتسـرى حكمها إلى العلة الإیجادیة؟!

٩ . إذا كان المعلول عند المستدل عین الربط إلى العلة، فلا یصح التعبیر عنه بالوجود الظلي، فإن معنى الظل أمر واضح لا خفاء فیه، والتعبیر به عن الوجود الربطي یكون مبعّدا عن فهم المعنى المراد، ولا یكون مقرّبا.

١٠ . إن الله تعالى هو الخالق لما سواه لا من شـيء، وهذا هو معنى كونه علة لما سواه وكون ما سواه معلولا له، فقیرا إلیه، غیر مستقل دونه؛ فتفسیر العلیة والمعلولیة بكون المعلول جزءا من ذات العلة، أو مرتبة من مراتب وجوده، أو صورة وتطورا من صوره وتطوراته ـ


  1. الروم (٣٠): ١٩.
  2. بحار الأنوار، ٨ / ٣٢٣، عن تفسير القمي .
٢٠١أسطورة المجرّدات

كما علیه أصحاب الفلسفة والعرفان، ـ خلاف الوجدان والبرهان والأدیان بل خلاف العرف واللغة، فتفسیرهم الفقر والتقوم بالغیر وعدم الاستقلال والمعلولیة بذلك خطأ واضح.

١١ . استنتج وجود العقل المجرد عن مقدمتین:

ألف). وجوب الشباهة والسنخیة بین الخالق والمخلوق

ب: المحدودیة الرتبیة الوجودیة للمخلوق

وبعد وضوح بطلان المقدمتین بما بیناه مرارا تصبح النتیجة أیضا واضحة البطلان.

١٢ . الوجوه المتكثرة المزعومة في العقول المجردة إن كانت أمورا واقعیة فیها فكیف صدرت عن الواحد ولم تنثلم بها وحدة المصدر والعقول وتجردها؟ وإن كانت أمورا وهمیة اعتباریة غیر واقعیة فكیف یستند إلیها صدور الواقعیات الكثیرة الموجودة؟!

یقول العلامة نصیرالدین الطوسـي "قدس سـره" في شأن قاعدة "الواحد" الفلسفیة:

«وأدلة وجوده [العقل المجرد] مدخولة كقولهم: "الواحد لا یصدر عنه أمران».١

ویقول العلامة الحلّي "قدس سـره" بعد توضیح الكلام المذكور:

«إذا عرفت هذا الدلیل فنقول بعد تسلیم أصوله: إنه إنما یلزم لو كان المؤثر موجبا، أما إذا كان مختارا فلا، فإن المختار تتعدد آثاره وأفعاله».٢

ویقول العلامة الطوسـي "قدس سـره" في إثبات أنه تعالى قادر:

«وجود العالم بعد عدمه ینفي الإیجاب، والواسطة غیر معقولة».٣

ویقول العلامة الحلي "قدس سـره" في توضیح كلامه:

«والدلیل


  1. كشف المراد في شـرح تجريد الاعتقاد، ١٧٦.
  2. كشف المراد، ١٧٨.
  3. كشف المراد، ٢٨١.
معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام٢٠٢

على أنه تعالى قادر، أنا قد بینا أن العالم حادث فالمؤثر فیه إن كان موجبا لزم حدوثه أو قدم ما فرضناه حادثا أعني العالم، والتالي بقسمیه باطل، بیان الملازمة: أن المؤثر الموجب یستحیل تخلف أثره عنه وذلك یستلزم إما قدم العالم ـ وقد فرضناه حادثا ـ أو حدوث المؤثر ویلزم التسلسل.

فظهر أن المؤثر للعالم قادر مختار،... والواسطة غیر معقولة لأنا قد بینا حدوث العالم بجملته وأجزائه، والمعنىّ بالعالم كل ما سوى الله تعالى، وثبوت واسطة بین ذات الله تعالى وبین ما سواه غیر معقول».١

التمسك بالمتشابهات لإثبات عالم المجردات

قد أولت الفلاسفة الآیات والروایات الواردة في أوصاف الروح والملائكة إلى معان ینطبق بزعمهم على ما یعتقدون فیه التجرد، مع أن الروح والملك وكل ما سوى الخالق جل وعلا یكون عند الشـرع ـ كما أنه كذلك عند العقل أیضا ـ قد وصف بأوصاف ینافي التجرد، ولا یخرج عن الامتداد والأجزاء والصورة والشكل والزمان والمكان:

قال الله تبارك وتعالى:

«بِسْمِ الله الرَّحْمنِ الرَّحِيم الْحَمْدُ لِلَّهِ فاطِرِ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ جاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا، أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنى وَ ثُلاثَ وَ رُباعَ، يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ ما يَشاءُ، إِنَّ الله عَلى كُلِّ شَيْ ءٍ قَدِير».٢

«يَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالْغَمامِ وَ نُزِّلَ الْمَلائِكَةُ تَنْزِيلا». ٣

«وَ تَرَى الْمَلائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِم ».٤

«


  1. كشف المراد، ٢٨١.
  2. الفاطر (٣٥): ١ ـ ٢.
  3. الفرقان (٢٥): ٢٤.
  4. الزمر (٣٩): ٧٤.
٢٠٣أسطورة المجرّدات

يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَ الْمَلائِكَةُ صَفًّا».١

«وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْراهِيمَ إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقالُوا سَلاماً قالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ قالُوا لا تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيم ».٢

«قالَ فَما خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ قالُوا إِنَّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمٍ مُجْرِمِين ».٣

«فَلَمَّا جاءَ آلَ لُوطٍ الْمُرْسَلُونَ الله قالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُون ».٤

«وَجاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ قالَ إِنَّ هؤُلاءِ ضَيْفِي فَلا تَفْضَحُونِ وَ اتَّقُوا الله وَ لا تُخْزُونِ قالُوا أَ وَ لَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعالَمِين ».٥

ویقول الإمام الباقر عليه السلام في الروح:

«إنما إضافه إلى نفسه لأنه اصطفاه على سائر الأرواح، كما اصطفى بیتا من البیوت فقال: "بیتي"، وقال لرسول من الرسل: "خلیلي" وأشباه ذلك، وكل ذلك مخلوق، مصنوع، محدث، مربوب، مدبر».٦

الإمام الصادق عليه السلام:

«إن الله تبارك وتعالى أحد، صمد، لیس له جوف، وإنما الروح خلق من خلقه».٧

الباب الرابع:

امتناع


  1. الأنبياء (٢١): ٣٨.
  2. الحجر (١٥): ٥٠ ـ ٥١، ٥٣.
  3. الحجر (١٥): ٥٦ ـ ٥٨.
  4. الحجر (١٥): ٦١ ـ ٦٢.
  5. الحجر (١٥): ٦٧ ـ ٦٩.
  6. بحار الأنوار، ٤ / ١٢، عن التوحيد ومعاني الأخبار.
  7. بحار الأنوار، ٤ / ١٣، عن التوحيد.
معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام٢٠٤

معرفة ذات الله تعالى

امتناع معرفة ذات الله تعالی

معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام٢٠٦

تقول الفلسفة:

إن كنه وجود الخالق هو حقیقة الوجود اللامتناهیة المتصورة بالصور المختلفة،

ویقول العرفان:

لا وجود إلا وجود الله! وحیث إن كل شـيء حاضـر وموجود عند نفسه حضورا ووجودا حیث یستحیل سلب الشـيء عن نفسه، فالأشیاء بأجمعها هي نفس وجود الله! وهذا الحضور والوجود هو نفس معنی علم الله بالأشیاء وإدراكه لها. فكل من أدرك شیئا فقد أدرك ذات الخالق بعینها.

ویهدف هذا الفصل الى الردّ على ذلك بأنه:

العلم لیس هو الوجود

لا تعرف ذات الخالق تعالی مطلقا،

لا تعرف إلا الحقیقة الامتدادیة المخلوقة، وأن كل معروف بنفسه مصنوع،

لا مجال للقول بوجود حقیقة الوجود الصـرف،

الفحص عن حقیقة الذات المتعالیة جهالة أو زندقة،

كمال معرفة الخالق هو التصدیق بوجوده،

تشبیه الخالق بخلقه إلحاد،

حقیقة التوحید هي تنزیه وجود الخالق تعالی عن كل ما سواه ذاتا ووصفا

٢٠٧امتناع معرفة ذات الله تعالی

المعرفة البشـریة تقسم العلم إلی قسمین:

ألف ) العلم الحضوري

ب) العلم الحصولي

والعلم الحضوري عندها هو نفس حضور الشـيء في نفسه ومن هاهنا تقول إن العلم هو الوجود لا غیر. ومن هناك أیضا تعترف بأن العلم الحضوري لا یحتمل النسیان والتذكر والغفلة والجهل و...وإلا كان یلزم سلب وجود الشـيء عن نفسه وهو محال، ولأن كل ذلك من شؤون العلم الحصولي وأما العلم الحضوري فهو خارج عن إمكان الاتصاف بتلك الأوصاف موضوعا.

وأما من زعم أن توجه الإنسان إلی نفسه یكون علما حضوریا مركبا بعد كونه عالما بنفسه علما حضوریا بسیطا فقد خلط بین العلم الحصولي والحضوري ولم یصل إلی حقیقة معنی العلم الحضوري كما ینبغي، فإن توجه الإنسان إلی نفسه من مصادیق العلم الحصولي لا العلم الحضوري، فإن العلم الحضوري عند القائلین به هو نفس وجود الشـيء، وذلك لا یقبل الاتصاف بالبساطة والتركیب والتوجه وعدم التوجه والتذكر والغفلة و... موضوعا.

وعند المعرفة البشـریة:

إن كل شـيءیكون واجدا وشاملا بمرتبته الوجودیة (عند أهل الفلسفة ) وبطوره الخاص

معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام٢٠٨

به (عند أهل العرفان) مرتبة أو حصة أو قبسا من حقیقة وجود الله تعالی، وهذه الواجدیة المسمیعندهم بالحضور والشهود والوجدان هو معنی علم كل شـيء بوجود خالقه ومعرفته لربه، وذلك أنه لا وجود عندهم إلا وجود الله، ووجود الأشیاء لیس شیئا غیر وجود الله.

فمعنی وجدان كل شـيء لربه وكونه عارفا وعالما به هو نفس كونه واجدا لمرتبة أو لحصة أو قبس أو جزء من وجود الله وجدانا حقیقیا ضـروریا ذاتیا، وهذا العلم لا یمكن سلبه عن شـيء، وإلا یلزم أن یمكن أن یسلب عن الشـيء أجزاؤه وحصصه ومراتبه الوجودیة.

فالعلم بحقیقة كنه ذات الله تعالی إن كان بالحصول وبالصورة العلمية أو العقلیة أو الوهمیة فهو باطل ومحال، وإن كان بالحضور والوجدان والواجدیة فهو ضـروري غیر قابل للسلب عن شـيء مطلقا.

فكل شـيء حیث إنه واجد لنفسه وغیر غائب عنها فهو مع الغض عن حدود وجوده وتعیناته الناشئة عن مرتبته أو حصته الوجودیة یكون حقیقة غیر متناهیة أزلیة أبدیة، فكل وجود هو الله، والله هو نفس وجود الأشیاء بلا تمایز بینهما أصلا إلا أنا إذا نظرنا إلی مرتبة كل شـيء أو حصة الوجودیة الخاصة به وتعینه فقد نراه شیئا غیر الله ومرتبة من مراتب الوجود اللامتناهي الذي یكون هو الله، أو حصة من حصص ذاته اللامتناهیة لا نفس وجوده اللامتناهي غیر المتعین الأزلي الأبدي.

فكل شـيءیكون بهذا النظر الاعتباري الخاطئ بل الموهوم شیئا غیر الله، ومن حیث الحقیقة والواقع فهو مرتبة وحصة وجزء من ذات الله، والله نفس وجود الأشیاء بأجمعها، والأشیاء بأجمعها هي نفس ذات الله. فالعارف الحقیقي والسالك الواصل الفانيغیر ناظر إلی المراتب والأجزاء والتعینات أصلا، والأحول الجاهل هو من یریلنفسه وجودا غیر وجود الله.

وبكلمة واحدة: إن العلم الحضوري عند القائلین به هو كون الشـيء نفسه، وحیث إن كل شـيءیكون هو هو بالضـرورة ولا یكون وجوده غیر وجوده، فأصبح معنی العلم

٢٠٩امتناع معرفة ذات الله تعالی

الحضوري عندهم نفس وجود الشـيء، وحیث إن وجود الأشیاء لا یباین وجود الخالق عندهم ولا یكون خارجة عنها فمعنیعلم الخالق بالأشیاء هو نفس وجود الأشیاء في ذات الخالق، كما أن وجودها (الأشیاء ) في ذات خالقها هو معنی علمها بذات خالقها ووجدانها لربها عندهم.

ثم إنه بعد وضوح أن هذه الأوهام والخیالات لا ربط لها بحقیقة معنی العلم أصلا، وهي تحریف واضح فاضح عن معناه الحقیقي، بل وهي أشبه شـيء بالهزل واللعب في تعریف العلم، فلا نری محیصا عن نقل أقوالهم في ذلك أولا، ثم تلخیصها، ثم الرد والإشكال علیها فنقول:

إن الفلاسفه یزعمون أن وجود الأشیاء ـ حتی الأجسام والمادیات ـ في ذات الله تعالی هو معنی علم الله تعالی بالأشیاء! كما أنهم یقولون:

«العلم لیس إلا الوجدان، ومرتبة فوق التمام من حقیقة الوجود واجدة ... لكل الوجودات التي دون تلك المرتبة بنحو أعلى، فهي عالمة بها.١

العلم عباره عن وجود شـيء بالفعل لشـيء بل نقول العلم هو الوجود».٢

«وأما علم العلة بالمعلوم علما حضوریا فیمكن تعلقه بالموجود المادي بما أنه موجود مادي.

والإشكال بأنه: لا حضور للموجود المادي لنفسه فكیف یكون حاضـرا للعالم؟ مندفع بأن غیبوبة أجزائه بعضها عن بعض لا تنافي حضورها للفاعل المفیض».٣

«إن تجرد المعلوم في العلم الحضوري بالغیر غیر لازم، وإن غیبوبة الشـيء المادي عن ذاته لا یستلزم غیبوبته عن فاعله المفیض، كیف والمعلول مادیا كان أو مجردا لیس


  1. حاشية الأسفار، ٦/٢٤.
  2. الأسفار ٣ /٣٥٤.
  3. المصباح اليزدي، محمد تقي، تعليقة على نهاية الحكمة، ٣٥٢.
معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام٢١٠

إلا عین الربط بالعلة فهي مهیمنة علیه ومحیطة به بتمام معنی الكلمة، ولا یتم ذلك إلا بحضوره عندها».١

«إن شأن العقل إنما هو إدراك المفاهیم، الذي هو أحد أقسام العلم الحصولي، والوجود الخارجي لا یعرف بما أنه حقیقة عینیة إلا بالعلم الحضوري».٢

«معرفة الوجود بالوجود ومعرفة الله تعالی به تعالی... من غیر تصوّر وتصدیق».٣

«یا الهي! كیف لا أكون حاضـرا مع أني معلومك بل أنا علمك».٤

«إن إدراك كل شـيء هو بأن ینال حقیقة ذلك الشـيء المدرك بما هو مدرك بل بالاتحاد معه كما رآه طائفة من العرفاء وأكثر المشائین والمحققون».٥

«إنه ما من موجود إلا وهو علم الحق تعالى، لأن علمه بما سواه حضوري إشـراقي، لم یعزب عن علمه مثقال ذرة».٦

«ولو كان الموجود في الذهن شبحا للأمر الخارجي، نسبته إلیه نسبته التمثال إلی ذي التمثال، ارتفعت العینیة من حیث الماهیة، ولزمت السفسطة، لعود علومنا جهالات».٧

«وانقسام العلم إلی القسمین قسمة حاصـرة. فحضور المعلوم للعالم بماهیته وهو العلم الحصولي، او بوجوده وهو العلم الحضوري.هذا ما یؤدي إلیه النظر البدوي من انقسام العلم إلی الحصولي والحضوري، والذي یهدي إلیه النظر العمیق أن


  1. المصباح اليزدي، محمد تقي، تعليقة على نهاية الحكمة، ٣٩٥.
  2. المصباح اليزدي، محمد تقي، تعليقة على نهاية الحكمة، ٣٩.
  3. ميرزا مهدي الإصفهاني، ابواب الهدي، ٦١.
  4. حسن زاده آملي، حسن، الهي نامه: چاپ اول، ٤٣.
  5. حسن زاده آملي، حسن، رسالة منفردة في لقاء الله ، ٢٠٩.
  6. حسن زاده آملي، حسن، رسالة منفردة في لقاء الله ، ١٩٩.
  7. الطباطبايي، محمد حسین، نهاية الحكمة، ٤٧.
٢١١امتناع معرفة ذات الله تعالی

الحصولي منه أیضا ینتهي إلی علم حضوري».١

«فللعلم معنى جامع يهدي إليه التحليل وهو حضور شـيء لشـيء».٢

«علم الشـيء بالشـيء هو حصول المعلوم أي الصورة العلمية للعالم كما تقدم وحصول الشـيء وجوده، ووجوده نفسه، فالعلم هو عین المعلوم بالذات، ولازم حصول المعلوم للعالم وحضوره عنده اتحاد العالم به».٣

«الفصل الثاني في اتحاد العالم بالمعلوم وهو المعنون عنه باتحاد العاقل بالمعقول:

علم الشـيء بالشـيء هو حصول المعلوم... وحصول الشـيء وجوده، ووجوده نفسه، فالعلم هو عين المعلوم بالذات، ولازم حصول المعلوم للعالم وحضوره عنده اتحاد العالم به سواء كان معلوما حضوريا أو حصوليا.

فإن المعلوم الحصولي إن كان أمرا قائما بنفسه كان وجوده لنفسه وهو مع ذلك للعالم فقد اتحد العالم مع المعلوم، ضـرورة امتناع كون الشـيء موجودا لنفسه ولغيره معا، وإن كان أمرا وجوده لغيره وهو الموضوع وهو مع ذلك للعالم فقد اتحد العالم بموضوعه، والأمر الموجود لغيره متحد بذلك الغير فهو متحد بما يتحد به ذلك الغير، ونظير الكلام يجري في المعلوم الحضوري مع العالم به».٤

«یقول ابن عربي وجمیع العرفاء بالله: إن معرفة الله ممكنة للإنسان... ولقائه هو الفناء في ذاته، لأن في غیر حالة الفناء هو لم یعرف، وفي حالة الفناء لم یبق غیره شـيء حتی یمكنه أن یعرف الله. هناك یعرف الله نفسه فقط».٥


  1. الطباطبايي، محمد حسین، نهاية الحكمة، ٢٣٧.
  2. الطباطبايي، محمد حسین، نهاية الحكمة، ٢٩٩.
  3. الطباطبايي، محمد حسین، نهاية الحكمة، ٢٤٠.
  4. الطباطبايي، محمد حسین، نهاية الحكمة، ٢٤٠.
  5. حسينى تهراني، محمد حسين: روح مجرد، ٧٠، طبع علامه طباطبايى، طبع سادس، شعبان ١٤٢١ هـ.
معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام٢١٢

نقد العلم الحضوری

إن تفسیر العلم بالوجود، وكون الشـيء في إحاطة غیره من حیث الوجود، هو مما لا یمكن الخضوع له بل ینكره العقل والبرهان والضـرورة والوجدان بل العرف واللغة.

مضافا إلی أنه:

الف) حیث یكون معنی العلم الحضوري هو: حضور الشـيء عند العالم أي وجوده في وجود العالم.

ب) ومن البدیهي أن وجود شـيء في شـيء (وهو نفس معنی الاتحاد وكون شیئین شیئا واحدا) یكون محالا ذاتیا.

فبالنتیجة یصبح العلم الحضوري أمرا موهوما موضوعا.

كما أن وجود الشـيء في نفسه، وكون نفس نفسه، لیس من حقیقة معنی العلم في شـيء.

ومن هنا تریأن القائلین به اضطروا إلی الإقرار بأن العلم الحضوري هو كون الشـيء نفسه نفسه، وصـرحوا باتحاد العالم والمعلوم، والتزموا بوحدة وجود الخالق والمخلوق، وبأن معنی كون الله تعالی عالما بالأشیاء حضورا هو كونها متحدة في الوجود معه، وعدم خروج الأشیاء بذواتها عن ذات خالقها!!

وهذا المعنی ـ مع غض النظر عن بطلانه في نفسه ـ یكون لعبا بل استهزاء بحقیقة معنی العلم، وكون الخالق تبارك وتعالی عالما بالأشیاء قبل تكوینها وإیجادها، فسبحانه وتعالی عما یصفه الواصفون.

إن قلت: أفلا یكون علم الإنسان بنفسه علما حضوریا؟!

قلت: إن العلم الحضوري یجب أن لا یعرضه الغفلة والنسیان والذهول، بل لا یمكن أن یعرضه التذكر به بأي وجه من الوجوه، كل ذلك یكون بناء علی تعریفه حیث لا معنی لخروج الشـيء عن ذاته وارتفاع وجوده عن نفسه بالبداهة، وحیث إن علم

٢١٣امتناع معرفة ذات الله تعالی

الإنسان بنفسه یعرضه ذلك كله فلا یصدق علیه تعریف العلم الحضوري، والعجب من الذین غفلوا عن هذا الأمر الواضح ومثلوا لإثبات العلم الحضوري بذلك.فالحق هو أن علم الإنسان بنفسه الذي تعرضه الغفلة هو علم حصولي.

إن قلت: فما هو حكم سایر الوجدانیات كالإرادة والكراهة والحب والبغض والخوف والرجاء والجوع والعطش و...

قلت: حیث إن كل ذلك یسلب عن النفس تارة ویحصل لها أخری فیمتنع أن یكون عین النفس، فضلا عن توهم تجردهما!

ثم إن الفلسفة تقول في توجیه تخصیص العلم بالمجردات دون المادیات: إن الموجود المادي لا وجود جمعي له فلا یكون عالما ولا معلوما فمن شـرط العلم هو التجرد.

ونقول: هذا الكلام باطل منأساسه وذلك أن الموجود إما خالق وإما مخلوق، فالخالق جل وعلا لا یوصف ذاته بالجمعیة وغیر الجمعیة حیث إنهما من صفات الأقدار وملكاتها فلا یوصف بهما ما یخالفه، وأما المخلوق فإن كل فرد منه یتمیز عن مثله بنفس أجزائه المحققة لوجوده، كما أن كل جزء من أي فرد خاص منه یتمیز عن جزئه الآخر بنفس كونهما جزئین متمایزین، وعلیه ففرض الجمعیه لوجود أي شـيءیكون محالا موضوعاً.

إن قلت: إن المادة والجسم یكون كل جزء منه غائبا عن جزئه الآخر غیر حاضـر عنده، فضلا عن أن یكون حاضـرا عند غیره.

معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام٢١٤

قلت: عدم حضور كل جزء منه عند جزئه الآخر یكون خروجا عن الفرض، بل علی مبنی الفلسفة حیث إن كل جزء منه موجود في نفسه وكل أجزائه موجود في كل وجوده، فیكون موجودا في ما یحیط به فیجب أن یكون معلوما لنفسه ولما یكون محیطا به بالعلم الحضوري بناء علی التعریف.

فلا وجه لتوهم تلازم العلم والتجرد، بل حیث إن كل حجر ومدر یكون موجودا في نفسه، فیجب علیهم أن یلتزموا بأن كل شـيء ـ حتی المادیات والأجسام ـ یكون عالما بنفسه بالعلم الحضوري بل علما وعالما ومعلوما، كما أنه یجب علیهم الالتزام بكون الأجسام والمادیات بنفس وجوداتها المادیة الجسمانیة معلومة حضورا لخالقها، أي موجودة في ذاته!

ولهذا تري أنهم یلتزمون بذلك ویصـرحون بأن كل موجود مادي فهو حاضـر بنفس وجوده الجسماني في وجود علته.

ثم نقول بالنسبة إلی سنخ معرفتنا بالله تعالی بعد إبطال العلم الحضوری:

إن المعرفة والإدراك ـ حسا كان، أو عقلا، أو وهما ـ فهي حقیقة ذات اضافة، ولا یمكن أن یتعلق بشـيء إلا إذا كان ذلك الشئ امتدادیا عددیا متجزیا، قابلا للوجود والعدم والزیادة والنقصان، وما لا یكون كذلك فمحال أن یتعلق به الإدراك والمعرفة، ولا یحصل العلم بوجوده إلا من غیره ـ وهو أثره الدال علیه ـ وحیث إن الخالق لا یكون إلا بخلاف الامتداد والعدد فلا یعرف بنفسه وبلا واسطة خلقه وفعله، فهاهنا مطالب ثلاثة:

١ . لا سبیل إلى معرفة الذات المتعالیة الإلهية ثبوتا.

٢ . إن كل ما عرف بنفسه فهو متجزئ مصنوع.

٣ . لا یعرف الخالق تعالی إلا بأثره وفعله.

٢١٥امتناع معرفة ذات الله تعالی

المطلب الأول: لا سبیل إلى معرفة الذات المتعالیة ثبوتا.

في استحالة تعلق المعرفة بذات الخالق المخالف للامتداد والعدد

إن جواز تعلق المعرفة والإدراك والوصف لشـيء متفرع على كونه امتدادیا ثبوتا، فلا سبیل إلى معرفة ذات الخالق مطلقا، فإن الشـيء ما لم یكن متعالیا عن الامتداد لما كان لائقا للخالقیة، وإذا كان بخلاف الامتداد فلا یكون قابلا لأن یعرف.

توضیح ذلك: لو كان هناك أحول یرید أن یرى الواحد بعینه، فكیف له السبیل إلی ذلك؟!

أو كان هناك إنسان أعمى قد أقرّ بوجود اللون لقیام دلیل علیه عنده، وهو یرید أن یرى اللون بعینه؛ فما تصنع لارائتك إیاه مصداق اللون؟!

هل یمكنك أن تریه ذلك؟ أو هل یمكنه أن یحس به ویدركه؟! وهل لك إلا أن تقول له: إعلم أن اللون لا سبیل لك إلى إدراكه مطلقا، ولیس لك وراء الإقرار بوجوده فقط، وغایة معرفتك الممكنة لك في شأنه أن تقول: اللون موجود وهو شـيء بخلاف ما عسـیأن أكون أراه أو أدركه.

وعلى هذا فلا یكون كمال معرفة الأعمى هاهنا إلا التسلیم والإقرار بوجود اللون فقط وترك الفحص عن ماورآء ذلك؛ وهو إن لم یكتف بذلك وطلب إدراك حقیقة اللون إعجابا منه بنفسه وغرورا، فیمكن أن یختار بجهله وتجاوزه عن حده مكان اللون إما صوتا وإما رائحة وإما... فیصبح بذلك جاهلا بجهله، وهو قد یقدّر نفسه عارفا بحقیقة اللون ومدركا لمصداقه.

والمتعمق في معرفة ذات الله تعالى أجهل من ذلك بمراتب، لأن الله تعالى ومعرفته فوق هذا المثال بما لا نهایة له:

الإمام الصادق عليه السلام:

«بل فوق هذا المثال بما لا نهایة له لأن الأمثال كلها تقصـر عنه،»١

كیف وإن العمى والحول لیسا ذاتیین للإنسان بل یمكن سلبهما عنه، وأما الصور المعلومة المتجزية المدركة فكیف یوصف بذلك الخالق المتعال، أم كیف یمكن المخلوق أن یدرك و نتصور شیئا غی


  1. بحار الأنوار، ٣ / ١٤٧، الخبر المشتهر بتوحيد المفضل بن عمر.
معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام٢١٦

ر متجزئ؟!

قال الله تعالى:

«وَلله الْمَثَلُ الْأَعْلى ».١

«فَلا تَضْرِبُوا لله الْأَمْثال ».٢

الإمام أمیر المؤمنین عليه السلام:

«اتقوا أن تمثلوا بالرب الذي لا مثل له أن تشبهوه من خلقه، أو تلقوا علیه الأوهام، أو تعملوا فیه الفكر، أو تضـربوا له الأمثال، أو تنعتوه بنعوت المخلوقین، فإن لمن فعل ذلك نارا».٣

الإمام الصادق عليه السلام:

«إنه لا یلیق بالذي هو خالق كل شـيء إلا أن یكون مبائنا لكل شـيء، متعالیا عن كل شـيء، سبحانه وتعالى، فإن قالوا: كیف یعقل أن یكون مبائنا لكل شـيء متعالیا، قیل لهم: الحق الذي تطلب معرفته من الأشیاء هو أربعة أوجه، فأولها: أن ینظر أموجود هو أم لیس بموجود، والثانی: أن یعرف ما هو في ذاته وجوهره، الثالث: أن یعرف كیف هو وما صفته. والرابع: أن یعلم لما ذا هو ولایة علة؟!

فلیس من هذه الوجوه یمكن المخلوق أن یعرفه من الخالق حق معرفته غیر أنه موجود فقط. فإذا قلنا: كیف وما هو؟ فممتنع علم كنهه وكمال المعرفة به، وأما لماذا هو؟ فساقط في صفة الخالق، لأنه جل ثناؤه علة كل شـيء ولیس شـيء بعلة له، ثم لیس علم الإنسان بأنه موجود یوجب له أن یعلم ما هو».٤


  1. النحل (١٦): ٦١.
  2. النحل (١٦): ٧٥.
  3. بحار الأنوار، ٣ / ٢٩٨، عن روضة الواعظين .
  4. بحار الأنوار، ٣ / ١٤٨، الخبر المشتهر بتوحيد المفضل بن عمر.
٢١٧امتناع معرفة ذات الله تعالی

كما أن عدم رؤیة الله تعالى لیس ناشئا عن ضعف أبصارنا حتى یمكن أن نراه مع تقویة نور الأبصار، أو نقول بتخصیص عدم إمكان الرؤیة بقوم دون آخرین، بل لا یكون ذلك إلا من حیث إن ما یرى لیس إلا امتدادیا متجزیا واقعا في جهة و...

فكذلك امتناع معرفة كنه ذات الله تعالى لیس ناشئا عن ضعف وقصور في إدراكنا وبصائرنا حتىّ یمكن أن یظهر في آخر الزمان نوابغ او عباقرة!! قوي إدراكهم! فیدركوه بذاته ویدركوا حقیقة وجوده ویشاهدوا ذاته المتعالیة ویحكموا بأوهامهم أن كنه ذاته هو حقیقة الوجود الصـرف اللامتناهیة وهي كل الأشیاء، بل امتناع إدراكه ومعرفته تعالى لیس إلا من حیث أن الإدراك والمعرفة لا یتعلقان ثبوتا إلا بالامتدادي، وأن ما یباینه یباینه.

لیس من یجدّ في طلب العلم بحقیقة وجود الله تعالى كمن یطلب العلم بأبعاد السموات والأرضین بشبره، أو كمن یرید كیل میاه البحار بكفّه بل لیس إلا كمن یطلب علم فواصل السیارات بما یوزن به الأشیاء، فما أجهله وأضله!! كیف یدرك الفواصل والأبعاد بالأوزان والمثاقیل؟! بل هو أسوء حالا من هذا المثال أیضا، لأن البعد والوزن في عین أنهما متبائنان إلا أن كلیهما امتدادیان عددیان، وذاته تعالى تخالف الأشیاء من هذه الحیثیة أیضا.

إن نهي الله تعالى وأولیائه المعصومین صلوات الله علیهم عن التفكر والتعمق في ذات الخالق تعالى لا یكون نهیا تعبدیا، وإنهم ما أبهموا في بیان ذلك دلیله، وما قصـروا في التبلیغ عن الله تعالى حتى یمكن تأویل كلماتهم في نواهیهم الصـریحة الشدیدة الرادعة عن التفكر في معرفة ذات المعبود، بل بینوا بأوضح بیان سـرّ امتناع ذلك، وبالغوا١ في تبیین ذلك حتى جعلوا الاعتراف بالعجز عن إدراك ذات الخالق تعالی حقیقة


  1. فإنهم بینوا دلیل ذلک بوضوح، بل وإن فرضنا أنههم لم یکونوا بینوا لنا الدلیل علی ذلک واستحالته الثبوتية، ما كان ینبغي لنا التأویل، وما كان لنا إلا التعبد بأمرهم ونهیهم، فإن فوق كل ذي علم علیم، وهم ^ أبواب معرفة الله ومساكن توحیده.
معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام٢١٨

المعرفة ـ بل بتعبیر أصح، جعلوا العلم بأنه لا یعلم ولا یدرك كمال العلم وحق المعرفة، والعلم بأن ما لا یعلم لا یعلم، وما لا یعرف فلا یعرف، هو كمال العلم، وخلافه هو غایة الجهل.

الإمام أمیر المؤمنین عليه السلام:

«واعلم أن الراسخین في العلم هم الذین أغناهم الله عن الاقتحام في السدد المضـروبة دون الغیوب، فلزموا الإقرار بجملة ما جهلوا تفسیره من الغیب المحجوب، فقالوا:"آمنا به كل من عند ربنا."

فمدح الله عز وجل اعترافهم بالعجز عن تناول ما لم یحیطوا به علما، وسمى تركهم التعمق في ما لم یكلفهم البحث عنه منهم رسوخا، فاقتصـر على ذلك ولا تقدر عظمة الله سبحانه على قدر عقلك فتكون من الهالكین».١

«لم تجعل للخلق طریقا إلى معرفتك إلا بالعجز عن معرفتك».٢

«من تفكر في ذات الله ألحد».٣

«من تفكر في ذات الله سبحانه تزندق».٤

الإمام السجاد عليه السلام:

«... لم یجعل في أحد من معرفة إدراكه أكثر من العلم بأنه لا یدركه، فشكر معرفة العارفین بالتقصیر عن معرفته، وجعل معرفتهم بالتقصیر شكرا كما جعل علم العالمین أنهم لا یدركونه إیمانا».٥


  1. نهج البلاغه، الخطبه: ٩٢.
  2. بحار الأنوار، ٩٤ / ١٥٠، عن العدد القوية.
  3. غرر الحكم.
  4. بحار الأنوار، ٧٧ / ٢٨٥.
  5. تحف العقول٢٨٣، بحار الأنوار، ٧٨ / ١٤٢.
٢١٩امتناع معرفة ذات الله تعالی

الإمام الصادق عليه السلام:

«نحن الراسخون في العلم».١

«من نظر في الله كیف هو هلك».٢

(١)

ما هو الفرق بین من یطلب معرفة ذات الخالق بالحس ومن یطلبها بالعقل والوهم والحال أنهما یقیسان بغیر قیاس؟ فإن البصـر والبصیرة، والحس والعقل والمعرفة مطلقا لا یتعلق إلا بالامتدادي المتجزئ المخلوق المصنوع.

الإمام الصادق عليه السلام:

«... وأعجب منهم جمیعا... الذین راموا أن یدرك بالحس ما لا یدرك بالعقل... فقالوا: ولم لا یدرك بالعقل؟ قیل: لأنه فوق مرتبة العقل كما لا یدرك البصـر ما هو فوق مرتبته فإنك لو رایت حجرا یرتفع في الهواء علمت أن رامیا رمى به فلیس هذا العلم من قبل البصـر بل هو من قبل العقل٣. ثم إن علم الإنسان بأنه موجود لا یوجب له أن یعلم ما هو».٤

«لأن العقل هو الذي یمیزه فیعلم أن الحجر لا یذهب علواً من تلقاء نفسه، أفلا ترى كیف وقف البصـر على حدّه فلم یتجاوزه؟ فكذلك یقف العقل على حدّه من معرفة الخالق فلا یعدوه، ولكن یعقله بعقل أقرّ أن فیه نفسا ولم یعاینها ولم یدركها بحاسة من الحواس وعلى حسب هذا أیضا نقول: إن العقل یعرف


  1. الكافي، ١ / ٢١٣.
  2. الكافي، ٣ / ٢٥٩.
  3. وحكم العقل بإثبات شـيء من حيث أثره لا يستلزم معرفة ذاته.
  4. بحار الأنوار، ٣ / ١٤٧، الخبر المشتهر بتوحيد المفضل بن عمر.
معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام٢٢٠

الخالق من جهة توجب علیه الإقرار ولا یعرفه بما یوجب له الإحاطة بصفته».١

(٢)

إن امتناع ذات الله تعالى عن الإدراك لیس بعد إمكان معرفته حتى نحتاج لنفیه إلى إقامة الدلیل، بل یكون امتناع ذلك أمرا ثبوتیا ذاتیا:

الإمام أمیر المؤمنین عليه السلام:

«وممتنع عن الإدراك بما ابتدع من تصـریف الذوات».٢

الإمام الصادق عليه السلام:

«فإن قالوا: ولم استتر؟ قیل لهم: لم یستتر بحیلة یخلص إلیها كمن یحتجب عن الناس بالأبواب والستور وإنما معنى قولنا: استتر أنه لطف عن مدى ما تبلغه الأوهام...فإن قالوا: ولم لطف؟ وتعالى عن ذلك علوا كبیرا ـ كان ذلك خطأ من القول لأنه لا یلیق بالذي هو خالق كل شـيء إلا أن یكون مبائنا لكل شـيء متعالیا عن كل شـيء، سبحانه وتعالى».٣

(٣)

بم تعرف الذات التي لا حد له ولا مثل ولا شبح ولا ظل ولا امتداد ولا وصف؟!

الإمام أمیر المؤمنین عليه السلام:

«فلا إلیه حد منسوب، ولا له مثل مضـروب... تعالى عن ضـرب الأمثال والصفات المخلوقة».٤

الإمام الصادق عليه السلام:

«


  1. بحار الأنوار، ٣ / ١٤٧، الخبر المشتهر بتوحيد المفضل بن عمر.
  2. بحار الأنوار، ٤ / ٢٢٢، عن التوحید.
  3. بحار الأنوار، ٣ / ١٤٨، الخبر المشتهر بتوحيد المفضل بن عمر.
  4. بحار الأنوار، ٤ / ٢٢٢، عن التوحید.
٢٢١امتناع معرفة ذات الله تعالی

أحدا صمدا أزلیا صمدیا لا ظل له یمسكه وهو یمسك الأشیاء بأظلتها.١

الإمام الرضا عليه السلام:

«فالحجاب بینه وبین خلقه لامتناعه مما یمكن في ذواتهم، [من صفات الأقدار] ولإمكان ذواتهم مما یمتنع منه ذاته، ولافتراق الصانع والمصنوع، والرب والمربوب، والحاد والمحدو»د٢

كما أن ادعاء رؤیة ما لا یرى ذاتا یكون من الجهل، فكذلك إدعاء معرفة ما لا یدرك بالذات لیس أیضا إلا من الجهل:

الإمام أمیر المؤمنین عليه السلام:

«ألحمد لله الّذي لا یبلغ مدحته القائلون... لا یدركه بعد الهمم، ولا یناله غوص الفطن، الّذي لیس لصفته حد محدود، ولا نعت موجود، ولا وقت معدود ولا أجل ممدود».٣

الإمام الرضا عليه السلام:

«قد جهل الله من استوصفه، وقد تعداه من استمثله، وقد أخطأه من اكتنهه».٤

«ومن وصفه فقد ألحَدَ فیه».٥

«لا دیانة إلا بعد معرفة، ولا معرفة إلا بعد إخلاص، ولا إخلاص مع التشبیه، ولا نفي مع إثبات الصفات للتشبیه، فكلّ ما في الخلق لا یوجد في خالقه، وكل ما یمكن فیه یمتنع في صانعه».٦

فبم یدرك ویعرف؟


  1. الكافي، باب النسبة.
  2. بحار الأنوار، ٤ / ٢٨٥، عن التوحید.
  3. بحار الأنوار، ٤ / ٢٤٧، عن نهج البلاغة والإحتجاج.
  4. التوحيد، ٣٦؛ بحار الأنوار، ٤ / ٢٢٩.
  5. التوحيد، ٣٧؛ بحار الأنوار، ٤ / ٢٢٩.
  6. بحار الأنوار، ٤/ ٢٣٠، عن التوحید والعیون.
معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام٢٢٢

بالحواس الظاهرة أم الباطنة؟! وكلاهما لا یتعلقان إلا بالامتداد:

الإمام أمیر المؤمنین عليه السلام:

«وكمال معرفته التصدیق به».١

الإمام أمیر المؤمنین عليه السلام:

«الحمد لله الذي أعجز الأوهام أن تنال إلا وجوده، وحجب العقول عن أن تتخیل ذاته في امتناعها من الشبه والشكل، بل هو الذي لم یتفاوت في ذاته، ولم یبتعض بتجزئة العدد في كماله... فسبحانه وتعالى عن قول من عبد سواه واتخذ إلها غیره علوا كبیرا».٢

الإمام أمیر المؤمنین عليه السلام:

«لا تناله الأوهام فتقدره، ولا تتوهمه الفطن فتصوره، ولا تدركه الحواس فتحسه، ولا تلمسه الایدي فتمسه... ولا یوصف بشـيء من الأجزاء، ولا بالجوارح والأعضاء، ولا بعرض من الأعراض، ولا بالغیریة والأبعاض».٣

«محرم على بوارع ثاقبات الفطن تحدیده، وعلى عوامق ثاقبات الفكر تكییفه، وعلى غوائص سابحات النظر تصویره... ممتنع عن الأوهام أن تكتنهه، وعن الأفهام أن تستغرقه، وعن الأذهان أن تمثله، قد یئست من استنباط الإحاطة به طوامح العقول، ونضبت عن الإشارة إلیه بالاكتناه بحار العلوم، ورجعت بالصغر عن السمو إلى وصف قدرته لطائف الخصوم».٤

... قلت لأبي جعفر بن الرضا عليه السلام:«لا تدركه الأبصار وهو یدرك الأبصار» فقال: یا أبا هاشم، أوهام القلوب أدق من أبصار العیون أنت قد تدرك بوهمك السند والهند والبلدان التي لم تدخلها ولا تدركها ببصـرك، فأوهام القلوب لا


  1. بحار الأنوار، ٤ / ٢٤٧، عن نهج البلاغة والإحتجاج.
  2. بحار الأنوار، ٤ / ٢٢١، عن التوحید.
  3. بحار الأنوار، ٤ / ٢٥٤، عن الإحتجاج.
  4. التوحيد،٧٠، باب التوحيد ونفي التشبيه؛ بحار الأنوار، ٤ / ٢٢٢.
٢٢٣امتناع معرفة ذات الله تعالی

تدركه فكیف أبصار العیون».١

«... كتبت إلى الرجل ـ یعني أبا الحسن عليه السلام ـ إن من قبلنا من موالیك قد اختلفوا في التوحید فمنهم من یقول: "جسم"، ومنهم من یقول: صورة، فكتب عليه السلام بخطه: سبحان من لا یحد ولا یوصف، لیس كمثله شـيء وهو السمیع العلیم. أو قال: البصیر».٢

فكیف یمكن أن تراه في كل شـيء بل عین كل شـيء؟!

الإمام سید الشهداء عليه السلام:

«أیها الناس اتقوا هؤلاء المارقة الذین یشبهون الله بأنفسهم، یضاهؤون قول الذین كفروا من أهل الكتاب، بل هو الله لیس كمثله شـيء وهو السمیع البصیر، لا تدركه الأبصار وهو یدرك الأبصار وهو اللطیف الخبیر...

ولا یقدر الواصفون كنه عظمته، ولا یخطر على القلوب مبلغ جبروته، لأنه لیس له في الأشیاء عدیل، ولا تدركه العلماء بألبابها، ولا أهل التفكیر بتفكیرهم، إلا بالتحقیق إیقانا بالغیب، لأنه لا یوصف بشـيء من صفات المخلوقین، وهو الواحد الأحد، ما تصور في الأوهام فهو خلافه.

لیس برب من طرح تحت البلاغ، ومعبود من وجد في هواء أو غیر هواء،... احتجب عن العقول كما احتجب عن الأبصار، وعمن في السماء احتجابه عمن الأرض... یصیب الفكر منه الإیمان به موجودا، ووجود الإیمان لا وجود صفة، به توصف الصفات لا بها یوصف، وبه تعرف المعارف لا بها یعرف، فذلك الله لا سمي له سبحانه، لیس كمثله شـيء وهو السمیع البصی


  1. الصدوق "قدس سـره"،: التوحيد، ١١٣.
  2. بحار الأنوار، ٣ / ٢٩٤.*
معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام٢٢٤

ر».١

لا یعرف ولا یوصف إلا المكیف المقدر:

الإمام أبو الحسن الثالث عليه السلام:

«كیف الكیف بغیر أن یقال: "كیف"؟ وأین الأین بلا أن یقال: "أین"؟ هو منقطع الكیفیة والأینیة، الواحد الأحد، جل جلاله وتقدست أسماؤه».٢

التعریف لا یكون إلا بالأشباه والنظائر المتفرعة على كون الذات امتدادیة متجزیة:

الإمام أمیر المؤمنین عليه السلام:

«تتلقاه الأذهان لا بمشاعرة، وتشهد له المرائي لا بمحاضـرة، لم تحط به الأوهام بل تجلى لها بها٣ وبها امتنع منها٤ وإلیها حاكمها».٥

«وانحسـرت الأبصار عن أن تناله فیكون بالذات التي لا یعلمها إلا هو عند خلقه معروفا».٦

«اتقوا أن تمثلوا بالرب الذي لا مثل له، أو تشبهوه من خلقه، أو تلقوا علیه الأوهام، أو تعملوا فیه الفكر، وتضـربوا له الأمثال، أو تنعتوه بنعوت المخلوقین، فإن لمن فعل ذلك نارا».٧

الإمام السجاد عليه السلام:

«من كان لیس كمثله شـيء وهو السمیع البصیر كان نعته لا یشبه نعت شـيء فهو ذاك».٨

الإمام


  1. بحار الأنوار، ٤ / ٣٠١، عن تحف العقول.
  2. بحار الأنوار، ٤ / ٣٠٣، عن تحف العقول.
  3. وجود الامتداد يكشف عن وجود الخالق المتعالى عن الامتداد.
  4. لا يتوهم إلا ما هو امتدادي قابل للوجود والعدم، والقابل محتاج معلول مخلوق فبما أن كل متوهم مخلوق يعلم أنه تعالى خارج وممتنع من الأوهام.
  5. بحار الأنوار، ٤ / ٢٦١، عن الاحتجاج.
  6. بحار الأنوار، ٤ / ٢٧٥، عن التوحید.
  7. بحار الأنوار، ٣ / ٢٩٨، عن روضة الواعظين.
  8. بحار الأنوار، ٤ / ٣٠٤، عن جامع الأخبار.
٢٢٥امتناع معرفة ذات الله تعالی

الصادق عليه السلام:

«وكل شـيء وقع علیه اسم شـيء فهو مخلوق ما خلا الله ، فأما ما عبرتالألسن عنه أو عملت الأیدي فیه فهو مخلوق، والله غایة من غایاه والمغیى غیر الغایة والغایة موصوفة وكل موصوف مصنوع وصانع الأشیاء غیر موصوف بحد مسمّى.

لم یتكون [فیكون مكیفا امتدادیا قابلا للوصف] فتعرف كینونته بصنع غیره [فإن الصنع لا یتعلق إلا بالامتدادي المكیف القابل للوصف والإدراك] ولم یتناه إلى غایة إلا كان غیره.

لا یزل من فهم هذا الحكم أبدا، وهو التوحید الخالص فاعتقدوه وصدقوه وتفهموه بإذن الله عز وجل. ومن زعم أنه یعرف الله بحجاب أو بصورة أو بمثال فهو مشـرك لأن الحجاب والمثال والصورة غیره، وإنما هو واحد موحد [بخلاف الامتداد] فكیف یوحد من زعم أنه عرفه بغیره [فإن كل مدرك ومعروف بنفسه یكون امتدادیا مخلوقا فهو غیر الله سبحانه وتعالى]».١

(٤)

لا جنس ولا فصل ولا خاصة ولا عامّة ولا عبارة ولا بیان ولا وصففي توصیف ذوات الأشیاء إلا في الامتداد، كل ذات أدركتها إلى الآن ویمكن أن تدركها إلى الأبد لا تكون خارجة عن الامتداد، ولا یأبى عن الوجود والعدم بالذات، والله الخالق الجلیل بخلاف ذلك كله:

الإمام أمیر المؤمنین عليه السلام:

«لا كفو له فیكافیه ولا نظیر فیساویه».٢

«ما تصور في


  1. بحار الأنوار، ٤ / ١٦١، عن التوحيد.
  2. بحار الأنوار، ٤ / ٢٥٥.*
معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام٢٢٦

الأوهام فهو خلافه».١

الإمام الباقر عليه السلام:

«یا جابر، ما أعظم فریة أهل الشام على الله ،... إن الله تبارك وتعالى لا نظیر له ولا شبیه، تعالى عن صفة الواصفین وجل عن أوهام المتوهمین، واحتجب عن عین الناظرین».٢

الإمام الصادق عليه السلام:

«ومن شبهه بخلقه فقد اتخذ مع الله شـریكا ویلهم».٣

«إن الله تعالى لا یشبه شیئا ولا یشبهه شـيء، وكل ما وقع في الوهم فهو خلافه».٤

«سبحان من لا یعلم أحد كیف هو إلا هو، لیس كمثله شـيء، وهو السمیع البصیر، لا یحد ولا یحس، ولا یدركه الأبصار، ولا یحیط به شـيء ولا هو جسم ولا صورة ولا بذي... تخطیط ولا تحدید».٥

«ولا یخطر ببال أولي الرویات خاطرة من تقدیر جلال عزته، لبعده من أن یكون في قوى المحدودین لأنه خلاف خلقه، فلا شبه له من المخلوقین، وإنما یشبه الشـيء بعدیله، فأما ما لا عدیل له فكیف یشبه بغیر مثاله».٦

الإمام الرضا عليه السلام:

«


  1. بحار الأنوار، ٤ / ٣٠١.
  2. بحار الأنوار، ٣ / ٢٩١، عن تفسیر العیاشي.
  3. بحار الأنوار، ٣٦ / ٤٠٦. عن كفاية الأثر.
  4. بحار الأنوار، ٣ / ٢٩٠.
  5. بحار الأنوار، ٣ / ٢٩٠.
  6. بحار الأنوار، ٤ / ٢٧٥ ـ ٢٧٦، عن التوحید.
٢٢٧امتناع معرفة ذات الله تعالی

واذا سألوك عن الكیفیة فقل كما قال الله عز وجل: «لیس كمثله شـيء».١

«سأل الزندیق عن الصادق عليه السلام: إن الله تعالى ما هو؟ فقال عليه السلام: هو بخلاف الأشیاء، ارجع بقولي: "شـيء " إلى أنه شـيء بحقیقة الشیئیة غیر أنه لا جسم ولا صورة ولا یحس ولا یجس، ولا یدرك بالحواس الخمس، لا تدركه الأوهام ولا تنقصه الدهور، ولا تغیره الأزمان».٢

«لیس بجنس فتعادله الأجناس ولا بشبح فتضارعه الأشباح، ولا كالأشیاء فتقع علیه الصفات».٣

«تاهت أوهام المتوهمین... وتلاشت أوصاف الواصفین... فهو... بالمكان الذي لم تقع علیه الناعتون بإشارة ولا عبارة هیهات، هیهات».٤

(٥)

لا یعرف الخالق تعالى من جهة كونه خالقاً ومبدعاً:

مبدع المخلوق المتجزئ لا یكون إلا بخلاف الامتداد، والمعرفة لا یتعلق إلا بالامتداد، فهو جل وعلا:

الإمام أمير المؤمنين عليه السلام:

«ممتنع من الإدراك بما ابتدع من تصـریف الذوات».٥


  1. التوحيد، ٩٥.
  2. بحار الأنوار، ٣ / ٢٥٨، عن الاحتجاج.
  3. بحار الأنوار، ٤ / ٢٢٢، عن التوحيد وعيون أخبار الرضا عليه السلام.
  4. بحار الأنوار، ٤ / ١٦٠، عن الاحتجاج.
  5. بحار الأنوار، ٤ / ٢٢٢، عن التوحيد وعيون أخبار الرضا عِليه السلام .
معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام٢٢٨

الإمام أمیر المؤمنین عليه السلام:

«لا یقال له: "ما هو؟"، لأنه خلق الماهیة، سبحانه من عظیم تاهت الفطن في تیار أمواج عظمته، وحصـرت الألباب عند ذكر أزلیته، وتحیرت العقول في أفلاك ملكوته».١

لا تنال الأوهام ـ وهي أعظم أداة إدراكیة لمعرفة الذوات ـ وغیرها إلا ما یكون امتدادیا، مقدّرا، مصوّرا:

الإمام أمیر المؤمنین عليه السلام:

«لا تناله الأوهام فتقدره، ولا تتوهمه الفطن فتصوره، ولا تدركه الحواس فتحسه، ولا تلمسه الایدي فتمسه».٢

المطلب الثانی: إن كل ما یعرف بنفسه فهو مصنوع

الإمام أمیر المؤمنین عليه السلام:

«لیس بإله من عُرِفَ بنفسه، هو الدال بالدلیل علیه».٣

الإمام أمیر المؤمنین علی بن أبي طالبٍ علیهما السلام:

«جل عن أن تحله الصفات لشهادة العقول أن كل من حلته الصفات مصنوع و شهادة العقول أنه جل جلاله صانع ليس بمصنوع».٤

الإمام سید الشهداء عليه السلام:

«لیس برب من طرح تحت البلاغ».٥

الإمام


  1. بحار الأنوار، ٣ / ٢٩٧، عن روضة الواعظين.
  2. بحار الأنوار، ٤ / ٢٥٤، عن الاحتحاج.
  3. بحارالأنوار ، ٤ / ٢٥٣. عن الاحتحاج.
  4. الإرشاد، ١ / ٢٢٣، الاحتجاج، ١ / ٢٠٠، وعنه بحار الأنوار، ٤ / ٢٥٣.
  5. بحار الأنوار، ٤ / ٣٠١، عن تحف العقول.
٢٢٩امتناع معرفة ذات الله تعالی

الصادق عليه السلام:

«وكل موصوف مصنوع، وصانع الأشیاء غیر موصوف بحد مسمّى».١

الإمام الرضا عليه السلام:

«وكل ما وقع علیه حد فهو خلق الله عز وجل».٢

«كل معروف بنفسه مصنوع».٣

«إذاً لقامت فیه آیة المصنوع، ولتحوّل دلیلا بعد ما كان مدلولا علیه».٤

«ولما كان للباري معنى غیر المبروء».٥

«واعلم أنه لا تكون صفة لغیر موصوف، ولا اسم لغیر معنى، ولا حد لغیر محدود».٦

فالحكم بتلازم الوصف والتعریف، مع الامتداد والحد والإمكان یكون بدیهیا:

الإمام أمیر المؤمنین عليه السلام:

«ولا خرقت الأوهام حجب الغیوب فتعتقد فیك محدودا في عظمتك... ولا كیفیة في أزلیتك، ولا ممكنا في قدمك».٧

«ولم یعلم لك مائیة وماهیة فتكون للأشیاء المختلفة مجانسا».٨

لیس للقلب إلا عقده على الإیمان به لا إدراكه ووجدانه بذاته ونفس حقیقته:


  1. بحار الأنوار، ٤ / ١٦١.
  2. التوحيد، ٤٣٨.
  3. التوحيد، ٣٥ ، باب التوحيد و نفي التشبيه.
  4. التوحيد، ٤٠.
  5. التوحيد، ٤٠.
  6. بحار الأنوار، ١٠ / ٣٠٥، عنالتوحيد.
  7. بحار الأنوار، ٩٥ / ٢٤٣ ـ ٢٦٢، عن مهج الدعوات.
  8. بحار الأنوار، ٩٥ / ٢٥٤، عن مهج الدعوات.
معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام٢٣٠

الإمام أبو عبد الله الحسین عليه السلام:

«لا تدركه العلماء ولا أهل التفكیر بتفكیرهم إلا بالتحقیق إیقانا بالغیب».١

الإمام أبو عبد الله الحسین عليه السلام:

«یصیب الفكر منه الإیمان به موجودا، ووجود الإیمان لا وجود صفة».٢

فالحذر! الحذر! أن تتوهم أو تجد في نفسك شیئا فتعتقد أنه هو الله تعالى! فإن القلب بدقیق أوهامه ولطیف خطراته وكمال وجدانه یجدّ أن یجد علما بذات خالقه فیتخلص عن التحیر والوله فیه!

وأما فكیف یصوره وبم یمثله ویعلمه؟! هل یصوره ذاتا بلا حد ولا نهایة، أكبر وأعظم من كل شـيء؟! وذلك باطل لأن اللامتناهي منتف ثبوتا، أم هل یتصوره ذاتا بلا جزء ولا بعد ولا امتداد؟! وذاك عنده هو العدم نفسه، مستحیل الوجود محال ثبوتا أیضا.

أم هل یتصوره شیئا بین ذاك وذین؟!! وكل ما یتصور بینهما فهو مقدر محدود مخلوق محتاج.

أم هل یعتقد أنه هو اللامتناهي ولا جزء له؟!! وهو اجتماع النقیضین، مع استحالة طرفیه بذاتهما ـ أللهم إلا أن یوؤل ذلك إلى المعاني الاعتباریة فیقال: "إنه كل الأشیاء ولیس بشـيء منها"!! أو یقال: "هو واحد في عین الكثرة وكثیر في عین الوحدة"!! كما یعترف بذلك القائلون به وینصون علیه ـ .

وهل... وهل... وكل هذه أوهام باطلة ومحالات واضحة.

أو هل یعرفه بالعلم الحضوري ـ أي یجده بنفس وجدانه ذاته حیث إن الحضور یكون معناه عند القائلین به هو نفس العینیة ووحدة وجود العاقل والمعقول، والعالم والمعلوم، كما تقول بذلك الفلسفة والعرفان وأصحاب مدرسة التفكیك؟! ـ وهذا هو نفس القول بوحدة الوجود وإنكار وجود الخالق المتعالي عن الخلق!

فلیس


  1. بحار الأنوار، ٤ / ٣٠١، عن تحف العقول.
  2. بحار الأنوار، ٤ / ٣٠١، عن تحف العقول.
٢٣١امتناع معرفة ذات الله تعالی

للقلب إلا عقده على الإیمان بوجود الخالق، معترفا بالعجز عن إدراكه ذاته، ویرجع عن كل ما وصل إلیه خاسئا حسیرا.

وفي كل حركة منه إلى وجدان ربه وإدراك معرفته، إن فتق له رتقُ عظیم غواشـي جفون حَدَق عینیه بعنایة ربه، لعلم أن ما وصل إلیه لیس له برب، وأنه لیس له إلا الرجوع عن كل منتهى إلى مبدئه، وعن كل متوهم إلى معرفة إخلاص توحید خالقه، وإلى الإقرار بأنه شـيء بخلاف كل شـيءیراه ویجده أو عسى أن یصل إلیه ویجده.

رسول الله صلی الله علیه و آله:

«اللهم إني أسئلك یا من احتجب بشعاع نوره عن نواظر خلقه [احتجب عن الإدراك بعلو ذاته المقدسة لا بالستر والحجاب] یا من تسـربل بالجلال والعظمة، واشتهر بالتجبر في قدسه، یا من تعالى بالجلال والكبریاء في تفرّد مجده... أسئلك بمعاقد العز من عرشك... وبكل اسم هو لك سمیت به نفسك أو استاثرت به في علم الغیب عندك، وبكل اسم هو لك أنزلته في كتابك أو أثبته في قلوب الصافین الحافین حول عرشك.

فتراجعت القلوب إلى الصدور عن البیان [والإدراك والتوصیف] بإخلاص الوحدانیة [الممتنعة عن الإدراك] وتحقیق الفردانیة، مقرة لك بالعبودیة وأنك أنت الله ، أنت الله أنت الله.١ فلا إله إلا أنت، فلا إله إلا أنت، فلا إله إلا أنت، وأسئلك بالاسم الذي فتقت به رتق عظیم جفون عیون الناظرین الذین به تدبیر حكمتك وشواهد حجج أنبیائك یعرفونك بفطن القلوب [إیقانا بالغیب وأنك لا تعرف مطلقا] وأنت في غوامض مسـرات سـریرات الغیوب».٢


  1. . فلم يكن محصول غاية فطانة القلوب عن معرفة كنهك إلا معرفة حقيقة وحدانيتك والعلم بأنك ممتنع عن الإدراك مطلقا، فردت ورجعت مقرّة بالعبودية إلى مكانها في كل نظارة إلى جلال ذاتك وعظمة قدسك.
  2. بحار الأنوار، ٩٤ / ٤٠٣ ـ ٤٠٤، عن مهج الدعوات.
معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام٢٣٢

الإمام أمیر المؤمنین عليه السلام:

«فمن تفكر في ذلك رجع طرفه إلیه حسیرا وعقله مبهوتا وتفكره متحیرا».١

«البعید من حدس القلوب».٢

«لأنه اللطیف الذي إذا أرادت الأوهام أن تقع علیه في عمیقات غیوب ملكه، وحاولت الفكر المبرات من خطر الوسواس إدراك علم ذاته، وتولهت القلوب إلیه لتحوي منه مكیفا في صفاته، وغمضت مداخل العقول في حیث لا تبلغه الصفات لتنال علم إلهیته، ردعت خاسئة وهي تجوب مهاوي سدف الغیوب متخلصة إلیه سبحانه، رجعت وجبهت معرفة بأنه لا ینال بجور الاعتساف كنه معرفته».٣

الإمام زین العابدین عليه السلام:

«اللهم صل على محمّد وآل محمّد واجعلنا من الذین فتقت لهم رتق عظیم غواشـي جفون حدق القلوب حتى نظروا إلى تدبیر حكمتك وشواهد حجج بیناتك [في فعلك وخلقك] فعرفوك بمحصول فطن القلوب [إیقانا بغیب ذاتك] وأنت في غوامض سترات حجب القلوب.

فسبحانك أي عین تقوم بها نصب نورك أم ترقأ إلى نور ضیاء قدسك، أو أي فهم یفهم ما دون ذلك، إلا الأبصار التي كشفت عنها حجب العمیة فرقت أرواحهم على أجنحة الملائكة فسماهم أهل الملكوت زوارا وسماهم أهل الجبروت عمّارا فترددوا


  1. بحار الأنوار، ٩٥ / .٢٤٣، عن مهج الدعوات.
  2. بحار الأنوار، ٤ / ٢٩٤، عن التوحید.
  3. بحار الأنوار، ٤ / ٢٧٥، عن التوحید.
٢٣٣امتناع معرفة ذات الله تعالی

في مصاف المسبحین وتعلقوا بحجاب القدرة وناجوا ربهم عند كل شهوة.

فخرقت قلوبهم حجب النور حتى نظروا بعین القلوب إلى عز الجلال في عظم الملكوت، فرجعت القلوب إلى الصدور على النیات بمعرفة توحیدك فلا إله إلا أنت وحدك لا شـریك لك، تعالیت عما یقول الظالمون علوا كبیرا».١

عن هشام بن الحكم قال:

«الأشیاء [كلها] لا تدرك إلا بأمرین: بالحواس والقلب، والحواس إدراكها على ثلاثة معان:

إدراكا بالمداخلة، وإدراكا بالمماسة، وإدراكا بلا مداخله ولا مماسّه، فأما الإدراك الذي بالمداخلة فالأصوات والمشام والطعوم، وأما الإدراك بالمماسّة فمعرفة الأشكال من التربیع والتثلیث ومعرفة اللّین والخشن والحر والبرد، وأما الإدراك بلا مماسة ولا مداخلة فالبصـر یدرك الأشیاء بلا مماسة ولا مداخلة في حیز غیره ولا في حیزه، وإدراك البصـر له سبیل وسبب، فسبیله الهواء وسببه الضیاء فإذا كان السبب متصلا بینه وبین المرئي والسبب القائم أدرك ما یلاقي من الألوان والأشخاص.

فإذا حمل البصـر على ما لا سبیل له فیه رجع راجعا فحكى ما ورآئه كالناظر في المرآة لا ینفذ بصـره في المرآة فإذا لم یكن له سبیل رجع راجعا یحكي ما ورآئه، وكذلك الناظر في الماء الصافي یرجع راجعا فیحكي ما ورائه إذ لا سبیل له في إنفاذ بصـره.

فأما القلوب فإنما سلطانه على الهواء فهو یدرك جمیع ما في الهواء ویتوهمه، فلا ینبغي للعاقل أن یحمل قلبه على ما لیس موجودا في الهواء من أمر توحید الله جل وعز، فإنه إن فعل ذلك لم یتوهم إلا ما في الهواء موجود كما قلنا في أمر


  1. بحار الأنوار، ٩٤ / ١٢٨ـ ١٢٩، كتاب العتيق الغروي.
معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام٢٣٤

البصـر، تعالى الله أن یشبهه خلقه».١

المطلب الثالث: لا یعرف الخالق إلا بأثره وفعله

مقدمات:

١ . إن العلم بالشـيء إما أن یمكن أن یتعلق بشـيء بنفسه وبلا واسطة بأن نصل إلى ذاته وصفاته حسّا أو عقلا أو وهما أو اتحادا وعینا وحضورا... وإما أن یمتنع ذلك فلا یحصل العلم به إلا بغیره ـ وخلقه وفعله الدال على وجوده دون أي تصور وتوهم وإدراك عن حقیقة ذاته.

٢ . القسم الأول من قسمي العلم المذكورین یكون متفرعا على كون المعلوم امتدادیا عددیا قابلا للوجود والعدم والزیادة والنقصان والتصور والتوهم.

٣ . حصول العلم بوجود شـيء والإقرار به من حیث دلالة آثاره علیه لا یستلزم معرفة حقیقة ذاته.

٤ . الخالق لا یكون إلا بخلاف كل شـيء وكل امتداد، وما یكون كذلك فمحال أن یدرك ویعرف بذاته.

النتیجة: لا یحصل العلم به تعالى والإقرار بوجوده إلا من وجود أثره وفعله.

فنكتفي بالإشارة إلى بعض ما یدل على ذلك من الروایات:

الإمام أمیر المؤمنین عليه السلام:

«دلیله آیاته، ووجوده إثباته».٢

«بها تجلى صانعها للعقول، وبها امتنع من نظر العیون».٣

الإمام الباقر عليه السلام:

«إن الله تعالى أظهر ربوبی


  1. الكافي، ١/ ٩٩.
  2. بحار الأنوار، ٤ / ٢٥٣، ٢٥٣.عن الاحتجاج.
  3. بحار الأنوار، ٤ / ٢٥٤، ٢٥٣.عن الاحتجاج.
٢٣٥امتناع معرفة ذات الله تعالی

ته في إبداع الخلق».١

الإمام الصادق عليه السلام:

«ولا یعرف إلا بخلقه تبارك وتعالى».٢

«... قال: فما الدلیل علیه؟ [قال أبو عبد الله عليه السلام ] وجود الافاعیل التي دلت على أن صانعا صنعها».٣

«وإنما الكیف بكیفیة المخلوق».٤

«أما التوحید، فأن لا تجوز على ربك ما جاز علیك».٥

«فالله تبارك وتعالى داخل في كل مكان وخارج من كل شـيء».٦

الإمام الكاظم عليه السلام:

«یا هشام، إن الله تبارك وتعالى أكمل للناس الحجج بالعقول، ونصـر النبیین بالبیان، ودلهم على ربوبیته بالأدلة».٧

الإمام الرضا عليه السلام:

«بصنع الله یستدل علیه».٨

«وفیها أثبت غیره ومنها أنیط الدلیل».٩

«


  1. التوحيد، ٩٢، باب تفسير قل هو الله أحد إلى آخرها.
  2. بحار الأنوار، ٣ / ١٩٣، الخبر المروي عن المفضل بن عمر في التوحيد المشتهر بالإهليلجة.
  3. بحار الأنوار، ١٠ / ١٩٥، عن التوحيد.
  4. بحار الأنوار، ٣ / ١٩٣، الخبر المروي عن المفضل بن عمر في التوحيد المشتهر بالإهليلجة.
  5. بحار الأنوار، ٤ / ٢٦٤، عن التوحيد ومعاني الأخبار.
  6. بحار الأنوار، ٤ / ٢٩٨؛ الكافي، ١ / ١٠٤.
  7. الكافي، ١ / ١٣.
  8. بحار الأنوار، ٤ / ٢٢٨، عن التوحید.
  9. بحار الأنوار، ٤ / ٢٣٠، عن التوحید.
معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام٢٣٦

بها تجلى صانعها للعقول».١

«إلهي بدت قدرتك ولم تبد هیئته فجهلوك وبه قدروك والتقدیر على غیر ما به وصفوك، وإني بريء یا إلهي من الذین بالتشبیه طلبوك، لیس كمثلك شـيء، إلهي ولن یدركوك، وظاهر ما بهم من نعمك دلیلهم علیك لو عرفوك.

وفي خلقك یا إلهي مندوحة أن یتناولوك، بل سووك بخلقك فمن ثم لم یعرفوك، واتخذوا بعض آیاتك ربا فبذلك وصفوك، تعالیت ربي عما به المشبهون نعتوك».٢

«فأي ظاهر أظهر وأبین أمرا من الله تبارك وتعالى، فإنك لا تعدم صنعته حیثما توجهت وفیك من آثاره ما یغنیك».٣

لا یكون الشـيء دلیلا على نفسه أو غیره إلا إذا عرف بنفسه وكان امتدادیا، فلا یمكن أن یكون الخالق تعالى إلا مدلولا علیه ولا یكون دلیلا على غیره مطلقا، بل الأمر علی العكس فإنه مدلول علیه دائما، ولیس بدلیل علی غیره أبدا، وهذا الحكم من البداهة یكون بمكان یجعل مقابله نتیجة الخلف في الاستدلال:

الإمام الصادق عليه السلام:

«فبالعقل عرف العباد خالقهم، وأنهم مخلوقون، وأنه المدبر لهم، وأنهم المدَبرون، وأنه الباقي وهم الفانون، واستدلوا بعقولهم على ما رأوا من خلقه من سمائه وأرضه وشمسه وقمره ولیله ونهاره وبأن له ولهم خالقا ومدبرا».٤

«...أخبرني أعرفت الله بمحمّد أم عرفت محمّدا بالله ؟! فقال [علي بن أبي


  1. بحار الأنوار، ٤ / ٢٣٠، عن التوحید.
  2. بحار الأنوار، ٣ / ٢٩٣، الأمالي للصدوق.
  3. بحار الأنوار، ٤ / ١٧٨، عن التوحيد وعيون أخبار الرضا عليه السلام.
  4. الكافي، ١ / ٢٩.
٢٣٧امتناع معرفة ذات الله تعالی

طالب عليه السلام:] ما عرفت الله عز وجل بمحمّد صلی الله علیه و آله، ولكن عرفت محمّدا بالله عز وجل حین خلقه وأحدث فیه الحدود من طول وعرض فعرفت أنه مدبر مصنوع باستدلال وإلهام منه وإرادة، كما ألهم الملائكة طاعته، وعرفهم نفسه بلا شبه ولا كیف».١

الإمام الرضا عليه السلام:

«كیف یستحق الأزل من لا یمتنع من الحدث، وكیف ینشـئ الأشیاء من لا یمتنع من الإنشاء، إذاً لقامت فیه آیة المصنوع ولتحول دلیلا بعد ما كان مدلولا علیه».٢

«... قال ما الإیمان وما الكفر؟ [قال الإمام الصادق عليه السلام:] الإیمان أن یصدق الله في ما غاب عنه من عظمة الله لتصدیقه بما شاهد من ذلك، والكفر: الجحود».٣

بل كما أن العلم بوجود الذات المتعالیة لا یحصل إلا من وجود أفعاله وآثاره، فكذلك هو في كل ما یوصف به من الصفات، فلا تعرف بها إلا من ناحیة دلالة آثارها علیها:

الإمام أمیر المؤمنین عليه السلام:

«مستشهد بكلیة الأجناس على ربوبیته، وبعجزها على قدرته، وبفطورها على قدمه، وبزوالها على بقائه... كفى بإتقان الصنع لها آیة، وبمركب الطبع علیها دلالة، وبحدوث الفطر علیها قدمة، وبإحكام الصنعة لها عبرة».٤

الإمام الرضا عليه السلام:

«وبحدوث خلقه على أزلیته، وباشتباههم على أن لا شبه له، المستشهد بآیاته


  1. بحار الأنوار، ٣ / ٢٧٢، عن التوحید.
  2. بحار الانوار، ٤/ ٢٣٠، عن التوحید والعیون؛ التوحيد، ٤٠.
  3. بحار الأنوار، ١٠ / ١٨٤، عن الاحتجاج.
  4. بحار الأنوار، ٤ / ٢٢٢، عن التوحید والعیون.
معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام٢٣٨

على قدرته، الممتنع من الصفات ذاته».١

إذا كانت معرفة الذات مستحیلة مطلقا فطریق العلم بوجود الخالق تعالى منحصـر بالآیات والعلامات المخلوقة الدالة على وجوده:

الإمام أمیر المؤمنین عليه السلام:

«الظاهر بعجائب تدبیره للناظرین، والباطن بجلال عزته عن فكر المتوهمین».٢

«لم یطلع العقول على تحدید صفته، ولم یحجبها عن واجب معرفته، فهو الذي تشهد له أعلام الوجود على إقرار قلب ذى جحود، تعالى الله عما یقول المشبهون به، الجاحدون له علوا كبیرا».٣

الإمام سید الشهداء عليه السلام:

«یوحد ولا یبعض، معروف بالآیات،٤ موصوف بالعلامات».٥

الإمام الباقر عليه السلام:

«لم تره العیون بمشاهدة العیان ورأته القلوب بحقائق الإیمان، لا یعرف بالقیاس، ولا یدرك بالحواس ولا یشبه بالناس، موصوف بالآیات، معروف


  1. بحار الأنوار، ٤ / ٢٨٤، عن التوحید.
  2. بحار الأنوار، ٤ / ٣١٩، عن النهج.
  3. بحار الأنوار، ٤ / ٣٠٨، عن النهج.
  4. ينبغي هاهنا التنبيه علی أمرين: ألف) إن المراد من علامات وجود الخالق تعالی هي خلقه وفعله، وليس من نحو كون أمواج البحر علامة على وجود البحر اللذين يكونان شيئا واحدا في الحقيقة كما تقول بذلك الفلسفة والعرفان. ب) إن هذا السنخ من المعرفة هو شـيء بخلاف معرفة الشـيء "حصولا" أو "حضورا" أو "معرفة بالوجه" أو غير ذلك من الوجوه التي تعرفها العلوم البشـرية وتصفها لأصحابها.
  5. بحار الأنوار، ٤ / ٢٩٧، عن التوحید.
٢٣٩امتناع معرفة ذات الله تعالی

بالعلامات».١

الإمام الرضا عليه السلام:

«معروف بغیر تشبیه، یعرف بالآیات ویثبت بالعلامات، فلا إله غیره الكبیر المتعال».٢

«ویستدل علیه بخلقه حتى لا یحتاج في ذلك الطالب المرتاد إلى رؤیة عین، ولا استماع أذن، ولا لمس كف، ولا إحاطة بقلب».٣

«لا یدرك بالحواس، ولا یقاس بالناس، معروف بغیر تشبیه... لا یمثل بخلیقته... یحقق ولا یمثل ویوحد ولا یبعض، یعرف بالآیات ویثبت بالعلامات، فلا إله غیره الكبیر المتعال».٤

إن معرفة ذات الشيء مستلزمة لكونها قابلة للزیادة والنقضان:

الإمام أمیر المؤمنین عليه السلام:

«لم یتعاوره زیادة ولا نقصان، بل ظهر في العقول بما أرانا من علامات التدبیر المتقن والقضاء المبرم، فمن شواهد خلقه خلق السموات».٥

فهو لا یعرف إلا بآثاره لأن الإدراك بغیر ذلك لا یكون إلا بالإحاطة المتفرعة على كون ما یدرك امتدادیا متجزیا مخلوقا، وهو أجل وأعظم من أن یحاط به أو یوصف بصفات خلقه:

الإمام أمیر المؤمنین عليه السلام:

«عظم أن تثبت ربوبیته بإحاطة قلب أو بصـر».٦


  1. بحار الأنوار، ٤ / ٢٦، عن أمالي الصدوق.
  2. بحار الأنوار، ٣ / ٢٩٧، عن التوحید.
  3. بحار الأنوار، ١٠ / ٣١٥، عن التوحيد وعيون أخبار الرضا عليه السلام.
  4. بحار الأنوار، ٣ / ٢٩٧، عن التوحيد.
  5. بحار الأنوار، ٤ / ٣١٤، عن نهج البلاغة.
  6. بحار الأنوار، ٤ / ٣١٧، عن نهج البلاغة.
معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام٢٤٠

الإمام الباقر عليه السلام:

«فمتى تفكر العبد في مائیة الباري وكیفیته أَلهَ فیه وتحیر ولم تحط فكرته بشـيءیتصور له، لأنه عز وجل خالق الصور، فإذا نظر العبد إلى خلقه ثبت له أنه عز وجل خالقهم ومركب أرواحهم في أجسادهم».١

«... فخبرني عن الله تعالى أمُدَركٌ بالحواس عندك فیسألك المسترشد في طلبه استعمال الحواس، أم كیف طریق المعرفة به إن لم یكن الأمر كذلك؟

فقال: أمیر المؤمنین عليه السلام: تعالى الملك الجبار أن یوصف بمقدار، أو تدركه الحواس، أو یقاس بالناس، والطریق إلى معرفته صنائعه الباهرة للعقول الدالة ذوى الاعتبار بما هو منها مشهود ومعقول. قال الجاثلیق صدقت، هذا والله هو الحق الذي قد ضل عنه التائهون في الجهالات».٢

ومن هنا تقف على أن واقع برهان الصدیقین والأنبیاء ^ هو ما استدل علیه تعالی فیه بقوله:

«وَتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إِبْراهِيم».٣

«وَكَذلِكَ نُرى إِبْراهيمَ مَلَكُوتَ السَّمواتِ وَالْأَرْضِ وَ لِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنين».٤

وكل ما سواه مما يعرف ویدرك بذاته لیس إلا أن ما یكون قابلا للزیادة والنقصان والتغیر والأفول لا یلیق بالألوهیة، فلا بد له من خالق بخلافه:

«فَلَمَّا أَفَلَ قالَ: لا أُحِبُّ الْآفِلِين ».٥

«فَلَمَّا أَفَلَتْ


  1. بحار الأنوار، ٣ / ٢٢٥.
  2. بحار الأنوار، ١٠ / ٥٦، عن أمالي الشيخ الطوسي.
  3. الأنعام (٦): ٨٣.
  4. الأنعام (٦): ٧٥.
  5. الأنعام (٦): ٧٦.
٢٤١امتناع معرفة ذات الله تعالی

قالَ يا قَوْمِ إِنِّي بَرِي ءٌ مِمَّا تُشْرِكُون».١

الإمام الباقر عليه السلام:

«... وكل ذلك مخلوق مصنوع محدَث مربوب مدَبر».٢

الإمام الرضا عليه السلام:

«... فلما أفل الكوكب قال: لا أحب الآفلین لأن الأفول عن صفات المحدث لا من صفات القدیم... إن العبادة لا تحق لمن كان بصفة الزهرة والقمر والشمس، وإنما تحق العبادة لخالقها وخالق السموات والأرض. وكان ما احتج به على قومه ما ألهمه الله وآتاه كما قال الله تعالى: وتلك حجتنا آتیناها إبراهیم على قومه».٣

إن قلت: كیف تكون الدلالة على الله تعالى منحصـرة بالآثار وهذا سید الشهداء صلى الله علیه وعلى آبائه وأولاده وأصحابه ورزقنا الله تعالى شفاعته وزیارته یقول في ما ینسب إلیه من الضمیمة المشهورة إلى دعاء عرفة:

«إلهي أنا الفقیر في غناي... إلهي ترددي في الآثار یوجب بعد المزار... كیف یستدل علیك بما هو في وجوده مفتقر إلیك.

أیكون لغیرك من الظهور ما لیس لك حتى یكون هو المظهر لك، متى غبت حتى تحتاج إلى دلیل یدل علیك، ومتى بعدت حتى تكون الآثار هي التي توصل إلیك، عمیت عین لا تراك علیها رقیبا... أنت الذي تعرفت إلي في كل شـيء فرأیتك ظاهرا في كل شـيء وأنت الظاهر لكل شـيء».٤


  1. الأنعام (٦): ٧٨.
  2. بحار الأنوار، ٤ / ١٢، عن التوحید ومعاني الأخبار.
  3. نورالثقلين، ١ / ٧٣٥ ـ ٧٣٦، عن عيون الأخبار.
  4. بحار الأنوار، ٩٨ / ٢٢٥ ـ ٢٢٧.
معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام٢٤٢

قلت: قد أغنانا عن الجواب عن ذلك ما أورده العلامة المجلسـي "قدس سـره" في بحار الأنوار حیث یقول:

«قد أورد الكفعمي "ره" أیضا هذا الدعاء في البلد الأمین، وإبن طاووس في مصباح الزائر كما سبق ذكرهما، ولكن لیس في آخره فیهما بقدر ورق تقریبا وهو من قوله: "إلهي أنا الفقیر في غناي" إلى آخر هذا الدعاء.

وكذا لم یوجد هذه الورقة في بعض النسخ العتیقة من الإقبال أیضا، وعبارات هذه الورقة لا تلائم سیاق أدعیة السادة المعصومین أیضا، وإنما هي على وفق مذاق الصوفیة، ولذلك قد مال بعض الأفاضل إلى كون هذه الورقة من مزیدات بعض مشایخ الصوفیة ومن إلحاقاته وإدخالاته.

وبالجملة هذه الزیادة إما وقعت من بعضهم أولا في بعض الكتب، وأخذ إبن طاووس عنه في الإقبال غفلة عن حقیقة الحال، أو وقعت ثانیا من بعضهم في نفس كتاب الإقبال، ولعل الثاني أظهر على ما أومأنا إلیه من عدم وجدانها في بعض النسخ العتیقة وفي مصباح الزائر، والله أعلم بحقائق الأحوال».١

إن قلت: فما تقول في روایة السفینة المشهورة وهی:

«قال رجل للصادق عليه السلام: یا بن رسول الله ، دلني على الله ما هو؟ فقد أكثر علی المجادلون وحیروني. فقال له: یا عبد الله ، هل ركبت سفینة قط؟ قال: نعم، قال: فهل كسـربك حیث لا سفینة تنجیك ولا سباحة تغنیك؟ قال: نعم، قال: فهل تعلق قلبك هنالك أن شیئا من الأشیاء قادر على أن یخلصك


  1. بحار الأنوار، ٩٨ / ٢٢٧. وقد اعترف الفاني في التصوف سید محمد حسین تهرانی، في كتابه "معرفة الله" بأنه: إن هذا الدعاء من إنشاء أحمد بن محمّد بن عبد الكريم (تاج الدين) المعروف بابن عطاء الله الإسكندري (ت. ٩٠٧) ويوجد في كتابه (الحكم العطائية ط) وابن عطاء هذا متصوف شاذلي وهو من تلامذة المرسي أبو العباس.
٢٤٣امتناع معرفة ذات الله تعالی

من ورطتك؟ فقال: نعم. قال الصادق عليه السلام: فذلك الشـيء هو الله القادر على الإنجاء حیث لا منجى، وعلى الإغاثة حیث لا مغیث».١

قلت: هذه الروایة أیضا لا دلالة فیها على كونه دلیلا على وجود الله تعالى في عرض دلالة الآثار والأفعال ـ حتى یسمى ببرهان الفطرة على تعبیر بعضهم ـ أو غیر ذلك.

هذا، مع غض النظر عن انتهاء سندها إلى محمّد بن أبي القاسم الجرجاني المفسـر الخطیب، راوي التفسیر المنسوب إلى الإمام العسكري عليه السلام.

وقد جاء في "قاموس الرجال"حول التفسیر المذكور:

«یشهد لافترائها علیه عليه السلام وبطلان نسبتها إلیه أولا شهادة خریت الصناعة ونقاد الآثار أحمد بن الحسین الغضایري، أستاد النجاشي، أحد أئمة الرجال فقال: إن محمّد بن أبي القاسم الذي یروي عنه ابن بابویه ضعیف كذّاب، روى عنه تفسیرا یرویه عن رجلین مجهولین یعرف أحدهما بیوسف بن محمّد بن زیاد، والآخر بعلي بن محمّد بن یسار، عن أبویهما، عن أبي الحسن الثالث عليه السلام.

والتفسیر موضوع عن سهل الدیباجي عن أبیه بأحادیث من هذه المناكیر. وثانیا بسبر أخباره فنراها واضحة البطلان، مختلفة بالعیان، فمنها».٢

وجاء في "معجم رجال الحدیث":

«إن محمّد بن القاسم هذا، لم ینص على توثیقه أحد من المتقدمین حتى الصدوق "قدس سـره" الذي أكثر الروایة عنه بلا واسطة وكذلك لم ینص على تضعیفه، إلا ما ینسب إلى إبن الغضائري، وقد عرفت غیر مرة أن نسبة الكتاب إلیه لم تثبت، وأما المتأخرون فقد ضعفه العلامة، والمحقق الداماد وغیرهما، ووثقه جماعة آخرون على ما نسب إلیهم. والصحیح أن الرجل مجهول الحال، لم تثبت وثاقته ولا ضعفه...

وعلى كل حال فالتفسیر المنسوب إلى الإمام العسكري عليه السلام بروایته لم تثبت، فإنه رواه عن رجلین مجهول حالهما، وقد أشـرنا إلى ذلك في ترجمة علي بن محمّد بن سیار».٣

وجاء في ترجمة علي بن محمّد بن سیار منه:

«إن الناظر في هذا التفسیر لا یشك في أنه موضوع، وجل مقام عالم محقق أن یكتب مثل هذا التفسیر فكیف بالإمام عليه السلام».٤

نقد المعرفة الفطرية الفلسفية

جاء في "تفسیر المیزان" حول المعرفة الفطریة:

«إذا كان الله سبحانه هو الرب القدیر الذي لا ینساه الإنسان وإن نسـي كل شـيء إلا نفسه، ویضطر إلى التوجه إلیه ببعث من نفسه عند الشدائد الفاضحة الحاطمة دون غیره من الشـركاء المسمین آلهة، فهو سبحانه هو رب الناس دونها... على ما في غریزة الإنسان أن یشتغل عند إحاطة البلیة به عن كل شـيء بنفسه، ولا یهم إلا بنفسه لضیق المجال به أن یتلهیبما لا ینفعه، فاشتغاله والحال هذه بدعاء الله سبحانه ونسیانه الأصنام أصـرح حجة أنه تعالى هو الله لا إله غیره ولا معبود سواه.

أصل الدعاء عند الشدائد والمصائب، وأن للإنسان توجها جبلیا عند ما تطل علیه البلیة وینقطع عنه كل سبب إلى من یكشفها عنه، فهو حجة أخرى غیر هذه الحجة، والمطلوب بهذه الحجة ـ وهي التي في هذه الآیة ـ التوحید، وبتلك الحجة


  1. الصدوق قدس الله: التوحيد، ٢٣١.
  2. التستري قدس سـره، الشيخ محمد تقي: الأخبار الدخيلة، ١ / ١٥٢.
  3. معجم رجال الحديث، ١٧، ١٥٦ و١٥٧.
  4. معجم رجال الحديث، ١٢ ـ ١٤٢.
معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام٢٤٤

إثبات الصانع من غیر نظر إلى توحیده».١

فبما بیناه یظهر جلیا أنه لا حجة في ما ادعوه مطلقا وأن تفسیر الآیات المذكورة بما فهموه لا یصح، فإن البرهان على إثبات وجود الخالق جل وعلا منحصـر بالاستدلال علیه من وجود خلقه بالعقل فقط.

تقول الفلسفة والعرفان حول مسألة معرفة الله بالله :

«إن التفكر في أمر الله تعالى ـ الذي جعله مولانا الرضا عليه السلام أصل العباده ومغزاها، إنما یتم بمعرفة آیاته النفسیة وغیرها، عدا ما للأوحدي من أولیائه الذین یعرفونه تعالى به تعالى ویعرفون غیره به، لا أنهم یعرفونه بغیره إذ لیس لغیره من الظهور ما لیس له حتى یكون ذلك الغیر هو المظهر له».٢

وتقول:

«ونحو قوله عليه السلام في عدم إمكان إلاكتناه بذاته تعالى وأنه لا ماهیة له، "كل معروف بنفسه مصنوع" حیث أفاد عليه السلام بأن ما لا یكون مصنوعا لشـيء أصلا، بل هو صانع جمیع الأشیاء لا یكون معروفا بنفسه أي بذاته وماهیته، اذ لا ماهیة له ورآء الوجود المحض الذي لا یدركه العقل بالكنه، إذ لا صورة له تحكیه ولا مثال له یحاذیه، لأنه لیس كمثله شـيء».٣

وتقول:

«لا إله إلا الله وحده وحده وحده، ناظر إلى مراتب التوحید من التوحید الذاتي والوصفي والفعلي، لفناء جمیع الذوات في ذاته تعالى وفناء جمیع الأوصاف في وصفه تعالى، وفناء جمیع الأفعال في فعله تعالى، لأن «كل شـيء هالك إلا وجهه» «وأینما تولوا فثم وجه الله » حتى في نفس التولیة والأین... لأن الإطلاق الذاتي لا یشذ


  1. الطباطبايي، محمد حسين: تفسير الميزان، ٧ / ٨٦ ـ ٨٧.
  2. الجوادي الآملي، عبدالله: علي بن موسى الرضا عليه السلام والفلسفة الإلهية، ٩.
  3. الجوادي الآملي، عبدالله: علي بن موسى الرضا عليه السلام والفلسفة الإلهية، ١٧ و١٨.
٢٤٥امتناع معرفة ذات الله تعالی

عنه شـيء، ومثل هذه المعرفة والتعریف لا یتیسـر إلا لخواص أولیائه الذین یعرفون الله بالله ... فحینئذ لا یعرفون شیئا إلا ما عرفهم الله إیاه».١

ترد إشكالات على ما قالته الفلسفة والعرفان هاهنا وهى:

الأول: لا یمكن أن یعرف الخالق تعالى إلا بأثره الدال علیه، ومن البدیهي أن التصدیق بوجود شـيء من حیث دلالة أثره علیه لا یستلزم كونه ذا صورة تحكیه ومثال یحاذیه ألبتة.

الثانی: إن لغیر الخالق تعالى من الظهور ما لا یكون له، بل لا یمكن أن یكون له أبدا، وهو الظهور بالذات عقلا أو حسا أو وهما أو...

الثالث: ومن الظهور للمخلوق هو ظهوره بالمعلولیة والتجزي وقابلیة الانقسام والتغیر والتبدل التي یكون بها دالا على وجود علته، والخالق تعالى لیس بمعلول مطلقا ولا یكشف وجوده عن وجود غیره علة له ـ بل مطلقا ـ أبدا.

فكل شـيء دلیل على وجود خالقه والخالق تعالى لا یكشف بوجوده عن وجود غیره مطلقا، وإلا لتحول دلیلا بعد ما كان مدلولا علیه كما قاله مولانا الإمام الرضا عليه السلام:

«إذاً لقامت فیه آیة المصنوع، ولتحول دلیلا بعد ما كان مدلولا علیه».٢

الرابع: فرض الواقعیة لشـيء هو الوجود المحض بلا إنیة ولا مائیة غیر معقول، فلا بد للقائل بذلك أن یرجع الأمر إلى كون الله تعالى نفس وجود الأشیاء بأجمعها وأن لا یكون له وجود غیر ذلك! ولذا تراهم تارة یقولون بأن لله تعالى وراء وجود الأشیاء وجودا لا إسم له ولا رسم، وتارة یعترفون بأن أحدیة الله تعالى لیس شیئا وراء أحدیة مجموع الأشیاء!

كما یقول ابن العربى:

«وما في الكون أحدیة إلا أحدیة المجموع».٣


  1. الجوادي الآملي، عبدالله: علي بن موسى الرضا عليه السلام والفلسفة الإلهية، ٢٦.
  2. الصدوق قدس الله روحه: التوحيد، ٤٠.
  3. كتاب المعرفة، ٣٦.
معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام٢٤٦

وتارة أخرى حیث یرون وضوح بطلان هذا الاعتقاد یتبرؤون منه وینسبونه إلى الجهلة من الصوفیة والزنادقة والملحدین كما یقول ملاصدرا:

«إن بعض الجهلة من المتصوفین المقلدین الذین لم یحصلوا طریق العلماء العرفاء، ولم یبلغوا مقام العرفان، توهموا لضعف عقولهم ووهن عقیدتهم وغلبة سلطان الوهم على نفوسهم، أن لا تحقق بالفعل للذات الأحدیة المنعوتة بألسنة العرفاء بمقام الأحدیة وغیب الهویة وغیب الغیوب مجردة عن المظاهر والمجالي، بل المتحقق هو عالم الصورة وقواها الروحانیة والحسیة، والله هو الظاهر المجموع لا بدونه، وحقیقة الإنسان الكبیر والكتاب المبین الذي هذا الإنسان الصغیر أنموذج ونسخة مختصـرة عنه.

وذلك القول كفر فضیح وزندقة صـرفة، لا یتفوه به من له أدنى مرتبة من العلم، ونسبة هذا الأمر إلى أكابر الصوفیة ورؤسائهم افتراء محض وإفك عظیم، یتحاشى عنها أسـرارهم وضمائرهم.

ولا یبعد أن یكون سبب ظن الجهلة بهؤلاء الأكابر إطلاق الوجود تارة على ذات الحق، وتارة على المطلق الشامل، وتارة على المعنى العام العقلي، فانهم كثیرا ما یطلقون الوجود على المعنى الظلي الكوني، فیحملونه على مراتب التعینات والوجودات الخاصة، فیجري علیه أحكامها».١

بل الحق في المقام هو أن یقال: لا موجود إلا وله ماهیة وإنیة وهو موجود بنفس مائیته وحقیقته، إلا أن المائیة على قسمین:

ألف). المائیة والحقیقة الامتدادیة المتجزیة المخلوقة القابلة للتصور والإدراك،

ب). المائیة والحقیقة المنزهة عن الامتداد والأجزاء، المتعالیة عن قابلیة التصور والإدراك،

وعدم إمكان الاكتناه بذات الخالق تعالى لیس من جهة أنه لا ماهیة له، بل لأن الإدراك لا یتعلق إلا بالامتدادي المتجزئ المخلوق.


  1. حسن زاده، حسن: "لقاء الله" ٥٥ نقلا عن ملاصدرا.
٢٤٧امتناع معرفة ذات الله تعالی

إن قلت: إن سلب الماهیة عن الله تعالى لیس بمعنى سلب المائیة والهویة التي یكون بها الشـيء نفسه، بل المنفي عنه هو ما یقال في جواب "ما" الحقیقية التي یسأل بها عن ذات الشـيء وحقیقته.

فنقول: إن تقسیم "ما" إلى القسمین لا یرجع هاهناإلى معنى محصل، وذلك أن ذینك القسمین كلیهما راجعان إلى الجواب عن السؤال بـ "ما هو؟"، فإن السؤال بـ "ما هو" تارة یتعلق بما یمكن أن یعرف بذاته، وتارة أخرى یسأل بها عن حقیقة شـيء لا یمكن أن یعرف بذاته، وظاهر أن السؤال بـ "ما هو" في كلتا الصورتین على مستوى واحد وهو السؤال عن حقیقة الشـيء ونفس هویته ومائیته بلا فرق بین المقامین أصلا.

نعم إن السؤال بـ "ما هو" إذا كان المراد به السؤال عما سوی الله تعالی كان الجواب ببیان كمه وكیفه وخصوصیات وجوده المتجزیة المخلوقة وشكل الشـيء وحدود أجزائه، وأما إذا كان السؤال به عن ذات الله تعالی فیجاب بأنه شـيء بخلاف الأشیاء ولا كم له ولا كیف ولا شكل له ولا أجزاء.

هذا كله بعد وضوح بطلان العقیدة الفلسفیة الزاعمة أنه یمكن أن یكون هناك حقیقة عینیة هي الوجود المحض، بحیث یكون وجودها نفس هویته، وهویته نفس حقیقة الوجود، وحقیقة الوجود هو كل الأشیاء!!

وذلك أن هذه العقیدة باطلة باستحالة موضوعها، بل الحق هو أن الخالق الموجود، هو شـيء بحقیقة الشیئیة، أجل من أن تعرف ذاته، ومتعال عن الاتصاف بالجزء والكل والتناهي وعدم التناهي، فلا معنى لقول القائل "هو نفس حقیقة الوجود الصـرف اللامتناهي بلا مائیة وهو كل الأشیاء"،

الخامس: إن الفلسفة ـ وكذا العرفان ـ تدعي أنها عرفت كنه وجود الخالق تعالى، وعلمت أنه هو الوجود المطلق اللامتناهي الشامل لجمیع مراتب الوجود ـ عند الفیلسوف ـ

معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام٢٤٨

والجامع لجمیع صور الكائنات ـ عند العارف، فكیف یمكنها إدعاء امتناع معرفة كنه ذات الخالق تعالى في نفس الوقت؟!

بل هم المدعون لوجدان ذات الخالق تعالی بالحضور الذي یكون عندهم أعلى مراتب العلم، بل یحسبون غیر العلم الحضوري وواجدیة ذات الله ـ كوجدان الموج ماء البحر ـ جهالة وضلالة!

وبناء على ما قلناه فلیست المعرفة الفطریة والقلبیة والذریة معرفة في عرض المعرفة الحاصلة من وجود الآثار، ولا تكون طریقا مستقلا بنفسه یعدّ مقابلا لها، بل هي أیضا من أفراد الدلالة علی الله تعالی بغیره، وموقفه أیضا من مواقف المعرفة البرهانیة الاستدلالیة، لا المعرفة الحضوریة المستلزمة لكون الله تعالی جسما متجزیا ممكنا مخلوقا الباطلة من أساسها.

قد یقال:

إن المعرفة الحاصلة من الآثار بعیدة الاستنتاج، وعلم المخلوق بالنسبة إلى خالقه یكون على خلاف ذلك حیث یكون حاضـرا عنده بلا احتیاج إلى طول الاستدلال من الأثر إلى المؤثر.

فنقول: أولا إن طریق المعرفة الشهودیة والحصول علی المعرفة الحضوریة الموهومة أشق طریق علی سالكیه، وأغمض شـيء لمنتحلیه، كما هو مذكور فی كتبهم ومسفوراتهم، فهو فرار عن المطر إلی المیزاب.

وثانیا: إشكالكم هذا خروج عن محل النزاع، فإن النزاع لیس فی كون الدلیل الدال علی وجود الله تعالی غامضا أو سهلا واضحا، بل النزاع فی سنخ المعرفة، وأنه هل هو بحضور ذات الله تعالی في ذاتناكما علیه الفلاسفة والعرفاء والتفكیكیون، أو بالدلالة العقلیة ولو كان دلیله سهلا واضحا.

وثالثا: إن دلالة الأثر على المؤثر، والصنع على الصانع، والخلق على الخالق، للمخلوق الذي یكون بكل وجوده مسخرا لخالقه، یوجده ویحفظه، یشفیه ویمرضه، یحییه ویمیته، یرحمه ویأنس

٢٤٩امتناع معرفة ذات الله تعالی

به... أبده من أن تكون محتاجة إلى مقدمات طویلة بعیدة، ولا سیما إذا كان ذلك قد سبقه التعریف والإقرار في موقف آخر على نحو تكون المعرفة ثابتة في القلوب والموقف منسیا، ویكون الإنسان مفطورا بالإذعان عقلا بوجود ربه بمجرد التذكر بخالقه والتنبیه على تعالیه عن كل شـيء وتقدسه وتنزهه عنه.

قال السید هاشم البحراني رحمه الله تعالی:

«واعلم أیها الأخ أن بعض العلماء ذهب إلی أن معرفة الله فطریة ضـروریة، وبعضهم إلی أنها ثابتة بالاستدلال. والصحیح الثاني، فإنها ثابتة بالاستدلال وإن كان دلیلها وجداني وهي الآیات المنصوبة من السماء والأرض وما فیهما وما بینهما فإن جمیع المشاهدات وجمیع المحسوسات دالة علی وجوده دلالة بینة واضحة منیرة منكشفة إن في ذلك لذكری لمن كان له قلب أو القی السمع وهو شهید. جعلنا الله وإیاكم من ذكر فنفعته الذكری».١

«وهذه الطرق التي ذكرناها عن أهل العصمة ^ طرق واضحة الاستدلال، براهین تفید العلم محتاجة إلی إبطال الدور والتسلسل وما أحسن قول السید العارف العالم ابن طاووس في وصیته لابنه قال وإیاك وطریق المعتزلة فإنهم بعّدوا القریب وعلیك بكتاب الله ونهج البلاغة وكتاب الحجة وكتاب المفضل بن عمر».٢

وجاء في الدفاع عن المعرفة الباطلة في "تفسیر المیزان":

«أما المعرفة الفكریة التي یفیدها النظر في الآیات الآفاقیة سواء حصلت من قیاس أو حدس أو غیر ذلك فإنما هي معرفة بصورة ذهنیة عن صورة ذهنیة، وجلّ الإله أن یحیط به ذهن أو تساوي ذاته صورة مختلقة اختلقها خلق من خلقه، ولا یحیطون به علما».٣

«


  1. المعالم الزلفی، ١٩.
  2. المعالم الزلفی، ٢١.
  3. الطباطبايي، محمد حسين: تفسير الميزان، ٦ / ١٧٢.
معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام٢٥٠

إن المعرفة الحقیقیة لا تستوفي بالعلم الفكري حق استیفائها».١

ونقول:

١ . بل إن المعرفة حق المعرفة هي المعرفة الفكریة والعقلیة التي یفیدها النظر إلى الآیات الآفاقیة والاستدلال عنها على وجود خالقها، وهو التصدیق العقلي بوجود الخالق المتعالي عن الإدراك والمعرفة بنفسه الحاصل من التفكر في خلق الله تعالی، ولا یستلزم ذلك تصور ذات الخالق تعالی بنفسه بوجه.

وأما المعرفة النفسیة التي تكون بمشاهدة السالك نفسه نفس ربه، وحسبان وجوده مطلقا ومتعریا عن التعینات نفس وجود خالقه ـ وتسمى هذه المعرفة الخاطئة معرفة الله بالله عند أصحاب الفلسفة والعرفان والتفكیك، وتعدّ عندهم المعرفة حق المعرفة ـ فهي ضلالة بینة یدفعها العقل والبرهان والضـرورة والوجدان والكتاب والسنة القطعیة ولا یمكن الوصول إلیها إلا بتلقینات خاطئة، وریاضات شاقة مزیلة لاستقامة الطباع، حتییرى السالك بتأثیرها كل حق باطلا وكل باطل حقا.

والبحث عن ذلك طویل الذیل كشفنا عنه القناع في كتاب یستقل بالبحث عن زلات الفلاسفة والعرفاء في السیر والسلوك.


  1. الطباطبايي، محمد حسين: تفسير الميزان، ٦ / ١٧٦.

نقد مدرسة التفكیك

٢٥٣نقد مدرسة التفكیك

مدرسة التفكیك

ونذكركم بأن هناك مدرسةتدعی بالتفكیك تدعي نقد الفلسفة والعرفان والرد علیهما، قد خالف الفلاسفة والعرفاء شدیدا في ظاهر الادعاء وفي الحین جاء بنفس معتقداتهم الباطلةكما هو الحال في مدرسة الشیخیة أیضا.

فهذه نماذج مختصـرة من نصوصهم الموافقة للفلسفة والعرفان المخالفة لضـرورة العقول والأدیان في فصلین:

الفصل الأول: نصوصهم في وحدة الوجود وانكار المعنی الحقیقي للخلقة

قالوا:

«لیس شـيء غیره تعالی وغیر وجوده وإلا یلزم التحدید».١

«


  1. ميرزا مهدي الإصفهاني، تقريرات، ٩٨.
معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام٢٥٤

لا وجود إلا وجود الله».١

«إن حیث ذات الكائنات هو الكون والتحقّق به بلا جعل... وهذه هو الجاعلیة الذاتیة بلا فعل منه تعالی... یكون حیث ذات المجعولات بهذا الغیر مجعولة بالذات... بلا جعل ولا فعل ولا تأثیر ولا غیرها».٢

«كلما توجهت إلی هذا النور بوجه الهذیة لا مناص لك من القول بأنه نور محمد ومخلوق... ولو نظرت إلی أصل نوریته وغمضت العین عن هذیته، فقد صـرفت النظر عن الخلق بالكلیة وتوجهت إلی الله تعالی».٣

«القاعدة [السنخیة] جاریة في إعطاء الحق للكمالات النوریة، أنوار العلم والحیاة وسایر الكمالات النوریة علم ذاتي للحق وإشـراقاته الذاتیة».٤

«فنور الله مطلق غیر متعین أبدا في عین كون هذه المخلوقات أسمائه وتعیناته وصفاته».٥

«في الواقع ونفس الأمر مع قطع النظر عن التعینات والمضایق... فإذا هو [محمد صلی الله علیه و آله] الله تعالی».٦

«ما دام الإنسان معتدلا ذا شعور فلیس لأحد أن یقول له أنت الله!»٧

«لیس في العالم شـرك بوجه من الوجوه».٨

«للشیطان أیضا


  1. المعارف الإلهية، الحلبي، محمود، ٧٨٤.
  2. ميرزا مهدي الإصفهاني، معارف القرآن.
  3. تقريرات، ميرزا مهدي الإصفهاني، ٦٥.
  4. عارف و صوفي چه مي‌گويند، تهراني، ٢٣٨ـ ٢٦٨.
  5. ميرزا مهدي الإصفهاني، تقريرات، ٦٨.
  6. تقريرات درس ميرزا مهدي الإصفهاني، ٦٧ ـ ٦٨.
  7. الحلبي، محمود، معارف إلهية، نسخة مكتبة الرضوية في مشهد المقدس،٧٥٤.
  8. معارف إلهيه، الحلبي، محمود، ٧٥٥.
٢٥٥نقد مدرسة التفكیك

نور الوجود، الوجود نور».١

«حتیالشمر واجد نور الولایة».٢

«إن یكن في مقابل علم الله وقدرته علم وقدرة ووجود أخر یلزم أن یكون الله واجد علم وقدرة نفسه، وفاقدعلم وقدرة غیره، فیلزم التركیب في الله... فعلی هذا لا یكون وجود ونور وعلم وقدرة غیر وجود الله ونوره وعلمه وقدرته».٣

«الكائنات أعم من النبي أو غیره ظلال... لیست قائمة بالذات. هي قائمة بالغیر... رتبة البشـر لیست رتبه الحیاة والوجود. فعلیه إن قلنا بهذا المطلب یكون شـركا محضا».٤

«ومعنی كونها بالغیر في عالم التشبیه كظلّ الشـيء».٥

«یقول ملا صدرا... الممكنات وجودات إمكانیة، وجودات رابطة، هي معان حرفیة محضة، المعنی الحرفي لا استقلال له بأي وجه. الحرف هو قائم بالغیر».٦

«یقول ملا صدرا الوجود الإمكاني مثل المعنی الحرفي، كنهه بغیر، وقد فهم هو الأمر هاهنا صحیحا كما ینبغي».٧

«في حقیقة الوجود لا یمكن أن یوجد شـيء آخر. في نور شمس الوجود، لا یوجد موجود آخر وإلا یحصل اجتماع النقیضین».٨

«الحقیقة مختصة


  1. معارف إلهيه، الحلبي، ٥٦١.
  2. معارف إلهيه، الحلبي، محمود، الدورة الثانية، الدرس الثاني عشر.
  3. معارف إلهيه، الحلبي، محمود، ٧٥٥.
  4. ميرزا مهدي الإصفهاني، معرفت نفس، تحرير يگانه، ٣٦١ ـ ٣٦٠، ابواب الهدی، سنة ١٣٨٧، ١٣٠.
  5. ميرزا مهدي الإصفهاني، أنوار الهداية، ٢٤، أبواب الهدی، سنة ١٣٨٧، ١٢٣.
  6. معارف إلهيه، الحلبي، محمود، الدورة الثانية، خطي، ٣٠٧.
  7. معارف إلهيه، الحلبي، محمود، الدورة الثانية، خطي، ٣٠٧.
  8. ميرزا مهدي الإصفهاني، معرفت نفس، تحرير يگانه، ٣٣٥ ـ ٣٣٤، ابواب الهدی، سنة ١٣٨٧ ١٣٠.
معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام٢٥٦

بذات الله. الذات مختصة بحضـرة ربّ العزة. هل أنت ذات، والله أیضا ذات؟ أنت حقیقة، والله أیضا حقیقة؟ لا، لا، لا. هذا غلط محض، كفر محض. إن یكن هكذا فأنت في مقابل الله! فأنت واحد والله واحد آخر!»١

الفصل الثانی: نصوصهم في السفسطة والكشف والشهود

«إن المعقولات الضـروریة مظلمة الذات، واستكشاف الحقائق النوریة أو الظلمانیة بها عین الباطل، وطلب المعرفة من هذا الطریق عین الضلال المبین، فإنه طریق معوج، وهو سلوك المجانین».٢

«التصورات والتصدیقات لا یفیدان إلا الیقین، ولا أمان لخطأ الیقین».٣

«ما دام الإنسان معتدلاذا شعور فلیس لأحد أن یقول له أنت الله»!٤

«والله تعالی... هو الظاهر بذاته».٥

«المراد من الفطرة التوحیدية، هو العرفان لا العقیدة بالله».٦

«هذا الشهود القلبي یحصل بلا أية واسطة تصورية ومفهومية».٧

«فالقول بامتناع معرفة الله وسد باب معرفة الكنه كما قال العرفاء قول باطل وقد تكلم الأئمة عليهم السلام في باب معرفة كنه الذات... والغرض أن شهود كنهه تعالی ممكن... بل الظاهر هو الله فقط، وليس شـيء سواه، ولا أحد غيره، ولا يخلو عنه مكان».٨

سلسلة مشایخ


  1. معرفت نفس، تحرير يگانه، ٣٥٧ ـ ٣٥٦، أبواب الهدی، سال ١٣٨٧، ١٢٩.
  2. أبواب الهدی، الطبعة الأولی، سنة ١٣٨٧، ٢٩٤.
  3. ميرزا مهدي الإصفهاني: ابواب الهدی، نسخة النجفي، ٦٩.
  4. الحلبي، محمود، معارف إلهية، نسخة مكتبة الرضوية في مشهد المقدس،٧٥٤.
  5. الملکي، محمد باقر: توحيد الإمامية، ٢٧٦.
  6. مباني خدا شناسي در فلسفه يونان و أديان الهي، برنجكار، رضا، ١٣٢.
  7. مباني خدا شناسي در فلسفه يونان و أديان الهي، برنجكار، رضا، ١٤٥.
  8. تقريرات درس ميرزا مهدي الإصفهاني ٦٩ ـ ٧٠. ومن أقوال العرفاء: «یقول ابن عربي وجمیع العرفاء بالله: إن معرفة الله ممكنة للإنسان». حسيني تهراني، محمد حسين: روح مجرد، ٧٠، نشـر علامة طباطبايى، الطبع السادس، شعبان ١٤٢١ هـ.ق.
٢٥٧نقد مدرسة التفكیك

مدرسة میرزامهدي الإصفهاني وغیرها من العرفاء والفلاسفة القائلین

معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام٢٥٨

بوحدة الوجود والموجود المعاصـری

٢٥٩نقد مدرسة التفكیك

فمن هو العارف؟ وما هو معنى معرفته بلا درك وبلا مدرك؟! وهل ذلك إلا القول بوجدان ذات الله تعالى بحضور ذاته؟! وهل هو شيء غیر وحدة الوجود والموجود؟!

ثالثاً: إذا كانت المعرفة الفطریة ولو في عالم الذرّ ـ على مبلغه من الوضوح والظهور كما تدَّعون ـ من غیر جهة العقل ومن غیر جهة معرفة آیات الله الدالّة علیه، بل كانت كما تقولون بأن یجد الانسان لنفسه تعلّقاً بالله تعالى فقط، فما هي قیمة هذا الوجدان إذا لم یستند إلى إلزام العقل؟!

وبم یعرف أنّ هذا الوجدان لا یكون من إلقاء الشیاطین أو الخیالات الباطلة؟!

وما هو الفرق بینه وما یتوهّمه العرفاء والفلاسفة من وجدان ذات الله تعالى بالمكاشفات؟!

رابعاً: إن «الوجدان» في مصطلحهم لیس بمعنى الیقین والإدراك العلميّ والاستدلال العقليّ، وإلّا رجع إلى المعرفة العقلیة وهو خلاف ما صرّحوا به؛ بل ذلك عندهم بمعنى أن یصیر المخلوق واجداً لذات الله تعالى!

مع أنّ من البدیهيّ أنَّ واجدیّة المخلوق لذات الخالق هو نفس قول القائلین بوحدة الوجود والموجود.

خامساً: إذا وجدتم آیة من آیات الله تعالى، وزعمتم أنّها لیست شیئاً دالّاً علیه بالعقل، فكیف لا تكون هي جلوة من جلوات ذاته وتطوّراً من تطوّراته وتنزّلاته؟

فهل ذلك لیس ذات الله في عین أنّه لیس عندكم شیئاً دالّاً علیه بالعقل؟!

وهل هناك واسطة بین ذات الله تعالى وغیره الدالّ علیه من مخلوقاته؟ إن من البدیهيّ أنّ ذلك إذا لم یكن عندكم ممّا یدلّ علیه تعالى بالاستدلال، فلا بدّ وأن یكون نفسه جلوة من جلوات ذاته وتطوّراً من تطوّراته، وإن أبیتم عن الالتزام بذلك أو لم تلتفتوا إلیه.

معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام٢٦٠

ن

٢٦١نقد مدرسة التفكیك

وخلافا لضـرورة مدرسة القرآن وأهل البیت ^یوجد لمدرسة التفكیك المتبدعة في بعض دعاویهم سند وسلسلة صوفية بدعية بل وهمیة، علی أساس قصص خرافية١وهي نفس السلسلة الباطلة الصوفیة المختصة بسایر العرفاء


  1. راجعوا لمعرفة التفصیل إلی كتاب "طرائق ‌الحقایق" ـ لرحمتعلی شاه نعمة اللهي الشیرازي، فی بیان طریقة صوفیة نعمة اللهية، في شـرح أحوال مشایخ وأقطاب الصوفیة. و كتاب "لب اللباب" للسید محمد حسین التهراني الصوفي (حسيني تهراني، محمد حسين، لب اللباب، ١٥٤ ـ ١٥٨). ومقدمة كتاب تقریرات درس میرزا مهدي الإصفهاني. ومعارف إلهية للشیخ محمود الحلبي التفكیكي (الحلبي، محمود، معارف إلهيه، الدرس الأول.
معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام٢٦٢

والفلاسفة الذین یعتبر التفكیك نفسه مخالفا لهم.

«كما أنهم یدعون أحیانا قصة لتشـرّف رئیسهم المیرزا مهدي الإصفهاني برؤية مولانا صاحب الزمان عجل الله تعالی فرجه وهي أیضا كذبة مختلقة، قد صـرح المیرزا الإصفهاني نفسه بأنه رأی في منامه قرطاسا مكتوبا فقط».١

الباب الخامس:

الوجود العام والخاص

تتوهم


  1. راجعوا لذلك إلی آخر كتاب أبواب الهدی، وكتاب معارف الإلهیة للشیخ محمود الحلبي التفكیكي.

الوجود العامّ والخاصّ

معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام٢٦٤

الفلسفة والعرفان أن:

حقیقة وجود الخالق والمخلوق جنس واحد وسنخ فارد، ولا فرق بینهما إلا بالتناهي وعدم التناهي، فوجود الخالق هو نفس وجود كل مخلوق مع زیادة، وهو عین وجود الخلق بأجمعه،

ویكشف هذا الفصل عن بطلان ذلك ببیان:

أن وجود الخلق حقیقة امتدادیة امتدادیة عددیة متجزیة، والله تعالى یباین خلقه تمام التباین لا أن یكون التفاوت بینهما بأمور اعتباریة ـ كأن یكون أحدهما جزءا أو مرتبة أو حصة من وجود الآخر ـ مع الاتحاد في الوجود العیني، بل یكون بینهما من حیث الواقعیه وسنخ الوجود غایة التباین والافتراق،

لا یحكم على الله تعالى بالوجود إلا بمعناه الخاص به أو بمعناه العام، ولا یكون الوجود المحكوم به علیه وعلى خلقه مشتركا معنویا تمام الاشتراك، كما أنه لا یكون مشتركا لفظیا أیضا إلا أن المقسم لهذین القسمین هوالوجود بمعناه العام الشامل لكلیهما.

الوجود والموجود من حیث العینیة والواقعیة إما امتدادي عددي متجزئ، وإما بخلافه، ویكون بین هذین السنخین تباین تام، لا یمكن التفوه باتحادهما وعینیتهما بوجه.

إن للشیئیة معنی خاص بالخلق وهو ما یمكن معرفته وإدراكه بنفسه في كمه وكیفه وعدده الخاص به، ومنه معنی الهي خاص بالخالق تعالی وهو ما لا یمكن تصوره بنفسه ولا یعرف إلا بأنه شـيء بخلاف كل شـيء قابل للتصور والتوهم، والمقسم لهذین القسمین هو معنی الشـيء بعنوانه العام الشامل لكلیهما.

٢٦٥الوجود العامّ والخاصّ

الموجود الواقعي الذي یكون شیئا بحقیقة الشیئیة، والشـيء الحقیقي الذي یكون موجودا واقعیا، فهو إما امتدادي عددي قابل للزیادة والنقصان والوجود والعدم، متحقق في الأجزاء والأبعاض، ومتقوم بالحدود والأعراض؛ وإما یكون بخلاف ذلك، ومتعالیا عن ذلك، فلا یتصور بنفسه، ولا یعرف إلا بأثره الدال على وجوده.

فما یمكن معرفته من معنى الشـيء والموجود، هو عنوان خاص منه ـ وهو الامتداد الموجود القابل للعدم لذاته ـ وهو یكشف بحدوثه ووجوده، عن وجود موجود حقیقي وشـيء بحقیقة الشیئیة وراء قابلیة النسبة إلى الوجود والعدم، والتحقق في الامتداد والأجزاء والزیادة والنقصان، والدخول تحت التصور والتوهم والبلاغ. فهو موجود لا كالموجودات، وشـيء لا كالأشیاء، وذات لا كالذوات، وحقیقة لا كالحقائق.

هذا كلّه من ناحیة الوجود والموجود والشـيء مصداقا وعینا، ولكن من ناحیة الوجود المحمولي، والمحكوم به على الموضوعات، فالوجود له معنیان أیضا، معنى یختص بالخلق وهو وجود یقبل نقیضه، ومعنى یختص بالخالق وهو ما لا یتصور له النقیض والمقابل ذاتا والمقسم لهذین القسمین هو معنى عام للوجود وهو حاكٍ عن مجرّد الثبوت وعدم البطلان، كان قابلا للمقابل أم لم یكن.

إن التصدیق المتعلق بوجود المخلوق هو هذا التصدیق القابل للنفي ذاتا، وأما الخالق تبارك وتعالى فلا یتعلق التصدیق بوجوده كالتصدیق بسائر الأشیاء، أي بعد إمكان تصوره

معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام٢٦٦

بنفسه امتدادیا متجزیا قابلا للتجرید عن الوجود الخارجي والتحقق الواقعي، وقابلا للنسبة إلى طرفي الوجود والعدم. بل لیس وجوده إلا إثباته، ولا یحكم علیه بالوجود إلا بمعنى یختص به، أو بمعناه العام الحاكي عن مجرد الثبوت وعدم البطلان.

قد یقال: إن القائلین بتباین المعاني والمفاهیم المحمولة علی الخالق والمخلوق خلطوا بین المفهوم والمصداق حیث إن التخالف والتباین یكون بین مصداقي الخالق والمخلوق لا المفاهیم المحمولة علیهما من الوجود والعلم والقدرة و...

ونقول: هذا تحلیل باطل وإشكال غیر وارد. وذلك حیث إنا لا نقول: "زید عالم بخلاف عمرو" و"زید موجود لا كالموجودات" و... مع أنا نقول: "إن الله تعالی عالم بخلاف كل عالم" و"موجود لا كالموجودات" وإلا لكنا من الملحدین والمشبهین؛ مع أن المصادیق في كل ذلك ـ في المثال الأول والثاني بلا فرق بینهما ـ تكون متعددة متبائنة متغایرة بلا شبهة، فلیس الأمر إلا من جهة تباین المفاهیم والمعاني المحمولة علی الخالق والخلق.

ثانیا: إن اشتراك المصادیق وعدم تبانیهما أمر مستحیل في نفسه حتی في المخلوقات، فلا فرق في ذلك بین المخلوقات أو الخالق والخلق.

ثالثا: إذا قلنا زید واحد، وعمرو واحد، والله واحد، فلا شبهة أن مفهوم الوحدة بین زید وعمرو شـيء واحد، ومع هذا فإن حمل أحد نفس ذلك المفهوم علی الله تعالی یكون مشـركا ملحدا قطعا.

فالمفهوم المحمول علی الخلق غیر المفهوم المحمول علی الخالق، حیث إنه فی الخلق یكون بمعنی وحدة أجزاء مجتمعة ـ ولو بقدر غیر متناه في أوهام الفلاسفة ـ وفي الخالق تعالی هو بمعنی امتناع الشبیه والنظیر والمثل حیث لا أجزاء له ولا امتداد، وإمكان التعدد فرع التجزئ.

فالوجود المحكوم به على الخلق، مع الوجود المحمول على الخالق تعالى یشتركان في معنى عام وهو المعنى الحاكي عن مجرد الثبوت والوجود الحقیقي وعدم البطلان، ویفترقان بأن الأول منهما یقبل مقابله ونقیضه ویكون متعلقا بالمقادیر، ومتفرعا على معرفة ذوات قابلة

٢٦٧الوجود العامّ والخاصّ

للدخول تحت البلاغ والمعرفة بأنفسها، ومتساویة النسبة مع الوجود والعدم، ولكنه یمتنع ذلك كله في ما یحمل على الخالق تعالی الّذي یكون بخلاف كل شـيء، متعالیا عن كل شـيء.

فبما أن كل موجود امتدادي، محتمل للزیادة والنقصان وقابل للوجود والعدم، ومحتاج إلى من یخلقه ویوجده، یخضع العقل لدی الإقرار بأنه لا بد أن یكون هناك شـيء بحقیقة الشیئیة وموجود حقیقي بخلاف الأشیاء كلها، متعال عن إمكان معقولية الذات، وانتزاع المفاهیم منه، والتحقق في الامتداد والأجزاء، لا یمكن فرض عدمه لذاته، لأن فرض العدم لشـيء فرع كونه امتدادیا قابلا للرفع بارتفاع أجزائه.

وأما هو تعالى فإنما وجوده إثباته.١ ولا یكون شیئا مثبتا كسائر الأشیاء التي یمكن تصورها مجردة عن النفي والإثبات، بل هو مثبت موجود غیر معدوم، كل ذلك بالمعنى الخاص الذي یلیق به تعالى أو بالمعنى العام الذي قد أوضحناه، ویكون بحیث إنهصـرف الالتفات إلى نحو وجوده الخاص به یلازم إثباته الخاص به، وهو إثبات لا یوجد له مثل أیضا، فلا یمكن فرض النقیض لهذا الإثبات ذاتا، حیث لا یتقدمه تصور الموضوع القابل للنفي والإثبات بالذات، فلا یكون إثباته إثباتا یتصور له المقابل والنقیض والنفي.

فهو موجود وراء كل ما یقبل الوجود والعدم، وهو كائن قبل الكون والكینونة بمعناهما الخاص بالمخلوقات، بل هو متعال عن قبول التحقق والوجود والعدم الممكن تحققهما، وإمكانهما له، ونسبتهما إلیه، فإن كل ما یمكن أن یفرض مجردا عن الوجود والعدم ویقبل النسبة إلیهما في مرحلة من المراحل فالحكم بضـرورة أحدهما له لذاته خلاف الفرض.

فلا یحكم علیه تعالى بالوجود إلا بعنوانه الخاص به أو بعنوانه العام الطارد للعدم والنفي والبطلان فقط، وهذا هو سـر وجوب تأویل إثبات وجود الخالق جل وعلا إلى نفي العدم، وعلیه أنا حتی إذا قلنا إنه تعالی لیس بمعدوم نقول:

"هو تعالى لیس بمعدوم


  1. وجوده إثباته: أمير المؤمنين عليه السلام، بحار الأنوار، ٤ / ٢٥٣.
معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام٢٦٨

كالمعدومات" وذلك أنه كل شـيء غیره تعالى لا یمتنع عدمه، بل یمكن تصوره إما موجودا وإما معدوما، ولكن الله تعالی لا یمكن تصوره معدوما إلا بعد فرض ذاته متجزیة.

فالشـيء والموجود الامتدادي المتجزئ (المخلوق)، یشترك مع الشـيء المتعالي عن الامتداد (الخالق).، في أنهما كلیهما شیئان واقعیان ثابتان غیر باطلین ویفترقان بأن المخلوق هو الكائن في الأجزاء والامتداد والعدد، محتمل للزیادة والنقصان، جائز النسبة إلى الوجود والعدم لذاته؛ وقابل للتصور بنفسه، وللوضع والرفع المتقابلین؛ والخالق یتعالى عن ذلك كله كما بیناه.

فظهر أن مفهوم الشـيء أیضا على قسمین قسم منه خاص بالخلق وهو صورة الذوات والموجودات المخلوقة القابلة للتعدد والتكثر والزیادة والنقصان، وقسم آخر منه هو المفهوم الخاص بالخالق تعالی وهو ما لا یمكن الالتفات إلیه أولا، بل لا یتوجه العقل إلیه إلا بعنوان أنّه معنی بخلاف معنی الوجود المحمول علی سایر الأشیاء من الجهة التی شـرحناها، والمقسم لهذین القسمین هو المفهوم بمعناه العام الحاكي عن مجرد الشیئیة القابلة للتوجه والالتفات إلیه أولا وثانیا، المخرج له عن كونه مجهولا مطلقا.

فهاهنا حقائق متعددة:

١. وجود المخلوق: وهو الشـيء الواقعي الثابت العیني المتجزئوهو نفس مصادیق الأشیاء الخارجیة المخلوقة.

٢ . وجود الخالق المتعال: وهو شـيء بحقیقة الشیئیة، متعال عن الامتداد والعدد، لا یعرف ولا یتصور بنفسه، ولا مفهوم له قابلا لأن یدرك. فلا یعلم ما هو، ولا یدرك ما هو، بل هو شـيء لا كالأشیاء، وذات بخلاف الذوات كلها، ولیس الحكایة عنه بقولنا: "هو شـيء" أو "هو موجود" إشارة إلى كونه شیئا واقعیا لا موهوما ولا معدوما، لا إخبارا عن تحقق أجزاء معینة قابلة للتصور وقابلة للتجرید عن الوجود والعدم في أيةمرحلة من المراحل، كما یكون الأمر بخلاف ذلك في شأن ما سواه تبارك وتعالى.

٣ .

٢٦٩الوجود العامّ والخاصّ

مفهوم الوجود والشـيء الخاص بالخلق: وهو نفس المفاهیم المدركة من الأشیاء الامتدادیة التي تطابق مصادیقها والحكم بوجودها، وهي التي یمكن تجریدها عن الوجود والعدم ونسبتها إلیهما ذاتا.

٤ . مفهوم الوجود والشـيءالخاص بالخالق: فإن الخالق جل وعلا ولا صورة ذهنیة له، لا یتصور، ولا یمكن أن یلتفت إلیه بنفسه حتی ینتزع مفهوم منه، ولا مفهوم له إلا بعنوان: "هو شـيء بخلاف الأشیاء""الذات الذي لا مفهوم له، ولا یدرك مطلقا، ویكون خارجا عن حیطة البلاغ"، و...

ثم إن بین مصداقي الحقیقة العینیة للأشیاء الامتدادیة و"ما بخلافه"یكون تباینا سنخیا (وهو كون أحدهما امتدادیا متجزیا عددیا، وكون الآخر متعالیا عن الأجزاء) تاما، وذلك یجري علیهما من حیث معناهما القابل للتصور والإدراك أیضا حرفا بحرف، فإن الشـيء الخارجي الواقعي المتحقق في الأجزاء والأبعاض الخارجیة، یطابقه مفهومه من حیث تقومه بالحدود والأبعاض التصوریة والتوهمیة وما یكون بخلاف ذلك عینا وواقعا فلا حدود له ولا أجزاء تصوریة وتوهمیة أیضا.

"فالمفهوم"، منه خاص بالخلق، ومنه خاص بالخالق، "الخاص بالخلق" هو المتصور بنفسه في أجزائه وحدوده وأبعاضه، و"الخاص بالخالق" ما یكون بخلاف ذلك ولا یعرف إلا بأنه ما یكون بخلاف كل شـيء وتصور وتوهم.

٥ . الوجود الحملي الخاص بالخلق: وهو معنى الوجود والعدم المتقابلین الذین یختص حملهما على الأشیاء الامتدادیة المخلوقة القابلة للوجود والعدم بالذات.

٦ . الوجود الحملي الخاص بالخالق تبارك وتعالى: وهو معنى الوجود والإثبات الذي یحمل على الخالق تعالی فقط؛ فإن الوجود والعدم بمعناهما الخاص بالخلق هو المعنى الذي یقبل مقابله ذاتا، فیكون ملكة وعدما للذات الامتدادي والشـيء بمعناه الخاص، (وهذا السنخ من الموجودات والأشیاء هو الذي یصح علیه الحكم بامتناع اجتماعه

معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام٢٧٠

وارتفاعه مع نقیضه بالشـروط الثمانیة، وأما الخالق تعالى فهو متعال عن ذلك موضوعا، لا یتصور له النقیض ورفع الوجود ذاتا، ولا یدخل تحت ما یشمله شـيء من الشـروط الثمانیة المتفرعة على كون الشـيء عددیا ممكنا) فإن الخالق المتعالي عن الامتداد یمتنع تصور العدم له تعالى ذاتا.

إن الله تعالى لا یكون ذاتا متصورة جائزة النسبة إلى الوجود والعدم المتقابلین حتى یمكن سلب الوجود عنه، ویمكنَ تصور ذاته جلت عظمته متصفة بالعدم في أي مرحلة من المراحل؛ بل إن قبول الوجود ولا قبوله لا یتصور إلا للموجود الامتدادي ویكونان كالملكة والعدم له.١

قال العلامة الحلي قدس سـره:

«العدم الخاص... افتقر إلى موضوع خاص كافتقار الملكة إليه».٢

الوجود الخاص... یكون مقیدا كوجود الإنسان مثلا المقید بقید الإنسان وغیره من الماهیات فإنه یقابله عدم مثله خاص».^٨١٥

وأما الموجودیة المنسوبة إلى الخالق تبارك وتعالى ـ وهي الموجودیة الخاصة بما یكون مبائنا للامتداد والعدد ـ لا یمكن فرض النقیض له ثبوتا، فلا یمكن فرض العدم للذات المتعالیه رأسا، فإن ما یمكن تصوره مجردا عن الوجود والعدم ویمكن أن ینسب إلیهما بالذات لیس إلا امتدادیا عددیا مخلوقا.

وعلى هذا فوجود المخلوق یكشف عن وجود خالقلا یمكن أن یفرض عدمه حتى مع فرض عدم خلقه الخلق، أو انعدام المخلوقات، فإننا بعد أن علمنا بوجود الخلق نعلم أن الله تعالى موجود، ونعلم أنه لو لم یكن الخلق موجودا لم یكن لنا طریق إلى العلم بوجود الخالق، ونعلم أیضا بعد العلم بوجوده تعالى أن فرض عدم الوجود له تعالى محال ذاتي.

فإن ما ثبت وجوده، وهو مخالف للامتداد والأجزاء فقد یستحیل فرض عدمه ذاتا وثبوتا، لأن النسبة إلى الوجود والعدم، فرع إمكان تجرید الذات عن الوجود والعدم،


  1. ولا يذهب عليك أنه ليس المراد من كون الخالق تبارك وتعالى متعاليا عن قبول العدم لذاته، كونه نفس مصداق الوجود البحت، وصـرف الوجود اللا بشـرط المطلق الموهوم الذي اختلقته الفلسفة والعرفان، فإنه قد مرّ مرارا أن فرض العينية والواقعية لحقيقة الوجود من الأوهام الخاطئة جدا.
  2. كشف المراد في شـرح تجريد الاعتقاد،٣١.
٢٧١الوجود العامّ والخاصّ

وتصور الذات مجردة عن الوجود والعدم فرع كونها امتدادیة متجزیة مخلوقة ولیس الله تبارك وتعالى كذلك.

الإمام أمیر المؤمنین عليه السلام:

«وجوده إثباته».١

«الحمد لله الّذي أعجز الأوهام أن تنال إلا وجوده».٢

«كمال معرفته التصدیق به».٣

وبالوقوف على هذه الحقیقة فیظهر أنه لا مجال لما قد یقال:

"ما هو المانع من انعدام الخالق بعد خلقه الخلق؟"

فإن هذا السؤال خارج عن الموضوع الحقیقي اللائق به الألوهیة، وطرحه في حق من لا یتصور له العدم لذاته غلط، لتعالیه عن الكون الامتدادي القابل للوجود والعدم لذاته. بل إن كل ما یمكن فرض عدمه لذاته، فهو امتدادي متجزئ، والخالق تعالى لیس كذلك.

(ومن الموهون هاهنا جدا هو قول أصحاب الفلسفة والعرفان في الجواب عن السؤالبأن: "الله تعالى هو نفس حقیقة الوجود غیر القابلة للعدم لذاتها المتعین بصور جمیع الأشیاء" الذي قد بینا بطلانه موضوعا وحكما مرارا).

ویمكن أن یستدل لما جئنا به في الجواب عن السؤال بقوله تعالى "أفي الله شك فاطر السموات والأرض" حیث إنه لو قال قائل إنى أقر بوجود الخالق من حیث كونه محدِثا وأشك في كونه باقیا؛ یقال


  1. بحار الأنوار، ٤ / ٢٥٣، عن الاحتجاج.
  2. بحار الأنوار، ٤ / ٢٢١، عن التوحيد وأمالي الصدوق.
  3. نهج البلاغة، الخطبة، ١.
معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام٢٧٢

في جوابه: إن الفطر والخلق یدلان على كون الخالق والفاطر متعالیا عن الاتصاف بالوجود القابل للعدم لذاته.

٧ . المفهوم العام: وهو مفهوم الشیئیة بمعناه العام الذي یجوز حمله على الخالق والمخلوق، وهو المقسم للمفهوم الخاص بالخلق والخاص بالخالق، وذلك كما إذا قلنا: "الخالق والمخلوق شیئان بحقیقة الشیئیة".

فالمقسم مشترك بینهما ویكون مصداق ذلك كل أمر واقعي لیس موهوما ولا معدوما ولا باطلا، امتدادیا كان وقابلا للتصور (وهو كل ما یدرك من معاني ذوات الخلق)، أو غیر امتدادي كان وخارجا عن إمكان التصور والبلاغ بنفسه (وهو الخالق تعالى الذي یمتنع تصوره بنفسه ویكون عنوانه هو نفس "الشـيءالخارج عن التصور والتوهم بالذات" و"الشـيء الذي یكون بخلاف الأشیاء كلها").

٨ . الوجود الحملي العام: وهو معنى الوجود والإثبات بعنوانه العام الذى یشمل الخالق والمخلوق، وهو یلازم تصورَ المحكوم علیه في كمه وكیفیه الخاصان به تارة ـ وهو في ما اذا كان موضوعه المخلوق المتحقق في الامتداد والأجزاء والعدد ـ، ویتعالی عن ذلك تارة أخرى فیكون حینئذ إثباتا لا لشـيء متصور بمعناه الخاص أي في كم وكیف معینین، منتزع من الذوات بنفسها.

والموضوع في هذا القسم هو الشـيء الذي یمتنع تصوره بنفسه ویكون عنوانه هو نفس "الشـيء المخالف لكل الأشیاء الخارج عن التصور والتوهم بالذات" و"الشـيء الذي یكون بخلاف الأشیاء كلها"، فلا وجه للإشكال في ذلك باستحالة الحكم لا على الموضوع أو علی المجهول المطلق.

ویستنتج من ذلك كله:

١: الوجود مفهوما ومصداقا وعینا على سنخین متبائنین بتمام الذات:

الف) وجود امتدادي متجزئ هو المخصوص بالخلق.

٢٧٣الوجود العامّ والخاصّ

ب) وجود متعال عن الامتداد والأجزاء وهو ذات الخالق تبارك وتعالى.

٢: مفهوم الشیئية والصفة على سنخین: مفهوم خاص بالخلق وهو قابل للتعدد والتكثر كمفهوم المثلث والمربع و...، ومفهوم خاص بالخالق وهو مفهوم الشـيء بخلاف الأشیاء. والمقسم لهذین القسمین هو مفهوم الشـيء بعنوانه العام.

نكتة: إن معنی الوجود والشیئیة الخاص بالله تعالی والمقسم الشامل له تعالی ولغیره منهما كلها تكون أمورا جدیدة قد أحدثها الخالق تبارك وتعالى بتعریفه نفسه إلى عباده، ولم یكن الخلق یعرفها قبل ذلك ـ بل ما كان یمكنه أن یهتدي إلى ذلك دون تعلیم الله تعالی والرجوع إلى مدرسة الوحي كما بین في مواضع مكررة ـ حتى یمكنه أن یضع بإزاء تلك المعاني ألفاظا وأسامي.

والطریق إلى الإشارة إلى تلك المعاني والأوصاف المقدسة ینحصـر بالاستعانة بما جریعلى الخلق من الأسماء والأوصاف مضافة إلى قیود سلبیة كقولنا: "شـيء بخلاف الأشیاء" و"بصیر سمیع بغیر جارحة" و"داخل في الأشیاء لا كشـيء في شـيء داخل، وخارج عنها لا كشـيء عن شـيء خارج" و"فاعل بلا آلة" و...

كما أن بعد التفات الخلق إلى تلك الذات المقدسة ومعرفة تلك المعاني البدیعة لا یكون إجرائها على الخالق والخلق بخصوصكل واحد منهما على نحو واحد وباشتراك لفظي أو معنوي أیضا، بل یكون على النحو الذي بیناه، وهو الاستعانة بما یجري على الخلق من الأسماء والأوصاف مضافة إلى قیود سلبیة وتوضیحیة.

ومن هنا یعلم أیضا أن اختلاف الوجودین لا یكون مصداقیا فقط، بل یكون في كل الجهات المذكورة المفهومیة والمصداقیة.

ولنعم ما قيل:

«وهذا المعنى متصوّر في جميع الموجودات... وهو بهذا المعنى مشترك معنويّ صادق على الكلّ ولو بنحو صدق العرض العامّ، ولهذا يسمّى وجودا عامّا، كما

معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام٢٧٤

سيأتي... فالوجود ثلاثة: الأوّل: الوجود العامّ.والثاني: الوجود الخاصّ الواجبي.[و] الثالث: الوجود الخاصّ الممكني.

وأمّا إطلاق الوجود على الموجود ـ كما هو ظاهر ما حكيناه عن بعض الأفاضل [وهو الشیخ أحمد الإحسایی، مبتدع الشیخیة]...فهو غير وجيه، إلّا على مذهب من يقول بأصالة الوجود، أو وحدة الوجود، وهو بما سيأتي مردود.

وكيف كان فالوجود العامّ بديهيّ التصوّر مع بداهة الحكم به أيضا، كما لا يخفى.

والوجود الممكني مجهول يستعلم بالكسب بأنّه عرض قائم بذات الممكن، وبه يكون الممكن منشأ للأثر.

والوجود الواجبي مجهول الكنه لا يمكن استعلام كنهه ولا يتصوّر أصلا.

نعم، هو متصوّر بالوجه [أقول: بل كنهه أنه شـيء بخلاف الأشیاء، متعال عن الأجزاء والمثل والنظیر، كما قال الإمام الرضا عليه السلام: وكنهه تفریق بینه وبین خلقه١] وبالآثار وبما يصدق عليه، مثل أنّه صانع العالم... أو نحو ذلك، وإلّا لا يمكن التصديق بوحدته ونحوها، فلا يتحقّق الإيمان».٢

الوصف العام والخاص


  1. بحار الأنوار، ٤ / ٢٢٩.
  2. الاسترابادي، محمد جعفر، المتوفی ١٢٦٣، البراهين القاطعة في شـرح تجريد العقائد الساطعة، ١ / ٨٨.

الوصف العامّ والخاصّ

معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام٢٧٦

تزعم المعرفة البشـریة أن:

صفات الخالق والخلق حقیقة واحدة ولا فرق بینهما إلا من حیث التناهي وعدم التناهي، فالخالق تعالى ذاتا وصفة هو عین كل مخلوق مع زیادة علیها، وهو عین الأشیاء بأجمعها،

إن ما یحمل من الصفات على الخالق والخلق یكون على نحو الاشتراك المعنوی تمام الاشتراك،

لا یجب بل لا یمكن إرجاع صفات الخالق إلى سلب مقابلاتها،

ویتحدث هذا الفصل عن بطلان ذلك كله ببیان أن:

صفات الخلق ـ كأصل وجوده ـ حقائق امتدادیة قابلة للزیادة والنقصان والوجود والعدم، والخالق جل وعلا یتعالى عن ذلك كله،

لا ینسب إلى الله تعالى العلم والقدرة والحیاة والسمع والبصـر و... إلا بمعناها الخاص به، أو بمعناها العام الذي لا یعرف إلا بأنه خلاف الجهل والعجز و...،

لا تعرف صفات الله تعالى إلا بسلب مقابلاتها عنه جل وعلا، فإن كل ما یمكن أن یعرف من المعاني بأنفسها من الذات والصفات یكون امتدادیا عددیا مخلوقا،

تقسیم الشیئی

٢٧٧الوصف العامّ والخاصّ

ة والوجود إلى: "المعنى الخاص بالمخلوقات" و"الخاص بالخالق" و"المعنى العام المقسمي الشامل لهما" مفهوما ومصداقا، یجري على حقیقة العلم والقدرة والحیاة وسائر ما توصف به الذات المتعالیة.

فالعلم "خاص" و"عام"، و"الخاص" فمنه ما یكون مخلوقا ویختص بالمخلوفات ـ وهو العلم المتجزئ القابل للزیادة والنقصان والوجود والعدم ـ، ومنه ما یختص بالله تعالى ولا یوصف به إلا هو ـ وهو خلاف ما یمكننا أن نعرفه ونتصوره بنفسه من معنى العلم ـ و"العام" هو المقسم لهما ـ وهو ما یكون بخلاف الجهل سواء كان امتدادیا عددیا قابلا للتصور بنفسه، أم كان بخلاف ذلك، وكان خارجا عن حیطة البلاغ والتصور.

"العلم الخاص بالخالق" مع "العلم الخاص بالمخلوق" یشتركان في أن كلیهما أمران واقعیان لیسا بجهل، ویفترقان بأن العلم الخاص بالمخلوق یكون امتدادیا قابلا للزیادة والنقصان والوجود والعدم، والعلم الموصوف به الخالق تعالی لیس كذلك.

والوحدة الخاصة بالمخلوق هو الجثة الواحدة واجتماع أجزاء معینة، والخاصة بالخالق هو التعالي عن التجزي والمثل والشبه والنظیر ذاتا، فیفترقان في ذلك مصداقا ومفهوما، ویشتركان في المقسم الدال علی نفي التعدد.

ولذلك إذا وصفنا الخالق تعالی بالعلم والقدرة والوجود والحیاة والسمع والبصـر و... یجب علینا أن نقی

معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام٢٧٨

د ذلك بقولنا: هو عالم لا كعالم، وقادر لا كقادر، وموجود لا كموجود و...، بل إذا نفینا عنه ما یقابل هذه الأوصاف بقولنا: إنه تعالى لیس بجاهل ولا عاجز ولا معدوم و... والسـر في لزوم ذلك هو الإشارة إلی كون وجوده وصفاته تعالی مبائنا لما نعرف من ذلك في خلقه جل وعز.

ولهذا السـر أیضا یقال إنه یجب إرجاع صفات الله تعالی إلی نفي مقابلاتها فإن في هذا الإرجاع إلى النفي أیضا إشارة إلى تخالف معنى العلم والقدرة والوجود و... المنسوب إلیه تعالى مع المنسوب إلی خلقه.

ومن هنا تعلم أن قولنا: "زید لیس بجاهل" لا یفید إلا فائدة قولنا: "زید عالم" ولهذا لم یقل أحد بوجوب إرجاع إثبات صفات المخلوقات إلى نفي مقابلاتها، وذلك بخلاف قولنا "الله عالم" فإنه حیث یجب على الموحد العارف أن یصف الله تعالى بخلاف ما یوصف به خلقه قد یصـرح للدلالة على هذا المعنى والإشارة إلیه بوجوب إرجاع إثبات الصفات إلى نفي مقابلاتها فتدبر جیدا.

وبعبارة أخری إن العلم بمعناه الخاص بالله تعالى لا یعرف إلا بأنه ما لیس بجهل، حیث إن إمكان تصور معنى العلم بمعناه الخاص بالخالق تعالى یكون خلاف ذاته، ولا سبیل إلى إثبات علمه تعالى إلا من حیث كشف أحكام المخلوقات عن وجود علم خارج عن إمكان التصور بالذات وهو علم الخالق تعالى. قال الله تبارك وتعالى:

«أَ لا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِير».١

فإن نفس إحكام المصنوعات وأحكام المخلوقات، هي الكاشفة عن وجود علم قدیم غیر حادث یخالف علم المخلوقات المحدثة المتجزية، لا یعرف بذاته ولا یتصور بكنهه، وهو علم الله تبارك وتعالی.

ومعنی


  1. الملك (٦٧): ١٥.
٢٧٩الوصف العامّ والخاصّ

القدرة أیضا، فعام وخاص، والخاص فمنها ما یكون مخلوقا ویختص بالمخلوقین ـ وهي القدرة التي تكون امتدادیة متجزیة، قابلة للزیادة والنقصان والوجود والعدم ـ، ومنها ما یختص بخالق القدرة والقادرین ـ وهو ما یكون بخلاف ذلك، ولا سبیل إلى إثباته إلا من حیث إن الله تعالى خلق ما خلق، وكشف بها عن قدرته جلت عظمته ـ، والعامة هي المقسم لهما وهي ما یكون بخلاف العجز سواء كان امتدادیا أم لم یكن كذلك.

قال الله تبارك وتعالى:

«أَ وَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِقادر»؟١

والسـر في ذلك كله كما أشـرنا إلیه هو أنه لا یمكن توصیف الذات المتعالیة بالوجود والعلم والقدرة والحیاة و... إلا بمعرفة كل تلك المعاني ومقابلاتها في الخلق تزاعا من ذواته، وسلبهما جمیعا بخصوصیاتهما عن الخالق تبارك وتعالى، حیث إن إثبات كل صفة ونفیها عند المخلوق یلازم تصور معنی المثبت والمنفي امتدادیین عددیین، فلا ینسب الأوصاف المذكورة إلى الله تعالى إلا بعد سلب تمام الخصوصیات التصوریة الامتدادية عنها، وللإشارة إلی هذا المعنی الدقیق یقال بوجوب إرجاع كل تلك المعاني إلى المعنى الذي یلیق بل یختص بالله تبارك وتعالى الذی لا تعرّف إلا بأنها مثلا لیس بجهل وعجز و...

فالعلم بعنوانه الخاص الذي یلیق بالله تبارك وتعالى لا یعرف إلا بأنه ما لا یكون جهلا، والعالم الموصوف بذلك لا یعرف ولا یوصف إلا بأنه من لیس بجاهل. والقدرة بمعناها الخاص اللائق بالله تعالى لا تعرف إلا بأنها ما لا یكون عجزا، والقادر الموصوف بالقدرة بتلك المعنى الخاص لا یعرف ولا یوصف إلا بأنه من لیس بعاجز.

فوجوب إرجاع صفات الخالق تعالی إلى السلب في مقام المعرفة والتوصیف، لیس إلا من حیث إن كل ما یتصور ویعرف بنفسه یكون امتدادیا متجزیا قابلا للوجود والعدم، ـ


  1. يس (٣٦): ٨٢.
معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام٢٨٠

فإن كل ما یعرف بنفسه فهو متجزئ قابل للوجود والعدم ـ فلا ینسب إلى الله المتعالي عن صفات الأقدار والمحدثات. وإن الله تعالى یخالف كل شـيء، فهو لیس بصفة ولا موصوف، بل هو ذات، علم، قدرة، حیاة، نور، سمع، بصـر،...

قال قائل في مسألة عینیة ذات الخالق وصفاته:

«"ومما تقدم یظهر فساد قول من قال: إن معاني صفاته تعالى ترجع إلى النفي رعایة لتنزیهه عن صفات خلقه، فمعنى العلم والقدرة والحیاة هناك عدم الجهل والعجز والموت وكذا في سائر الصفات العلیا، وذلك لاستلزامه نفي جمیع صفات الكمال عنه تعالى"».١

وقال:

«وربما یظهر من بعضهم المیل إلى قول آخر، وهو أن معنى إثبات الصفات نفي ما یقابلها، فمعنى إثبات الحیوة والعلم والقدرة مثلا نفي الموت والجهل والعجز».٢

ثم ردّ على هذا القول بقوله:

«إن لازمه فقدان الذات للكمال وهي فیاضة لكل كمال، وهو محال».٣

توضیح ردّه الباطل: إن الجهل والعجز المنفيين عن الله تعالى إن كانا يناقضان معنى العلم والقدرة فنفيهما يلازم إثبات العلم والقدرة وهو ما تفرون عنه، وإن لم يكونا (الجهل والعجز) يناقضانهما (العلم والقدرة) فإن لم نفهم منهما معنى أصلا فيلزم التعطيل، وإن نفهم منهما معنى ولكنه غير ما نفهم من معناهما المناقض للعلم والقدرة اللذين نعرفهما فلا يدلان (نفي الجهل والعجز) على إثبات مقابلهما (العلم والقدرة) فيكون الله تعالى خاليا عن العلم والقدرة وهو معنى خلوه عن الكمال. وقد أجبنا عن ذلك في المتن مرارا.

والحق


  1. الطباطبايي، محمد حسين: تفسير الميزان: ٨ / ٣٥١.
  2. الطباطبايي، محمد حسين: نهاية الحكمة، ٢٨٥.
  3. الطباطبايي، محمد حسين: نهاية الحكمة، ٢٨٧.
٢٨١الوصف العامّ والخاصّ

أن هذا الردّ^ّ^ مردود بأنه:

أولا: إن هذا الإشكال مبني علی توهم تساوي واشتراك مفاهیم صفات الله تعالى مع خلقه من كل الجهات، وهو توهم باطل حیث إنا قد بینا أنهما یشتركان من جهة ویفترقان من جهة، فلیس اشتراكا لفظیا ولا معنویا.

فهذا النفي هو نفي خاص ـ غیر ما یقال في نحو: "زید لیس بجاهل أو عاجز" ـ وذلك للدلالة على أن الله تعالى لا یوصف بما یعرف من صفات المخلوقات بعینها، لا مجرد تغییر لفظ فقط، وقد أوضحنا ذلك فلا نعید.

ثانیا: إن ذات الله تعالی متعالية عن الخلو والوجدان، والكمالات الموجودة في الخلق تكون بإیجاد الخالق تبارك وتعالى وخلقه إیاها ولیست عین ذاته أو فیضا وإصدارا عن ذاته، والفرق بینهما هو أن الفیض والصدور الفلسفي یكون معناه تجزئة وتطور الذات وصدور الأشیاء عنها بل تعینه تعالی بصور الأشیاء.

ولهذا یعتبر فیه عند أصحاب الفلسفة وجوب السنخیة بل العینیة بین الصادر والمصدر والعلة والمعلول، وأما الخلقة فهی: "الإیجاد لا من شـيء"، فلا موقع لقیاس وجود الخالق بالمخلوق وتوهم جریان القواعد الفلسفیة التمثیلیة (علي اصطلاح المنطقیین) المأخوذة عن المخلوقات على الخالق المبائن والمخالف لها بذاته.

الإمام الصادق عليه السلام:

«من زعم أن الله في شـيء، أو على شـيء، أو یحول من شـيء إلی شـيء، أو یخلو منه شـيء، أو یشتغل به شـيء، فقد وصفه بصفة المخلوقین. والله خالق كل شـيء، لا یقاس بالقیاس ولا یشبه بالناس، لا یخلو منه مكان ولا یشتغل به مكان، قریب في بعده، بعید في قربه، ذلك الله ربنا لا إله غیره.

فمن أراد الله وأحبّه بهذه الصفة فهو من الموحدین ومن أحبه بغیر هذه الصفة فالله

معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام٢٨٢

منه بریء ونحن منه برءاء».١

الإمام الكاظم عليه السلام:

«إن الله تعالى لا یشبهه شـيء أي فحش أو خناء أعظم من أن یوصف خالق الأشیاء بجسم أو صورة، أو بخلقة، أو بتحدید وأعضاء، تعالى الله من ذلك علوا كبیرا».٢

الإمام الرضا عليه السلام:

«إن من یصف ربه بالقیاس لا یزال الدهر في الالتباس، مائلا عن المنهاج، ظاعنا في الاعوجاج، ضالا عن السبیل، قائلا غیر جمیل».٣

«فلیس الله عرف من عرف بالتشبیه ذاته، ولا إیاه وحد من اكتنهه، ولا حقیقته أصاب من مثله،... ولا إیاه عنى من شبهه».٤

«من شبه الله بخلقه فهو مشـرك... ثم تلا... «إِنَّما يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَأُولئِكَ هُمُ الْكاذِبُون ».٥

یقول مولانا الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه:

«لا لأمر الله تعقلون، ولا من أولیائه تقبلون، حكمة بالغة فما تغني الآیات والنذر عن قوم لا یؤمنون».٦

ثالثا: إن الوجدان والفقدان ملكة وعدم للذوات الامتدادیة المخلوقة، والله تبارك وتعالى لا یوصف بهما.


  1. بحار الأنوار، ٣ / ٢٨٨، عن كفاية الأثر في النص على الأئمة الإثنى عشـر.
  2. بحار الأنوار، ٣ / ٣٠٣، عن التوحید.
  3. التوحيد، ٤٧.
  4. التوحيد، ٣٥.
  5. بحار الأنوار، ٣ / ٢٩٩، عن التوحید.
  6. بحارالأنوار، ٩١ / ٣٦، الاحتجاج، ٢ / ٤٩٣.
٢٨٣الوصف العامّ والخاصّ

رابعا: إن هذا الرد یبتني على القاعدة الفلسفیة القائلة بأن: معطي الشـيء لا یكون فاقدا له، وقد بینا بطلان القاعدة في أكثر من موضع.

خامسا: الجواب بالنقض باعتراف صاحب الرد نفسه حیث یقول في مقام آخر:

«نحن نحافظ على الإطلاق المفهومي بالنفي دائما، واحتیاجنا إلى هذا النفي في مورد علة العالم أكثر من سایر الموارد... فإنه لا بد لنا لمحافظة الإطلاق من النفي، فنقول: الله موجود لا كهذه الموجودات، ونقول: یكون لله الوجود والعلم والقدرة والحیاة ولكن لا من هذه الوجودات ولا من هذه العلوم، ولا...

وبالجملة تكون صفات الله مطلقات ویحافظ علیها بالنفي، كما أن الذات أیضا تكون كذلك».١

ویقول أیضا:

«قد دل العقل والنقل أن كل صفة كمالیة فهي له تعالى وهو المفیض لها على غیره من غیر مثال سابق فهو تعالى عالم قادر حي لكن لا كعلمنا وقدرتنا وحیاتنا بل بما یلیق بساحة قدسه من حقیقة هذه المعاني الكمالیة مجردة عن النقائص».٢

ویقول أیضا:

«إن الأسماء الحسنى كلها له... والأسماء الحسنة منها ما هو أحسن لا شوب نقص وقبح فیه كالغنى الذي لا فقر معه،... ولله سبحانه الأسماء الحسنى وهي كل اسم هو أحسن الأسماء في معناه كما یدل علیه قول أئمة الدین: إن الله تعالى غني لا كالاغنیاء، حي لا كالاحیاء، عزیز لا كالاعزة، علیم لا كالعلماء وهكذا، أي له من كل كمال صـرفه ومحضه الذي لا یشوبه خلافه».٣


  1. الطباطبايي، محمد حسين: أصول الفلسفة، ١٤٤ ـ ١٤٥ ـ ١٤٦.
  2. الطباطبايي، محمد حسين: تفسير الميزان، ٨ / ٣٤٣.
  3. الطباطبايي، محمد حسين: تفسير الميزان، ١٣ / ٢٢٣.
معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام٢٨٤

فترى أن أصحاب الفلسفة لا مفر لهم عن الالتزام بوجوب إرجاع صفات الخالق تعالى إلى المعاني السلبية، ولكنهم قد وقعوا بعد ذلك في ضلالة أفحش وأدهش وهي أنهم زعموا أن نتيجة السلوب المذكورة هو امتناع سلب الأشیاء بأعیانها الخارجية عن ذات الله تعالی والقول بوحدة الوجود وكون الخالق تعالی لا متناهيا جامعا وشاملا لوجود الأجسام وغیرها بأعیانها الخارجية.

سادسا: إن التفرقة بین ذات الخالق وصفاته مع خلقه بأن یكون الأول مطلقا غیر متناه، والثاني مقیدا متناهیا یكون خطأ محضا، بل نتیجة هذه التفرقة هي أن لا یكون بینهما فرق أصلا، ویلزم أن یكون أحدهما عین الآخر، حیث إنه لا تعدد ولا غیریة بین الشـيء ومراتب وجوده (وذلك بناء على تفسیر أصحاب الفلسفة من عقیدة وحدة الوجود) أو حصصه (وذلك بناء على تفسیر أصحاب العرفان منها) أو أجزائه (وذلك على التعبیر الصحیح والحق الذي یستوحش من التصـریح به الفلسفة والعرفان وذلك من جهة وضوح فساده وبطلانه) إلا بالاعتبار.

والحق في جهة الفرق هو كون الوجود والعلم والقدرة والحیاة و... في المخلوق امتدادیا متجزیا، وفي الخالق متعالیا عن الامتداد والعدد.

وبعبارة أخرى إن المطلق عند أصحاب الفلسفة والعرفان هو في الواقع نفس الوجودات والعلوم و... بأجمعها، فلا تفرقة في المصداق بین الخالق والمخلوق عندهم، بل أحدهما عین الآخر بزعمهم، فكیف یقولون:

"له الوجود والعلم والقدرة و... لا كهذه الوجودات، ولا كهذه العلوم ولا...؟!

بل الله تعالى عندهم هو نفس هذه الوجودات والعلوم و... بأجمعها، وذلك حیث إنهم توهموا أن الاحتیاج إلی النفي هو للمحافظة علی إطلاق وجود الله وصفاته، ونحن قد بینا بطلان الاعتقاد بكون وجود الخالق تعالی مطلقا غیر متناه موضوعا وحكما.

وبالجملة إن العقل والنقل یشدان الإنكار على أن یكون وجود الأشیاء على نحو

٢٨٥الوصف العامّ والخاصّ

الإفاضة والصدور والتعین والتولد عن الخالق جل وعلا، ویدلان على أن إفاضته تعالى هو نفس إیجاده الأشیاء وكمالاتها لا من شـيء، وهي حقایق امتدادیة متجزیة قابلة للزیادة والنقصان والوجود والعدم بذاتها، فلا تسانخ ذات الخالق تعالی عن الامتداد والأجزاء، وتباینها بكلها. فالاعتقاد بالتفرقه بین وجود الخالق والخلق بالتناهي وعدم التناهي مع المسانخة الوجودیة والاشتراك في نفس المصداق الخارجي باطل موضوعا وحكما كما بیناه.

إشكال وجواب:

قد یقال: إنا إذا قلنا: "إن الله عالم یكون بمعنى أنه لیس بجاهل"، و"هو قادر یكون بمعنى أنه لیس بعاجز" و...

فإن أردنا من الجهل والعجز المنفیین معنى غیر المعنى المناقض للعلم والقدرة الذین نعرفهما فیلزم التعطیل وعدم إفادة معنى أصلا، وإن أردنا منهما المعنى المناقض للعلم والقدرة فیكون مفاد نفي الجهل والعجز هو إثبات العلم والقدرة ویعود المحذور،

والجواب هو:

أن وصف الشـيء بالعلم بمعناه الخاص الامتدادي المتجزئ المخلوق یشترك مع وصفه بالعلم بمعناه الخاص المتعالي عن الجزء والكل اللائق بالله الخالق المتعال في أن كلیهما ینفیان الجهل ویناقضانه، ولكنهما مع ذلك یفترقان بأن العلم الخاص بالمخلوق هو العلم المتجزئ القابل للزیادة والنقصان مفهوما ومصداقا، وأما العام یكون بخلاف ذلك فلا یعرف إلا بأنه خلاف الجهل.

وحینئذ فالمقصود من إرجاع صفات الخالق تعالی إلى السلب هو الدلالة على أن علم الخالق تعالى في عین أنه یكون علما حقیقة، ویناقض معنى الجهل، لكنه لا یشبه علم المخلوق المتجزئ القابل للتصور بنفسه المحتمل للزیادة والنقصان والوجود والعدم، وذلك بخلاف قول القائل، "زید عالم" و"زید لیس بجاهل"، حیث یكون مفادهما واحدا ولا اختلاف بین القولین إلا من حیث

معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام٢٨٦

اللفظ فقط.

فالإشكال إنما نشأ من عدم التوجه إلى الفرق بین صفات الخالق والمخلوق كما ینبغي، ومن قیاس أحدهما بالآخر، حیث إن إرجاع قولنا: "إن الله عالم" إلى معنى: "أنه لیس بجاهل"یكون للدلالة على أن العلم المثبت له تعالى هو العلم بمعناه الخاص به جل وعلا المتعالي عن إمكان التصور بنفسه، وذلك لا یعرف إلا بأنه: "ما لیس بجهل وهو مع هذا خلاف علم المخلوق المتجزئ الحادث المتغیر القابل للوجود والعدم" كما أوضحناه.

وعلى هذا فإن فرضنا أن قائلا مع الالتفات إلى معنى العلم الخاص به تعالی قال: "إن الله تعالى عالم، أي لیس بجاهل"، وأراد في قوله ذلك من العلم العلم بمعناه الخاص به تعالی، ومن نفي الجهل أیضا امتناع الجهل له تعالی ذاتا وثبوتا، لما بقي بین قولیه فرق إلا في اللفظ فقط، بل یكون قوله: "أي لیس بجاهل" حینئذ زائدا غیر محتاج إلیه.

ولیعلم مع هذا أنه لا یمكن الوصول إلى هذا الفرض وهذه المعرفة إلا بما بیناه من وجوب معرفة ذلك في المخلوق وانتزاعها عنه أولا، ثم نسبته إلی الله تعالی بعد سلب صفة المخلوقیة والتجزي عنه إلی الله تعالی، لأن العلم بمعناه العام لا یمكن الوصول إلیه وبمعناه الخاص بالله تعالی لا یتصور بنفسه ولا یعرف إلا بعد أن نتصور ما یمكن تصوره من المعاني والصفات المخلوقة ـ وهي نفس الحقایق الامتدادیة المخلوقة مصداقا ومفهوما ـ ثمّ ننتقل منها إلى معنى من العلم والقدرة والوجود و... لا یتصور بنفسه ولا یعرف إلا بأنه خلاف الجهل والعجز والعدم القابل للتصور والمعرفة، وهذا بیان ما قلناه من وجوب إرجاع صفات الخالق تعالى إلى نفي مقابلاته ولا یمكن الفرار عن الالتزام بذلك بوجه من الوجوه.

وعلى ما قدمناه فیظهر أنه لا إشكال في نفس وصف الخالق تعالی بأنه عالم، قادر، حي، و... إذا احتفظ على جهة التنزیه وعُلِم أن الصفات لا تنسب إلیه تعالى بمفاهیمها الخاصة الامتدادیة التي هي كیفیات لا غیر، فإنه تعالى هو ذات، علم، قدرة، حیاة، نور،

٢٨٧الوصف العامّ والخاصّ

بهاء، عظمة، سلطنة، سمع، بصـر، بلا إشكال في ذلك من جهة الإقرار والإثبات أبدا.

فلا موقع لتوهم ورود الإشكال في ما قلناه بلزوم التعطیل أو كون الخالق تعالى غیر عالم أو غیر قادر أو... كما أوضحنا ذلك. فالمهم هو العلم بأنه لا یمكن الاحتفاظ على تنزیه الخالق تعالى عن سنخ وجود الخلق وصفاته، إلا بأن نسلب عنه تعالى كل مفهوم یمكن تصوره في الأجزاء من حقیقة معنى العلم والقدرة والحیاة والوجود بل الجهل والعجز والموت والعدم ـ ونقرّ مع ذلك بأنه تعالى عالم قادر حی مرید لا كالعالم والقادر والحی والمرید من خلقه القابل للمعرفة بنفسه، كما هو نص الكتاب والسنة خلافا لمدرسة الفلسفة والعرفان والتفكیك القائلة بامتناع وصف الله تعالی بأیة عبارة و إشارة وتصور وتصدیق، بلالمعرفة عندهم بالتجرد وشهود ذات الله بوحدة ذات العارف والمعروف.

فظهر بذلك كله بطلان توهم عدم التفاوت بین المفاهیم المحمولة علی الله تعالی مع خلقه، وكونهما مشتركین معنی واختلافهما في المصداق فقط.

لأنه قد بینا جلیا أنه إذا حملنا معنی الوحدة مثلا علی إنسانین أو شجرین أو حجر وشجر وأمثال ذالك یكون المعنی المحمول مشتركا بینهما والاختلاف في المصداق فقط، أما إذا حملنا معنی الوحدة بنفس هذا المعنی ـ وهو الأجزاء المجتمعة ـ علی الله تعالی یكون شـركا وإلحادا، بل نفس المفهوم والمعنی المحمول علی الله تعالی یختلف مع المعنی المحمول علی خلقه حتی من حیث المفهوم وكذا مفهوم العلم والقدرة و...

المعرفة "إحاطیة" و"تصدیقیة"

إن معرفة المعنى الخاص بالخلق من الوجود والصفات یمكن أن یعبر عنها بالمعرفة الإحاطیة، كما أن المعنى العام والخاص بالله تعالى منها ینبغي أن یعبر عنها بالمعرفة التصدیقیة:

أمیر المؤمنین عليه السلام:

«

معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام٢٨٨

الحمد لله الذي أعجز الأوهام أن تنال إلا وجوده».١

إنَّ الله تبارك وتعالى ألزم العباد أسماء من أسمائه على اختلاف المعاني وذلك كما یجمع الاسم الواحد معنیین مختلفین».٢

الإمام الصادق عليه السلام:

«فإن قالوا: أو لیس قد نصفه فنقول: هو العزیز الحكیم الجواد الكریم؟! قیل لهم: كل هذه صفات إقرار ولیست صفات إحاطة، فإنا نعلم أنه حكیم ولا نعلم بكنه ذلك منه، وكذلك قدیر وجواد وسایر صفاته، كما قد نرى السماء ولا ندري ما جوهرها، ونرى البحر ولا ندري أین منتهاه، بل فوق هذا المثال بما لا نهایة له لأن الأمثال كلها تقصـر عنه، ولكنها تقود العقل إلى معرفته».٣

«إن العقل یعرف الخالق من جهة توجب علیه الإقرار، ولا یعرفه بما یوجب له الإحاطة بصفته».٤

الإمام الرضا عليه السلام:

«واعلم أنه لا یكون صفة لغیر موصوف، ولا اسم لغیر معنى، ولا حد لغیر محدود، والصفات والأسماء كلها تدل على الكمال والوجود، ولا تدل على الإحاطة كما تدل على الحدود التي هي التربیع والتثلیث والتسدیس، لأن الله عزّ وجلّ تدرك معرفته بالصفات والأسماء ولا تدرك بالتحدید بالطول والعرض والقلة


  1. بحار الأنوار، ٤ / ٢٢١ ، عن التوحید.
  2. الصدوق: التوحيد والعيون.
  3. بحار الأنوار، ٣ / ١٤٧، عن توحید المفضل.
  4. بحار الأنوار، ٣ / ١٤٧، عن توحید المفضل.
٢٨٩الوصف العامّ والخاصّ

والكثرة واللون والوزن وما أشبه ذلك.

ولیس یحلّ بالله جلّ وتقدّس شـيء من ذلك حتى یعرفه خلقه بمعرفتهم أنفسهم بالضـرورة التي ذكرنا، ولكن یدل على الله عزّ وجلّ بصفاته ویدرك بأسمائه ویستدل علیه بخلقه حتى لا یحتاج في ذلك الطالب المرتاد إلى رؤیة عین واستماع أذن ولمس كف ولا إحاطة بقلب.

فلو كانت صفاته جل ثناؤه لا تدل علیه وأسماؤه لا تدعو إلیه والمعلمة من الخلق لا تدركه لمعناه، كانت العبادة من الخلق لأسمائه وصفاته دون معناه، فلو لا أن ذلك كذلك لكان المعبود الموحد غیر الله تعالى لأن صفاته وأسمائه غیره».١

نتیجة البحث إلى هنا ترتكز علی نقاط:

١ . إذا أطلق على الله تعالى القول بأنه "شـيء" فالمراد منه هو الشیئیة بمعناها الخاص اللائق به تعالى، ـ وهو المعنى المبائن للامتداد والعدد المتعالي عن قابلیة التصور والإدراك ـ، لا المعنى الذي یختص بخلقه ـ وهو المعنى الملازم للامتداد والعدد في المفهوم والمصداق ـ. وإذا أطلق ذلك علیه تعالى وعلى غیره فالمراد منه هو المعنی الخاص اللائق به تعالى أو المعنى العام الحاكي عن مجرد كون الشـيء أمرا واقعیا، لا باطلا وموهوما.

٢ . إذا قلنا "إن الله تعالى موجود من الموجودات" فهو مساوق لقولنا "إنه شـيء من الأشیاء" والمراد من ذلك هو الوجود الخاص اللائق به تعالى أو العام المتعالي من الامتداد المبائن مع الموجود في الأجزاء والعدد، الحاكي عن مجرد الثبوت ونفي البطلان، لا الموجود بمعناه الخاص القابل للتصور بنفسه المتحقق في الأجزاء والأبعاض.

٣ . یجب إرجاع صفات الله الذاتیة العلیا كلها إلى السلب ونفي المقابل وذلك كقولنا: "هو عالم أي لیس بجاهل"، بل نفي المعنى الموافق الخاص بالخلق أیضا كقولنا: "هو عالم لا كعالم" ویكون القولان لإفادة معنى واحد.

٤ .


  1. التوحيد، ٤٣٧ ـ ٤٣٨.
معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام٢٩٠

الوجود الحملي الذي یحمل على الله تعالى في قولنا: "الله موجود" والذي یحمل على سائر الأشیاء كقولنا "الإنسان موجود" (وهو معنى الإثبات). لا یكون مشتركا لفظیا، كما أنه لیس مشتركا معنویا تمام الاشتراك أیضا، فإنه في الأول یحكي عن مجرد الثبوت والواقعیة ونفي البطلان، وفي الثاني یكون مدلوله نسبة الواقعیة والثبوت إلى الشـيء الامتدادي المتجزئ القابل للمقابل، ولا یمكن الالتفات إلى المعنی الخاص اللائق به تعالى أو المعنى العام ـ فضلا عن إثباته لشـيء أو نفیه عنه ـ إلا بأن یهدینا إلی ذلك من لا تدركه الأبصار وهو یدرك الأبصار كما بینفي مبحث الانسداد.,

٥ . التقسیم بالعام والخاص للشیئیة والوجود والموجود ومعنى الإثبات، لا یستلزم الاشتراك في الحقیقة العینیة والذات الخارجیة مطلقا، وعلیه فمن ناحیة الوجود العیني الخارجي لا إشكال في أن الخالق یباین وجود المخلوق تباینا تاما، فإن المخلوق هو الحقیقة الامتدادیة المتجزیة القابلة للوجود والعدم، والخالق بخلاف ذلك كله.

٦ . لا یعرف الله تعالى في صفاته الذاتیة العلیا القابلة للحمل علیه إلا بتصور تلك المفاهیم بمعناها الخاص بالمخلوقات، ومعرفتها في المصادیق الامتدادیة المخلوقة، ثم سلب تلك المفاهیم عنه تعالى بتلك الخصوصیة وإثباتها له بعنوانها العام، أو بمعناها الخاص به جل وعلا الدال على مطلق الوجود الذي یكون خارجا عن إمكان التصور والوصول إلیه به نفسه والوجود والعدم المتقابلین بالذات.

بیان الروایات المشیرة إلى النقاط المذكورة في ضمن أقسام:

القسم الأول: الروایات المشیرة إلى أن الله تعالى شـيء بحقیقة الشیئیة، وله الشیئیة بالمعنى العام لا الخاص بالخلق:

الإمام الصادق عليه السلام:

«ثما توهمتم

٢٩١الوصف العامّ والخاصّ

من شـيء فتوهموا الله غیره».١

فالتوهم الثاني هو التوهم بالمعنی الخاص اللائق به تعالى أو العنوان العام، والأول بالعنوان الخاص بالمخلوق فلا تناقض.

وبذلك یرتفع أیضا التناقض المترائى بدوا في قوله عليه السلام:

«ثهو شـيء بخلاف الأشیاء».٢

فإن الأول هو الشـيء بالمعنی الخاص اللائق به تعالى أو عنوانه العام، والثاني هو الشـيء بعنوانه الخاص بالخلق.

ومن هنا تقول:

«یا من لا یعلم ما هو، ولا كیف هو، ولا أین هو، ولا حیث هو، إلا هو».٣

إن الهویة بالمعنى الخاص بالخلق تكون متفرعة على الامتداد وهي ملكة له، فلا تنسب إلى ما هو یتعالى عن الامتداد:

الإمام الصادق عليه السلام:

«ثولا یقال له ما هو؟ لأنه خلق الماهیة».٤

«...فكان من سؤال الزندیق أن قال: فما الدلیل علیه؟ قال أبو عبد الله عليه السلام: وجود الأفاعیل التي دلت على أن صانعا صنعها. ألا ترى أنك إذا نظرت إلى بناء مشید مبني علمت أن له بانیا وإن كنت لم تر الباني ولم تشاهده.

قال: فما هو؟ قال: هو شـيء بخلاف الأشیاء، ارجع بقولي "شئ" إلى إثبات معنى وأنه شـيء بحقیقة الشیئیة غیر أنه لا جسم ولا صورة ولا یحس ولا یجس ولا یدرك بالحواس الخمس، لا تدركه الأوهام، ولا تنقصه


  1. بحار الأنوار، ٤ / ٤٠، عن التوحید.
  2. الإمام الصادق عليه السلام: الوافي، ١ / ٣٢٧؛ عن الكافي، ١ / ٨٠.
  3. دعاء المشلول، مفاتيح الجنان، نقلاً عن كتب الكفعمي ومهج الدعوات.
  4. بحار الأنوار، ٣ / ٢٩٧، عن روضة الواعظين.
معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام٢٩٢

الدهور، ولا یغیره الزمان.

قال السائل: فتقول إنه سمیع بصیر؟! قال: هو سمیع بصیر، سمیع بغیر جارحة، وبصیر بغیر آلة، بل یسمع بنفسه ویبصـر بنفسه، لیس قولي إنه یسمع بنفسه إنه شـيء والنفس شـيء آخر، ولكن أردت عبارة عن نفسـي إذ كنت مسؤولا، وإفهاما لك إذ كنت سائلا، وأقول: یسمع بكله، لا أن الكل منه له بعض، ولكني أردت افهاما لك والتعبیر عن نفسي. ولیس مرجعي في ذلك إلا إلى أنه السمیع البصیر العالم الخبیر١ بلا اختلاف الذات ولا اختلاف المعنى.

قال السائل: فما هو؟ قال أبو عبد الله عليه السلام: هو الرب وهو المعبود وهو الله .٢ ولیس قولي "الله " إثبات هذه الحروف: ألف، لام، هاء، ولكني أرجع إلى معنى هو شـيء خالق الأشیاء وصانعها، وقعت علیه هذه الحروف وهو المعنى الذي یسمى به الله والرحمن والرحیم والعزیز وأشباه ذلك من أسمائه، وهو المعبود جل وعز.

قال السائل: فإنا لا نجد إلا موهوما».٣

«قال أبو عبد الله عليه السلام: لو كان ذلك كما تقول٤ لكان التوحید عنا مرتفعا، لأنا لم نكلف


  1. بالمعنى العام لتلك العناوين، أو بالمعنى الخاص اللائق به تعالى لأنه لا مناص عن الإقرار والتصديق بها من حيث وجود آثار العلم والقدرة في فعله وخلقه تعالى، وأما تصور تلك العناوين بأنفسها في الأجزاء فهي محال، لتباينها مطلقا مع من يدخل تحت التصور والإدراك والامتداد.
  2. لا يصح التعبير عنه في جواب السؤال عنه "بما هو؟" بغير ذلك وأشباهه لأن وصف كل ذات بذاتها يستلزم كونها امتدادية مصنوعا.
  3. انظر إلى هذا التعبير كيف يكشف عما لدى السائل من انحصار الهويات والحقايق الثابتة عنده بما لها مفهوم خاص وحقيقة امتدادية.
  4. أي إن لم يمكن الحكم على شـيء بالوجود بمفهومه العام الخارج عما يكون موهوما ومفهوما بعنوانه الخاص بالمخلوقات، ولو من حيث دلالة أفعال ذلك الشـيء وآثاره عليه.
٢٩٣الوصف العامّ والخاصّ

أن نعتقد غیر موهوم١. ولكنا نقول: كل موهوم بالحواس مدرك، فما تجده الحواس وتمثلّه فهو مخلوق، ولا بد من إثبات صانع الأشیاء خارج من الجهتین المذمومتین إحدیهما النفي إذ كان النفي هو الإبطال والعدم.٢ والجهة الثانیة التشبیه.٣ إذ كان التشبیه من صفة المخلوق الظاهر التركیب والتألیف، فلم یكن بد من إثبات الصانع لوجود المصنوعین، والاضطرار منهم إلیه أثبت أنهم مصنوعون وأن صانعهم غیرهم ولیس مثلهم...

قال السائل: فقد حدّدته إذ أثبتّ وجوده.٤ قال أبو عبد الله عليه السلام: لم أحدّه٥. ولكن أثبته.٦ إذ لم یكن بین الإثبات والنفي منزلة.

قال السائل: فله إنیة ومائیة؟! قال: نعم: لا یثبت الشـيء إلا بإنیة ومائیة».٧

«قال السائل: فله كیفیة؟! قال: لا، لأن الكیفیة جهة الصفة والإحاطة، ولكن لا بد من الخروج من جهة التعطیل والتشبیه، لأن من نفاه أنكره ورفع ربوبیته وأبطله، ومن شبهه بغیره فقد أثبته بصفة المخلوقین الذین لا یستحقون الربوبیة، ولكن لا بد من إثبات ذات بلا كیفیة لا یستحقها غیره ولا یشارك فیها ولا یحاط


  1. وغير مفهوم ولو بعنوانه العام، فإن من البديهي أنه لا يمكن الحكم على المجهول المطلق فكيف نكلف به؟!
  2. وهو باطل لأن كل مصنوع له صانع.
  3. والحكم على الشـيء بعد ما فرض شيئا بالمفهوم الخاص وهو أيضا باطل.
  4. فانظر كيف لم يتفطن السائل إلى أن إثبات الشـيء إذا كان من جهة دلالة آثاره عليه، لا يستلزم تصوره بالمفهوم الخاص الامتدادي.
  5. وما تصورتُه بنفسه حتى يلزم أن يكون مفهوما بالمفهوم الخاص الامتدادي.
  6. من حيث دلالة آثاره عليه.
  7. سواء كان شيئا بالمفهوم الخاص أو العام.
معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام٢٩٤

بها ولا یعلمها غیره».١

فإنه من الواضح أن توهم غیر الموهوم هاهنا لیس من اجتماع النقیضین في شـيء، لأن الأول هو المعنی الخاص اللائق به تعالى أو العام، والثاني هو الخاص بالمخلوق:

«... سألت أبا جعفر الثاني عليه السلام عن التوحید فقلت: أتوهم شیئا؟ فقال: نعم، غیر معقول ولا محدود.٢ فما وقع وهمك علیه من شـيء٣ فهو بخلافه، لا یشبهه شـيء ولا تدركه الأوهام، كیف تدركه الأوهام وهو خلاف ما یعقل وخلاف ما یتصور في الأوهام، إنما یتوهم شـيء غیر معقول ولا محدود».٤

الإمام الصادق عليه السلام:

«كل ما وقع في الوهم فهو بخلافه».٥

الإمام أمیر المؤمنین عليه السلام:

«اتقوا أن تمثلوا بالرب الذي لا مثل له، أو تشبهوه من خلقه، أو تلقوا علیه الأوهام، أو تعملوا فیه الفكر وتضـربوا له الأمثال، أو تنعتوه بنعوت المخلوقین، فإن لمن فعل ذلك نارا».٦

القسم الثانی: الروایات الدالة على أن الله تعالى له الوجود بالمعنى العام، والوجود بالمعنى الخاص اللائق به تعالى

الإمام أمیر المؤمنین عليه السلام:

«إن قیل "


  1. الوافي، ١ / ٣٢٦؛ نقلا عن الكافي، ١ / ٨٠؛ التوحيد ٢٤٤ و٢٤٧.
  2. أي غير متوهم بالمفهوم الخاص بالخلق.
  3. وهو الشـيء بمعناه الخاص بالخلق.
  4. بحار الأنوار، ٤ / ٢٢٦، عن التوحيد.
  5. بحار الأنوار، ٣ / ٢٩٩.عن التوحيد.
  6. بحار الأنوار، ٣ / ٢٩٨، عن روضة الواعظين.
٢٩٥الوصف العامّ والخاصّ

كان" فعلى تأویل أزلیة الوجود، وإن قیل "لم یزل" فعلى تأویل نفي العدم».١

الإمام الباقر عليه السلام:

«ثإن ربي تبارك وتعالى كان... ولم یكن له كان».٢

الإمام الصادق عليه السلام:

«الحمد لله الذي كان،٣ قبل أن یكون كان،٤ لم یوجد لوصفه٥ كان».٦

«فكان إذ لا كان».٧

إن الله تعالى هو الواحد الأحد الفرد الصمد الموجود بنفسه لا بأداته وأجزائه، وهو المتعالي عن الكون والفساد والوجود والعدم والتكون والتمثل:

الإمام أمیر المؤمنین عليه السلام:

«ثوكان عز وجل الموجود بنفسه لا بأداته».٨

«ثجلّ وعزّ عن أداة خلقه وسمات بریته».٩


  1. الكافي، ٨ / ١٨؛ بحار الأنوار، ٤ / ٢٢١، عن التوحید والأمالي للصدوق قدس سـره.
  2. الكافي، ١ / ٨٨، بحار الأنوار، ٤ / ٢٩٩، عن التوحید.
  3. بالمعنى العام أو الخاص به تعالى .
  4. بالمعنى الخاص.
  5. لاختصاص ما يعرف من معنى الكون بما يخص بالمقادير المخلوقة.
  6. التوحيد، ٦٠؛ بحار الأنوار، ٣ / ٢٩٨، عن التوحید. فإن "التحقق" و"التكون" هو قبول الوجود بمعناه الخاص بالخلق، ويكون ملكة للذات الامتدادية فلا ينسب إلى الله تعالى، كما أن حمل الوجود على الشـيء بمعناه الخاص بالمخلوقات لا يكون إلا إذا كان الشـيء يتساوی له الوجود والعدم لذاته.
  7. بحار الأنوار، ٣ / ٢٩٨، عن التوحید.
  8. بحار الأنوار، ٤ / ٢٧٧، عن التوحید.
  9. بحار الأنوار، ٤ / ١٥٤، عن الاحتجاج.
معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام٢٩٦

الإمام الصادق عليه السلام:

«ولا تمثّل فتكون موجودا».١

الإمام الرضا عليه السلام:

«یحقّق ولا یمثّل، ویوحد ولا یبعض».٢

وذاك الوجود الخاص بالمخلوقات والكینونة المكیفة هو الذي یكون شیئا غیر ذات الشـيء وزائدا علیها أي قابلا للسلب عنها والتبدل علیها، فلذا یسلب عنها ویمكن أن یتبدل عنها ویوجد الشـيء على غیر ما یكون علیه من الصفات، والخالق تعالى یكون على خلاف ذلك كله فهوكما عنالإمام أمیر المؤمنین عليه السلام:

«كان بلا كینونة، كان بلا كیف، كان لم یزل بلا كم ولا كیف».٣

فإن الشـيء المتجزئ هو ما یمكنه أن یتغیر عما هو علیه، ولك أن تسأل عنه بعد الإقرار بوجوده بأنه: "كیف هو؟" و"ما هي صفاته؟" و"ما هو مقداره وأجزاؤه؟"، وأما الشـيء بخلاف الامتداد والعدد فلا یصح السؤال عنه بعد الإقرار بوجوده بأنه: "ما هو؟" و"كیف هو؟" و"ما هي صفته؟"، فهو هو لیس شیئا غیر نفسه، ولا یكون له حال وصفة وكیفیة حتى یمكنه التغیر والتحول عما یكون علیه، ولذا لا یمكن فرض تغیره عما علیه من الوجود الخاص به بالذات، فلا یوصف بالوجود والعدم المتقابلین، ولا یمكن فرض عدمه بالذات. فمن أوهن ما قیل هو ما یقال أحیانا:

"ما هو المانع من أن یعدم الخالق بعد إیجاده الخلق؟"


  1. الصحیفة العلویة، ٢١٠؛ مصباح الکفعمي، ٦٧١؛ بحار الأنوار، ٩٨ / ٢٦٣، عن إقبال الأعمال. وذلك أن الوجود بمعناه الخاص بالخلق القابل للتصور ليس إلا للامتداد المحدود القابل للتكون والتمثل، والله تعالى منزه عن ذلك كله.
  2. بحار الأنوار، ٣ / ٢٩٧، عن التوحید.
  3. بحار الأنوار، ٣ / ٣٣٦، عن المحاسن.
٢٩٧الوصف العامّ والخاصّ

فإن ما یمكن أن یفرض له العدم ویسلب عنه الوجود، هو الموجود بالوجود الخاص الذي یكون موجودا في الامتداد والصفات والأحوال، والخالق جل وعلا یتعالى عن ذلك كله بذاته.

وأما جواب الفلسفة والعرفان عن السؤال المذكور بما قد یقال: "إن الله هو نفس حقیقة الوجود، وسلب الوجود عن حقیقة الوجود محال"، فهو أوهن عن السؤال، وفقد عرفت بطلانه موضوعا في مواضع متكررة.

الإمام الباقر عليه السلام:

«إن ربي تبارك وتعالى كان بلا كیف، كان لم یزل حیا بلا كیف، ولم یكن له كان، ولا كان لكونه كیف... ولا ابتدع لكانه مكانا».١

الموجود بالوجود الخاص القابل للتصور هو ما یمكن تصوره مجردا عن الوجود والعدم، فیكون تحققه زائدا على ذاته، فلا یكون إلا حادثا وموجودا بعد عدمه، والموجود المتعالي عن ذلك یكون على خلاف ذلك كله بالذات:

الإمام أمیر المؤمنین عليه السلام:

«كائن لا عن حدث، موجود لا عن عدم».٢

«لا یقال له كان بعد أن لم یكن فتجري علیه الصفات المحدثات ولا یكون بینها وبینه فصل، ولا له علیها فضل فیستوي الصانع والمصنوع».٣

«اللهم إنك كنت قبل الأزمان، وقبل الكون والكینونة والكائن».٤

الإمام أبو جعفر عليه السلام:

«


  1. الكافي، ١ / ٨٨، بحار الأنوار، ٤ / ٢٩٩، عن التوحید.
  2. بحار الأنوار، ٤ / ٢٤٧، عن نهج البلاغة.
  3. بحار الأنوار، ٤ / ٢٥٥، عن الاحتجاج.
  4. الصحيفة العلوية، ٢٩.
معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام٢٩٨

لم یزل حیا بلا حیاة... ولا كون موصوف ولا كیف محدود».١

الإمام الصادق عليه السلام:

«ثلم یتكون فتعرف كینونته بصنع غیره».٢

«وإنه عزّ وجلّ دائم تعالى عن الكون والزوال، بل هو الله عزّ وجلّ مكوّن الكائنات الذي كان بتكوینه كل كائن».٣

فلا یحمل علیه تعالى ولا ینسب إلیه الوجود إلا بمعناه الخاص به، أو بمعناه العام اللذین یحكیان عن نفي العدم وطرده فقط:

الإمام أمیر المؤمنین عليه السلام:

«كمال معرفته التصدیق به».٤

«وجوده إثباته».٥

«الحمد لله الّذي أعجز الأوهام أن تنال إلا وجوده».٦

«لم تجعل للخلق طریقا إلى معرفتك إلا بالعجز عن معرفتك».٧

الإمام الصادق عليه السلام:

«وحدّ المعرفة أن یعرف... أنه قدیم مثبت موجود غیر فقید... ولا مبطل».٨

«... سئل أبو عبد الله عليه السلام عن التوحید فقال:«هو عزّ وجلّ مثبت موجود لا


  1. بحار الأنوار، ٤ / ٢٩٩ ، عن التوحید.
  2. بحار الأنوار، ٤ / ١٦١، عن التوحید.
  3. التوحيد، ٩٢، باب تفسير قل هو الله أحد إلى آخرها.
  4. نهج البلاغه، الخطبة،١.
  5. بحار الأنوار، ٤ / ٢٥٣، عن الاحتجاج.
  6. بحار الأنوار، ٤ / ٢٢١، عن التوحید.
  7. بحار الأنوار، ٩٤ / ١٥٠، عن العدد القویة.
  8. بحار الأنوار، ٤ / ٥٥، عن كفاية الأثر.
٢٩٩الوصف العامّ والخاصّ

مبطل ولا معدود».١

«من نظر في الله كیف هو، هلك».٢

ولیس شـيء غیره تعالى كذلك حیث إن نسبة الوجود إلى غیره تعالى إخبار عن تحقق أجزاء وأبعاض، وإثبات لذات في امتداد وعدد، قابلة للوجود والعدم فیكون زائدا علیها. وبالتوجه إلى هذا التقابل تعرف حقیقة معنى عدم زیادة الوجود على الذات، وتعرف بذلك أیضا خطأ أصحاب الفلسفة والعرفان في ذلك حیث إنهم یفسـرون معنى عدم زیادة وجود شـيء على ذاته، بكونه مسلوب الماهیة، ومعنی سلب الماهیة هو عندهم كونه غیر محدود ولا متناه.

الإمام أمیر المؤمنین عليه السلام:

«وكمال معرفته التصدیق به».٣

«... أیجوز أن یقال لله موجود؟ قال [الإمام الباقر عليه السلام]: نعم، تخرجه من الحدین، حد الإبطال٤ وحد التشبیه٥».٦

القسم الثالث: الروایات المشیرة إلى وجوب إرجاع صفات الخالق تعالی إلى معان یضاف إلیها قیود سلبیة

قد بینا أنه لا ینسب إلى الله تعالى عنوان ثبوتي إلا بإرجاع ذلك إلى سلب مقابله، كقولنا: "إن الله تعالى عالم، أي لیس بجاهل". أو بضمیمة سلب ذلك العنوان عنه تعالى بمعناه الخاص؛ كقولنا: "إن الله تعالى عالم لا كعالم" و"هو موجود لا كالموجودات".


  1. بحار الأنوار، ٤ / ٦٨، عن التوحید.
  2. الكافي، ١ / ٩٣؛ بحار الأنوار، ٣ / ٢٥٩.
  3. نهج البلاغه، الخطبة ١.
  4. أي العدم.
  5. أي الوجود الخاص.
  6. بحار الأنوار، ٣ / ٢٦٥، عن المحاسن.
معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام٣٠٠

كل ذلك في مقام المعرفة والتعریف، وإلا فمن حیث الواقع فهو تعالى ذات القدرة والعلم و... ولیس بصفة ولا موصوف، فیكون هذا البحث في ذلك المقام منتفیا موضوعا.

فلا محیص عن الالتزام بأن إثبات صفات الخالق تعالى ترجع إلى سلب المفاهیم الامتدادیة المخصوص بها الإدراك عنه تعالى، لأن كل ما یمكن أن یتصور من المفاهیم بنفسها لا یكون إلا امتدادیا عددیا، قابلا للوجود والعدم، فلا ینسب إلیه تعالى شـيء منها.

بل یقع الالتفات إلى تلك الصفات المخلوقة مقدمة لإثباتها للخالق تعالى بالمعنی الخاص اللائق به تعالى أو بعنوانها العام فقط، فالموجب لإرجاع الصفات إلى السلب هو التنبیه على أن الله تعالى لیس بصفة ولا موصوف، فإن كل صفة تشهد بأنها غیر الموصوف، وكل موصوف یشهد بأنه غیر الصفة، وتشهد الغیریة بالاقتران، والاقتران آیة كون الذات عددیة امتدادیة مخلوقة، بل هو تعالى ذات، علم، قدرة، نور، حیاة، عظمت آلاؤه، وجلّت كبریاؤه.

الإمام أبو عبد الله عليه السلام:

«النعوت نعوت الذات لا تليق إلا بالله تبارك وتعالى. والله نور لا ظلام فيه، وحي لا موت له، وعالم لا جهل فيه، وصمد لا مدخل فيه. ربنا نوري الذات، حي الذات، عالم الذات، صمدي الذات».١

«لم يزل الله جل وعز ربنا والعلم ذاته ولا معلوم، والسمع ذاته ولا مسموع، والبصـر ذاته ولا مبصـر، والقدرة ذاته ولا مقدور».٢

ولا یلزم مما بیناه أن یكون الاشتراك بین صفات الخالق والمخلوق اشتراكا لفظیا، فإن العلم المثبت له تعالى بمفهومه العام أو بمعناه الخاص اللائق به تعالى، لا یكون عن معنى العلم المسلوب عنه تعالى والمنسوب إلى خلقه أجنبیا بالكلیة، ولا یباینه تباینا تاما


  1. التوحيد، ١٤٠.
  2. التوحيد، ١٣٩.
٣٠١الوصف العامّ والخاصّ

حتى یلزم الاشتراك اللفظي، بل لیس اختلافهما إلا من حیث كون الثاني امتدادیا قابلا للإدراك والتصور والتوهم، والوجود والعدم، بخلاف الأول.

فهما یشتركان معنى في أن كلیهما، مقابلان للجهل، ویفترقان بأن أحدهما امتدادي قابل للتصور والإدراك بذاته، والآخر لیس كذلك ولا یحصل العلم بوجوده إلا من حیث وجود آثاره، وذلك أن تصوره ومعرفة حقیقته بنفسه محال، لأن كل معروف بنفسه مصنوع.

إن قیل (كما في قول الفلاسفة): إن مفاهیم صفاته تعالى كالعلم والقدرة، لو كانت مغایرة لما نتصور من معناها في غیره من المخلوقین لما كان قولنا: "الله عالم قادر" إذاً مفیدا لإثبات العلم له.

قلنا: إن هذا الإشكال مبتن على توهم كون اشتراك مفاهیم صفات الله تعالى مع غیره اشتراكا لفظیا ، وأما على ما بیناه من كون الاختلاف بینهما لا بالتباین التام فلا یرد الإشكال. فإن المنفي عن الله تعالى هو المفهوم الخاص المتجزئ القابل للتصور والإدراك بذاته، والمثبت له هو ذات العلم والقدرة المخالفة بذاتها لما یقع في التصور والتوهم.

وواضح أن دلالة إثبات العلم والقدرة على نفي الجهل والعجز مقطوع بها ولا فرق في ذلك بین نسبتهما إلى الخالق والخلق من هذه الجهة، كما أن الاختلاف بینهما من حیث كون أحدهما امتدادیا یساوي الوجود والعدم له دون الآخر غیر قابل للإنكار أیضا. فهو تعالى عالم لا كعالم، وقادر لا كقادر، وحي لا كحي، وموجود لا كموجود، وهو تبارك وتعالى:

الإمام أمیر المؤمنین علیه السلام:

« وَهُوَ أَقْرَبُ إِلَيْنَا مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ وَأَبْعُدْ مِنَ الشَّبَهِ مِنْ كُلِ بَعِيد».١

إن قیل (كما فی قول الفلاسفة): إن سلب مقابل الصفات یرجع بالنتیجة إلى إثبات الصفات، لأن سلب العجز هو إثبات القدرة، وسلب الجهل هو إثبات العلم، فیعود المحذور.

فنجی


  1. التوحيد، ٧٩.
معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام٣٠٢

ب: لیس المراد من وجوب الالتزام برجوع إثبات الصفات إلى سلب مفاهیمها المقابلة لها هو سلب الخاص (كالعلم المتجزئ) لإثبات المقابل الخاص (كالعلم المتجزئ) أو سلب العام (كالعلم المتعالي عن الأجزاء) لإثبات المقابل العام (كالعلم والقدرة المتعالي عن الأجزاء) حتى یعود المحذور (كما أنه إذا نقول: "إن الله تعالى عالم لا كعالم، أو "هو شـيء لا كالأشیاء" یكون المراد هو سلب المعنى الخاص لإثبات المعنی الخاص اللائق به تعالى أو العام.

فلا مجال لتوهم لزوم اجتماع النقیضین) بل یكون المراد هو التحذیر عن التشبیه وبیان الالتفات إلى أن الله تعالى لا یوصف بالصفات إلا بمعناها الخاص اللائق به تعالى أو العام التي لا یشترك مع الصفات الخلقیة إلا في نفي مقابلاتها فقط فلا إشكال مطلقا.

توضیح الإشكال: إنه إذا فررنا من نسبة العلم مثلا إلی الله تعالى وقلنا برجوع ذلك إلى سلب الجهل المقابل للعلم عنه تعالى، فلقائل أن یقول: ما هو الفرق بین إثبات العلم له تعالى بلا واسطة، وبین إثبات العلم له تعالى من جهة مقابلته للجهل؟ فهذا كرّ علی ما یفر منه.

وتوضیح الجواب: إن معنى العلم الذي نثبته له تعالى من حیث تقابله للجهل هو غیر العلم الذي یسلب عنه أو یمكن أن ینسب إلیه بلا واسطة، فإن ما یسلب عنه تعالى ویمكن أن ینسب إلى شـيء بلا واسطة هو ما یمكن أن یتصور من معنى العلم أولا وبالذات وهو العلم المتجزئ القابل للزیادة والنقصان، وأما ما یثبت له تعالى بواسطة سلب الجهل عنه.

فهو حقیقة العلم الذي یكون بخلاف الامتداد وغیر قابل للتصور والتوهم، ولا یعرف إلا بأنه خلاف الجهل، ولا یشترك ذلك مع العلم المتجزئ إلا في أن كلیهما مقابلان للجهل، وإلا فلا إشكال في نسبة العلم إلیه تعالى مع المحافظة على أن تلك الحقیقة المنسوبة إلیه تعالى متعال عن الامتداد والعدد والتصور، لكنه لا تمكن المحافظة على ذلك إلا بإرجاع الصفات إلى سلب ما یقابلها بأن نقول: "هو عالم أي لیس بجاهل"، أو نقول: "هو عالم بخلاف كل عالم، فهو عالم لا كعالم وقادر لا كقادر."

وظهر بما

٣٠٣الوصف العامّ والخاصّ

أوضحناه أنه لا وجه لما یقال (كما فی قول الفلاسفة) من "أن الوجود الذي ننسبه إلى الله تعالى وإلى غیره إن لم یكن بمعنى واحد فیهما للزم أن یكون الوجود المحكوم به على الله تعالى وعلى غیره مشتركا لفظیا، ولرجع المعنى إذاً إلى أن الله لیس بموجود واقعا إذا كان ذلك بمعنى كونه موجودا واقعا لأنه لا یعقل الواسطة بین الوجود والعدم"

فإن هذا الإشكال مردود بأن الحكم بالوجود ـ عامه وخاصه ـ یشتركان معنى في أن كلیهما یدلان على نفي العدم والبطلان المستلزم لإثبات الوجود بمعناه العام، كما أنهما یفترقان بأن الخاص بالخلق ملازم للامتداد والعدد ولا یمكن فرض موضوعه مجردا عن الوجود والعدم، والمعنی الخاص اللائق به تعالى أوالعام یكونان على خلاف ذلك.

فبینهما اشتراك في المعنى من ناحیة وافتراق من ناحیة أخرى، فلا یلزم أن یكون الاشتراك لفظیا كاشتراك الباصـرة والذهب في التسمیة بلفظة العین وهما متبائنان بتمام المعنى، كما أنه لا یلزم أن یكون الاشتراك بینهما معنویا على نحو یكون المعنى في كلیهما واحدا بتمام خصوصیاته.

إن المنفي عنه تعالى هو التصدیق بالوجود الخاص الامتدادي القابل للرفع الزائد على الذات المتوقف على تصور الشـيء بنفسه، وأما إثبات الوجود له بعنوانه الخاص به تعالى أو بعنوانه العام المناقض للعدم والبطلان بالذات فیصح الحكم به على الله تعالى بلا إشكال.

وامتناع وجود الواسطة بین الوجود والعدم أمر صحیح لا غبار علیه ولكنه أمر غیر امتناع الواسطة بین العدم والوجود الخاص الامتدادي المتصور فلا تغفل.

و مما جاء في "تفسیر المیزان":

«"إن ظاهر قوله: "ولله الأسماء الحسنى""وله الأسماء الحسنى" أن معاني هذه الأسماء له تعالى حقیقة وعلى نحو الأصالة ولغیره تعالى بالتبع... ومن الدلیل على الاشتراك المعنوي في ما یطلق علیه تعالى وعلى غیره من الأسماء والأوصاف ما

معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام٣٠٤

ورد من أسمائه تعالى بصیغة أفعل التفضیل كالأعلى والأكرم."»١

ولكنا بینا: كما أن القول بالاشتراك اللفظي بین أسماء الله تعالى وخلقه غیر سدید، فكذلك لا تكون أسماؤه تعالى مع خلقه مشتركة معنویة تمام الاشتراك.

وهذا كله مع غض النظر عن أن على مشـرب أصحاب الفلسفة والعرفان حیث إن الخالق یتحد مع الخلق مصداقا وعینا فلا یبقى مجال للبحث عن كون الاشتراك لفظیا أو معنویا.

ویكفي لصحة استعمال صیغة أفعل التفضیل في الموارد المذكورة الاشتراك في دلالة الألفاظ على مجرد ثبوت المعاني دون الاشتراك في سنخها وكون مفهومهما متصورا في الامتداد والأجزاء والعدد وكون مصداقها في الخالق والمخلوق امتدادیا عددیا متجزیا قابلا للزیادة والنقصان والاتصاف بالتناهي وعدم التناهی:

الإمام أمیر المؤمنین عليه السلام:

«وَهُو... أَبْعُدْ مِنَ الشَّبَهِ مِنْ كُلِ بَعِيد».٢

«كنت عند أبي جعفر الثاني عليه السلام: فسأله رجل فقال: أخبرني عن الرب تبارك وتعالى أله أسماء وصفات في كتابه؟ وهل أسماؤه وصفاته هي هو؟

... فقال أبو جعفر عليه السلام: إن لهذا الكلام وجهین؛ إن كنت تقول هي هو، أنه ذو عدد وكثرة فتعالى الله عن ذلك. والمذكور بالذكر هو الله القدیم الذي لم یزل، والأسماء والصفات مخلوقات والمعنیة بها هو الله الذي لا یلیق به الاختلاف ولا الائتلاف، وإنما یختلف ویأتلف المتجزئ، ولا یقال له قلیل ولا كثیر ولكنه القدیم في ذاته لأن ما سوى الواحد متجزئ والله واحد لا متجزئ ولا متوهم بالقلة والكثرة، وكل متجزئ أو متوهم بالقلة والكثرة فهو مخلوق


  1. الطباطبايي، محمد حسين: تفسير الميزان، ٨ / ٣٥٨.
  2. التوحيد، ٧٩.
٣٠٥الوصف العامّ والخاصّ

دال على خالق له.

فقولك: "إن الله قدیر"، خبّرت أنه لا یعجزه شـيء فنفیت بالكلمة العجز وجعلت العجز سواه وكذلك قولك: عالم، إنما نفیت بالكلمة الجهل وجعلت الجهل سواه».١

«فقال الرجل: فكیف سمینا ربنا سمیعا؟ فقال: لأنه لا یخفى علیه ما یدرك بالاسماع ولم نصفه بالسمع المعقول في الرأس.٢ وكذلك سمیناه بصیرا لأنه لا یخفى علیه ما یدرك بالأبصار من لون أو شخص أو غیر ذلك ولم نصفه ببصـر طرفة العین.

وكذلك سمیناه لطیفا لعلمه بالشـيء اللطیف... بلا كیف إذ الكیفیة للمخلوق المكیف، وكذلك سمینا ربنا قویا بلا قوة البطش المعروف من الخلق... وربنا تبارك وتعالى لا شبه له ولا ضد ولا ند ولا كیفیة ولا نهایة ولا تصاریف، محرّم على القلوب أن تحتمله... جل وعز عن أداة خلقه وسمات بریته وتعالى عن ذلك علوا كبیرا».٣

فمعرفة حقیقة التوحید لا تحصل إلا بسلب كل المعانى والمفاهیم المدركة المتصورة عنه تعالى:

«... قلت: أجل، جعلني الله فداك لكنّك قلت: الأحد الصمد، وقلت: لا یشبه شیئا، والله واحد والإنسان واحد ألیس قدتشابهت الوحدانیة؟!

قال عليه السلام:یا فتح، أحلت ثبتك الله ، إنما التشبیه في المعانى، وأما في الأسماء


  1. وما ألطف تعبيره عليه السلام بقوله: بل جعلت العجز سواه... وجعلت الجهل سواه! ولم يقل "بل جعلت العجز لسواه" لعله تنبيه على تقدسه وتنزهه تعالى عن الوجدان والفقدان والاتصاف بالصفات مطلقا.
  2. لأن المعقول بذاته مطلقا لا يكون إلا امتداديا زائدا.
  3. بحار الأنوار، ٤/١٥٤، عن الاحتجاج.
معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام٣٠٦

فهي واحدة وهي دلالة على المسمّى وذلك أن الإنسان وإن قیل واحد، فإنما یخبر أنه جثة واحدة ولیس بإثنین، فالإنسان نفسه لیس بواحد لأن أعضائه مختلفة وألوانه مختلفة كثیرة غیر واحدة وهو أجزاء مجزأة لیست سواء، فالإنسان واحد في الاسم لا واحد في المعنى والله جل جلاله واحد لا واحد غیره، لا اختلاف فیه».١

فلا یلزم من بطلان الاشتراك اللفظي بین مفاهیم صفاته تعالى مع خلقه، أن ینسب إلیه جل وعلا عین المفاهیم الجاریة على خلقه المأخوذة في حاق معناها كونها امتدادیة مخلوقة، ولا یصح أن یقال (كما فی قول الفلاسفة): إن مفاهیم صفاته تعالى مع غیره واحدة وینحصـر الفرق بینهما بالمصداق فقط، فضلا عما تدعیه المعرفة البشـریة من وحدة الخالق والمخلوق مصداقا وعینا.

الإمام أبو الحسن الرضا عليه السلام:

«... فسمّى نفسه سمیعا بصیرا قادرا قاهرا حیا قیوما ظاهرا باطنا لطیفا خبیرا قویا عزیزا حكیما علیما وما أشبه هذه الأسماء.

فلما رأى ذلك من أسمائه الغالون المكذبون وقد سمعونا نحدث عن الله أنه لا شـيء مثله ولا شـيء من الخلق في حاله قالوا: خبرونا إذ زعمتم أنه لا مثل لله ولا شبیه له كیف شاركتموه في أسمائه الحسنى فتسمیتم بجمیعها؟ فإن في ذلك دلیلا على أنكم مثله في حالاته كلها أو في بعضها دون بعض إذ قد جمعتم الأسماء الطیبة، قیل لهم: إن الله تبارك وتعالى ألزم العباد أسماء من أسمائه على اختلاف المعاني وذلك كما یجمع الاسم الواحد معنیین مختلفین.

والدلیل على ذلك قول الناس الجائز عندهم السائر، وهو الذي خاطب الله عز وجل


  1. بحار الأنوار، ٤ / ١٧٣، عن التوحيد.
٣٠٧الوصف العامّ والخاصّ

به الخلق، فكلمهم بما یعقلون لیكون علیهم حجة في تضییع ما ضیعوا وقد یقال للرجل: كلب وحمار وثور وسكّرة وعلقمة وأسد كل ذلك على خلافه، لأنه لم تقع الأسماء على معانیها التي بنیت علیها، لأن الإنسان لیس بأسد ولا كلب فافهم ذلك رحمك الله». ١

«وإنما تسمى الله بالعالم لغیر علم حادث [امتدادي قابل للوجود والعدم والتصور والإدراك بمفهومه الخاص] علم به الأشیاء، كما أنا رأینا علماء الخلق إنما سمّوا بالعلم لعلم حادث [قابل للرفع] إذ كانوا قبله جهلة وربما فارقهم العلم بالأشیاء فعادوا إلى الجهل، وإنما سمّي الله عالما لأنه لا یجهل شیئا، فقد جمع الخالق والمخلوق اسم العلم [بلا لزوم كون مفهوم أحدهما عین الآخر] واختلف المعنى [بلا لزوم الاشتراك اللفظي أیضا] على ما رأیت.

وسمي ربنا سمیعا... ولكنه عز وجل أخبر أنه لا تخفى علیه الأصوات لیس على حد ما سمینا به نحن،


  1. فإن إطلاق تلك الأسامي على الإنسان، في عين أنه ليس كإطلاقها على الحمار والأسد حتی یكون الاشتراك معنویا، ولكنه لا يطلق عليه بمعنى يباين ذلك بالكلية حتى يكون الاشتراك لفظيا.
معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام٣٠٨

فقد جمعنا الاسم بالسمیع واختلف المعنى، وهكذا البصیر لا بجزء أبصـر به... ولكن الله بصیر لا یجهل شخصا منظورا إلیه فقد جمعنا الاسم واختلف المعنى.

وهو قائم لیس على معنى... وأما اللطیف فلیس على... وأما الخبیر فالذي لا یعزب عنه شـيء ولا یفوته... وأما الظاهر فلیس من أجل... وأما الباطن فلیس على معنى... وأما القاهر فإنه لیس على... وهكذا جمیع الأسماء.١ وإن كنا لم نسمها كلها فقد تكتفي للاعتبار بما ألقینا إلیك والله عوننا وعونك في إرشادنا وتوفیقنا».٢

الإمام الصادق عليه السلام:

«فإن قالوا: أو لیس قد نصفه فنقول: هو العزیز الحكیم الجواد الكریم؟

قیل لهم: كل هذه صفات اقرار ولیست صفات إحاطة٣ فإنا نعلم أنه حكیم ولا نعلم بكنه ذلك منه، كذلك قدیر وجواد وسائر صفاته، كما قد نرى السماء ولا ندري ما جوهرها ونرى البحر ولا ندري أین منتهاه٤ بل فوق هذا المثال بما لا نهایة له لأن الأمثال كلها تقصـر عنه٥. ولكنها تقود العقل٦ إلى معرفته».٧

الإمام الرضا علي بن موسى صلوات الله علیهما:

«والصفات والأسماء كلها تدل على الكمال والوجود ولا تدل على الإحاطة كما تدلّ على الحدود التي هي التربیع والتثلیث والتسدیس، لأن الله عز وجل تدرك معرفته بالصفات والأسماء، ولا تدرك بالتحدید بالطول والعرض والقلة والكثرة واللون والوزن وما أشبه ذلك، ولكن یدل على الله عز وجل بصفاته، ویدرك بأسمائه، ویستدل علیه بخلقه حتى لا یحتاج في ذلك


  1. لا ينسب إليه تعالى إلا مع سلب تلك المفاهيم بعينها بعنوانها الخاص بالمخلوق عن الله تبارك وتعالى لأن المخلوق لا يدرك شيئا مستقیما إلا بمفهومه الخاص فلا يجوز نسبة ذلك إلى الله تعالى إلا بعد سلب الخصوصية عنه.
  2. الصدوق: التوحيد والعيون.
  3. وهو إدراك وانتزاع عن الشـيء بنفسه المستلزم لكونه امتداديا عدديا زائدا على الذات.
  4. ولا تتوهمن أن الفرق بين الله تعالی وبين خلقه هو الفرق بين ما نرى وما لا نرى من الأمثلة بعينها، فإن إدراك جوهر السماء ومنتهى البحر لا يخرج عن الإمكان وأما الخالق تعالى وصفاته التي ليست إلا هو فلا يتعلق بها الإدراك ثبوتا وبالذات.
  5. لأنها لا تخرج عن الامتداد والعدد.
  6. إقرارا وتصديقا بوجوده وبأنه شـيء بخلاف الأشياء.
  7. بحار الأنوار، ٣ / ١٤٧، عن توحید المفضل.
٣٠٩الوصف العامّ والخاصّ

الطالب المرتاب إلى رؤیة عین ولا استماع أذن ولا لمس كف ولا إحاطة بقلب.

فلو كانت صفاته جل ثناؤه لا تدل علیه، وأسماؤه لا تدعوا إلیه والمعلمة من الخلق لا تدركه لمعناه، كانت العبادة من الخلق لأسمائه وصفاته دون معناه، فلولا أن ذلك كذلك لكان المعبود الموحّد غیر الله لأن صفاته وأسمائه غیره».١

الإمام الصادق عليه السلام:

«من عبد الله بالتوهم فقد كفر، ومن عبد الاسم دون المعنى فقد كفر، ومن عبد الاسم والمعنى فقد أشـرك، ومن عبد المعنى بإیقاع الأسماء علیه بصفاته التي وصف بها نفسه فعقد علیه قلبه ونطق به لسانه في سـر أمره وعلانیته فأولئك أصحاب أمیر المؤمنین عليه السلام حقا».٢

فهو عالم قبل وجود العلم، وهو كائن قبل تكوّن الكون، ولا تناقض لأن الأول هوالمعنی الخاص اللائق به تعالى أو العام والثاني هو الخاص.

«اللهم إنك كنت قبل الأزمان وقبل الكون والكینونیة والكائن، وعلمت بما ترید قبل أن تكون، قبل تكوین الأشیاء، وكان علمك السابق فیما ترید أن تكون قبل التكوین والعلم، فعلمك دائبة غیر مكتسب، لم تزل كنت عالما موجودا والجهل عنك نافیا، فأنت بادي الأبد، وقادم الأزل، ودائم القدم، لا توصف بصفات ولا تنعت بوصف».٣

فلیس للمخلوق إلا إدراك ما یراه ویتصور، والتعبیر عما لا یدركه ولا یتصوره:

الإمام الرضا عليه السلام:

«


  1. بحار الأنوار، ١٠ / ٣١٢، عن التوحيد.
  2. الوافي، ١ / ٣٤٥؛ الكافي، ١ / ٨٧.
  3. بحارالأنوار، ٩٢ / ٣٥٧، عن فقه الرضا؛ الصحيفة العلوية، ٢٩.
معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام٣١٠

فأسمائه تعبیر، وأفعاله تفهیم».١

وخلاصة الكلام أن كل ما یتصور من معاني العلم والجهل والقدرة والعجز والحیاة والموت والسمع والبصـر والزمان والمكان و... لیس إلا ملكة للذات الامتدادیة، فیسلب عنه تعالى طرف النقص (كالعجز والجهل). مطلقا، وطرف الكمال (كالعلم والقدرة). بقید كونه امتدادیا وقابلا للتصور والإدراك والتعقل.

وكذلك معنی الزمان والمكان والدخول والخروج والفوق والتحت والقبل والبعد والمعية ونفی المعیة وجواز الوصف وعدمه و... فإن المنفي في ذلك كله هو المعنی المتجزئ الخاص بالمخلوق، والمثبت هو المعنی المتعالي عن التجزي الخاص بالله تعالی فلا تناقض:

رسول الله صلی الله علیه و آله:

«يَا أَوَّلَ كُلِّ شـيء وآخِرَهُ لَا شـيء يَكُونُ قَبْلَهُ ولَا شـيء يَكُونُ بَعْدَهُ».٢

«يا من هو قبل كل شـيء يا من هو بعد كل شـيء يا من هو فوق كل شـيء».٣

الإمام أمیر المؤمنین عليه السلام:

«داخل في الأشیاء لا كشـيء في شـيء داخل، وخارج من الأشیاء لا كشـيء من شـيء خارج، سبحان من هو هكذا ولا هكذا غیره».٤

«قریب في بعده، بعید في قربه، فوق كل شـيء... أمام كل شـيء... داخل في الأشیاء لا كشـيء داخل في شـيء، وخارج من الأشیاء لا كشـيء


  1. عيون الأخبار، ١ / ١٤١؛ بحار الأنوار، ٤ / ٢٢٧ عن التوحيد.
  2. بحارالأنوار، ٩٠ / ٢٥٤، عن البلد الأمين.
  3. بحارالأنوار، ٩١ / ٣٨٦، عن البلد الأمين.
  4. بحار الأنوار، ٣ / ٢٧١، عن التوحيد.
٣١١الوصف العامّ والخاصّ

خارج من شـيء، سبحان من هو هكذا ولا هكذا غیره».١

«... سألت أبا عبد الله عليه السلام عن قول الله عزّ وجلّ "وهو الله في السموات وفي الأرض" قال: كذلك هو في كل مكان، قلت: بذاته؟! قال: ویحك إن الأماكن أقدار، فإذا قلت في مكان بذاته لزمك أن تقول في أقدار وغیر ذلك».٢

«... قلت لجعفر بن محمّد علیهما السلام: هل یجوز أن نقول: إن الله عزّ وجلّ في مكان؟ فقال: سبحان الله وتعالى عن ذلك».٣

«لم أكن بالذي أعبد ربا لم أره... لم تره العيون بمشاهدة الأبصار ولكن رأته القلوب بحقائق الإيمان».٤

«... حضـرت أبا جعفر علیه السلام فدخل علیه رجل من الخوارج فقال له: یا أبا جعفر أي شـيء تعبد؟ قال: الله. قال: رأیته؟ قال: لم تره العیون بمشاهدة العیان ولكن رأته القلوب بحقائق الإیمان».٥

«إن ربي لا یوصف بالبعد... لطیف اللطافة لا یوصف باللطف، عظیم العظمة لا یوصف بالعظم، كبیر الكبریاء لا یوصف بالكبر، جلیل الجلالة لا یوصف بالغلظ، رؤوف الرحمة لا یوصف بالرّقة،... هو في الأشیاء على غیر ممازجة، خارج منها على غیر مباینة،... داخل في الأشیاء لا كشـيء في شـيء داخل، وخارج منها لا كشـيء من شـيء خارج».٦

«هو في الأشیاء


  1. الوافي، ١ / ٣٤٠، نقلا عن الكافي، ١ / ٨٥.
  2. بحار الأنوار، ٣ / ٣٢٣؛ عن التوحيد.
  3. بحار الأنوار، ٣ / ٣٢٧، عن التوحید.
  4. الاختصاص، ٢٣٦.
  5. التوحيد، ١٠٨.
  6. بحار الأنوار، ٤ / ١٧، عن التوحید.
معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام٣١٢

كلها غیر متمازج بها ولا بائن عنها، ظاهر لا بتأویل المباشـرة، متجل لا باستهلال رؤیة، بائن لا بمسافة، قریب لا بمداناة».١

«لیس في الأشیاء بوالج ولا عنها بخارج».٢

«لم یحلل في الأشیاء فیقال: هو فیها كائن، ولم ینأ عنها فیقال: هو عنها بائن، ولم یخل منها فیقال أین، ولم یقرب منها بالالتزاق، ولم یبعد عنها بالافتراق، بل هو في الأشیاء٣. بلا كیفیة وهو أقرب إلینا من حبل الورید وأبعد من الشبه من كل بعید».٤

الإمام سید الشهداء عليه السلام:

«علوه من غیر توقل، ومجیئه من غیر تنقل».٥

«هو في الأشیاء كائن لا كینونة محظور بها علیه ٦ ومن الأشیاء بائن لا بینونة غائب عنها».٧

الإمام الصادق عليه السلام:

«فالله تبارك وتعالى داخل في كل مكان وخارج من كل شـيء».٨

«إن الله تبارك وتعالى لا یوصف بزمان ولا مكان ولا حركة ولا انتقال ولا سكون،


  1. بحار الأنوار، ٤ / ٣٠٤. فإن كل ذلك ليس إلا ملكة للامتداد.
  2. بحار الأنوار، ٤ / ٢٥٤، عن الاحتجاج.
  3. وهذا هو معنى خاص من الدخول لا يليق إلاّ به تعالى ولا يعرف إلاّ بأنّه ما ليس بدخول في الأشياء.
  4. التوحيد، ٧٩.
  5. بحار الأنوار، ٤ / ٣٠١.
  6. بخلاف الامتدادي المخلوق الذي لا يكون إلا كذلك.
  7. بحار الأنوار، ٤ / ٣٠١.
  8. بحار الأنوار، ٤ / ٢٩٨ والكافي، ١ / ١٠٤.
٣١٣الوصف العامّ والخاصّ

بل هو خالق الزمان والمكان والحركة والسكون، تعالى عما یقول الظالمون علوا كبیرا».١

«اللهم ربنا كنت ولم يكن قبلك شـيء وأنت تكون حين لا يكون غيرك شـيء... لا يستطيع أحد أن ينعت عظمتك ولا يعلم أحد أين مستقرك أنت فوق كل شـيء وأنت وراء كل شـيء وأمام كل شـيء ومع كل شـيء».٢

الإمام أبو الحسن الهادي عليه السلام:

«تاهت أوهام المتوهمین... وتلاشت أوصاف الواصفین... فهو... بالمكان الذي لم تقع علیه الناعتون بإشارة ولا عبارة هیهات، هیهات».٣

وغیرها مما لا یحصی من النصوص والعبارات، وقلنا إن المنفي في ذلك كله هو المعنی المتجزئ الخاص بالمخلوق، والمثبت هو المعنی المتعالي عن التجزي الخاص بالله تعالی فلا تناقض.

قال الصدوق قدس سـره:

إذا وصفنا الله تبارك وتعالى بصفات الذات فإنما ننفي بكل صفة عنها ضدها، فمتى قلنا: إنه حي، نفینا عنه ضد الحیاة وهو الموت، ومتى قلنا: إنه علیم، نفینا عنه ضد العلم وهو الجهل،... ومتى قلنا: قادر، نفینا عنه العجز، ولو لم نفعل ذلك أثبتنا معه أشیاء لم تزل معه، ومتى قلنا: لم یزل حیا علیما سمیعا بصیرا... فلما جعلنا معنى كل صفة من هذه الصفات التي هي صفات ذاته نفي ضدها أثبتنا أن الله لم یزل واحدا لا شـيء معه. ولیست الإرادة والمشیة والرضا والغضب وما یشبه ذلك من صفات الأفعال بمثابة صفات الذات لأنه لا یجوز أن یقال: لم یزل مریدا شائیا كما یجوز أن یقال: لم یزل قادرا عالما.٤

الباب السادس:


  1. بحار الأنوار، ٣ / ٣٣٠، عن التوحيد.
  2. بحارالأنوار، ٨٧ / ١٢٨، عن الْمُتَهَجِّدُ، وَالْبَلَدُ الْأَمِينُ، وَالْإِخْتِيَارُ.
  3. بحار الأنوار، ٤ / ١٦٠، عن الإحتجاج.
  4. الصدوق: التوحيد، ١٤٨.

نسبة الله تعالی مع الصفات

معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام٣١٦

تقول المعرفة البشـریة:

■ إنّ الله تعالی یوصف بصفات عیناً أو زائدة...

وهذا الفصل یحقّق الحقّ بأنَّ:

■الله جلّ وعلا متعال عن الصفات مطلقاً،

٣١٧نسبة الله تعالی مع الصفات

نسبة الله تعالی مع الصفات

تقول المعرفة البشـریة:

إن الله تعالى یوصف بصفات عینا أو زائدة...

وهذا الفصل یحقق الحق بأن:

الله متعال عن الصفات مطلقا،

صفات الخالق جل وعلا أهي عین ذاته أم زائدة علیها أم لا ذاك لا ذا؟! هاهنا نظریات:

١ . إن الله تعالى متصف بصفات زائدة على ذاته،

٢ . إن لله تعالى صفاتا وهي عین ذاته المتعالیة،

مدرسة الفلسفة تدعي صحة النظریة الثانیة، ولكن الحق أن النظریتین كلتیهما باطلتان، فإن البحث عن زیادة الصفات على الذات أو عینیتها معها لا یستقیم إلا بعد فرض كون الذات قابلة للاتصاف بالصفات، وذلك لا یمكن إلا بعد فرض أن یكون هناك صفة وموصوفا، وذلك متفرع على كون الذات امتدادیة عددیة، وإذا فرضنا الشـيء امتدادیا عددیا، فیكون فرض عینیة ذاته مع الصفات محالا ثبوتا، لشهادة كل صفة أنها غیر الموصوف، وشهادة كل موصوف أنه غیر الصفة، وشهادتهما جمیعا بالاقتران المتفرع على امتدادیة الشـيء المستلزم لحدوثه، فلا یكون الخالق المتعالي عن الامتداد والمبائن للعدد بصفة ولا موصوف.

وكما أن الحكم بزیادة الصفات على الذات، یتفرع على كون الذات امتدادیة عددیة متجزئة، فكذلك الحكم بالعینیة أیضا متفرع على فرض أن یكون هناك صفة وموصوفا، وحینئذ فامتناع عینیة الذات والصفة من البدیهیات.

معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام٣١٨

هذا، وأما إذا كانت الذات متعالیة عن الامتداد والعدد، منزهة عن الاتصاف بالصفات، فلا یبقى مجال للبحث عن الزیادة أو العینیة، بل هو تعالى هو، لیس شیئا غیره، واحد لا من عدد، فلا صفة ولا موصوف هناك موضوعا، وهو ذات، علم، قدرة، حیاة، نور، سمع، بصـر، وكل هذه صفات إقرار لا إحاطة وتوهم ذات المستلزم للامتداد والأجزاء.

فهو علم كله، قدرة كلها؛ حیاة كلها، لا أن الكل منه یكون له بعضا حتى یكون امتدادیا متجزیا.

الإمام أمیر المؤمنین عليه السلام:

«أول عبادة الله معرفته، وأصل معرفته توحیده، ونظام توحیده نفي الصفات عنه، جل عن أن تحله الصفات لشهادة العقول أن كل من حلته الصفات مصنوع و شهادة العقول أنه جل جلاله صانع ليس بمصنوع».١

«... وكمال توحیده الإخلاص له، وكمال الإخلاص له نفي الصفات عنه، لشهادة كل صفة أنها غیر الموصوف. وشهادة كل موصوف أنه غیر الصفة.٢ فمن وصف الله فقد قرنه، ومن قرنه فقد ثناه، ومن ثناه فقد جزأه، ومن جزأه فقد جهله».٣

«... ولیس... كالأشیاء فتقع علیه الصفات».٤

«لا توصف بصفات، ولا تنعت بنعت ولا بوصف».٥

«لا یقال


  1. الإرشاد، ١ / ٢٢٣، الاحتجاج، ١ / ٢٠٠، وعنه بحار الأنوار، ٤ / ٢٥٣.
  2. فلا صفة ولا موصوف هناك أصلا، وإلا فبعد فرض أن يكون هناك صفة وموصوفا ففرض العينية محال وإدعاؤه جزاف.
  3. بحارالأنوار، ٤ / ٢٤٧ عن نهج البلاغة والاحتجاج.
  4. بحار الأنوار، ٤ / ٢٢٢، عن التوحید.
  5. الصحيفة العلوية، بحار الأنوار، ٢٩.
٣١٩نسبة الله تعالی مع الصفات

له: "كان بعد أن لم یكن" فتجري علیه الصفات».١

الإمام الصادق عليه السلام:

«... وكل موصوف مصنوع، وصانع الأشیاء غیر موصوف بحدّ مسمّى».٢

الإمام الرضا عليه السلام:

«... فأسماؤه تعبیر، وأفعاله تفهیم، وذاته حقیقة، وكنهه تفریق بینه وبین خلقه، وغیوره تحدید لما سواه، فقد جهل الله من استوصفه،... ومن جزأه فقد وصفه، ومن وصفه فقد ألحد فیه».٣

بخط أبي الحسن عليه السلام:

«... الممتنع من الصفات ذاته».٤

فإن نفس الاتصاف بالصفات مستلزم لكون الشـيءامتدادیا عددیا مخلوقا:

الإمام أمیر المؤمنین عليه السلام:

«... ولم تحط به الصفات فیكون بإدراكها إیاه بالحدود متناهیا».٥

الإمام الصادق عليه السلام:

«ولا تحد [أي لا توصف] فتكون محدودا [امتدادیا]».٦

«هو سمیع بصیر، سمیع بغیر جارحة، وبصیر بغیر آلة، بل یسمع بنفسه، ویبصـر بنفسه، ولیس قولي: أنه یسمع بنفسه إنه والنفس


  1. بحار الأنوار، ٤ / ٢٥٥، عن الاحتجاج.
  2. بحار الأنوار، ٤ / ١٦١، عن التوحید.
  3. بحار الأنوار، ٤ / ٢٢٩، عن التوحید.
  4. بحار الأنوار، ٤ / ٢٨٤، عن التوحید.
  5. بحار الأنوار، ٤ / ٢٧٥، عن التوحید.
  6. بحار الأنوار، ٩٨ / ٢٦٣، دُعَاءٌ آخَرُ فِي يَوْمِ عَرَفَةَ مَرْوِيٌّ عَنِ الصَّادِقِ عَلَيْهِ سَلَامُ الله.
معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام٣٢٠

شـيء آخر، ولكني أردت عبارة عن نفسـي إذ كنت مسئولا وإفهاما لك إذ كنت سائلا، فأقول: یسمع بكله لا أن كله له بعض، ولكني أردت إفهامك والتعبیر عن نفسي، ولیس مرجعي في ذلك إلا أنه السمیع البصیر العالم الخبیر بلا اختلاف الذات ولا اختلاف معنى».١

تقول المعرفة البشـریة:

«الصفات الكمالیة ـ التي تكون عین الذات ـ فكمال التوحید هو إثباتها له، لأن الذات الفاقدة لها تكون محدودة لخروجها عن تلك الذات ـ ولا شـيء من المحدود بواجب ولا خالق ـ فمن وصفه تعالى بصفة كمالیة هي عین ذاته فقد وحده، ومن وحده فقد نزهه عن العدد، ومن قدسه عن العدد فقد أثبت أزله، وكذلك یوصف الله سبحانه».٢

وتقول:

«المراد من الصفات المنفیة، هي الزائدة منها على الذات لأنها التي تشهد على المغایرة كشهادة الموصوف بها علیها».٣

یقع الإشكال في ما قالته المعرفة البشـریة من نواح:

الأولى: كمال التوحید والإخلاص في التوحید، هو نفي الصفات عن الله تعالى على الإطلاق كما صـرح به أولیاء الوحي، وإلا بعد فرض كون الذات متصفة بالصفات فإدعاء العینیة محال موضوعي، یقول القاضـي السعید القمي في شـرح خطبة مولانا الإمام الرضا عليه السلام: وأصل معرفة الله توحیده:

«... وذلك أي هذا التوحید إنما ینتظم بأن ننفي الصفات عنه تعالى عینا وزیادة، بمعنى أنه لیس ذاته سبحانه مصداقا لتلك المفهومات كما أن غیره


  1. بحار الأنوار، ٤ / ٧٠، عن التوحید .
  2. جوادي، عبد الله: علي بن موسى الرضا عليه السلام والفلسفة الإلهية، ٤٦ ـ ٤٧.
  3. جوادي، عبد الله: علي بن موسى الرضا عليه السلام والفلسفة الإلهية، ٤٦.
٣٢١نسبة الله تعالی مع الصفات

كذلك، بل صفاته جل سلطانه "صفات إقرار" لا "صفات إحاطة" وانتزاع.

وإلى هذا أشار عليه السلام بقوله: ونظام توحید الله نفي الصفات عنه. أي الذي ینتظم به التوحید الحقیقي ویصیر به العارف بالله موحّدا حقیقیا، هو نفي الصفات عنه، بمعنى إرجاع جمیع صفاته الحسنى إلى سلب نقائصها ونفي متقابلاتها لا أن هاهنا ذاتا وصفة قائمة بها أو بذواتها أو أنها عین الذات... لشهادة العقول أن كل صفة وموصوف مخلوق.

هذا إبطال للقول بالصفات العینیة والزائدة العارضة، أي العقل الصـریح غیر المشوب بالشبه والشكوك یحكم بمخلوقیة الصفة والموصوف سواء كانت الصفة عینیة أو زائدة قائمة بذاته تعالى.

ثم یقول بعد توضیح البرهان على بطلان القول بالصفات عیناً وزیادة:

هذا كله مع قطع النظر عن استحالة العینیة وامتناع إتحاد الذات والصفة. إذ الذات هو المحتاج إلیه المستغني بذاته، والصفة هي المحتاج المفتقر إلى الموصوف.

ومن البین امتناع إتحادهما للزوم كون المحتاج محتاجا وبالعكس، المستلزم لاحتیاج الشـيء إلى نفسه».١

ویقول الفاضل المقداد بن عبد الله السیوري الحلي "قدس الله روحه":

«إنه لیس له صفة زائدة على ذاته بل لیس له صفة أصلا كما أشار إلیه ولي الله بقوله: وكمال الإخلاص له نفي الصفات عنه لشهادة كل صفة أنها غیر الموصوف».٢

الثانیة: الوجدان والفقدان ملكة للموجود المتجزئ وآیة المعلولیة والمخلوقیة.

الثالثة: المحدودیة واللامحدودیة أیضا تكون من صفات الأقدار وملكاتها.


  1. القاضي، سعيد القمي، محمد بن محمد: شـرح توحيد الصدوق، ١ / ١١٥ ـ ١١٩.
  2. الفاضل المقداد: اللوامع الإلهية، ٧٩.
معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام٣٢٢

الرابعة: إن الخالق تبارك وتعالى لایوصف بكون شـيء خارجا عنه أو داخلا فیه فإن الخروج وعدم الخروج عن شـيء ملكة للذات الامتدادیة.

الخامسة: التنزیة من العدد، هو تنزیه الشـيء عن الامتداد والأجزاء والوجدان والفقدان والمحدودیة واللامحدودیة، فلا یصح تفسیرها بكون الشـيء لامتناهیا صـرفا ومتحدا مع الأشیاء بأعیانها وواجدا لذواتها وكمالاتها.

السادسة: إذا كانت هناك ذات وصفات، فلازم عدم تناهي كل منها هو غیرية كل جزء من كل صفة مع الجزء الآخر، بل التناقض وتحدید كل منها لأختها، لا الحكم بعینیتها جمیعا وعینیتها مع الذات كما تدعي الفلسفة ذلك.

جاء في "تفسیر المیزان":

«التعلیم القرآني... یثبت من الوحدة ما لا یستقیم معه فرض أي كثرة تمایز لا في الذات ولا في الصفات، وكل ما فرض من شـيء في هذا الباب كان عین الآخر لعدم الحد، فذاته تعالى عین صفاته، وكل صفة مفروضة له عین الأخرى».١

«إن كون ذاته المتعالیة واحدةً قهارةً یبطل التفرقة ـ أي تفرقة مفروضة ـ بین الذات والصفات، فالذات عین الصفات والصفات بعضها عین بعض فمن عبد الذات عبد الذات والصفات، ومن عبد علمه فقد عبد ذاته، ومن عبد علمه ولم یعبد ذاته فلم یعبد لا علمه ولا ذاته وعلى هذا القیاس"»٢

«هو سبحانه ذو علو ونزاهة... من أن یتصف بشـيء من الأمثال الحسنة والصفات الجمیلة الكریمة بمعانیها التي یتصف بها غیره كالحیوة والعلم والقدرة و...فإن الذي یوجد من هذه الصفات الحسنة الكمالیة الممكنات محدودة متناه... لكن الذي له سبحانه من الصفات محض الكمال وحقیقته غیر محدودة ولا متناه..."»٣

«


  1. الطباطبايي، محمد حسين: تفسير الميزان، ٦ / ٩١.
  2. الطباطبايي، محمد حسين: تفسير الميزان، ١١ / ١٧٦.
  3. الطباطبايي، محمد حسين: تفسير الميزان، ١٣ / ٢٧٩.
٣٢٣نسبة الله تعالی مع الصفات

إن الكمالات التي هي صفات الوجود كالعلم والقدرة والحیوة والسمع والبصـر والوحدة والخلق والملك والغنى والحمد والخبرة ـ مما عد في الآیات السابقة أو لم یعدّ ـ صفات قائمة به تعالى على حسب ما یلیق بساحة كبریائه وعزّ قدسه، لأنها صفات وجودیة والوجود قائم به تعالى».١

و نقول:

١. إن مدرسة الوحي الإلهي والبرهان الواقعي تقول بأن الخالق تعالی لا یوصف بالصفات مطلقا، ویقول إن امتناع التعدد والتمایز في الذات المتعالیة یكون من جهة كونه جل وعلا منزها عن الامتداد وإمكان الاتصاف بالتناهي وعدم التناهي، لا من حیث كونه لا متناهیا وغیر محدود.

٢. إن لازم كون الذات والصفات لا متناهیة غیرمحدوده ـ كما تفرضه الفلسفة والعرفان ـ هو تعارض الوجودات اللامتناهیة في الوجود لا عینیتها وكون كل منها عین الأخرى، وإرجاعهم كل ذلك إلى حقیقة الوجود الصـرف التي تكون أمرا موهوما من ضیق الخناق ولأجل الوصول إلى النتیجة التي عینوها من قبل وإلا فتعارض الوجودات اللامتناهیه وامتناع كونها متحدة مصداقا مع الفرض المذكور فمما لا یعتریه ریب.

٣. إن كمال التوحید هو نفي الصفات عن الخالق جل وعلا، وإلا فمع فرض وجود الذات والصفة وقیام الصفات الوجودیة به تعالى فعینیتهما تكون محالا ثبوتا، وعلیه فمن عبد الذات والصفات فقد أشـرك بالله ومن عبد الصفات فلم یعبد شیئا.

٤. تفسیر القهاریة بعدم المحدودیة في الوجود خطأ واضح، فما تقوله الفلسفة من أن الفارق بین صفات الخالق والخلق هو القهاریة والمقهوریة بمعنى المحدودیة وعدم المحدودیة بحیث یصبح بالنتیجه كون الخالق والخلق واحدا ذاتا وصفةً لاینسب إلى التعالیم القرآنیة البرهانیة إلا جورا واعتسافا.


  1. الطباطبايي، محمد حسين: تفسير الميزان، ١٦ / ٢٣٦.
٣٢٥نسبة الله تعالی مع الصفات

هل أسماء الله تعالى وأوصافه توقیفیة أم لا؟!

تدعي

معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام٣٢٦

المعرفة البشـریة:

أنها یمكنها الوصول إلى معرفة الخالق حق معرفته، فلها توصیف الذات المتعالیة بما تفهمه وتصل إلیه،

ویردّ علیها هذا الفصل بأنه:

كل ما وصل إلیه المخلوق بتوهم أنه من صفات الخالق یكون خطأ وجهالة،

إن الله تعالى لا یوصف إلا بما وصف به نفسه

وصول المخلوق إلى ما یلیق بالخالق من الصفات والأسماء محال موضوعي، فلا تصل النوبة إلى البحث عن جواز التسمیة والوصف بذلك شـرعا، بل هذا هو المراد من التوقیفية في الحقیقة

كل واصف غیر أهل بیت النبوة ـ وهم تراجمة وحي الله ومحالّ توحیده ـ فقد وصف الخالق بصفات الخلق

القول "بالتنزیه في عین التشبیه والتشبیه في عین التنزیه" خطأ فاحش، وأفحش من ذلك قول القائل بـ "التنزیه عن التنزیه والتشبیه"

٣٢٧نسبة الله تعالی مع الصفات

إن المخلوق لا یصل بكل ما یملكه إلا إلى المخلوق الامتدادي المكیف، فلیس المراد من توقیفیة الأسماء، التوقف على الألفاظ من حیث أنها الفاظ فقط مع إمكان درك الأوصاف والأسماء اللائقة بالله تعالى حتى یبحث عن جواز التوصیف والتسمیة أو عدم جوازهما شـرعا، فبم یغترّ المتفكرون المتعمقون في ذات الله بعقولهم ویضعون بإزاء ما یتصورون بأوهامهم من إدراك ذات الله وصفاته ألفاظا وأسامي فیصفونه بها؟!

إن المعاني والمفاهیم الصحیحة حملها على الله تعالى خارجة عن ما یصل إلیه المخلوق حتى یضع بإزائه ألفاظا وأسامي، فلا تصل النوبة إلى البحث عن جواز التسمیة وعدمه الشـرعي:

الإمام أمیر المؤمنین عليه السلام:

«لیس له صفة تنال ولا له حد یضـرب فیه الأمثال».١

الإمام الكاظم عليه السلام:

«إن الله أعلى وأجل من أن یبلغ كنه صفته، فصفوه بما وصف به نفسه وكفّوا عما سوى ذلك».٢


  1. الغارات، ١ / ١٧٢.
  2. الكافي، ١ / ١٠٢.
معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام٣٢٨

الإمام الهادي عليه السلام:

«تاهت أوهام المتوهمین... وتلاشت أوصاف الواصفین... فهو... بالمكان الذي لم تقع علیه الناعتون بإشارة ولا عبارة هیهات، هیهات».١

أین الأعمى عن رؤیة ألوان الطواویس؟! وأین الأحول عن رؤیة الواحد بعینه الحولاء؟! وأنّى للعقل إدراك ما لا یدرك مطلقا، وأنی له الوصول إل المعرفة اللائقة بالله تعالی حتى یبحث عن جواز الوصف أو التسمیة أو التوقیفیة شـرعا؟!!:

رسول الله صلی الله علیه و آله:

«وكیف یوصف الذي تعجز الحواس أن تدركه؟»!٢

الإمام أمیر المؤمنین عليه السلام:

«وفات لعلوه على الأشیاء مواقع رجم المتوهمین».٣

الإمام الصادق عليه السلام:

«...فإن قالوا ولمَ یختلف فیه؟ قیل لهم: لقصـر الأوهام عن مدى عظمته وتعدیها أقدارها في طلب معرفته، وأنها تروم الإحاطة به وهي تعجز عن ذلك وما دونه... وإذا كانت هذه الشمس التي یقع علیها البصـر ویدركها الحس، قد عجزت العقول عن الوقوف على حقیقتها فكیف ما لطف عن الحس واستتر عن الوهم؟!»٤

«... سألت أبا عبد الله عليه السلام عن شـيء من الصفة، فقال فرفع یدیه إلى السماء ثم قال: تعالى الله الجبار، إنه من تعاطى ما ثمّ هلك، یقولها مرّتین».٥


  1. بحار الأنوار، ٤ / ١٦٠، عن الاحتجاج.
  2. بحار الأنوار، ٤ / ٣٠٣، عن تحف العقول.
  3. بحار الأنوار، ٤ / ٢٧٥، عن تحف العقول.
  4. بحار الأنوار، ٣ / ١٤٨، عن تحف العقول.
  5. بحار الأنوار، ٣ / ٢٦٤، عن المحاسن.
٣٢٩نسبة الله تعالی مع الصفات

ومن هنا ترى الذین ادعوا معرفة حقیقة الذات الإلهیة والوصول إلى تعیین كنه وجود الخالق وصفاته لا یعرفونه ولا یصفونه إلا بما یكون كمالا عندهم وضلالة وجهالة عند غیرهم من أهل المعرفة والكمال:

الإمام الصادق عليه السلام:

«تعالى الله عما یصفه الواصفون المشبهون الله تبارك وتعالى بخلقه، المفترون على الله ».١

الإمام الرضا عليه السلام:

«إلهي بدت قدرتك ولم تبد هیئته فجهلوك، وبه قدروك والتقدیر على غیر ما به وصفوك، وإني بريء یا إلهي من الذین بالتشبیه طلبوك، لیس كمثلك شـيء، إلهي ولن یدركوك، وظاهر ما بهم من نعمك دلیلهم علیك لو عرفوك.

وفي خلقك یا إلهي مندوحة أن یتناولوك، بل سوّوك بخلقك فمِن ثَمَّ لم یعرفوك، واتخذوا بعض آیاتك ربّا فبذلك وصفوك، تعالیت ربي عما به المشبهون نعتوك».٢

«... فلیس لك أن تسمّیه بما لم یسمّ به نفسه».٣

وبذلك فقد یظهر لك جلیا بطلان ما قد یقال:

«هل أسماء الله توقیفیة؟ تبین مما تقدم أن لا دلیل على توقیفیة أسماء الله تعالى من كلامه بل الأمر بالعكس... هذا بالنظر إلى البحث التفسیري وإما البحث الفقهي فمرجعه فن الفقه، والاحتیاط في الدین یقتضـي الاقتصار في التسمیة بما ورد من طریق السمع وأما مجرد الإجراء والإطلاق من دون تسمیة فالأمر فیه سهل».٤


  1. بحار الأنوار، ٣ / ٣٦١، عن التوحيد.
  2. بحار الأنوار، ٣ / ٢٩٣، عن أمالي الصدوق .
  3. بحار الأنوار، ١٠ / ٣٢٦، عن التوحيد.
  4. الطباطبايي، محمد حسين: تفسير الميزان، ٨ / ٣٥٨ ـ ٣٥٩.
معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام٣٣٠

فإن سبیل العقلاء في هذا المضمار لیس إلا سبیل النملة في طلب معرفة خالقه من تلقاء نفسه:

«كل ما میزتموه بأوهامكم في أدق معانیه مخلوق مصنوع مثلكم، مردود إلیكم، ولعل النمل الصغار تتوهم أن لله تعالى زبانیتین.

فإن ذلك كمالها وتتوهم أن عدمها نقصان لمن لا یتصف بهما، وهكذا حال العقلاء في ما یصفون الله تعالى به».١

رسول الله صلی الله علیه و آله:

«إن الخالق لا یوصف إلا بما وصف به نفسه، وكیف یوصف الخالق الذي تعجز الحواس أن تدركه والأوهام أن تناله والخطرات أن تحده والأبصار عن الإحاطة به، جل عما یصفه الواصفون، نأى في قربه، وقرب في نأیه، كیف الكیفیة فلا یقال له: كیف، وأین الأین فلا یقال له: این.

هو منقطع الكیفوفیة والأینونیة، فهو الأحد الصمد كما وصف نفسه والواصفون لا یبلغون نعته «لم یلد ولم یولد ولم یكن له كفوا أحد».٢

الإمام أمیر المؤمنین عليه السلام:

«تعالى عما ینحله المُحَدِّدِون من صفات الأقدار ونهایات الأقطار وتأثل المساكن وتمكن الأماكن، فالحد لخلقه مضـروب وإلى غیره منسوب».٣

«إنه أجلّ من أن تحدّه ألباب البشـر بالتفكیر، لاتحیط به الملائكه على قربهم من ملكوت عزته بتقدیر».٤


  1. بحار الأنوار، ٦٩ / ٢٩٣.
  2. بحار الأنوار، ٣ / ٣٠٤، عن كفاية الأثر.
  3. بحار الأنوار، ٤ / ٣٠٧، عن نهج البلاغة.
  4. بحار الأنوار، ٤ / ٢٧٥، عن التوحید.
٣٣١نسبة الله تعالی مع الصفات

الإمام الرضا عليه السلام:

«من وصف الله بخلاف ما وصف به نفسه فقد أعظم الفریة على الله . قال الله «لا تدركه الأبصار وهو یدرك الأبصار وهو اللطیف الخبیر».

هذه الأبصار لیست هي الأعین إنما هي الأبصار التي في القلوب لا تقع علیه الأوهام ولا یدرك كیف هو».١

الإمام الصادق عليه السلام:

«تعالى الله عما یصفه الواصفون المشبهون الله تبارك وتعالى بخلقه المفترون على الله ».٢

«لا تستطاع وصفك... ولا تصف العقول صفة ذاتك».٣

وعلیه فلا یكون من یصف الله تعالى بغیر ما وصف به نفسه والمتجاوز عن حریم التوقیفیة إلا مشبها:

الإمام الرضا عليه السلام:

«من قال بالتشبیه... فهو كافر مشـرك ونحن منه برءاء في الدنیا والآخرة، یا بن خالد، إنما وضع الأخبار عنا في التشبیه والجبر الغلاة الذین صغروا عظمة الله تعالى فمن أحبهم فقد أبغضنا ومن أبغضهم فقد أحبنا، ومن والاهم فقد عادانا ومن عاداهم فقد والانا، ومن وصلهم فقد قطعنا ومن قطعهم فقد وصلنا، ومن جفاهم فقد برنا ومن برهم فقد جفانا، ومن أكرمهم فقد أهاننا ومن أهانهم فقد أكرمنا، ومن قبلهم فقد ردّنا ومن ردّهم فقد قبلنا، ومن أحسن إلیهم فقد أساء إلینا ومن أساء إلیهم فقد أحسن إلینا،


  1. بحار الأنوار، ٤ / ٥٣، عن تفسیر العیاشي.
  2. بحار الأنوار، ٣ / ٢٦١، عن التوحید.
  3. بحار الأنوار، ٩٨ / ٢٦٣، من أدعیة یوم العرفة.
معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام٣٣٢

ومن صدقهم فقد كذبنا ومن كذبهم فقد صدقنا، ومن أعطاهم فقد حرمنا ومن حرمهم فقد أعطانا، یابن خالد من كان من شیعتنا فلا یتخذن منهم ولیا ولا نصیرا».١

كیف یمكن أن یوصف من لا یوصف، وكیف یمكن أن یصف الخالق جل وعلا من لا یدرك ولا یصف إلا الحقیقة الامتدادیة والموجود المتجزی؟

فإن الفلسفة والعرفان تتفوه تارة في وصف الله تعالى بأنه هو كل الأشیاء وعین الأعیان ولا موجود سواه ولا یخرج عنه شـيء و...

ویناقض نفسه تارة أخرى بقوله:

إن الله لیس بجسم! لا حد له، لا شبح له ولا صورة! لا جزء له ولا بعض! ماهیته إنیته، لا نقص فیه ولا شبه له ولا مثل ولا ضد! لا شـریك له! صفاته عین ذاته! وهو قادر مختار یرید ویفعل لا یتغیر ولا یزول، أزلي أبدى! خالق! موجود بنفسه، لا إمكان فیه و...!!

فإن مع وضوح أن الأشیاء كلها متصفة بهذه الأوصاف فكیف یمكن سلبها عن الله تعالى مع الاعتقاد بأن الأشیاء هي عین وجود الخالق والخالق هو نفس الأشیاء بأعیانها؟!!

القرآن الكریم:

«فَسُبْحانَ اللَّهِ رَبِ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُون ».٢

«


  1. بحار الأنوار، ٣ / ٢٩٤، عن التوحید.
  2. الأنبياء (٢١): ٢٢.
٣٣٣نسبة الله تعالی مع الصفات

وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُون ». ١

«إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَها وارِدُون ».٢

قال الإمام أمیر المؤمنین عليه السلام في قوله تعالى:

«قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرينَ اعْمالاً «ى ١٠٤» الَّذينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِى الْحَيوةِ الدُّنْيا وَ هُمْ يَحْسَبُونَ انَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا».٣:

«كفرة أهل الكتاب... وقد كانوا على الحق فابتدعوا في أدیانهم وهم یحسبون أنهم یحسنون صنعا».٤

الإمام الكاظم عليه السلام:

«إن الله تبارك وتعالى أنزل على عبده محمد صلی الله علیه و آله: «أنه لا إله إلا هو الحي القیوم» ویسمى بهذه الأسماء الرحمن الرحیم العزیز الجبار العلي العظیم. فتاهت هنالك عقولهم واستخفت حلومهم، فضـربوا له الأمثال وجعلوا له أندادا وشبهوه بالأمثال ومثلوه بالأشباه وجعلوه یزول ویحول فتاهوا في بحر عمیق لا یدرون ما غوره ولا یدركون كمیة بعده».٥

فلا محیص عن التوقف على ما وصف الله به نفسه وعدم التجاوز عن ذلك، فإن المخلوق إن وكل إلى نفسه في معرفة الخالق لم یتخذ لنفسه ربا إلا مخلوقا مربوبا، كما أن النملة أن اتخذ ربها على مبنى توهمها لم تتخذه إلا كاملا بما یكون كمالا عندها.

وقد مرّ الحدیث:

«


  1. القصص (٢٨): ٦٢.
  2. الأنبياء (٢١): ٩٨.
  3. الكهف (١٨): ١٠٤ ـ ١٠٥.
  4. بحار الأنوار، ١٠ / ١٢٣، عن الاحتجاج.
  5. بحار الأنوار، ٣ / ٢٩٦، عن تفسير القمي.
معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام٣٣٤

كل ما میزتموه بأوهامكم في أدق معانیه مخلوق مصنوع مثلكم مردود إلیكم ولعل النمل الصغار تتوهم إن لله زبانیتین، فإن ذلك كمالها وتتوهم أن عدمهما نقصان لمن لا یتصف بهما!! هكذا حال العقلاء في ما یصفون الله تعالى به».١

وهذا القصور لا یختص بمخلوق دون مخلوق كی یستثني نفسه عن ذلك فیلسوف أو غیره، بل یشترك في ذلك الجن والإنس والملك:

الإمام الحسین عليه السلام:

«وعمن في السماء احتجابه عمن في الأرض».٢

الرسول الأعظم صلی الله علیه و آله:

«ما خلق الله خلقا أفضل مني، ولا أكرم علیه مني، قال علي عليه السلام: فقلت: یا رسول الله فأنت أفضل أم جبرئیل؟ فقال صلی الله علیه و آله: إن الله تبارك وتعالى فضل أنبیائه المرسلین على الملائكة المقربین، وفضلني على جمیع النبیین والمرسلین والفضل بعدي لك یا علي والأئمة من بعدك، وإن الملائكة لخدامنا وخدام محبینا.

یا علي، "الذین یحملون العرش ومن حوله یسبحون بحمد ربهم یستغفرون للذین آمنوا" بولایتنا.

یا علي، لو لا نحن ما خلق الله آدم ولا حوا ولا الجنة ولا النار ولا السماء ولا الأرض، وكیف لا نكون أفضل من الملائكة وقد سبقناهم إلى التوحید ومعرفة ربنا عز وجل وتسبیحه وتقدیسه وتهلیله، لأن أول ما خلق الله عز وجل أرواحنا فانطقنا بتوحیده وتمجیده.

ثم خلق الملائكة، فلما شاهدوا أرواحنا نورا واحدا استعظموا أمورنا فسبحنا


  1. بحار الأنوار، ٦٩ / ٢٩٣.*
  2. بحار الأنوار، ٤ / ٣٠١، عن تفسير القمي.
٣٣٥نسبة الله تعالی مع الصفات

لتعلم الملائكة أنا خلق مخلوقون وأنه منزه عن صفاتنا، فسبحت الملائكة لتسبیحنا ونزهته عن صفاتنا، فلما شاهدوا أعظم شأننا هللنا لتعلم الملائكة أن لا إله إلا الله ، فلما شاهدوا كبر محلنا كبرنا الله لتعلم الملائكة إن الله أكبر من أن ینال، وأنه عظیم المحل. فلما شاهدوا ما جعله الله لنا من القدرة والقوة، قلنا: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظیم، لتعلم الملائكة أن لا حول ولا قوة إلا بالله ، فقالت الملائكة: لا حول ولا قوة إلا بالله .

فلما شاهدوا ما أنعم الله به علینا وأوجبه من فرض الطاعة لنا قلنا: الحمد لله لتعلم الملائكة ما یحق لله تعالى ذكره علینا من الحمد على نعمه، فقالت الملائكة: الحمد لله، فبنا اهتدوا إلى معرفة الله وتسبیحه وتهلیله وتحمیده.

ثم إن الله تعالى خلق آدم عليه السلام وأودعنا صلبه وأمر الملائكة بالسجود له تعظیما لنا وأكراما، وكان سجودهم لله عز وجل عبودیة، ولآدم أكراما وطاعة لكوننا في صلبه، فیكف لا نكون أفضل من الملائكة وقد سجدوا لآدم كلهم أجمعون».١

والإنسان أیضا لو وكل إلى نفسه في سبیل معرفة الخالق فلربما یزعم أنه ینبغي أن یكون أكبر الأشیاء هو الخالق تعالی فیقول:

«لا یخلو أحد ـ حتى السفیه ـ عن تصور ذات لا شـيء أكبر منها، وتلك الذات موجودة ألبتة فإنه إن لم تكن موجودة لزم أن یكون أكبر الأشیاء أكبر منها وهذا خلف، فبالیقین یكون هناك شـيء هو أكبر الأشیاء تصورا وواقعا وهو الله !»٢

وآخر قد یغترّ بمشاعره فیحسب أن التعمق والتفكر في الذات المتعالیة عن أوهام المتوهمین وخطرات المتفكرین یجوز له ولأمثاله من المتعمقین المغترّین، فیقتحم بمركّب


  1. الصدوق "قدس سـره": إكمال الدين، ١ / ٢٥٤، الباب ٢٣.
  2. المطهري، مرتضی، مجموعة الآثار، ٦ / ٩٩١، نقلا عن الفروغي، محمد علي، سير حكمت در اروپا، نقلا من سنت آنسلم من أولياء الدین المسيحي.
معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام٣٣٦

جهله إلى ما یتوقف ویتحرز عنه الراسخون في العلم، فلا یرى الكمال إلا كمالات نفسه الامتدادیة، ولا النقصان إلا نقائص نفسه المخلوقة.

فیسمى الكمال وجودا والنقائص أعداما، فیضم الكمال إلى الكمال ویسلب عنه الاعدام، فیخلق في عالم أوهامه وجودا صـرفا لا متناهیا، بل فوق ما لا یتناهی شدة!! فیجعل مخلوق تصوراته وأوهامه على عرش الربوبیة ویعتقد فیه الألوهیة!

«هكذا حال العقلاء [فضلا عن غیرهم] في ما یصفون الله تعالى به».١

نعم لا یمكن أن یتجاوز المخلوق عن حد إدراكه وتوهمه، فلا یتخذ خالقه إلا ما یراه أعظم الأشیاء وأكملها عنده، وهذه حكایة إبراهیم الخلیل وهو یقول على لسان الخلق:

«فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بازِغَةً قالَ هذا رَبِّي هذا أَكْبَر».٢

وأما الحجة البالغة الإلهیة یذكر دائما ویقول مسبّحا منزها:

«ما توهمتم من شـيء فتوهموا الله غیره».٣

تقول المعرفة البشـریة حول مسألة التشبیه والتنزیه:

«یجب التحرز عن التنزیه الصـرف، كما یجب التنزه عن التشبیه المحض، للزوم الاتقاء عن حدي التعطیل والتشبیه».٤

«لیس لأهل التفریط من الجهل أن یتهاون عن الخوض في معرفة الله سبحانه اعتذارا بأنه مسلك وعر وبحر عمیق وحمى ممنوع لأنه موجب للتعطیل».٥


  1. بحار الأنوار، ٦٩ / ٢٩٣.
  2. الأنعام (٦): ٧٨.
  3. الإمام الرضا عليه السلام، بحار الأنوار، ٤ / ٤٠، عن التوحید.
  4. جوادي، عبد الله: علي بن موسى الرضا عليه السلام والفلسفة الإلهية، ٢٥
  5. جوادي، عبد الله: علي بن موسى الرضا عليه السلام والفلسفة الإلهية، ٢٣
٣٣٧نسبة الله تعالی مع الصفات

وتقول:

«اعلم أن التنزیه عند أهل الحقایق في الجناب الإلهي، عین التحدید والتقیید، والمنزة إما جاهل وإما صاحب سوء أدب».١

«ونزهــه وشبـهــهوقم في مقعد صدق»٢

«لا یغایر ولا یباین شیئا، ولا یباینه شـيء».٣

«الإنیة المحضة التي أثبتها الشیخ في الفصل الرابع من مقالة الثامن من إلهیات الشفاء؟ (رحلي ٢ / ٢٢٦، ط ١)، هي تكون تنزیها عین التشبیه ولیس تنزیها عن التنزیه والتشبیه».٤

«فإن قلت بالتشبیـه كنت محددا وإن قلت بالتنــزیه كـنت مقیدا
وإن قلت بالأمرین كنت مسددا وكنت إماما في المعــارف سیـدا»

وتقول:

إن سـریان الهویة الإلهیة في الموجودات كلها أوجب سـریان جمیع الصفات الإلهیة فیها من الحیاة والعلم والقدرة والسمع والبصـر وغیرها كلیها وجزئیها».٥

«صفات الممكن نوعان، نوع منه لازم جهة وجوده وهذا لا یخالف صفات الواجب بل یشبهها».٦

فنقول: یقع الإشكال في ما نقلناه عنهم من نواح شتی:

١ . إنا إذا أقررنا بوجود الخالق تعالى دون أي فحص عن معرفة ذاته جلّ وعلا (علماً


  1. حسن زاده، حسن: رسالة أنه الحق، نقلا من ابن عربي، ٤٢.
  2. حسن زاده، حسن: رسالة أنه الحق، ٤٢، نقلا عنه أيضا.
  3. حسن زاده، حسن: رسالة أنه الحق، ٤٥.
  4. حسن زاده، حسن: رسالة أنه الحق، ٤٦.
  5. حسن زاده، حسن: رساله أنه الحق، ٦١.
  6. الملکي التبريزى، الميرزا جواد: رسالة لقاء الله، ١٩٢.
معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام٣٣٨

بأنه جلت عظمته شـيء بخلاف الأشیاء ومتعال عن كل تصور وتوهم) فقد خرجنا عن التعطیل، فإن التعطیل هو إنكار وجود الخالق والتوقف دون إثبات وجوده.

وأما بعد مرحلة الإثبات والإقرار بوجود الخالق تعالى وصفاته اللائقة به، فكل فحص عن كنه معرفة حقیقة وجود الخالق تعالى وصفاته یكون جهلا وتشبیها، وموجبا لأن نعتقد آخر الآمر أنه عین الأشیاء، وكل الأشیاء و...أمثال ذلك من الأوهام الواضحة البطلان، فالحق هو التنزیه الصـرف والتحرز عن التشبیه مطلقا بعد مرحلة الإثبات والإقرار بوجود الخالق المتعال.

٢ . التجنب عن التفكر في ذات الخالق، والتحرز عن الخوض في مسألة تعیین حقیقه ذات الخالق وصفاته وهو المسلك الوعر والبحر العمیق والحمى الممنوع الذي قد هلكت فیه الفلسفة زاعمة أنها تخرج بذلك عن التعطیل! ـ والاعتقاد بعدم التشابه بین ذات الخالق وصفاته مع خلقه هو عین حقیقة التوحید ولیس تفریطا وتهاونا في معرفة الخالق، بل التجاوز عن ذلك یؤدي إلى القول بالسنخیة والتشابه بین الخالق والمخلوق وعینیة وجودهما معا، بل إلى الاعتقاد بوحدة وجود الخالق والخلق وأوهام أخرى من هذا القبیل.

٣ . كیف یمكن أن یكون التنزیه عین التحدید والتقیید والتشبیه؟!! وكیف یكون المنزّه جاهلا أو صاحب سوء أدب!! مع أن التنزیه هو أصل المعرفة والمشبه مشـرك.

٤ . التنزیه والتشبیه نقیضان فكیف یجتمعان؟! فإن التنزیه هي عدم التشبیه، والتشبیه هو عدم التنزیه:

الإمام الرضا عليه السلام:

«یا جاهل، إذا قلت لیست هي فقد جعلتها غیره، وإذا قلت لیست هي غیره فقد جعلتها هو».١

٥ .


  1. الصدوق " قدس سـره": التوحيد، ٤٥٣.
٣٣٩نسبة الله تعالی مع الصفات

كل ما یكون في الخلق فهو حقیقة امتدادیة، فصفات الأقدار من الحیوة والعلم والقدرة والسمع والبصـر وغیرها تسانخه، والله تعالى هو ذاته، علم، قدرة، حیاة، سمع، بصـر، لا یشبه خلقه ذاتا ووصفا ووجودا.

٦ . إن الاعتقاد بالتغایر والتباین بین الخالق والخلق هو أساس المعارف الحقة الإلهیة.

٧ . الخالق جل وعلا لا یسـري بهویته في خلقه، بل هو الذي یخلق الأشیاء لا من شـيء، وینشؤها لا من أصل بلا مادة ولا مدة، خلافا لما یعتقده أصحاب العرفان والفلسفة.

٨ . إن الله تعالى منزه عن "التنزیه عن التنزیه"الذي یتفوه به بعض أصحاب الفلسفة والعرفان أحیاناً، فإن "التنزیه عن التنزیه" هو التشبیه بعینه إن لم یكن إبهاما وجهالة.

هل تعرف ذات الخالق تعالى بالعقل؟!

إن المخلوق قد یغترّ بنفسه ویتوهم أنه یمكنه أن یعرف حقیقة وجود خالقه بعقله، ویقول أن كنه وجود الخالق هو نفس حقیقة الوجود لا غیر،

كما أنه قد یقول قائل: "إن المعرفة المنفیة في الآیات والروایات، هي الحسیة والوهمیة، فلا دلالة فیها على امتناع معرفة حقیقة ذات الله تعالى بالعقل، ونحن ندعي معرفة حقیقة ذاته تعالى بالعقل بلا صورة وهمیة وحسیة وخیالیة و..."

فنجیب:

أولا: إن هذا الكلام یبتني على توهم أن یكون العقل أداة لمعرفة الذوات والحقائق العینیة القائمة بالذات وراء الوهم وأدق منه، وذلك مخالف للوجدان ولسیاق وصـریح النصوص الصادرة في هذا الباب عن معادن علم النبوة، فإنهم: في مقام بیان امتناع مطلق الإدراك والمعرفة لذات الله تعالى نفوا إمكان المعرفة حتى بدقائق الأوهام، ولو كان إدراك العقل شیئا فوق الإدراك بالوهم لما كان قول قوم هم أمراء الكلام في ذلك إلا بمنزلة

معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام٣٤٠

قول القائل: "إن سیفي هذا لأحدّ من العصا!"

الإمام الصادق عليه السلام:

«الحمد لله الذي لا یحس ولا یجس ولا یمس ولا یدرك بالحواس الخمس، ولا یقع علیه الوهم، ولا تصفه الالسن، وكل شـيء حسته الحواس أو لمسته الأیدي فهو مخلوق».١

قلت لأبي جعفر بن الرضا عليه السلام:

«لا تدركه الأبصار وهو یدرك الأبصار» فقال: یا أبا هاشم، أوهام القلوب أدق من أبصار العیون أنت قد تدرك بوهمك السند والهند والبلدان التي لم تدخلها ولا تدركها ببصـرك، فأوهام القلوب لا تدركه فكیف أبصار العیون».٢

«... أبي هاشم الجعفري عن أبي الحسن الرضا عليه السلام قال: سألته عن الله عز وجل هل یوصف؟ فقال: أما تقرء القرآن؟! قلت: بلى، أما تقرء قوله عز وجل «لا تدركه الأبصار وهو یدرك الأبصار»"؟ قلت: بلى، قال: فتعرفون الأبصار؟ قلت: بلى، قال: وما هي؟ قلت: أبصار العیون، فقال: إن أوهام القلوب أكثر من أبصار العیون، فهو لا تدركه الأوهام وهو یدرك الأوهام».٣

وثانیا: إن المدعي معرفة ذات الله تعالى بالعقل لو كان صادقا في دعواه تنزیه الله تعالى عن كل صورة حسیة وجسمیة وخیالیة ووهمیة، فكیف یراه جلّ وعلا في نفس الوقت عین حقیقة الوجود الساریة في كل شـيء، المتجلیة بكل صورة وامتداد، وكیف یدعي


  1. بحار الأنوار، ٣ / ٣٠٠، عن التوحید.
  2. الصدوق "قدس سـره"،: التوحيد، ١١٣.
  3. الصدوق، "قدس سـره": التوحيد، ١١٢ ـ ١١٣.
٣٤١نسبة الله تعالی مع الصفات

كونه عین كل الأشیاء وكل الكمال یعني كل الوجود، ومبدء صدور الوجود، ومصیر ذوات الكائنات، وموجودا في كل الأزمنة والأمكنة؟!!

وإن یكن الأمر هكذا، فما هو المانع من أن یكون إلههم مدرَكا ومحسوسا وملموسا ـ ولو بجزء أو حصة من وجوده؟!

وثالثا: قد تقدم أن الإدراك لا یتعلق إلا بالامتداد مطلقا، ولا فرق في ذلك بین أن یكون المدرك هو العقل أم غیره ومن الواضح أنه إن لم یكن المعرفة العقلیة المتعلقة بالذوات مستلزمة للصورة والشكل والامتداد، لما كان وجه للاستدلال بامتناع معرفة ذات الخالق بامتناع ذاته من الشبه والشكل في هذه الروایات:

الإمام أمیر المؤمنین عليه السلام:

«الحمد لله الذي أعجز الأوهام أن تنال إلا وجوده، وحجب العقول عن أن تتخیل ذاته في امتناعها من الشبه والشكل».١

«لا تناله الأوهام فتقدره، ولا تتوهمه الفطن فتصوره، ولا تدركه الحواس فتمسه، ولا تلمسه الأیدي فتلمسه».٢

الإمام الكاظم عليه السلام:

«إن الله تبارك وتعالى أجل وأعظم من أن یحد بید برجل أو حركة أو سكون أو یوصف بطول أو قصـر، أو تبلغه الأوهام، أو تحیط بصفته العقول».٣

الإمام الرضا عليه السلام:

«ممتنع عن الأوهام أن تكتنهه، وعن الأفهام أن تستغرقه، وعن الأذهان أن تمتثله».٤


  1. بحار الأنوار، ٤ / ٢٢١، عن التوحید.
  2. بحار الأنوار، ٤ / ٢٥٤، عن الاحتجاج.
  3. بحار الأنوار، ٣ / ٣٠٠، عن التوحید.
  4. بحار الأنوار، ٤ / ٢٢٢، عن التوحید.
معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام٣٤٢

بل مطلق الخطور لا یكون إلا بالتحدید:

الرسول الأعظم صلی الله علیه و آله:

«كیف یوصف الخالق الذي تعجز الحواس أن تدركه والأوهام أن تناله والخطرات أن تحده والأبصار عن الإحاطة به، جل عما یصفه الواصفون».١

الإمام أمیر المؤمنین عليه السلام:

«قد یئست عن الإحاطة به طوامح العقول».٢

«فكل ما قدره عقل أو عرف له مِثلٌ فهو محدود».٣

«ولا تقدّرُه العقول».٤

«جبرئیل ومكائیل وجنود الملائكة المقربین في حجرات القدس مرجحنین، متولهة عقولهم أن یحدُّوُا أحسن الخالقین».٥

الإمام الرضا عليه السلام:

«ولا تضبطه العقول».٦

وروایات هذا الباب بین مصـرحة أو مشیرة إلى أن المعرفة، عقلیة كانت أو غیرها لا تكون إلا بالتحدید والتقدیر فالقیود كلها توضیحیة.

«... محمّد بن مسلم... قال:... قلت یزعمون أنه بصیر على ما یعقلونه،


  1. بحار الأنوار، ٣٦ / ٢٨٣، عن کفایه الأثر.
  2. بحار الأنوار، ٤ / ٢٢٢، عن التوحید.
  3. بحار الأنوار، ٤ / ٢٩٤، عن التوحید.
  4. بحار الأنوار، ٤ / ٢٩٤، عن التوحید.
  5. بحار الأنوار، ٤ / ٣١٤، عن نهج البلاغة.
  6. بحار الأنوار، ٤ / ٢٦٣، عن علل الشرایع.
٣٤٣نسبة الله تعالی مع الصفات

فقال [الإمام الباقر عليه السلام ]:: تعالى الله ، إنما یعقل ما كان بصفة المخلوق ولیس الله كذلك».١

الإمام الكاظم عليه السلام:

«إن الله تبارك وتعالى أجل وأعظم من أن... تحیط بصفته العقول».٢

ثمّ إنّه على فرض أن یراد من العقل معنى یمكن به إدراك الأشیاء، حتى یصح فرض كونه أداة لمعرفة الحقایق والذوات، فهو بهذا المعنى أیضا عاجز عن إدراك حقیقة وجود الخالق المتعال:

الإمام سید الشهداء عليه السلام:

«احتجب عن العقول كما احتجب عن الأبصار، وعمن في السماء احتجابه عمن في الأرض».٣

الإمام أمیر المؤمنین عليه السلام:

«قد ضلت العقول في أمواج تیار إدراكه».٤

الإمام أمیر المؤمنین عليه السلام:

«وتاهت في أدنى أدانیها طامحات العقول في لطیفات الامور».٥

لا یعرف الله تعالی إلا بفعله لا بذاته

یهدف


  1. بحار الأنوار، ٤ / ٦٩، عن التوحید.
  2. بحار الأنوار، ٣ / ٣٠٠، عن التوحید.
  3. بحار الأنوار، ٤ / ٣٠١، عن تحف العقول.
  4. بحار الأنوار، ٤ / ٢٢٢، عن تحف العقول.
  5. بحار الأنوار، ٤ / ٢٦٩، عن تحف العقول.

لا یعرف الله تعالی إلّا بفعله لا بذاته

معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام٣٤٦

الفصل بیان أن:

طریق معرفة الخالق تعالی منحصـر بالدلالة علیه من وجود فعله وخلقه لا غیر،

وذلك أن أصحاب الفلسفة والعرفان والمعرفة البشـریة:

یزعمون أن طرق الوصول إلى الله كثیرة،

ویقولون أنه یمكن أن تعرف ذات الخالق بنفسها بلا وساطة خلقه،

یتوهمون أنه یمكن إثبات وجود الخالق بدلالة البرهان المسمّى عندهم ببرهان الفطرة، وهو عندهم برهان مستقل لإثبات وجود الخالق في عرض الدلالة العقلیة على وجود الخالق من وجود خلقه،

ویدّعون أنه یمكن شهود الذات المتعالیة،

فإلیك تفصیل الردّ على ذلك كله:

إنا

٣٤٧لا یعرف الله تعالی إلّا بفعله لا بذاته

ما رأینا ـ وأنك لن ترى ـ أن یصف الله جل وعلا ذاته المتعالیة لأحد، وكذلك أولیاؤه المعصومون صلوات الله علیهم أجمعین، فإنهم كلما سئلوا عن الله تبارك وتعالى بـ: ما هو؟"، وصفوه بأفعاله ودلّوا علیه بآیاته، وذلك أن الوصف یستلزم الحد والنقص، ویتفرع على كون ما یوصف امتدادیا متجزیا.

ومع ذلك فهذه هي المعرفة البشـریة الخاطئة تزعم أن لحقیقة الوجود أصالة، لا تحدّ تلك الحقیقة ولا تتناهی ولا یشذ عنها شاذ، وهي كنه ذات الخالق المتعال، فبهذا التوهم الباطل زعموا أنهم قد عرفوا كنه وجود الخالق، وارتقوا بذلك أعلى مدارج المعرفة!! ١

«قالَ فِرْعَوْنُ وَما رَبُ الْعالَمِينَ قالَ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ قالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَ لا تَسْتَمِعُونَ قالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ قالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ قالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَما بَيْنَهُما إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُون ».٢

الإمام أمیر المؤمنین عليه السلام:

«وظهر في العقول بما یرى في خلقه من علامات التدبیر، الذي سئلت الأنبیاء عنه، فلم تصفه بحد ولا نقص.٣ بل وصفته بأفعاله ودلت علیه بآیاته، ولا تستطیع عقول المتفكرین جحده، لأن من كانت السموات والأرض فطرته وما فیهن وما بینهن، وهو الصانع لهن فلا مدفع لقدرته بان من الخلق فلا شـيء كمثله».٤

«...


  1. وذلك حيث إنّهم زعموا أنه لا وجود لشـيء في تجاه الوجود المطلق غير المتناهي، فإذا هم يكونون واجدين لحصة أو مرتبة أو... من حقيقة الوجود، فليس وجودهم متعريا عن التعينات إلاّ نفس وجود الله! وهذا هو المراد من قولهم: "إن الله تعالى لا يعرف إلاّ بالوجدان والفطرة والعلم الحضوري".
  2. الشعراء (٢٦): ٢٤ ـ ٢٩.
  3. فان الوصف مستلرم للحّد والنقص والامتداد مطلقا، فالقيدان توضيحيان وليسا للاحتراز حتى يمكن أن يقال فهو غير محدود ولا متناه.
  4. التوحيد، ٣١ / ٣٢.
معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام٣٤٨

قال السائل: فما هو؟ قال أبو عبد الله عليه السلام:

هو الرّب وهو المعبود وهو الله ،... هو شـيء خالق الأشیاء وصانعها... وهو المعنى الذي یسمى به الله والرحمن والرحیم والعزیر وأشباه ذلك من أسمائه، وهو المعبود جل وعز».١

«قال عمران: یا سیدي فأي شـيء هو؟ قال: هو نور بمعنى أنه هاد لخلقه من أهل السماء وأهل الأرض ولیس لك علي أكثر من توحیدي٢ إیاه».٣

«ولا یقال له ما هو، لأنه خلق الماهیة».٤

فلا سبیل إلى تحصیل العلم بوجود الخالق تعالى إلا إیمانا به وإیقانا بوجوده من جهة دلالة الآثار والأفعال على وجود خالقها، فلا تراه إلا في فعله وصنعه، ولا یتجلى الخالق لخلقه إلا بخلقه إیاهم، وهذا هو المراد من كلام أمیر المؤمنین عليه السلام حیث یقول: "تجلى لخلقه بخلقه"، لا ما توهمه الفیلسوف ومدعي العرفان حیث زعما أن المراد منه هو تجلي ذات الخالق جل وعلا في صور المخلوقات، وتعالى الله عما یتوهمه المتوهمون ویقوله الظالمون علوا كبیرا.

وقال النبي صلی الله علیه و آله:

"من زارني في حیوتي أو بعد موتي فقد زار الله "، ودرجة النبي صلی الله علیه و آله في الجنة أرفع الدرجات، فمن زاره إلى درجته في الجنة من منزله فقد زار الله تبارك وتعالى.

... قال: فقلت له: یا بن رسول الله ، فما معنى الخبر الذي رووه أن ثواب "لا إله إلا الله النظر إلی وجه الله ؟


  1. التوحيد، ٢٤٥.
  2. وتنزيهه عن كل ما يوصف ويعرف ويتوهم.
  3. بحار الأنوار، ١٠ / ٣١٢، عن التوحید وعیون الأخبار.
  4. بحار الأنوار، ٣ / ٢٩٧، عن روضة الواعظين.
٣٤٩لا یعرف الله تعالی إلّا بفعله لا بذاته

فقال عليه السلام: یا أبا صلت، من وصف الله بوجه كالوجوه فقد كفر، ولكن وجه الله أنبیاؤه ورسله وحججه صلوات الله علیهم. هم الذین بهم یتوجه إلى الله عز وجل وإلى دینه ومعرفته. وقال الله عز وجل «كل من علیها فإن ویبقى وجه ربك» وقال عز وجل: «كل شـيء هالك إلا وجهه». فالنظر إلى أنبیاء الله ورسله وحججه ^ في درجاتهم ثواب عظیم للمؤمنین یوم القیامة.

وقد قال النبي صلی الله علیه و آله: "من أبغض أهل بیتي وعترتي لم یرني ولم أره یوم القیامة". وقال صلی الله علیه و آله: "إن فیكم من لا یراني بعد أن یفارقني"، یا أبا صلت، أن الله تبارك وتعالى لا یوصف بالمكان، ولا یدرك بالأبصار والأوهام».١

«... قلت لعلي بن موسى الرضا علیهما السلام: یا إبن رسول الله ما تقول في الحدیث الذي یرویه أهل الحدیث: "أن المؤمنین یزورون ربهم من منازلهم في الجنة"؟ فقال عليه السلام:

یا أباصلت، إن الله تبارك وتعالى فضل نبیه محمّدا صلی الله علیه و آله على جمیع خلقه من النبیین والملائكة وأهل طاعته، وجعل طاعته طاعته، ومبایعته مبایعته، وزیارته في الدنیا والآخرة زیارته، فقال عز وجل " وقال «إن الذین یبایعونك إنما یبایعون الله یدالله فوق أیدیهم».

الإمام الرضا عليه السلام

«إن كلیم الله موسى بن عمران علیهما السلام علم أن الله تعالى عن أن یرى بالأبصار، ولكنه لما كلمه الله عز وجل وقربه نجیا رجع إلى قومه فأخبرهم: إن الله عز وجل كلمه وقربه وناجاه، فقالوا: لن نؤمن لك حتى نسمع كلامه كما سمعت... فقالوا: إنك لو سألت الله أن یریك تنظر إلیه لأجابك وكنت تخبرنا كیف هو فنعرفه


  1. بحار الأنوار، ٤ / ٣ ـ ٤، عن التوحید وعیون الأخبار.
معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام٣٥٠

حق معرفته!! فقال موسى عليه السلام: یا قوم، إن الله لا یرى بالأبصار ولا كیفیة له، وإنما یعرف بآیاته ویعلم بأعلامه، فقالوا: لن نؤمن لك حتى تسأله...

فقال موسى عليه السلام: یا رب إنك قد سمعت مقالة بني إسـرائیل وأنت أعلم بصلاحهم، فأوحى الله جل جلاله إلیه: یا موسى اسألني ما سألوك فلن أؤاخذك بجهلهم. فعند ذلك قال موسى عليه السلام: «رب أرني أنظر إلیك قال لن تراني ولكن انظر إلی الجبل فإن استقر مكانه» وهو یهوي «فسوف تراني فلما تجلى ربه للجبل» بآیاته «جعله دكا وخر موسى صعقا فلما أفاق قال سبحانك تبت إلیك» یقول: رجعت إلى معرفتي بك عن جهل قومي «وأنا أول المؤمنین» منهم بأنك لا ترى».١

فالرؤیة بالقلب إن أرید منها الیقین بوجود الخالق تعالی لدلالة آثاره وأفعاله علیه فنعم، وأما وراء ذلك فكل ادعاء في سبیل معرفة الخالق، عن أي مدّع وفي أي مرحلة ـ الدنیا والآخرة والقیامة والذرو... ـ كان فهو مردود وجهالة وزندقة ومستلزم للتشبیه:

«سألني أبو قرة المحدث أن أدخله إلى أبي الحسن الرضا عليه السلام فاستأذنته ذلك فأذن لي فدخل علیه، فسأله عن الحلال والحرام والأحكام حتى بلغ سؤاله التوحید، فقال أبو قرة: إنا روینا أن الله عز وجل قسّم الرؤیة والكلام بین اثنین، فقسم لموسى عليه السلام الكلام ولمحمد صلی الله علیه و آله الرؤیة.

فقال أبو الحسن عليه السلام: فمن المبلغ عن الله عز وجل إلى الثقلین الجن والإنس: «لا تدركه الأبصار وهو یدرك الأبصار»، «ولا یحیطون به علما»، و«لیس كمثله شـيء» ألیس محمد صلی الله علیه و آله؟ قال: بلى، قال: فكیف یجیي ء رجل إلى الخلق جمیعا فیخبرهم أنه جاء من عند الله وأنه یدعوهم إلى الله بأمر الله ویقول «لا تدركه الأبصار وهو یدرك الأبصار»، «ولا یحیطون به علما»، «ولی


  1. الصدوق، "قدس سـره": أمالي والتوحيد والعيون.
٣٥١لا یعرف الله تعالی إلّا بفعله لا بذاته

س كمثله شـيء» ثم یقول: أنا رأیته بعیني، وأحطت به علما، وهو على صورة البشـر!

أما تستحیون؟ ما قدرت الزنادقة أن ترمیه بهذا أن یكون یأتي عن الله بشـيء، ثم یأتي بخلافه من وجه آخر. قال أبو قرة: فإنه یقول: «ولقد رآه نزلة أخرى».

فقال أبو الحسن عليه السلام: إن بعد هذه الآیة ما یدل على ما رأى حیث قال: «ما كذب الفؤاد ما رأى» یقول: ما كذب فؤاد محمد صلی الله علیه و آله ما رأت عیناه، ثم أخبر بما رأى فقال: «ولقد رأى من آیات ربه الكبرى» فأیات غیر الله ، قد قال: «ولا یحیطون به علما» فإذا رأته الأبصار فقد أحاطت به العلم ووقعت المعرفة».١

نؤمن ولا نعرف؟!!

لك أن تقول: كیف یمكن أن نؤمن بشـيء ولا نعرفه؟!

فأقول: لك أن تعرفه جلّ وعلا متعالیا عن إمكان أي تصور وتوهم عن ذاته في فعله، وتراه عالما قادرا خالقا حیا سمیعا بصیرا مریدا كارها رحمانا رحیما برّا ودودا غفورا و...

فكیف لا تراه وكیف احتجب عنك؟!:

الإمام الصادق عليه السلام:

«فإن قالوا: فأنتم الآن تصفون عن قصور العلم عنه وصفا حتى كأنه غیر معلوم، قیل لهم: هو كذلك من جهة إذا رام العقل معرفة كنهه والإحاطة به، وهو من جهة أخرى أقرب من كل قریب إذا استدل علیه بالدلائل الشافية فهو من جهة كالواضح لا یخفى على أحد، وهو من جهة كالغامض لا یدركه


  1. بحار الأنوار، ٤ / ٣٦، عن التوحید.
معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام٣٥٢

أحد، وكذلك العقل أیضا ظاهر بشواهد ومستور بذاته».١

«إن العقل یعرف الخالق من جهة توجب علیه الإقرار، ولا یعرفه بما یوجب له الإحاطة بصفته».٢

«ویستدل علیه بخلقه حتى لا یحتاج في ذلك الطالب المرتاد إلى رؤیة عین، ولا استماع أذن، ولا لمس كف، ولا إحاطة بقلب».٣

الإمام الرضا عليه السلام:

«بالعقول یعتقد التصدیق بالله وبالإقرار یكمل الإیمان به».٤

الإمام أمیر المؤمنین عليه السلام:

«بصنع الله یستدل علیه، وبالعقول یعتقد معرفته، وبالفكر تثبت حجته».٥

«الحمد لله الذي أعجز الأوهام أن تنال إلا وجوده، وحجب العقول عن أن تتخیل ذاته في امتناعها من الشبه والشكل».٦

الإمام سید الشهداء عليه السلام:

«یصیب الفكر منه الإیمان به موجودا، ووجود الإیمان لا وجود صفة».٧

الإمام الرضا عليه السلام:

«ظاهر لا بتأویل المباشـرة، متجل لا باستهلال رؤیة».٨

«


  1. بحار الأنوار، ٣ / ١٤٩، عن توحید المفضل.
  2. بحار الأنوار، ٣ / ١٤٧، عن توحید المفضل.
  3. بحار الأنوار، ١٠ / ٣١٥، باب ذكر مجلس الرضا *ع مع أهل الأديان وأصحاب المقالات في التوحيد عند المأمون .
  4. الصدوق: التوحيد، ٤٠.
  5. بحار الأنوار، ٤ / ٢٥٣، عن الاحتجاج.
  6. الصدوق: التوحيد، ٧٣.
  7. بحار الأنوار، ٤ / ٣٠١، عن تحف العقول.
  8. بحار الأنوار، ٤ / ٢٩٩، عن التوحید.
٣٥٣لا یعرف الله تعالی إلّا بفعله لا بذاته

قال: كیف یعبد الله الخلق ولم یروه؟! قال [الإمام الصادق] عليه السلام:

رأته القلوب بنور الإیمان، وأثبتته العقول بیقظتها إثبات العیان، وأبصـرته الأبصار بما رأته من حسن التركیب وإحكام التألیف، ثم الرسل وآیاتها، والكتب ومحكماتها، واقتصـرت العلماء على ما رأت من عظمته دون رؤیته، قال: ألیس هو قادرا أن یظهر لهم حتى یروه ویعرفوه فیعبد على یقین؟

قال: لیس للمحال جواب».١

وبالجملة إن استحالة تعلق الإدراك به تعالى لا یستلزم جواز إنكار وجوده، بل نفس خروجه عن إمكان تعلق الإدراك به هو المسوغ للحكم بالوهیته وربوبیته.

«... إني لا أرى حواسـي الخمس أدركته وما لم تدركه حواسـي فلیس عندي بموجود. قال [الإمام الصادق عليه السلام ]: إنه لما عجزت حواسك عن إدراك الله أنكرته، وأنا لما عجرت حواسـي عن إدراك الله تعالى صدقت به».٢

الإمام الرضا عليه السلام:

«ونحن إذا عجزت حواسنا عن إدراكه أیقنا أنه ربنا، وأنه شـيء بخلاف الأشیاء».٣

«قال لي أبو الحسن عليه السلام: ما تقول إذا قیل لك: أخبرني عن الله عز وجل أشـيء هو أم لا شـيء هو؟ قال: قلت: قد أثبت الله عز وجل نفسه شیئا حیث یقول: «قل أي شـيء أكبر شهادة، قل الله شهید بیني وبینكم»، فأقول: «إنه شـيء لا كالأشیاء» إذ في نفي الشیئیة عنه أبطاله ونفیه.

قال لي: صدقت وأصبت».٤

أظهر من كل ظاهر

یهدف


  1. بحار الأنوار، ١٠ / ١٦٤، عن الاحتجاج.
  2. بحار الأنوار، ٣ / ١٥٤، الخبر المروي عن المفضل بن عمر في التوحيد المشتهر بالإهليلجة.
  3. بحار الأنوار، ٣ / ٣٧، عن التوحید.
  4. بحار الأنوار، ٣ / ٢٦٣، عن التوحید.

أظهر من كلّ ظاهر

معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام٣٥٦

هذا الفصل وتالیاه التذكر بأن:

خفاء الخالق تعالى یكون من حیث أن یعرف ذاته وأما من حیث دلالة الأدلة على وجوده فهو أظهر من كل ظاهر،

الحكم بوجود الخالق المجهول الكنه لا یكون حكما على المجهول المطلق المصطلح،

الوله والتحیر في معرفة ذات الخالق هو العرفان الحقیقي،

وذلك حیث أن المعرفة البشـریة تزعم بأنه:

یمكن شهود ذات الخالق بنفسه، وظهوره بلا واسطة خلقه،

إنا إن لم نعین حقیقة وجوده تعالى یكون حكمنا بوجوده حكما على المجهول المطلق، أو تعطیلا للعقل،

حقیقة المعرفة هو؟ العلم بأن الله هو الوجود المطلق اللامتناهي وشهود ذاته تعالى في صورة كل شـيء،

فلنأخذ بالنقد على ذلك مفصلا:

٣٥٧أظهر من كلّ ظاهر

إن كل ما بیناه من استحالة معرفة الخالق جل وعلا فهو یختص بمن أراد أن یعرف حقیقة الذات المتعالیة، وأما إثبات وجود الخالق من ناحیة وجود المخلوقات فمن الضـرورة والبداهة یكون بمثابة لا یشك فیه أبدا:

*«أفي الله شك فاطر السموات والأرض»؟١

الإمام الرضا عليه السلام:

«فأي ظاهر أظهر وأبین وأوضح أمرا من الله تبارك وتعالى، فأنك لا تعدم صنعته حیثما توجهت وفیك من آثاره ما یغنیك».٢

«لا تستطیع عقول المتفكرین جحده لأن من كانت السماوات والأرض فطرته وما فیهن وما بینهن وهو الصانع لهن فلا مدفع لقدرته».٣

إن الإنسان قد یشك في ما یراه ببصـره، بل قد یرى الشـيء فیحكم علیه بغیر ما هو علیه في الواقع، فیری السـراب ماء، والماء سـرابا، وأما العقل فمحال أن یشك في اضطرار المصنوع إلى الصانع، واحتیاج المخلوق إلى الخالق:


  1. إبراهيم، ١٠.
  2. بحار الأنوار، ٤ / ١٧٨، عن التوحید.
  3. بحار الأنوار، ٤ / ٢٦٥ ـ ٢٦٦، عن التوحید.
معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام٣٥٨

الإمام أمیر المؤمنین عليه السلام:

«هو الله الحق المبین، أحق وأبین مما تراه العیون».١

فلا یعرف ولا ینكر:

الإمام أمیر المؤمنین عليه السلام:

«دلت علیه أعلام الظهور، وامتنع على عین البصیر، فلا عین من لم یره تنكره، ولا قلب من أثبتهیبصـره... لم یطلع العقول على تحدید صفته، ولم یحجبها عن واجب معرفته، فهو الذي تشهد له أعلام الوجود على إقرار قلب ذي جحود».٢

الإمام الصادق عليه السلام:

«ولعمري ما أتي الجهال من قبل ربهم وأنهم لیرون الدلالات الواضحات والعلامات البینات في خلقهم، وما یعاینون من ملكوت السموات والأرض والصنع العجیب المتقن الدال على الصانع.

ولكنهم قوم فتحوا على أنفسهم أبواب المعاصي، وسهلوا سبیل الشهوات، فغلبت الأهواء على قلوبهم، واستحوذ الشیطان بظلمهم علیهم، وكذلك یطبع الله على قلوب المعتدین، العجب من مخلوق یزعم أن الله یخفى على عباده وهو یرى أثر الصنع، في نفسه بتركیب یبهر عقله، وتألیف یبطل حجته.

ولعمري لو تفكروا في هذه الأمور العظام لعاینوا من أمر التركیب البین، ولطف التدبیر الظاهر، ووجود الأشیاء مخلوقة بعد أن لم تكن، ثم تحولها من طبیعة إلى طبیعة وصنیعة بعد صنیعة، ما یدلهم ذلك على الصانع فإنه لا یخلو شيء منها من أن یكون فیه أثر تدبیر وتركیب یدل على أن له خالقا مدبرا، وتالیف بتدبیر یهدي


  1. بحار الأنوار، ٤ / ٣١٧، عن نهج البلاغة.
  2. بحار الأنوار، ٤ / ٣٠٨، عن نهج البلاغة.
٣٥٩أظهر من كلّ ظاهر

إلى واحد حكیم».١

«فقال إبن أبي العوجاء: ذكرت الله ، فأحلت على غائب، فقال أبو عبد الله عليه السلام: ویلك، كیف یكون غائبا من هو مع خلقه شاهد. وإلیهم أقرب من حبل الورید یسمع كلامهم ویرى أشخاصهم ویعلم أسـرارهم».٢

كیف یمكن الحكم على المجهول المطلق؟!

إن قالوا: إن الحكم لا یمكن أن یتوجه ـ إثباتا ونفیا ـ إلى المجهول المطلق، وحیث أنه لا یمكن عندكم تعلق الإدراك بالموجود المتعالي عن الامتداد مطلقا، فیلزم إما أن یكون الحكم بوجود الخالق محالا، وإما أن لا ینحصـر تعلق الإدراك بالموجود الامتدادي.

قلنا: ما یتوجه حكمنا بالذات إلیه تعالى حتى یلزم تعمیم الإدراك، بل لا یتوجه أولا وبالذات إلا إلى الامتدادي المتجزئ المخلوق ثم یحكم العقل بأن المقداري الامتدادي قابل للزیادة والنقصان والوجود والعدم وذلك یستلزم وجود خالق مبائن للامتداد وخارج عن دائرة التصور والتوهم والإدراك.

ومن الواضح بلا إشكال أن الإشارة إلی ذات بعنوان أنها خالقة وشـيء بخلاف الأشیاء كلها، خارج عن كل ما ندرك ونعقل ونتوهم فلا یلزم أن ندركه ونتصوره بخصوصه في الامتداد والأجزاء والعدد:

«بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ. اللَّهُ الصَّمَدُ.لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَ


  1. بحار الأنوار، ٣ / ١٥٢ ـ ١٥٣، الخبر المروي عن المفضل بن عمر في التوحيد المشتهر بالإهليلجة.
  2. بحار الأنوار، ٣ / ٣٣.عن الاحتجاج.
معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام٣٦٠

حَد».١

«هُوَ اللَّهُ الْخالِقُ الْبارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى يُسَبِّحُ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيم ».٢

الإمام أمیر المؤمنین عليه السلام:

«ولا یخطر ببال أولي الرویات خاطرة من تقدیر جلال عزته، لبعده من أن یكون في قوى المحدودین لأنه خلاف خلقه».٣

الإمام سید الشهداء عليه السلام:

«ما تصور في الأوهام فهو خلافه».٤

الإمام الصادق عليه السلام:

«ألا ترى أنك إذا نظرت إلى بناء مشید مبني، علمت أن له بانیا وإن كنت لم تر الباني ولم تشاهده.قال: فما هو؟ قال: هو شـيء بخلاف الأشیاء، ارجع بقولي "شـيء" إلى إثبات معنى وأنه شـيء بحقیقة الشیئیة غیر أنه لا جسم ولا صورة ولا یحس ولا یجس ولا یدرك بالحواس الخمس لا تدركه الأوهام ولا تنقصه الدهور ولا یغیره الزمان».٥

«كل ما وقع في الوهم فهو خلافه».٦

الإمام الرضا عليه السلام:

«ما توهمتم من شـيء فتوهموا الله غیره».٧

«


  1. الإخلاص (١١٢).
  2. الحشـر (٥٩): ٢٥.
  3. بحار الأنوار، ٤ / ٢٧٥ ـ ٢٧٦، عن التوحید.
  4. بحار الأنوار، ٤ / ٣٠١، عن تحف العقول.
  5. التوحيد، ٢٤٤ ـ ٢٤٥.
  6. بحار الأنوار، ٣ / ٢٩٠، عن التوحید.
  7. بحار الأنوار، ٤ / ٤٠، عن التوحید.
٣٦١أظهر من كلّ ظاهر

سألت أبا جعفر الثاني عليه السلام عن التوحید فقلت: أتوهم شیئا؟ فقال:

نعم، غیر معقول ولا محدود، فما وقع وهمك علیه من شـيء فهو خلافه، لا یشبهه شـيء ولا تدركه الأوهام، كیف تدركه الأوهام وهو خلاف ما یعقل وخلاف ما یتصور في الأوهام؟ إنما یتوهم شـيء غیر معقول ولا محدود».١

التحیر، ضلالة أم هدى؟!

إن قلت بناء على أن یكون الخالق بخلاف كل تصور وتوهم، ویكون كل ما وصلنا إلیه أو یمكن أن نصل إلیه غیره، فقد حارت عقولنا في معرفة ذاته، وما زادنا البحث عنه إلا ولها وتحیرا؟!!

قلنا: زادك الله وإیانا تحیرا فیه وولها، فبارك الله لك في التوحید ونفعك به وثبتك علیه، فاستمع لما یتلى علیك وأحمد الله تعالى على ما أنعم به علیك من معرفة توحیده، وقل:

«الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذي هَدانا لِهذا وَما كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْ لا أَنْ هَدانَا اللَّهُ لَقَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَق».٢

الإمام أمیر المؤمنین عليه السلام:

«الله ؛ معناه المعبود الذي یأله فیه الخلق ویؤله والله هو المستور عن درك الأبصار، المحجوب عن الأوهام والخطرات».٣

«سبحانه من عظیم تاهت الفطن في تیار أمواج عظمته، وحصـرت الألباب عند ذكر أزلیته، وتحیرت


  1. بحار الأنوار، ٣ / ٢٦٦ ـ ٢٦٧، عن التوحید.
  2. الأعراف (٧): ٤٤.
  3. بحار الأنوار، ٣ / ٢٢٢، عن التوحید.
معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام٣٦٢

العقول في أفلاك ملكوته».١

«قد ضلت العقول في أمواج تیار إدراكه، وتحیرت الأوهام عن إحاطة ذكر أزلیته، وحصـرت الأفهام عن استشعار وصف قدرته، وغرقت الأذهان في لجج أفلاك ملكوته».٢

الإمام الباقر عليه السلام:

«إن الكفار نبهوا عن آلهتكم بحرف الشاهد لمدرك، فقالوا: هذه آلهتنا المحسوسة المدركة بالأبصار، فأشـر أنت یا محمد إلى إلهك الذي تدعو إلیه حتى نراه وندركه ولا نأله فیه!! فأنزل الله تبارك وتعالى: "قل هو الله أحد". فالهاء تثبیت للثابت والواو إشارة إلى الغائب عن درك الأبصار ولمس الحواس، والله تعالى عن ذلك بل هو مدرك الأبصار ومبدع الحواس».٣

«الله ، معناه المعبود الذي ألهَ الخلق عن درك مائیته والإحاطة بكیفیته، ویقول العرب: أله الرجل، إذا تحیر في الشـيء فلم یحط به علما، فالإله هو المستور عن حواسّ الخلق».٤

«فمعنى قوله: "الله أحد"، أي المعبود الذي یأله الخلق عن إدراكه والإحاطة بكیفیته فرد بإلهیته متعال عن صفات خلقه».٥

«لأن تفسیر "الإله" هو الذي أله الخلق عن درك مائیته وكیفیته بحس أو بوهم لا بل هو مبدع الأوهام وخالق الحواس».٦

«فإذا تفكر العبد في مائیة الباري وكیفیته إله فیه وتحیر ولم تحط فكرته بشـيء یتصور له، لأنه عز وجل خالق الصور، فإذا نظر العبد إلى خلقه ثبت له أنه عز


  1. بحار الأنوار، ٣ / ٢٩٧. عن روضه الواعظین.
  2. بحار الأنوار، ٤ / ٢٢٢، عن التوحید.
  3. بحار الأنوار، ٣ / ٢٢١ ـ ٢٢٢، عن التوحید.
  4. بحار الأنوار، ٣ / ٢٢٢، *؟.
  5. بحار الأنوار، ٣ / ٢٢٢، *؟.
  6. بحار الأنوار، ٣ / ٢٢٢.؟*
٣٦٣أظهر من كلّ ظاهر

وجل خالقهم».١

الإمام أبو الحسن علي بن محمد الهادي علیهما السلام:

«تاهت أوهام المتوهمین وقصـر طرف الطارفین، وتلاشت أوصاف الواصفین، واضمحلت أقاویل المبطلین عن الدرك لعجیب شأنه، والوقوع بالبلوغ على علو مكانه، فهو بالموضع الذي لا یتناهي، وبالمكان الذي لم تقع علیه الناعتون بإشارة ولا عبارة هیهات هیهات».٢

والتحیر في إدراك ذات الخالق تعالی لا یختص بنا بل:

الإمام أمیر المؤمنین عليه السلام:

«جبرئیل ومیكائیل وجنود الملائكة المقربین في حجرات القدس مرجحنین، متولهة عقولهم أن یحدّوا أحسن الخالقین».٣

«سبحان من لا تدرك كنه صفته حملة العرش على قرب ربواتهم من كرسـي كرامته ولا الملائكة المقربون من أنوار سبحات جلاله».٤

الإمام الحسین عليه السلام:

«وعمن في السماء احتجابه عمن في الأرض».٥

الباب السابع:


  1. بحار الأنوار، ٣ / ٢٢٥.؟*
  2. بحار الأنوار، ٤ / ١٦٠، عن الاحتجاج.
  3. بحار الأنوار، ٤ / ٣١٤، عن نهج البلاغة.
  4. بحار الأنوار، ١٠ / ١٢٧، عن إرشاد القلوب.
  5. بحار الأنوار، ٤ / ٣٠١، عن تحف العقول.

بم یباین الله تعالی خلقه؟!

٣٦٧بم یباین الله تعالی خلقه؟!

بم یباین الله تعالى خلقه؟!

ما هو وجه تباین الخالق والمخلوق؟ وبأي ملاك یقسم الموجود إلى "المحتاج إلى العلة والمستغني عنها"، "المعلول والعلة"، "الحادث والقدیم"، "المخلوق والخالق" وعلى بعض التعابیر إلى "الواجب والممكن"؟

وبم یمتاز "اللامتناهی" عن "المحدود"، و"المحرك" عن "المتحرك"، و"المجرد" عن "المادی"، و"ما بالفعل" عن "ما بالقوة" و"التام" عن "الناقص"، و"الثابت" عن "المتغیر"؟ وما هو الفارق الحقیقي بین المعاني المتقابلة المذكورة؟!

هل یمكن أن یحسب الشمس والقمر والشجر والحجر والأرض والسماء وحقیقة الوجود المطلقة اللامتناهیة، معبودا وإلها وخالقا مستغنیا عن العلة؟، أم یكون ملاك الاحتیاج في كل هذه المذكورات ظاهرا أیضا؟!!

إنا ما دمنا لم نعرف ملاكا واقعیا وفارقا حقیقیا، به یمتاز الخالق عن المخلوق فلا نأمن من أن نختار مخلوقا مكان الخالق المعبود فنهلك من حیث لا نعلم.

فالملاك الواقعي والفارق الحقیقي بین حقیقة وجود الخالق والمخلوق:

١. هل یمكن أن یكون هو الصغر والكبر فیكون أكبر الأشیاء خالقا ومستغنیا عن العلة؟!

٢. أم هل یمكن أن یكون ذلك الملاك هو شدة الحرارة أو النوارنیة فیكون النار أو

معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام٣٦٨

الشمس أو... خالقا وواجبا؟!

٣. أم هل یكون ذاك هو الحدوث والقدم، وحینئذ فما هو المراد منهما؟!

٤. أم هل یكون ذلك هو الإمكان والوجوب، وإذا فما هو المتصور منهما؟!

٥. أم هل یكون المحدودیة اللازمة للشـيء من حیث ماهیته هو ملاك الإمكان والاحتیاج بحیث لو أن فرضنا شیئا في أشدّ مراتب الوجود بما لا نهایة له، بل فوق ما لا یتناهی! بما لا یتناهی؟! یكون واجبا لذاته، مستغنیا عن العلة كما تزعمه الفلسفة ومدرسة ملا صدرا المسماة بالحكمة المتعالیة؟!

٦. أم هل الحدود والماهیات والأشیاء الواقعة بأعیننا أمور وهمیة خیالیة، والواقع الحق هو صـرف الوجود اللامتناهي الموجود بنفسه المستغني عن العلة وهو عین الأشیاء كما علیه أصحاب العرفان؟! فنقول:

أما الأول والثاني من الملاكات المذكورة فلا شبهة في أنها ـ وهي الصغر والكبر والحرارة والنورانیة ـ حقایق امتدادیة قابلة للزیادة والنقصان فلا تصلح لأن تكون ملاكا للاستغناء عن العلة، كما أن الخامس منها ـ وهي المحدودیة واللامحدودیة ـ فقد بینا بطلانه مرارا بأن التقسیم إلى المتناهي واللامتناهي وهم.

وأما السادس منها فبعد غض النظر عن أنها تكون عین السفسطة فقد كشفنا عن بطلان الاعتقاد به في أكثر من موضع.

وأما الرابع ـ وهو الوجوب والإمكان ـ فنقول:

١) لا ممكن إلا وهو حادث

إن صـرف أن یكون الشـيء ممكنا لا یثبت وجود الخالق تعالى بوجه من الوجوه إلا من حیث أن الممكن لایكون إلا حادثا، والمستلزم لوجود الخالق هو حدوث الأشیاء المخلوقة بعد أن لم تكن.

فإننا

٣٦٩بم یباین الله تعالی خلقه؟!

إن أمكننا أن نفرض موجودا قدیما غیر حادث (كما تقول به الفلسفة مع غض النظر عن كون ذلك محالا كما أشـرنا إلیه)، فالحكم باحتیاجه إلى المؤثر أول الكلام، فكیف یكون ملاكا للحكم باحتیاج الشـيء إلى غیره، ویقع مقدمة لإثبات وجود الواجب الّذي خلقته ید الفلسلفة؟ بل تسمیة ذلك حینئذ بـ "الممكن الوجود" تكون ضلالة واضحة. إن حكم العقل باحتیاج الممكن القدیم إلى الموجد من حیث إمكانه، معارض لحكمه بعدم احتیاجه إلى غیره من حیث قدمه المفروض له.

والتعارض إنما نشأ من اشتباههم في أصل الفرض، حیث إنهم زعموا أن الموجود الممكن یجوز أن یكون قدیما، فأوّلوا حدوث الأشیاء ـ على خلاف ما یقتضیه العقل والنقل واللغة ـ بالحدوث الذاتي المخترع من عند أنفسهم، دون الحدوث بمعناه الحقیقي الذي یكون هو الوجود بعد العدم البتّي للمخلوقات كلها.

الإمام الصادق عليه السلام:

«إن الذي یزول ویحول یجوز أن یوجد ویبطل، [وهو المعبر عنه بالممكن عندهم] فیكون بوجوده بعد عدمه، دخول في الحدث [وذلك أن وجود الممكن وحدوثه متلازمان] وفي كونه في الأزل دخوله في القدم، ولن تجتمع صفة الأزل والحدوث، والقدم والعدم في شـيء واحد».١

٢). القدیم لایكون مفعولا

كیف یمكن إیجاد شـيء وهو موجود أزلي قدیم وتحصیل الحاصل محال؟! بل إن من البدیهي أن الشـيء لو كان قدیما فلا معنى لإیجاده، وإن وجد بالغیر فلا یكون قدیما:

الإمام أمیر المؤمنین عليه السلام:

«ولو كان قدیما لكان إلها ثانیا».٢


  1. بحار الأنوار، ٣ / ٤٦ ـ ٤٧، عن التوحید.
  2. نهج البلاغة، ٢٧٢؛ عنه بحارالأنوار، ٧٤ / ٣١٤.
معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام٣٧٠

الإمام الصادق عليه السلام:

«فإن كنت صنعتها وكانت موجودة فقد استغنیت بوجودها عن صنعتها».١

الإمام الرضا عليه السلام:

«كیف یكون خالقا لمن لم یزل معه؟!»٢

الفلسفة تدعي: "أن العالم في عین أنه أزلي یكون من فعل الله "، والإمام علي بن موسى الرضا عليه السلامیرسل بطلان هذا الادعاء إرسال المسلمات:

«.. قال سلیمان: إنما عنیت أنها من فعل الله لم یزل!! قال: ألا تعلم أن ما لم یزل لا یكون مفعولا، وحدیثا وقدیما في حالة واحدة؟ فلم یحر جوابا.

... ثم أعاد الكلام إلى أن قال عليه السلام: إن ما لم یزل لا یكون مفعولا».٣

«... قال (سلیمان).: بل هي فعل، قال: قال فهي محدثة لأن الفعل كله محدث،

قال: لیست بفعل، قال: فمعه غیره لم یزل».٤

إذا كان القدماء متعددین فبأي مناط یحكم بالوجوب على واحد وبالإمكان على آخرین؟!

«تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزى إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْماءٌ سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ ما أَنْزَلَ اللَّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَما تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدى أَمْ لِلْإِنْسانِ ما تَمَنَّى».٥


  1. الصدوق: التوحيد، ٢٩٠.
  2. بحار الأنوار، ٤ / ١٧٦، عن التوحید.
  3. بحار الأنوار، ٥٤ / ٥٧، عن التوحید والعیون.
  4. بحار الأنوار، ٥٤ / ٥٧، عن التوحید والعیون.
  5. النجم (٥٣): ٢٣ ـ ٢٥.
٣٧١بم یباین الله تعالی خلقه؟!

وإذا كان القدماء متعددین:

الإمام الصادق عليه السلام:

«فبما یستدل على أن أحدهما خالق لصاحبه؟!»!١

الإمام الرضا عليه السلام:

«لإنه لم یزل معه، فكیف یكون خالقا لمن یزل معه؟!»٢

بدیهي أن الحكم بالإمكان لواحد وبالوجوب لآخر ـ وهما أزلیان لا یسبقهما العدم ولا فرق بینهما إلا بالتسمیة دون أي ملاك واقعي ـ تخصیص بلا مخصص.

وتوجیه إمكان تعدد القدماء بالتمثیل بحركة الاصبع والخاتم، أو القفل والمفتاح، أو الشمس وشعاعها، یكون خروجا من الفرض، لأن مورد الفرض موجودین قدیمین أحدهما معلول للآخر، لا موجودین حادثین معلولین لعلة ثالثة.

فإن العلیة في جمیع تلك الأمثلة منتفیة، وذلك أن حركة الإصبع والخاتم معا معلولة لعلة أخرى دونهما، ولا علیة بینهما، كما أن الأمر في القفل والمفتاح أیضا كذلك، فلا علیة بین حركة الإصبع والخاتم، أو القفل والمفتاح حتى یشهد تعاصـرهما على إمكان تعاصـر وجود الخالق والمخلوق، كما أن الشمس أیضا لا علیة لها بالنسبة إلى شعاعها بل هماـ عینها وشعاعها ـ ذات مركبة مخلوقة لعلة أخرى، كما أن البخار الحاصل من غلیان الماء لیس شیئا غیر نفس أجزاء الماء وهو صورة أخرى من حقیقة وجوده.

الإمام الرضا عليه السلام:

«إن الضوء من السـراج لیس بفعل منه ولا كون، وإنما هو لیس شـيء غیره».٣


  1. بحار الأنوار، ٤ / ٣٢١، عن الاحتجاج.
  2. بحار الأنوار، ٥٧ / ٧٤، عن التوحید.
  3. بحار الأنوار، ١٠ / ٣١٣، عن التوحید وعیون الأخبار.
معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام٣٧٢

وأعجب من هذا كله أنهم كیف غفلوا من أن التعاصـر بین شیئین لا یمكن إلا بكون كل منهما واقعا في الزمان والامتداد والعدد؟! والله الخالق البارئ الأجل الأعلى لا تصحبه الأوقات، ولا تختلف علیه اللیالي والأیام...

ولا یذهب علیك أن الحدوث الذي تدعیه الفلسفة بناء على الحركة الجوهریة الأزلية، هو أیضا نفس القول بقدم العالم، وهو باطل من أساسه لاستلزامه:

ـ تجویز ما لا یتناهی، بل إنتهاء ما لا یتناهی من التغیرات العددیة أولا،

ـ وقدم الزمان ثانیا،

ـ وكون وجود الخالق زمانیا ثالثا،

ـ ونفي القدرة والاختیار عن الله تعالى رابعا،

ـ وكون وحدة الخالق عددیة إعتباریة خامسا،

ـ وقدم إلارادة، بل نفیها وتأویلها إلى معنى العلم سادسا و...

وكل ذلك واضح البطلان،

الفلسفة تقول بأزلیة العالم:

«لا هویة من الهویات ولا شخص من الأشخاص فلكا كان أو عنصـرا، بسیطا كان أو مركبا، جوهرا كان أو عرضا إلا وقد سبق عدمه وجوده ووجوده عدمه سبقا زمانیا».١

بل یقول العرفان:

«إن أهل التحقیق في التوحيد أعني المتألهین في التوحید قائلون بأن الحق سبحانه لیس له سوی، فضلا عن أن یكون قدیما أو حادثا».٢

ویقول العلامة المجلسـي قدس الله سـره في الردّ على ذلك:

«


  1. ملا صدرا: رسالة العرشية، ٢٣٠.
  2. حسنزاده آملي، حسن، تعلیقة كشف المراد، ٤٧٧.
٣٧٣بم یباین الله تعالی خلقه؟!

كان في قدیم الزمان لا ینسب القول بالقدم إلا إلى الدهریة والملاحدة والفلاسفة المنكرین لجمیع الأدیان... وفي قریب من عصـرنا لما ولع الناس بمطالعة كتب المتفلسفین، ورغبوا عن الخوض في الكتاب والسنة وأخبار أئمة الدین، وصار بعد العهد عن أعصارهم ^ سببا لهجر آثارهم، وطمس أنوارهم، واختلطت الحقائق الشـرعیة بالمصطلحات الفلسفیة، صارت هذه المسألة معترك الآراء ومصطدم الأهواء.

فمال كثیر من المتسمین بالعلم المنتحلین للدین إلى شبهات المضلین، وروّجوها بین المسلمین، فضلوا وأضلوا، وطعنوا على أتباع الشـریعة حتى ملّوا وقلّوا، حتى أن بعض المعاصـرین منهم یمضغون بألسنتهم ویسودون الأوراق بأقلامهم أن لیس في الحدوث إلا خبر واحد وهو "كان الله ولم یكن معه شـيء" ثم یؤولونه بما یوافق آرائهم الفاسدة.

فلذا أوردت في هذا الباب أكثر الآیات والأخبار المزیحة للشك والارتیاب، وقفّیتها بمقاصد أنیقة، ومباحث دقیقة، تأتي بنیان شبههم من قواعدها، وتهزم جنود شكوكهم من مراصدها، تشییدا لقواعد الدین، وتجنبا من مساخط رب العالمین، كما روي عن سید المرسلین صلی الله علیه و آله: إذا ظهرت البدع في أمتي، فلیظهر العالم علمه، وإلا فعلیه لعنة الله والملائكة والناس أجمعین."»١

«إن الذي ثبت بإجماع أهل الملل والنصوص المتواترة هو أن جمیع ما سوى الحق تعالى أزمنة وجوده في جانب الأزل متناهیة وفي وجوده ابتداء».٢

«وقال صاحب الملل والنحل في كتاب " نهایة الأقدام" وصححه المحقق


  1. بحار الأنوار، ٥٧ / ٢٣٣ ـ ٢٣٤.
  2. بحار الأنوار، ٥٧ / ٢٣٧.
معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام٣٧٤

الطوسـي ره: مذهب أهل الحق من الملل كلها أن العالم محدث مخلوق، له أول، أحدثه الباري تعالى وأبدعه بعد أن لم یكن، وكان الله ولم یكن، وكان الله ولم یكن معه شـيء... وإنما القول بقدم العالم وأزلیة الحركات بعد إثبات الصانع والقول بالعلة الأولى إنما ظهر بعد أرسطاطالیس لأنه خالف القدماء صـریحا وأبدع هذه المقالة على قیاسات ظنها حجة وبرهانا.

وقال السید في القبسات: القول بقدم العالم نوع شـرك، وقال في موضع آخر منه: إنه إلحاد...

وقال المحقق الطوسـي طیب الله روحه القدوسي... في كتاب الفصول: أصل؛ قد ثبت أن وجود الممكن من غیره، فحال إیجاده لا یكون موجودا، لاستحالة إیجاد الموجود فیكون معدوما، فوجود الممكن مسبوق بعدمه، وهذا الوجود یسمى حدوثا والموجود محدثا.

فكل ما سوى الواجب من الموجودات محدث، واستحالة الحوادث لا إلى أول كما یقول الفلسفي لا یحتاج إلى بیان طائل بعد ثبوت إمكانها المقتضـي لحدوثها...

وسأل السید مهنا بن سنان العلامة الحلي ـ ره ـ في جملة مسائله: ما یقول سیدنا فیمن یعتقد التوحید والعدل ولكنه یقول بقدم العالم؟ ما یكون حكمه في الدنیا والآخرة؟

فأجاب ره: من اعتقد قدم العالم فهو كافر بلا خلاف، لأن الفارق بین المسلم والكافر ذلك، وحكمه في الآخرة حكم باقي الكفار بالاجماع».١

وقال "قدس الله روحه" بعد بیان اعتقادات أصحاب الفلسفة في مسألة قدم العالم:

«وإنما أوردنا هذه المذاهب السخیفة لیعلم أن أساطین الحكماء تمسكوا


  1. بحار الأنوار، ٥٧ / ٢٣٨ ـ ٢٤٧.
٣٧٥بم یباین الله تعالی خلقه؟!

بهذه الخرافات وتفوهوا بها، ویتبعهم أصحابهم ویعظمونهم، وإذا سمعوا من أصحاب الشـریعه شیئا مما أخذوه من كتاب الله وكلام سید المرسلین والأئمة الراشدین ^ینكرون ویستهزؤن، قاتلهم الله أنّى یؤفكون».١

ویقول الكراجكي رحمه الله :

«إعلم أیدك الله أن من الملاحدة فریقا یثبتون الحوادث ومحدثها ویقولون: إنه لا أول لوجوده ولا ابتداء لها، ویزعمون أن الله سبحانه لم یزل یفعل ولا یزال كذلك، وأن أفعاله لا أول لها ولا آخر، فقد خالفونا في قولهم إن الأفعال لا أول لها، إذ كنا نعتقد أن الله تعالى إبتدئها، وأنه موجود قبلها،...

وهؤلاء أیدك الله هم الدهریة القائلون بأن الدهر سـرمدیة لا أول له ولا آخر، وأن كل حركة تحرك بها الفلك فقد تحرك قبلها بحركة قبلها حركة، من غیر نهایة، وسیتحرك بعدها بحركة بعدها حركة، لا إلى غایة، وأنه لا یوم إلا وقد كان قبله لیلة، ولا لیلة إلا وقد كان قبلها یوم، ولا إنسان إلا یكون من نطفة، ولا نطفة تكونت إلا من إنسان، ولا طائر إلا من بیضة، ولا بیضة إلا من طائر ولا شجرة إلا من حبة، ولا حبة إلا من شجرة.

وأن هذه الحوادث لم تزل تتعاقب ولا تزال كذلك، لیس للماضـيفیها بدایة، ولا للمستقبل منها نهایة، وهي مع ذلك صنعة لصانع لم یتقدمها، وحكمة من حكیم لم یوجد قبلها، وأن الصنعة والصانع قدیمان لم یزالا.

تعالى الله الذي لا قدیم سواه، وله الحمد على ما أسداه من معرفة الحق وأولاه وأنا بعون الله أورد لك طرفا من الأدلة على بطلان ما ادعاه الملحدون وفساد ما تخیله الدهریون».٢


  1. بحار الأنوار، ٥٧ / ٢٥١.
  2. الكراجكي، "قدس سـره": كنز الفوائد، ٢ ـ ٣.
معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام٣٧٦

إشارة إلى بعض ما ورد دالا على حدوث مطلق ما سوى الله تعالى:

الإمام أمیر المؤمنین عليه السلام:

«لم یخلق الأشیاء من أصول أزلیة ولا من أوائل أبدیة، بل خلق ما خلق فأقام حده وصور ما صور فأحسن صورته».١

«إنّما كلامه سبحانه فعل منه أنشأه ومثله لم یكن من قبل ذلك كائنا، ولو كان قدیما لكان إلها ثانیا».٢

«الحمد لله الذي لا من شـيء كان ولا من شـيء كوّن ما قد كان».٣

«الذي صدرت الأمور عن مشیته».٤

الإمام المجتبى عليه السلام:

«خلق الخلق فكان بدیئا بدیعا، ابتدأ ما ابتدع وابتدع ما ابتدأ، وفعل ما أراد وأراد ما استزاد، ذلكم الله رب العالمین».٥

الإمام الباقر عليه السلام:

«لو كان أول ما خلق من خلقه، الشـيء من الشـيء لم یكن له انقطاع أبدا، ولم یزل الله إذاً ومعه شـيء لیس هو یتقدمه، ولكنه كان لا شـيء غیره».٦

«إن الله تبارك وتعالى... خلق الأشیاء لا من شـيء ومن زعم أن الله عزّ وجلّ خلق الأشیاء من شـيء فقد كفر، لانه لو كان ذلك الشـيء الذي خلق منه الأشیاء قدیما


  1. نهج البلاغة، ٢٧ ـ ٥٧.
  2. نهج البلاغة، ٢٧٢؛ عنه بحارالأنوار، ٧٤ / ٣١٤.
  3. بحار الأنوار، ٤ / ٢٢١، عن التوحید.
  4. بحار الأنوار، ٤ / ٢٧٦، عن التوحید.
  5. بحار الأنوار، ٤ / ٢٨٩، عن التوحید.
  6. الروضة من الكافي، ٦٧.
٣٧٧بم یباین الله تعالی خلقه؟!

معه في أزلیة وهویته، كان ذلك الشـيء أزلیا».١

«وكل ما وقع علیه اسم شـيء فهو مخلوق ما خلا الله عزّ وجلّ».٢

«كان الله ولا شـيء غیره، ولم یزل عالما بما كون، فعلمه به قبل كونه كعلمه به بعد ما كونه».٣

الإمام الصادق عليه السلام:

«أنت ابتدعت واخترعت واستحدثت ما أحسن صنعك».٤

«قال أمیر المؤمنین عليه السلام: أنزل الله "الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ ثُمَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُون"»٥

«لم یزل الله جل اسمه عالما بذاته ولا معلوم، ولم یزل قادرا بذاته ولا مقدور، قلت له: جعلت فداك، فلم یزل متكلما؟ قال: الكلام محدث كان الله عزّ وجلّ ولیس بمتكلم ثم أحدث الكلام.

وكان في هذه الآیة ردّا على ثلاثة أصناف منهم لماقال "الحمدلله الذي خلق السموات والأرض" فكان ردا على الدهریة الذین قالوا: إن الأشیاء لابدو لها وهي دائمة. ثم قال:... فقال رسولالله صلی الله علیه و آله لأصحابه: قولوا: "إیاك نعبد" أي نعبد واحدا لا نقول كما قالت الدهریة إن الأشیاء لا بدو لها وهي دائمة».٦

الإمام الكاظم عليه السلام:

«


  1. الحويزي: نور الثقلين، ٤ ـ ٥.
  2. بحار الأنوار، ٣ / ٢٢٢، عن التوحید.
  3. عن التوحيد، ٤ / ٨٦.
  4. بحار الأنوار، ٩٨ / ٢٦٣.
  5. الأنعام (٦): ٢.
  6. الاحتجاج، ١ / ٢٥.
معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام٣٧٨

أنشأ ما شاء حین شاء بمشیته وقدرته».١

الإمام الرضا عليه السلام:

«الحمد لله فاطر الأشیاء أنشاء ومبتدعها إبتداء بقدرته وحكمته، لا من شـيء فیبطل الاختراع، ولا لعلة فلا یصح الابتداع خلق ما شاء كیف شاء، متوحدا بذلك لإظهار حكمته وحقیقة ربوبیته».٢

«جسّمه وشیأه وبینه».٣

«وإن كل صانع شـيء فمن شـيء صنع، والله الخالق اللطیف الجلیل خلق وصنع لا من شـيء».٤

«ثم قال الزندیق: من أي شـيء خلق الأشیاء؟ قال عليه السلام: لا من شـيء، فقال: كیف یجیء من لا شـيءشـيء؟! قال عليه السلام: إن الأشیاء لا تخلو أن تكون خلقت من شـيء أو من غیر شـيء، فإن كانت خلقت من شـيء كان معه فإن ذلك الشـيء قدیم والقدیم لا یكون حدیثا ولا یفنى ولا یتغیر، ولا یخلو ذلك الشـيء من أن یكون جوهرا واحدا ولونا واحدا، فمن أین جائت هذه الألوان المختلفة والجواهر الكثیرة الموجودة في هذا العالم من ضـروب شتى؟.

ومن أین جاء الموت إن كان الشـيء الذي أنشئت منه الأشیاء حیا؟ أو من أین جاءت الحیاة إن كان ذلك الشـيء میتا، ولا یجوز أن یكون من حي ومیت قدیمین لم یزالا، لأن الحي لا یجیء منه میت وهو


  1. بحار الأنوار، ٤ / ٢٩٨، عن التوحید.
  2. بحار الأنوار، ٤ / ٢٦٣.عن علل الشرایع.
  3. بحار الأنوار، ٤ / ٢٩١، عن التوحيد.
  4. الكافي، ١ / ١٢٠، بحارالأنوار، ٤ / ١٧٤، عن التوحيد والعیون.
٣٧٩بم یباین الله تعالی خلقه؟!

لم یزل حیا، ولا یجوز أن یكون المیت قدیما لم یزل لما هو به من الموت، لأن المیت لا قدرة له ولا بقاء.

قال: فمن أین قالوا: إن الأشیاء أزلیة؟! قال: هذه مقالة قوم جحدوا مدبر الأشیاء... فكذبوا الرسل ومقالتهم والأنبیاء وما أنبؤوا عنه، وسموا كتبهم أساطیر الأولین، ووضعوا لأنفسهم دینا بآرائهم واستحسانهم».١

لا شـيء مما سواه تعالى إلا موجودا بإرادته وإیجاده وإبداعه، ولا شك أن إرادته تعالى نفس إیجاده، وذلك أن الفاعل إذا كان متعالیا عن الامتداد والعدد یمتنع أن یكون إرادته غیر نفس فعله وإیجاده، ومن البدیهي أیضا أن الإیجاد أمر حادث فكیف یكون ما یوجد بها قدیما؟! إلا أن تقول أن لا مانع من سبق وجود المعلول على العلة!

«یا سیدي ألا تخبرني عن الإبداع خلق هو أم غیر خلق؟ قال الرضا عليه السلام: بل خلق... وإنما صار خلقا لأنه شـيء محدث، والله الذي أحدثه فصار خلقاله، إنما هو الله عزّوجلّ وخلقه لا ثالث بینهما ولا ثالث غیرهما، فما خلق الله عزّ وجلّ لم یعدُ أن یكون خلقه».٢

الإمام الرضا عليه السلام:

«والله تبارك وتعالى سابق للإبداع لأنه لیس قبله عزّ وجلّ شـيء ولا كان معه شـيء».٣

«المشیة محدثة».٤

«المشیة والإرادة من صفات الأفعال، فمن زعم أن الله تعالى لم یزل مریدا شائیا فلیس بموحد».٥

«إن المرید غیر الإرادة،


  1. بحار الأنوار، ١٠ / ١٦٦، عن الاحتجاج.
  2. بحارالأنوار، ١٠ / ٣١٦، عن التوحيد والعیون؛ التوحيد، ٤٣٨.
  3. الصدوق: التوحيد، ٤٣٧.
  4. الصدوق: التوحيد، ٣٣٦.
  5. الصدوق: التوحيد، ٣٣٨.
معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام٣٨٠

وإن المرید قبل الإرادة، وإن الفاعل قبل المفعول وهذا یبطل قولكم: إن الإرادة والمرید شـيء واحد».١

«إن الله المبدئ الواحد الكائن الأول لم یزل واحدا لا شـيء معه، فردا لا ثاني معه، لا معلوما ولا مجهولا، ولا محكما ولا متشابها ولا مذكورا ولا منسیا، ولا شیئا یقع علیه اسم شـيء من الأشیاء غیره، ولا من وقت كان ولا إلى وقت یكون، ولا بشـيء قام ولا إلى شـيءیقوم، ولا إلى شـيء استند ولا في شـيء استكن.

وذلك كله قبل الخلق، إذ لا شـيء غیره، وما أوقعت علیه من الكل فهي صفات محدثة وترجمة یفهم بها من فهم، واعلم أن الإبداع والمشیة والإرادة معناها واحد وأسماؤها ثلاثة.

ومن الغریب جدا إیهام أصحاب الفلسفة إلى غیرهم أنهم یعتقدون بحدوث الأشیاء وكونها موجودة بعد العدم حیث یقولون:

«احتج على توحده بإبقاء الخلق بعد إحداثه فإن من البین الذي لا یرتاب فیه أن حدوث الشـيء وأصل تلبسه بالوجود بعد العدم غیر بقائه وتلبسه بالوجود بعد الوجود على نحو الاستمرار، فبقاء الشـيء بعد حدوثه یحتاج إلى إیجاد بعد إیجاد على نحو الاتصال والاستمرار».٢

«الأشیاء كما تستفیض منه تعالى الوجود في أول كونها وحدوثها، كذلك تستفیض منه ذلك في حال بقائها وامتداد كونها وحیاتها، فلا یزال الشـيء موجودا ما یفیض علیه الوجود، وإذا انقطع عنه الفیض انمحى رسمه عن لوح الوجود».٣


  1. بحار الأنوار، ١٠ / ٣٣٢، عن التوحید.
  2. الطباطبايي، محمد حسين: تفسير الميزان، ١٧ / ٥٥.
  3. الطباطبايي، محمد حسين: تفسير الميزان، ٧ / ٣٠٠.
٣٨١بم یباین الله تعالی خلقه؟!

فإن التفوه بهذه الكلمات لا یصح إلا ممن یعتقد بأن الله تعالى خلق الأشیاء لا من شـيء وأوجدها بعد العدم الحقیقي غیر المجامع مع وجوده مطلقا، ولا یصح صدورها ممن ینكر حقیقة الإیجاد والخلق ویقول بسط وجود الأشیاء عن نفس ذات الخالق تعالی ثم قبضها إلیه، بل بكون الخالق متجلیا بصورة الخلق بنفس ذاته المتعالیة أزلا وأبدا. فظهر بذلك بطلان ما جاء في "تفسیر المیزان":

«نفاد وجود الأشیاء وإنتهائها إلى أجلها لیس فناء منها وبطلانا لها على ما نتوهمه، بل رجوعا وعودا منها إلى عنده وقد كانت نزلت من عنده، وما عند الله باق فلم یكن إلا بسطا ثم قبضا، فالله سبحانه یبدؤ الأشیاء بسط الرحمة، ویعیدها إلیه بقبضها وهو المعاد الموعود».١

«لا تزال الخلقة تقع مرحلة بعد مرحلة، وتنال غایة بعد غایة حتى تتوقف في غایة لا غایة بعدها، وذلك رجوعها إلى الله سبحانه، قال تعالى "وأن إلى ربك المنتهى"»٢

الباب الثامن:

الإرادة هي صفة فعل


  1. الطباطبايي، محمد حسين: تفسير الميزان، ١٠ / ١١.
  2. الطباطبايي، محمد حسين: تفسير الميزان، ١١ / ٤٢.

الإرادة هي صفة الفعل

معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام٣٨٤

تقول الفلسفة والعرفان:

إن إرادة الله تعالى من صفات الذات، وعلیه فالعالم أزلي،

الإرادة هي العلم، أو الرضا، أو الابتهاج الذاتي أو...

...

ولكن البرهان والعلوم الإلهیة یدفع ذلك كله ببیان:

أن الإرادة هي فعل فلا تكون أزلیةً، فالعالم حادث،

تأویل معنى الإرادة إلى غیر معنى الفعل خطأ واضح،

إن

٣٨٥الإرادة هي صفة الفعل

الإرادة هي من صفات الأفعال، وصفة الفعل هي نفس فعل الفاعل ولا یكون حالة أو كیفیة من أحواله وكیفیاته كما هو شأن الصفة، ومن البدیهي أن الفعل یمتنع أن یكون قدیما أزلیا وإلا فلا یكون من معنى الفعل في شـيء.

فإرادة الله تعالى التكوینیة هي نفس فعله وتكوینه وإیجاده للأشیاء، وهي نفس إعمال قدرته وإحداثه لما سواه، فبما أن الإرادة والإیجاد والإحداث هي معنى مصدري ومحدث بالذات، فیمتنع أن تكون قدیمة وصفة أزلیة لشـيء مطلقا.

ومن هنا ترى أن صفات الله الفعلیة، هي ما یصح سلبه عنه تعالى واتصافه بنقیضه كما یقال: "إن الله تعالى خلق شیئا" و"لم یخلق شیئا آخر" و"أراد هذا، ولم یردذاك" و"رزق شخصا" و"لم یرزق شخصا آخر" و"هو أرحم الراحمین للمؤمنین، وأشد المعاقبین للمحدین المشبهین" وذلك بخلاف صفة الذات فإنه یمتنع سلبها عنه تعالى بوجه ولا یوصف بنقیضها مطلقا، فلا یصح أن یقال: "علم الله تعالى شیئا" و"لم یعلم شیئا آخر"، أو "قدر ولم یقدر" (تعالى الله عن ذلك علوا كبیرا).

إن قلت: إن كانت الإرادة حادثة فتحتاج إلى محدث فیلزم التسلسل وعدم تحقق المراد مطلقا.

فنجیب أولا بالنقض بما یحدث من الحوادث الواقعة بأعیننا، وإنكار ذلك إنكار الضـروریات.

وثانیا بأنّا

معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام٣٨٦

نقول: إن الإرادة لیست إلا نفس الفعل والإیجاد وإعمال القدرة فلا تتوقف إلا على كون الفاعل قادرا یصح منه الفعل والترك، فإن كل شـيءیتحقق ویوجد بإیجاد وإعمال قدرة من له القدرة والسلطنة على الفعل والترك؛ وأما الإیجاد نفسه فلا معنى لكونه موجدا بإیجاد وإعمال قدرة آخر حتى یتصور لزوم التسلسل، بل هو نفس فعل الفاعل المختار، فهو فعل بنفسه لا بفعل آخر:

قال الإمام الصادق عليه السلام:

«خلق الله المشیة بنفسها، ثم خلق الأشیاء بالمشیة».١

فالمشیة والإرادة والإیجاد تغایر المراد والموجود الذي وجد بالإیجاد، ویتقدم علیه تغایر الفعل والمفعول وتقدمه علیه.

وأما نفس الفعل والمصدر فهو أیضا خلق وأمر حادث ولكنه له نحو وجود خاص به، ولیس موجودا كسائر الموجودات الامتدادیة المتأصلة الجوهرية أو العرضية المحققة بأجزائها القائمة بأعیانها:

الإمام الرضا عليه السلام:

«ومنها [أي من أنواع الخلق] العمل والحركات التي تصنع الأشیاء وتعملها وتغیرها من حال إلى حال، وتزیدها وتنقصها، فأما الأعمال والحركات فإنها تنطلق لأنه لا وقت لها أكثر من قدر ما یحتاج إلیه، فإذا فرغ من الشـيء انطلق بالحركة وبقي الأثر، ویجري مجرى الكلام الّذي یذهب ویبقى أثره».٢

هذا، ولا تغفل عن أن الله تعالى فاعل بلا آلة ولا حركة ولا نصب ولا معاناة.

جاء في كتاب "محاضـرات في الإلهیات" الذي یكون كتاب فلسفة في الحقیقة ویتسمى بالكلام:

«


  1. الكليني "قدس سـره": الكافي، ١ / ١١٠.
  2. بحار الأنوار، ١٠ / ٣١٢، عن التوحید.
٣٨٧الإرادة هي صفة الفعل

ربما تفسـر إرادته سبحانه بإعمال القدرة ویقال: إنا لا نتصور لإرادته تعالى معنى غیر إعمال القدرة والسلطنة، ولما كانت سلطنته تعالى تامة من جمیع الجهات ولا یتصور فیه النقص أبدا، فبطبیعة الحال یتحقق الفعل في الخارج، ویوجد بصـرف إعمال القدرة من دون توقفه على أیة مقدمة أخرى كما هو مقتضى قوله سبحانه: إنّما أمره إذا أراد شیئا أن یقول له كن فیكون.

یلاحظ علیه: إن إعمال القدرة والسلطنة إما فعل اختیاري له سبحانه أو اضطراري، ولا سبیل إلى الثاني لأنه یستلزم أن یكون تعالى فاعلا مضطرا وعلى الأول فما هو ملاك كونه مختارا، لأنه لا بد أن یكون هناك قبل إعمال السلطنة وتنفیذ القدرة شـيءیدور علیه كونه فاعلا مختارا».١

فنقول ما نقله كتاب "محاضـرات في الإلهیات" عن "المحاضـرات في أصول الفقه" حق واضح لا غبار علیه والإشكال غیر وارد، فإن ملاك صحة إعمال القدرة والسلطنة هو كون الفاعل قادرا بحیث یصح منه الفعل والترك بلا مانع له من إعمال قدرته، وهذا هو نفس معنى كون الفاعل قادرا مختارا، ولیس یحتاج كون الذات قادرة مختارة مسلطة على الفعل والترك إلى ملاك ومناط غیر نفس كونها قادرة مختارة مسلطة على الفعل والترك، وإلا فیلزم التسلسل ویرد الإشكال على المستشكل نفسه بعینه.

ثم إن من العجیب قول المستشكل وهو یقول: "إن إعمال القدرة والسلطنة إما فعل اختیاري له سبحانه، أو اضطراري"

وذلك أنا لا نفهم معنى كون إعمال القدرة والسلطنة اضطراریا، بل نرى أن كل من صح عنه إعمال القدرة والسلطنة فهو مختار، والتفكیك بینهما لا یصدر إلا عمن غفل عن حقیقة معنى الاختیار.

واتضح في ما تقدم أن كل حادث موجود بالإیجاد، والإیجاد موجود لا بإیجاد آخر، بل الإیجاد هو نفس


  1. السبحاني، جعفر، الإلهيات، تلخيص، رباني الگلپايگاني، علي: ١٤٧ ـ ١٤٨.
معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام٣٨٨

فعل القادر المختار وإعمال قدرته غیر المبتني على فعل وإرادة أخرى. وقد تقدم أیضا الإشارة إلى الروایة عن علي بن إبراهیم عن أبیه عن ابن أبي عمیر عن عمر بن أذینة عن أبي عبد الله عليه السلام قال:

«خلق الله المشیة بنفسها ثم خلق الأشیاء بالمشیة».١

«اللهم یا ذاالقدرة التي صدر عنها العالم مكونا مبروءا علیها، مفطورا تحت ظل العظمة، فنطقت شواهد صنعك فیه بأنك أنت الله لا إله إلا أنت، مكونه وبارئه ابتدعته لا من شـيء، ولا على شـيء، ولا في شـيء، ولا لوحشة دخلت علیك إذ لا غیرك، ولا حاجة بدت لك في تكوینه ولا استعانة منك على الخلق بعده، بل أنشأته لیكون دلیلا علیك، بائن من الصنع فلا یطیق المنصف لعقله إنكارك، والموسوم بصحة المعرفة جحودك».٢

ولا تتوهمن أن القدرة هي ذات محققة متأصلة في الخارج جوهرا أو عرضا كالمقدور، بانت منها الأشیاء أو ظهرت بها:

«قلت للرضا عليه السلام: خلق الله الأشیاء بالقدرة أم بغیر القدرة؟! فقال عليه السلام:

لا یجوز أن یكون خلق الأشیاء بالقدرة، لأنك إذا قلت: خلق الأشیاء بالقدرة فكأنك قد جعلت القدرة شیئا غیره، وجعلتها آلة له بها خلق الأشیاء وهذا شـرك.

وإذا قلت: خلق الأشیاء بقدرة فإنما تصفه أنه جعلها باقتدار علیها وقدرة، ولكن لیس هو بضعیف ولا عاجز ولا محتاج إلى غیره، بل هو سبحانه قادر لذاته لا بالقدرة».٣

ومن البدیهي أن المراد من المشیة والإرادة لو كان شیئا غیر المعنى المصدري ـ أي غیر


  1. الكافي، ١ / ١١٠؛ بحار الأنوار، ٤ / ١٤٥ ـ ١٤٧.
  2. المحدث القمي: "قدس سـره": مفاتيج الجنان، زيارة جامعة أئمة المؤمنين، عن مصباح الزائر للسيد بن طاوس "قدس سـره".
  3. الصدوق: التوحيد، ١٣٠.
٣٨٩الإرادة هي صفة الفعل

نفس الإیجاد ـ للزم توقف الشـيء على نفسه المحال، فإنه إن فرضت المشیة جوهرا غیر المعنى المصدري صادرا عن ذات الحق تعالی (كما قالت بذلك الفلسفة، فلم یجد بدا من أن یؤول معنى الخلق إلى تجلي ذات الله تعالى بصور الأشیاء وظهوره في أعیانها). فإدعاء تحققها بنفسها هو توقف الشـيء على نفسه، وأما إن فرضت المشیة نفس الفعل والمصدر والإیجاد فلا یبقى إشكال في إمكان تحققها بالفاعل المختار بلا واسطة.

ثم إنه لا یلزم من عدم كون الإرادة والإیجاد ذاتا خارجیة مستقلة بنفسها كالموجَد بالإیجاد، أن یكون الإیجاد نفس الموجَد والموجود، بل الإیجاد هو الفعل والمصدر وما یكون به المفعول والموجود، ومباینة معنى الفعل والمفعول، والإیجاد والموجود غیر خفي.

وقد یظهر بذلك بطلان ما قالته الفلسفة حیث توهمت أن احتیاج المعلول إلى العلة في البقاء یكون من جهة كون "الإیجاد والموجود" و"الإفاضة والمفاض" و"الإعطاء والمعطى" شیئا واحدا، وذلك أنه اتضح أن التغایر بین الفعل والمفعول، والإیجاد والموجود، والمعنى المصدري والجوهر الخارجي العیني یكون من الواضحات التي قد خفیت علیهم! وأن لكل من الموجِد والإیجاد والموجَد معنى یختص به ویباین به الآخر.

«قال عمران: يا سيدي أ لا تخبرني عن الإبداع خلق هو أم غير خلق؟ قال الرضا عليه السلام: بل خلق ساكن لا يدرك بالسكون وإنما صار خلقا لأنه شـي ء محدث والله الذي أحدثه فصار خلقا له وإنما هو الله عز وجل وخلقه لا ثالث بينهما ولا ثالث غيـرهما... وكل ما وقع عليه حد فهو خلق الله عز وجل...

واعلم أن الواحد الذي هو قائم بغير تقدير ولا تحديد خلق خلقا مقدرا بتحديد وتقدير وكان الذي خلق خلقين اثنين التقدير والمقدر... وإنما اختلف الناس في هذا الباب حتى تاهوا وتحيـروا وطلبوا الخلاص من الظلمة بالظلمة في وصفهم الله بصفة أنفسهم فازدادوا من الحق بعدا ولو وصفوا الله عز وجل بصفاته ووصفوا المخلوقين بصفاتهم لقالوا بالفهم واليقين ولما اختلفوا فلما

معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام٣٩٠

طلبوا من ذلك ما تحيـروا فيه ارتبكوا والله يهدي من يشاء إلى صـراط مستقيم ».١

تقول الفلسفة:

«إن في شأن العلة والمعلول، یكون الآخذ والأخذ وما یؤخذ (المجعول والجعل وما یجعل، الموجَد والإیجاد والوجود). شیئا واحدا، هذا مع العلم بأن الموجِد (الجاعل والمعطي). له واقعیة مستقلة عن واقعیة الموجَد والإیجاد والوجود، فإن المعطي والموجِد هو ما تنشأ عنه واقعیة أخرى، ولا یمكن أن یكون شـيء منشأ لنفسه».٢

وهذا الكلام مردود من جهات هي:

١. أن الإعطاء والإیجاد والجعل معنى مصدري فیباین الموجودات العینیة القائمة بأجزائها الخارجیة ذاتا ولا یمكن اتحادهما بوجه.

٢. أن أصحاب الفلسفة ـ ومنهم القائل نفسه ـ لا یعترفون باستقلال وجود العلة عن المعلول، بل یعدّون الموجودات والمعلولات الخارجیة بأجمعها نفس حقیقة العلة بجمیع مراتبها، فقول القائل:

«العلة هي معطي الوجود للمعلول».٣

وقوله:

«لیس في الخارج إلا واقعیتان: واقعیة العلة وواقعیة المعلول».٤

فهذه الكلمات غفلة عن المباني، ومناقض لأصولِ "أصول الفلسفة"، كما أنه یقول


  1. التوحيد، ٤٣٩.
  2. المطهري، مرتضى: أصول الفلسفة، الحاشية، ٥ / ١٢١ ـ ١٢٢.
  3. أصول الفلسفة، ٥ / ١٢٠ ـ ١٢٥.
  4. أصول الفلسفة، ٥ / ١٢٢
٣٩١الإرادة هي صفة الفعل

القائل نفسه:

«إن حقیقة المخلوقات هي عین ظهور الحق وتجلیه الذاتى».١

«المعلولیة تساوي الظهور والتشأن والتجلی».٢

«رجعت العلیة والإفاضة إلى تطور المبدأ الأول بأطواره».٣

«لیس لما سوى الواحد الحق وجود لا استقلالي ولا تعلقي بل وجوداتها لیس إلا تطورات الحق بأطواره وتشؤناته بشؤونه الذاتیة».٤

قدم الإرادة عند أصحاب الفلسفة:

قال في كتابي نهاية الكحمة وبدایتها في وجوب الخلق والرزق على الله تعالى وكونهما بالإشـراق يعني بظهور ذات الله بصور الأشياء لا بإيجاده إياها:

«فكونه تعالى بحيث يخلق وكونه بحيث يرزق إلى غير ذلك صفات واجبة ومرجعها إلى الإضافة الإشـراقية».٥

من المعلوم أن العالم وجميع ما سوى الله تعالى مخلوق وحادث بحقيقة معنى الكلمة والزمان أيضا حادث بحدوثه، وليس قديما وأزليا ومتعاصـرا ومتلازما لوجود الحقّ عز وجل، ولكنك ترى في الكتابين القول بقدم العالم وتخطئة القول بحدوثه، بل عدّ العقيدة بحدوث العالم ـ الذي هو من ضـروریات الأدیان وعقائد أئمتنا ^ ـ أسخف الأقوال! وناشئة من عدم شعور القائلین بها! حيث أن فيهما:

«إن قدرته تعالى هي مبدئيته للإيجاد وعلّيّته لما سواه وهي عين الذات المتعالية


  1. المطهري، مرتضى: أصول الفلسفة، الحاشية، ١١٠.
  2. المطهري، مرتضى: أصول الفلسفة، الحاشية، ١٢٣.
  3. ملاصدرا، المشاعر، ٥٤.
  4. ملا صدرا، الأسفار: ٢/٣٠٥.
  5. الطباطبائي، محمد حسين، نهاية الحكمة، ٥٧.
معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام٣٩٢

ولازم ذلك دوام الفيض».١

«وأما الحدوث بمعنى كون وجود الزمان مسبوقا بعدم خارج من وجوده... ففيه...

وإلى ذلك يشير ما نقل عن المعلم الأول أن من قال بحدوث الزمان فقد قال بقدمه من حيث لا يشعر».٢

«العالم بجميع أجزائه حادث ذاتا مسبوق الوجود بوجود الواجب لذاته... وأما ما صوّره المتكلمون في حدوث العالم يعني ما سوى الباري سبحانه زمانا بالبناء على استحالة القدم الزماني في الممكن... ففيه أن...»٣

«كل حادث زماني فإنه مسبوق بقوة الوجود... وهذا الإمكان أمر خارجي... فإذن لكل حادث زماني مادة سابقة عليه تحمل قوة وجوده».٤

«بعض من لم يجد بدا من إيجاب العلّة التامّة لمعلولها قال بأن علّة العالم هي إرادة الواجب دون ذاته تعالى وهو أسخف ما قيل في هذا المقام».٥

من البديهي أن قدرة الله تعالىتامّة عامة وليست بمحدودة بوجوب صدور واحد عنه فقط، ولكن في الكتابين خلاف ذلك كله حيث أن فيهما:

«الواجب تعالى... لا يفيض إلا وجودا واحدا».٦

إن على أساس ضـرورة حكم العقل وتعاليم مدرسة الوحي أن إرادة الله تعالى حادثه، وهي غير علمه، وهي فعله تعالى وليست عين ذاته، ولكن في الكتابين خلاف ذلك كله حيث أن فيهما:

«


  1. الطباطبائي، محمد حسين، نهاية الحكمة، ٣٢٦.
  2. الطباطبائي، محمد حسين، نهاية الحكمة، ٢٣٢.
  3. الطباطبائي، محمد حسين، نهاية الحكمة، ٣٢٤ـ ٣٢٥.
  4. الطباطبائي، محمد حسين، بداية الحكمة، ١١٨ ـ ١١٩.
  5. الطباطبائي، محمد حسين، نهاية الحكمة، ١٦٣.
  6. الطباطبائي، محمد حسين، نهاية الحكمة، ٣١٥ ـ ٣١٦.
٣٩٣الإرادة هي صفة الفعل

وعلمه الذي هو عين ذاته علّة لما سواه».١

وفي تأويل قدرة الله تعالى بمبدئية ذاته لصدور الأشياء:

«قدرته مبدئيته لكل شـيء سواه بذاته».٢

«إن قدرته تعالى هي مبدئيته للإيجاد وعلّيّته لما سواه وهي عين الذات المتعالية».٣

وتقول الفلسفة:

«إن نسبة العلیة إلى إرادة الواجب بالذات ونفیها عن الذات تقتضـي بالمغایرة بین الواجب وإرادته، فهذه الإرادة إما مستغنیة عن العلة فلازمه أن تكون واجبة الوجود ولازمه تعدد الواجب، وهو محال.

وإما مفتقرة إلى العلة فإن كانت علتها الواجب، كانت الإرادة علة العالم والواجب علة لها وعلة العلة علة فالواجب علة العالم. وإن كانت علتها غیر الواجب ولم ینته استلزم واجبا آخر تنتهي إلیه، وهو محال».٤

وتقول:

«إن الإرادة المذكورة... إن كانت صفة فعلیة منتزعة عن مقام الفعل كان الفعل متقدما علیها، فكان إسناد إیجاد الفعل إلیها قولا بتقدم المعلول على العلة، وهو محال».٥

فنقول جوابا عما ذكر:

١. إن الخالق تعالى هو الفاعل لفعله، وفعله هو الموجِب والعلة لوجود العالم، لا ینكر


  1. الطباطبائي، محمد حسين، نهاية الحكمة، ٣٠٩.
  2. الطباطبائي، محمد حسين، نهاية الحكمة، ٣٠٧.
  3. الطباطبائي، محمد حسين، نهاية الحكمة، ٣٢٦.
  4. الطباطبائي، محمد حسين: نهاية الحكمة، ٢٨٦.
  5. الطباطبائي، محمد حسين: نهاية الحكمة، ٢٨٥ ـ .٢٨٦.
معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام٣٩٤

من ذلك شـيء، إلا أن المهم هو أن یعلم أن علیة الخالق لفعله تكون على نحو إعمال القدرة والإحداث عن الاختیار التام، لا بتطور ذاته، ولا یمكن أن یكون الفاعل نفس الفعل والإیجاد والإرادة بالبداهة، فإنه لا شك:

الإمام الصادق عليه السلام:

«إنه جل ثناؤه علة كل شـيء».١

ولكن الفلسفة أخطأت في تفسیر معنى علیة الخالق تبارك وتعالى لوجود العالم الذي یكون بمعنى الخلقة والإیجاد، وتوهمت أن ذات الخالق تعالى یقتضـي بنفسها وجود العالم وتصدر عنها الأشیاء وتتصور بصور المخلوقات، وسمّت هذا التغیر والتحول تارة علیة، وأخرى صدورا، وثالثة تجلیا وظهورا.

مضافا إلى أن المغایرة بین الفاعل وفعله لهو من البدیهیات التي لا یعتریه ریب، فلا مجال للنقض في ذلك بلزوم المغایرة بین ذات الخالق وإرادته الذي یكون نفس فعله وإیجاده، بل ادعاء اتحادهما منقوض بالوجدان والبرهان.

٢. إن الإیجاد والفعل معنى مصدري وله نحو وجود خاص به، وهو منتزع عن نفس مقام كون الفاعل فاعلا، ومقارنا لصدور الفعل عنه، فالنقض بلزوم تقدم وجود المعلول على العلة في غیر محله.

وبما قدمناه قد یظهر الجواب عما قد یقال:

«إن المعلول یجب وجوده عند وجود العلة التامة، وبعض من لم یجد بدا من إیجاب العلة التامة لمعلولها قال بأن علة العالم هي إرادة الواجب دون ذاته تعالى، وهو أسخف ما قیل في هذا المقام».

«فإن المراد بإرادته إن كانت هي الإرادة الذاتیة كانت عین الذات وكان القول بعلیة


  1. بحارالأنوار، ٣ / ١٤٨، عن توحید المفضل.
٣٩٥الإرادة هي صفة الفعل

الإرادة عین القول بعلیة الذات، وهو یفرق بینهما بقبول أحدهما وردّ الآخر.

وإن كانت هي الإرادة الفعلیة وهي من صفات الفعل الخارجة من الذات كانت أحد الممكنات وراء العالم ونستنتج منها وجود أحد الممكنات».١

فإنا نقول:

١. سبحان الله ! إن ما عدّ هاهنا أسخف ما قیل في المقام، لهو أحق ما یمكن أن یقال به من المرام، بل هو بلا ریب نص مذهب الأئمة الكرام، ومعلمي العقول والأفهام، فنعوذ بالله من التجسـر على أولیاء الملك العلام، بل القول بالإرادة الذاتیة لهو من مخترعات الفلاسفة المتوغلین في الأوهام.

ومن الواضحات عند ذوي الأفهام هو الخلط الواضح في الكلام المذكور بین معنى الفعل والذات اللذین یتباینان بتمام الذات، والغلط الواضح فیه في تفسیر الإرادة ـ التي لا یعقل له معنى غیر معنى فعل الذات ـ بمعنى نفس الذات!!

هذا كلّه مضافا إلى أن القائل المذكور قد خلط في المقام خلطا آخر وهو أنه خرج عن ما یكون محل الخلاف في الإرادة الإلهیة لأنه لا شك في أنه إذا تعلقت إرادته تعالی بوجود العالم فلابد وأن یوجد العالم بالإیجاب ودون أي اختیار للعالم من ناحیة قبول الوجود وعدمه وهذا واضح، وإنّما البحث والخلاف هو في أن نفس إرادة الله تعالى وإیجاده أیضا هل یصدر عن ذاته تعالى بالإیجاب ودون أي اختیار له تعالى في ذلك، أم له المشیة المطلقة والاختیار التام في إرادته وإیجاده العالم؟

فإن الفلسفة تقول هاهنا أیضا بالإیجاب ونفي الاختیار عن الله جلّت عظمته وتعالت كبریاؤه، ولایخضع لدى الاعتقاد بأن یكون الله جلّ جلاله فاعلا مختارا في أن یوجد العالم أولایخلقه، بل یؤول معنى المشیة والاختیار على الإطلاق بما لا یخرج عن الضـرورة في جمیع الموارد.


  1. الطباطبائي، محمد حسين: نهاية الحكمة، ١٦٣ ـ ١٦٤.
معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام٣٩٦

وبالجملة فإن المراد من إیجاب الإرادة إن كان هو إیجاب إرادة الله مراده فلا كلام لأحد في ذلك، وإن كان المراد كون ذات الله جلّت عظمتهبلا اختیار فينفس إرادته وإیجاده العالم ـ كما هو نفس قول الفلاسفة ـ فهو أسخف ما یمكن أن یقوله قائل في المقام.

كما أنّه إن كان المراد من الإرادة في الروایة الشـریفة هي نفس فعل الله القادر المختار الذي یكون من الممكن له أن یفعل ما یشاء ویحكم ما یرید فلا محذور فیه أصلا، وإن كان المراد منها أحد الممكنات الجوهریة القائمة بأعیانها وأجزائها الخارجیة ـ كما علیه الفلاسفة والشیخیة والمفككة ـ فالإشكال یكون في سوء فهم الفلسفة وأختیها وغلطها في تفسیر حقیقة الإرادة والمشیة لا غیر.

یقول "المحاضـرات في أصول الفقه":

«إن من الواضح أن مفهوم الإرادة لیس هو الابتهاج والرضا، لا لغة ولا عرفا، وإنما ذلك اصطلاح خاص من الفلاسفة، حیث إنهم فسـروا الإرادة الأزلیة بهذا التفسیر، ولكن هذا التفسیر خاطئ جدا وذلك أن الإرادة لا تخلو من أن تكون بمعنى إعمال القدرة، أو بمعنى الشوق الأكید، ولا ثالث لهما، وحیث إن الإرادة بالمعنى الثاني لا تعقل لذاته تعالى تتعین الإرادة بالمعنى الأول له سبحانه وهو المشیة وإعمال القدرة.

وأضف إلى ذلك أن الرضا من الصفات الفعلیة كسخطه تعالى، ولیس من الصفات الذاتیة كالعلم والقدرة ونحوهما، وذلك لصحة سلبه عن ذاته تعالى فلو كان من الصفات العلیا لم یصح السلب أبدا.

قد دلت الروایات الكثیره على أن إرادته تعالى فعله كما نص به قوله سبحانه "إذا أراد شیئا أن یقول له كن فیكون" ولیس في شـيء من هذه الروایات إیماء فضلا عن الدلالة على أن له تعالى إرادة ذاتیة أیضا، بل فیها ما یدل على نفي كون إرادته سبحانه ذاتیة كصحیحة عاصم بن حمید عن أبي عبدالله عليه السلام، قال: "

٣٩٧الإرادة هي صفة الفعل

قلت: لم یزل الله مریدا؟ قال: إن المرید لا یكون إلا المراد معه، لم یزل الله عالما قادرا ثم أراد."»١

«وروایة الجعفري قال: قال الرضا عليه السلام: "المشیة من صفات الأفعال فمن زعم أن الله لم یزل مریدا شائیا فلیس بموحد." فهاتان الروایتان تنصان على نفي الإرادة الذاتیة عنه سبحانه».٢

«قلت لأبي عبد الله عليه السلام: علم الله ومشیته هما مختلفان أم متفقان؟ فقال: العلم لیس هو المشیة، ألا ترى أنك تقول: سأفعل كذا إن شاء الله ، ولا تقول: سأفعل كذا إن علم الله ، فقولك: إن شاء الله دلیل على أنه لم یشأ، فإذا شاء كان الذي شاء كما شاء، وعلم الله سابق للمشیة».٣

الإمام الباقر عليه السلام:

«ولا قوي بعد ما كوّن شیئا، ولا كان ضعیفا قبل أن یكوّن شیئا... ولا كان خلوا من القدرة على الملك قبل إنشائه، ولا یكون منه خلوا بعد ذهابه، لم یزل... ملكا قادرا قبل أن ینشئ شیئا، وملكا جبارا بعد إنشائه للكون».٤

«قال سلیمان: لأن إرادته علمه، قال الرضا عليه السلام: یا جاهل، فإذا علم الشـيء فقد أراده؟! قال سلیمان: أجل، قال عليه السلام: فإذا لم یرده لم یعلمه، قال سلیمان: أجل، قال عليه السلام: من أین قلت ذاك، وما الدلیل على أن إرادته علمه وقد یعلم ما لا یریده أبدا؟ وذلك قوله عزّ وجلّ: «ولئن شئنا لنذهبنّ بالذي أوحینا إلیك» فهو یعلم كیف یذهب به وهو لا یذهب به أبدا.


  1. بحار الأنوار: عن التوحيد، ٤ / ١٤٤.
  2. الفياض، محمد اسحاق: المحاضـرات، التقريرات، ٢ / ٣٦ ـ ٣٧.
  3. بحار الأنوار: عن التوحيد، ٤ / ١٤٤.
  4. التوحيد، ١٧٣.
معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام٣٩٨

قال سلیمان: لأنه قد فرغ من الأمر فلیس یزید فیه شیئا. قال الرضا عليه السلام: هذا قول الیهود، فكیف قال عزّ وجلّ: «ادعوني أستجب لكم»؟ قال سلیمان: إنّما عنى بذلك أنه قادر علیه، قال عليه السلام: أفیعد ما لا یفي به؟ فكیف قال عزّ وجلّ: «یزید في الخلق ما یشاء» وقال عزّ وجلّ: «یمحو الله ما یشاء ویثبت وعنده أم الكتاب» وقد فرغ من الأمر؟! فلم یحر جوابا».١

فظهر أن تقسیم الإرادة إلى الذاتیة الأزلیة والفعلیة الحادثة خطأ واضح ومخالف لحقیقة معنى الإرادة التي لا یمكن أن تكون إلا حادثة.

جاء في "تفسیر المیزان":

«إنا إذا نظرنا إلى الأشیاء وجرّدنا النظر ومحضناه في كونها صنع الله وفعله المحض غیر المنفك منه ولا المنفصل عنه ـ وهي نظرة حقة واقعیة ـ لم یتحقق فیها إلا التسلیم لله وإرادته والتذلل لكبریائه... والإیمان بوحدانیته».٢

«من المعلوم أنه لیس هناك إلا الله عز اسمه والشـيء الذي یوجد لا ثالث بینهما وإسناد العلیة والسببیة إلى إرادته دونه تعالى ـ والإرادة صفة فعلیة منتزعة من مقام الفعل كما تقدم ـ یستلزم انقطاع حاجة الأشیاء إلیه تعالى من رأس لاستیجابه استغناء الأشیاء بصفة منتزعة منها عنه تعالى وتقدس.

ومن المعلوم أن لیس هناك أمر ینفصل عنه تعالى یسمى إیجادا ووجودا، ثم یتصل بالشـيء فیصیر به موجودا وهو ظاهر فلیس بعده تعالى إلا وجود الشـيء فحسب.

... إن كلمة الإیجاد وهي كلمة كن هي وجود الشـيء الذي أوجده».٣

فنقول:

١ .


  1. التوحيد، ٤٥١ ـ ٤٥٢.
  2. الطباطبايي، محمد حسين: تفسير الميزان، ١٠ / ١٠٥.
  3. الطباطبايي، محمد حسين: تفسير الميزان، ١٧ / ١١٥ ـ ١١٦.
٣٩٩الإرادة هي صفة الفعل

النظرة الحقة الواقعیة تقضـيبكون الفعل شیئا غیر ذات الفاعل، فإن الفعل والصنع معنى مصدري وهو ما یصدر عن الفاعل المختار، ولذا تراه تعالى یمكنه أن یترك الفعل ولا یمكن أن یترك ذاته، وهو یقول جل وعلا «ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحینا إلیك».١

وأما ما تقوله الفلسفة من كون الإرادة والفعل غیر منفكین عن الخالق غیر منفصلین عنه وكونهما ذاتیین للخالق تعالی بل نفس ذاته المتعالیة فهو مما تدفعه الضـرورة والبرهان، ضـرورة امتناع كون الفاعل فعلا أو الفعل فاعلا.

٢ . إن فرض وجود شـيء ثالث بین الخالق وخلقه على نحو أن یكون ذاك الثالث شیئا قائما بذاته في وجوده الخارجي ـ كنفس وجود الموجِد (الخالق). أو الموجَد الموجود بالإیجاد (المخلوق). فمما لا شبهة في امتناعه، وأما إنكار وجود ذلك الشـيء الثالث على نحو المعنى المصدري والفعلي الصادر عن الفاعل المختار ـ وهو شـيء غیر حقیقة وجود الموجِد والموجَد ـ كما یفعله أصحاب الفلسفة والعرفان فهو أیضا من الباطل بلا شبهة.

بل العجب من الفلسفیین كأنهم لم یلتفتوا إلى حقیقة معنى الإرادة والفعل أصلا ویزعمون أنها إذا لم تكن عین ذات الشـيء فیجب أن یكون أمرا ینفصل عن ذات الفاعل ثم یتصل بالأشیاء!!

٣ . إن الإرادة والفعل لا یكون معنى انتزاعیا بل هي أمر حقیقي واقعي له نحو وجود خاص به، والفعل هو ما یكون به المفعول ولا یكون نفس المفعول، كما أنه یكون فعل الفاعل المختار ولا یكون نفس وجوده.

٤ . وجوب إسناد العلیة والسببیة إلى إرادة الخالق تعالی دون ذاته المقدسة مما لا یعتریه ریب، ولا ینبغي أن یتوهم أن ذلك یستلزم انقطاع حاجة الأشیاء إلیه تعالى إلا إذا جعلنا الإرادة شیئا غیر نفس الفعل والمصدر الذي یفعله الفاعل ویوجد به الأشیاء، وأما


  1. الاسـراء (١٧): ٨٧.
معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام٤٠٠

إذا جعلناها نفس فعل الفاعل المختار وإعمال قدرته، ففرض الاستقلال في الوجود لذلك الفعل والمعنى المصدري یكون مما لا یمكن أن یتفوه به إلا مع الغفلة الواضحة عن حقیقة معنى الفعل والمصدر.

٥ . إن كلمة الإیجاد وهي كلمة "كن" نفس الإیجاد وما یكون به الشـيء موجودا ـ كما بیناه ـ ولا یمكن أن یكون نفس وجود الشـيء الذي یوجد بالإیجاد.

٦. القول بوجود شـيء بعد وجود الله تبارك وتعالى لا یتلائم مع اعتقاد أصحاب الفلسفة والعرفان ـ ومنهم القائل نفسه ـ بكون الأشیاء مراتب وتجلیات الذات المتعالیة عن الامتداد بل أوهاما وخیالات بالنظرة الحقة الواقعیة.

الباب التاسع:

ملاك المعلولیة والاحتیاج

ملاك المعلولیّة والاحتیاج

معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام٤٠٢

قد تبحث المدارس الفكریة البشـریة عن:

مناط الخالقیة والمخلوقیة وتنبیء في ذلك عن أوهام واهیة وأمور مستحیلة الوجود بالذات،

فیبحث هذا الفصل عن:

بطلان تلك الآراء،

الكشف عن حقیقة ملاك الخالقیة والمخلوقیة،

الجهة التي یباین بها الخالق خلقه، ویكون بها الخالق خالقا والخلق خلقا،

إثبات حدوث العالم وبطلان اعتقاد أصحاب الفلسفة والعرفان قدم العالم،

بطلان الاعتقاد بأي ربط ذاتي بین وجود الخالق والخلق،

أن القدم لیس هو الوجود الدائمي،

إن آیة المعلولیة والاحتیاج

٤٠٣ملاك المعلولیّة والاحتیاج

هو الامتداد والتجزي والتبعض والكون في الزمان والمكان وقبول الزیادة والنقصان الملازم لجواز الوجود والعدم المستلزم للحدوث والوجود بعد العدم. وآیة كون الشـيء بخلاف ذلك هو خلاف ذلك، فإن المعلول هو ما یتحقق في أجزائه وأبعاضه، فهو موجود في غیره وبغیره لا في نفسه وبنفسه. وهذا هو المعنى الصحیح من معنی قیامه في غیره، وأما تفسیر القیام في الغیر بـ"الوجود الربطي"أي"عدم خروج المعلول بجمیع أجزائه وأبعاضه عن ذات علته" فمن مخترعات الأوهام البشـریة وهو على خلاف ما یقتضیه الوحي والبرهان واللغة والعرف والوجدان.

الإمام الرضا عليه السلام:

«كل قائم في سواه معلول».١

إن المعلول هو الذي یقوم على ساقه، وأجزائه وأبعاضه وحدّه وامتداده، ووجود الخالق تبارك وتعالى یكون على خلاف ذلك كله:

الإمام الرضا عليه السلام:

«هو قائم لیس على معنى انتصاب وقیام على ساق في كبد كما قامت الأشیاء».٢


  1. بحار الأنوار، ٤ / ٢٢٨، عن التوحید.
  2. بحار الأنوار، ٤ / ١٧٨، عن التوحید.
معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام٤٠٤

فإن الذات إما قابلة للاتصاف بالصفات أم لا، فإن لم تكن فهي خارجة عن الامتداد والعدد والتصور والتوهم، وإن كانت قابلة للصفات (ومنها الصغر والكبر وامتدادها الذي لا ینفك عنها).، فتكون الصفات غیر الذات، ولذا یصح خروجها عنها واتصافها بصفات أخرى دونها، كما أن عكس ذلك أیضا یكون صادقا، فإن الذات إن كانت امتدادیة فهي قابلة للصفات، وإن لم تكن فغیر قابلة للصفات، وخارج عن إمكان تبدل الأسماء والصفات علیه:

الإمام أمیر المؤمنین عليه السلام:

«لشهادة كل صفة أنها غیر الموصوف، وشهادة كل موصوف أنه غیر الصفة».١

فإن الصفات كلها امتدادیة، وجواز التغییر على الامتداد ذاتي له، بل إن لم تكن الصفات غیر الذات للزم في صورة سلب الصفة عن شـيء سلبه عن ذاته، ومن هنا نقول في توصیف الخالق تبارك وتعالى: لا یختلف علیه الأسماء والصفات كما یختلف على غیره:

الإمام الصادق عليه السلام:

«إنه لیس شـيء إلا یبید أو یتغیر... إلا رب العالمین... لا تختلف علیه الصفات والأسماء كما تختلف على غیره مثل الإنسان یكون ترابا مرة، ومرة لحما ودما، ومرة رفاتا ورمیما... فتتبدل علیه الأسماء والصفات والله جل وعز بخلاف ذلك».٢

ومن هنا أیضا لا یمكن معرفة حقیقة التوحید إلا بسلب الصفات عنه تعالى:

الإمام أمیر المؤمنین عليه السلام:

«وكمال توحیده الإخلاص له، وكمال الإخلاص له نفي الصفات عنه».٣

لا یمكن تصور شیئین أحدهما بنفسه والآخر في غیره، بل إن كل ما یتصور وكل ما یتحقق لا یكون إلا معلولا ومتحققا في غیره، أي في أجزائه وأبعاضه وامتداده وعدده، ولیست


  1. نهج البلاغه، الخطبة، ١.
  2. الكافي، ١ / ١١٥.
  3. نهج البلاغة، الخطبه، ١.
٤٠٥ملاك المعلولیّة والاحتیاج

الأجزاء والأبعاض والحدود والكیفیات ذات الأشیاء، ولذا یجوز علیها التغییر والتبدل إلى أجزاء وصور وحدود وغیرها.

وما یفرضه الفیلسوف ذاتي الشـيء وغیر قابل للسلب عنه كالدسومة للسمن والملوحة للملح والزوجیة للأربعة فهو باطل لا أصل له، حیث إن ذلك كله یكون من باب الضـرورة بشـرط المحمول، فإن الذات الواحدة قد تكون نارا وقد تكون شجرا والذات ذات، كما أن الملح والماء والسمن بعد التجزئة إلى عناصـرها الأولیة تسلب عنها أكثر صفاتها والذات ذات.

وكما أن الفرد یصیر بالزیادة والنقصان والتجزئة والتقسیم زوجا، والزوج فردا. وأما الله الخالق تعالی الموجود بنفسه لا بأداته یكون على خلاف ذلك كله، فإنه لا بعض له ولا جزء ولا صورة، بل هو بخلاف الامتداد فیكون بخلاف الأشیاء كلها. فلا یشبه الله تعالى ولا یمثل بالموجود الذي یكون:

«ذي الأقطار والنواحي المختلفة في طبقاته، وكان عزّ وجلّ الموجود بنفسه لا بأداته».١

لا یتحقق شـيء إلا بظله وامتداده والله تعالى بخلاف ذلك:

«أحدا صمدا أزلیا صمدیا، لا ظل له یمسكه وهو یمسك الأشیاء بأظلتها».٢

«...فخبرني الآن عما قاله نبیكم في المسیح من أین أثبت له الخلق ونفى عنه الإلهیة وأوجب فیه النقص وقد عرفت ما یعتقد فیه كثیر من المتدینین؟! فقال أمیر المؤمنین عليه السلام: أثبت له الخلق بالتقدیر الذي لزمه والتصویر والتغیر من حال إلى حال والزیادة التي لم ینفك عنها والنقصان».٣

ومن آیات المعلولیة، عدم إباء الشـيء بذاته عن جواز تعلق المعرفة به:


  1. الإمام أمیر المؤمنین عليه السلام: بحار الأنوار، ٤ / ٢٧٧، عن التوحید.
  2. الكليني، "قدس سـره": الكافي، باب النسبة.
  3. بحار الأنوار، ١٠ / ٥٦، عن أمالي الشيخ الطوسي.
معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام٤٠٦

الإمام سید الشهداء عليه السلام:

«لیس بربّ من طرح تحت البلاغ أو وجد في هواء أو غیر هواء».١

الإمام الرضا عليه السلام:

«كل معروف بنفسه مصنوع».٢

ومن هنا تعلم أن سـر خطأ مدارس المعرفة البشـریة في معرفة الذات اللائقة للألوهیة وضلالتها في سبیل معرفة الله تعالى، هو فحصها عن الذات المتعالي عن الإدراك والخارج عن حیطة الوصول الیه في حیطة إدراكاتها المنحصـرة بإدراك المخلوق، وتقسیمها ذلك المدرك الذي لا یكون إلا مخلوقا حادثا معلولا، إلى الواجب والممكن والممتنع، فإن هذا التقسیم یكون في الحقیقة تقسیم الشـيء إلى نفسه وغیره. أو فقل یكون تقسیم الشـيء إلى نفسه وما یباینه بكله.

ومن هاهنا أیضا فینسد على البشـر الخاطئ الناظر بأوهامه وإدراكاته الناقصة إلى خالقه طریق التصدیق بوجود الخالق تبارك وتعالى، فیصبح إما منكرا لوجود الخالق ودهریا!! وإما منكرا لوجود المخلوق عارفاً وفیلسوفا وصوفیا!!

ومن البدیهي أنه لا یمكن صدور وجود المخلوق المتبائن بتمام ذاته وسنخ وجوده مع خالقه عن وجود الخالق تبارك وتعالى ـ خلافا لأهل الفلسفة ـ ولا یمكن تجلي الخالق بصورة المخلوق ـ خلافا لما یدعیه أصحاب العرفان ـ كل ذلك لوضوح استحالة أي ربط ذاتي بین وجود الخالق والمخلوق، والمبائنة التامّة بین الوجود المتجزئ مع الموجود المتعالي عن الامتداد والعدد والأجزاء كما بیناه.

فكل ما سوى الله خلقه وفعل منه، أنشأه سبحانه لا من شـيء، وكوّنه بعد ما لم یكن بإرادته ومشیته. ولیس إرادته تعالى إلا إیجاده وإنشاؤه الأشیاء بلا فكر وضمیر وهمة وكیف


  1. بحار الأنوار، ٤ / ٣٠١، عن تحف العقول.
  2. بحار الأنوار، ٤ / ٢٢٨، عن التوحید.
٤٠٧ملاك المعلولیّة والاحتیاج

وآلة ونطق:

الإمام أمیر المؤمنین عليه السلام:

«یقول لما أراد كونه: "كن" فیكون، لا بصوت یقرع، ولا نداء یسمع، وإنما كلامه سبحانه فعل منه أنشأه ومثله، لم یكن من قبل ذلك كائنا، ولو كان قدیما لكان إلها ثانیا.١یقول ولا یلفظ... یرید ولا یضمر».٢

الإمام الصادق عليه السلام:

«خلق الخلق والأشیاء لا من شـيء ولا كیف بلا علاج ولا معاناة ولا فكر ولا كیف كما أنه لا كیف له وإنما الكیف بكیفیة المخلوق».٣

الإمام الكاظم عليه السلام:

«وكل شـيء سواه مخلوق وإنما تكون الأشیاء بإرادته ومشیته من غیر كلام ولا تردد في نفس ولا نطق ببیان».٤

«وإنما أمره كلمح البصـر أو هو أقرب إذا شاء شیئا فإنما یقول له: "كن" فیكون بمشیته وإرادته.٥و"كن" منه صنع وما یكون به المصنوع».٦

«قلت لأبي الحسن عليه السلام: أخبرني عن الإرادة من الله عزّ وجلّ ومن الخلق، فقال: الإرادة من الخلق الضمیر وما یبدو له بعد ذلك من الفعل، وأما من الله عزّ وجلّ فإرادته إحداثه لا غیر ذلك، لأنه لا یروّي ولا یهمّ ولا یتفكر، وهذه الصفات منفی


  1. بحار الأنوار، ٤ / ٢٥٥، عن الاحتجاج.
  2. بحار الأنوار، ٤ / ٢٥٥، عن الاحتجاج.
  3. بحار الأنوار، ٣ / ١٩٣، الخبر المروي عن المفضل بن عمر في التوحيد المشتهر بالإهليلجة.
  4. بحار الأنوار، ٣ / ٢٩٥، عن الاحتجاج.
  5. الصدوق: التوحيد، .٤٤٠
  6. الصدوق: التوحيد، ٤٣٦.
معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام٤٠٨

ة عنه، وهي من صفات الخلق فإرادة الله هي الفعل لا غیر ذلك، یقول له: "كن" فیكون بلا لفظ ولا نطق بلسان ولا همة ولا تفكر، ولا كیف لذلك كما أنه بلا كیف».١

هل یصح أن یكون القدم ملاكا للاستغناء عن العلة:

لا شك أن كون الشـيءامتدادیا قابلا للزیادة والنقصان هو آیة مخلوقیته، وأن حدوثه هو مناط احتیاجه إلى الغیر، وهو المثبت لوجود محدثه وخالقه. وأما القدم فهل یصح أن یعد مناطا لكون الشـيء إلها غیر محتاج إلى العلة؟!

فنقول: إن أرید من القدم، دوام وجود الشـيء في كل عصـر وزمان، فلا شبهة في بطلان ذلك موضوعا، حیث إن الحكم بعدم التناهي لنفس الزمان ، فضلا عن مقارناته، فإنه لا یمكن فرض عدم التناهي لأي شـيء امتدادي مطلقا، ولا یخرج وجود الزمان عن هذا الإطلاق أیضا.

وإن أرید من القدم والأزلیة للشـيء، كونه بخلاف الامتداد والعدد والزمان، فلا إشكال في صلاحیة هذا المعنى لأن ملاك للاستغناء عن العلة ومناطا لعدم الاحتیاج إلى الغیر، وقد قدمنا توضیح ذلك بما لا مزید علیه:

الإمام الصادق عليه السلام:

«لا یلیق بالذي هو خالق كل شـيء إلا أن یكون مبائنا لكل شـيء متعالیا عن كل شـيء، سبحانه وتعالى».٢

وبالالتفات إلى ما قدمناه في مبحث "أنه واحد" ـ من امتناع تعدد ما یخالف الامتداد والعدد بالذات ـ یظهر لك أن الاعتقاد بإمكان تعدد القدماء ناش عن سوء فهم المعنى


  1. نهج البلاغة، ٢٧٢؛ عنه بحارالأنوار، ٧٤ / ٣١٤.
  2. بحار الأنوار، ٣ / ١٤٨، عن توحید المفضل.
٤٠٩ملاك المعلولیّة والاحتیاج

المراد عن الموجود "القدیم" و"الأزلي"، وتوهم كون القدم بمعنى الوجود الدائم في كل الأزمنة والدهور.

وذلك أن القدیم بمعناه الحقیقي ـ وهو ما یكون على خلاف الامتداد لا ما یكون دائمیا ـ لا یجامع التعدد ذاتا، وذلك أن التعدد فرع الامتداد، ففرضه لما یكون على خلاف الامتداد، ناش من الاشتباه في فهم حقیقة معنى القدم والأزلیة.

إن نفس جواز تصور الشـيء واقعا في الزمان، دلیل على جواز التغیر علیه، وذلك أن كل ما یجوز أن یكون في زمانین، فلا یستحیل أن یكون على حالتین، وجواز التغیر مستلزم لكون الشـيء حادثا وموجودا بعد العدم، فإن نفس الوجود والعدم أیضا حالتان له عارضتان علیه:

الإمام الصادق عليه السلام:

«إن الأشیاء لو دامت على صغرها لكان في الوهم أنه متى ما ضم شـيء إلى مثله كان أكبر، وفي جواز التغییر علیه خروجه من القدم، كما بان في تغییره دخوله في الحدث».١

«إن الذي یزول ویحول یجوز أن یوجد ویبطل، فیكون بوجوده بعد عدمه دخول في الحدث».٢

فما یجوز علیه التغییر ویكون مقارنا للزمان یلزمه الحدوث من وجهین:

١ . استحالة ما لا یتناهی مطلقا، فیتناهی الزمان أیضا.

٢ . جواز نسبته إلى الوجود والعدم المستلزم لكون وجوده بالغیر واحتیاجه إلى الخالق، المستلزم لحدوثه ووجوده بعد عدمه:


  1. بحار الأنوار، ٣ / ٤٧، عن التوحید.
  2. بحار الأنوار، ٣ / ٤٦، عن التوحید.
معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام٤١٠

الإمام الصادق عليه السلام:

«ولن تجتمع صفة الأزل والحدوث والقدم والعدم في شـيء واحد».١

«الأول لا عن أول قبله، ولا عن بدء سبقه.٢ وآخر لا من نهایة كما یعقل من صفات المخلوقین.٣ ولكن قدیم أول آخر، لم یزل ولا یزال، بلا بدء ولا نهایة ولا یقع علیه الحدوث، ولا یحول من حال إلى حال، خالق كل شـيء».٤

الإمام الرضا عليه السلام:

«إن الله تبارك وتعالى قدیم، والقدم صفة دلّت العاقل على أنه لا شـيء قبله ولا شـيء معه في دیمومیته، فقد بان بإقرار العامة مع معجزة الصفة أنه لا شـيء قبل الله ولا شـيء مع الله في بقائه».٥

"الأول" و"الآخر" و"القبل" و"البعد" إذا اتصف بها الخالق جل وعلا فلا ینبئ عن التقدم والتأخر الوجودي، بل الأولیة له تعالى یؤوّل إلى معنى سلبي (كسائر صفات الله تعالى الثبوتیة). ویكون بمعنى عدم تقدم شـيء علیه تعالى، كما أن آخریته تعالى یكون بمعنى أنه لیس شـيءیتأخر عنه وجودا:

*«هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شـيء علیم».٦


  1. بحار الأنوار، ٣ / ٤٦، عن التوحید.
  2. أي لا عن أول كان الله قبل ذاك الأول أو عن بدء سبق اللهُ ذاك البدء، فإن هذه القبلية والسبق ليس إلا زمانيا أيضا. وهو تعالى خلاف الزمان بل خالقه، فيكون مدلول الرواية هو أن سبق وجود الخالق تعالى على الزمان ليس بسبقة زمانية على ابتداء الزمان، فإن هذا السبق يكون سبقا زمانيا والزمان في هذه الصورة قد فرض موجودا قبل ابتداء وجوده، فيكون اتصافه بالأولية زمانيا وكل ما يكون زمانيا فهو حادث. والحاصل أن سبق وجود الخالق على الزمان لا يكون على نحو سبق شـيء شيئا آخر وهما ذو زمان، بل يكون سبقه بخروجه عن الاتصاف بالزمان، وتعاليه عن جواز العدم عليه مطلقا.
  3. أي لا يكون آخريته تعالى من جهة بقائه تعالى بعد تلك نهاية وجود الأشياء، فإن الحكم بالآخرية على هذا النحو لا يليق إلا بالشـيء الزماني والامتدادي، فأوليته وآخريته تعالى ليس إلا بمعنى تعالي وجوده عن الاتصاف بالزمان.
  4. التوحيد، ٣١٣.
  5. التوحيد، ١٨٦، الوافي، ١ / ٤٨٤، نقلاً عن الكافي، ١ / ١٢٠.
  6. الحديد (٥٧): ٤.
٤١١ملاك المعلولیّة والاحتیاج

الإمام أمیر المؤمنین عليه السلام:

«الحمد لله الذي لم تسبق له حال حالا فیكون أولا قبل أن یكون آخرا».١

«أولیتك مثل آخریتك وآخریتك مثل أولیتك».٢

إن الاتصاف بالقبلیة والبعدیة والمعیة لیس إلا للمخلوق الذي یكون موجودا في الزمان، وأما تصور وجود الخالق تعالى بوصف كونه: "قبل أو بعد أو مع الأشیاء" وهمٌ، فإنه لا قبل ولا بعده له تعالی:

الإمام الرضا عليه السلام:

«بمقارنته بین الأشیاء عرف أن لا قرین له... ففرق بین قبل وبعد لیعلم أن لا قبل له ولا بعد... مخبرة بتوقیتها أن لا وقت لموقتها».٣

فلا یكون معنى قدم وجود الخالق تعالى وأزلیته هو دوام وجوده في كل زمان وأوان، بل هو إخبار عن كونه تعالى بخلاف الامتداد والعدد، ومن هنا فمن جعله دائمیا زمانیا فقد جعله امتدادیا عددیا:

الإمام الرضا عليه السلام:

«ومن عدّه فقد أبطل أزله».٤

إن "للأزل"، معنى یباین البینونة والمقارنة لأنهما یتفرعان على الامتداد والعدد:


  1. بحار الأنوار، ٤ / ٣٠٨ ـ ٣٠٩.
  2. الصحيفة العلوية.
  3. الوافي، ١ / ٤٣٤، عن الكافي، ١ / ١٣٨.
  4. بحار الأنوار، ٤ / ٢٨٥، عن التوحید.
معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام٤١٢

الإمام الرضا عليه السلام:

«لشهادة كل صفة أنها غیر الموصوف وشهادة الموصوف أنه غیر الصفة، وشهادتهما جمیعا على أنفسهما بالبینة الممتنع منها الأزل».١

ولذلك فإن كل ما یصح نسبته إلى الزمان فیمتنع عن القدم والأزلیة المخالفین للعدد:

الإمام الرضا عليه السلام:

«منعتها [الأشیاء] "مذ" القدمة، وحمتها "قد" الأزلیة».٢

وحیث إن معنى القدم والأزلیة هو كون الشـيء على خلاف العدد والامتداد فیكونان هما و"الواحد" و"الصمد" على سیاق واحد:

الإمام الصادق عليه السلام:

«واحد، صمد، أزلي، صمدي».٣

الباب العاشـر:

نقد


  1. بحار الأنوار، ٤ / ٢٨٥، عن التوحید.
  2. بحار الأنوار، ٤ / ٢٣٠، عن التوحید.
  3. بحار الأنوار، ٤ / ٢٨٦، عن التوحید.

نقد برهان الوجوب والإمكان

معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام٤١٤

برهان الوجوب والامكان

یقول أصحاب المعرفة البشـریة:

إن برهان الوجوب والإمكان هو أشـرف البراهین لإثبات وجود الخالق المتعال.

ویهدف هذا الفصل الرد على ذلك ببیان:

أن برهان الوجوب والإمكان لا صلة له بإثبات الخالق تعالی مطلقا، بل هو نفس القول بأزلیة وجود العالم ووجوب وجوده لذاته لا غیر،

تقسیم ما فرضوه إلى "الواجب" و"الممكن" و"الممتنع" هو تقسیم الشـيء إلى نفسه وغیره، وهو باطل بالبداهة،

أنه مع الالتزام بمباني المعرفة البشـریة لا یمكن إبطال التسلسل، بل الدور أیضا،

أن فرض الوجود لما یفرضه البرهان المذكور واجبا محال، فضلا عن ادعاء وجوب الوجود لذلك،

إنّ لأصحاب

٤١٥نقد برهان الوجوب والإمكان

المعرفة البشـریة بیانا لإثبات واجبهم یبتني على تقسیم الموجود إلى الواجب والممكن أولا، ثمّ استنتاج وجود الوجود لما یسمونه بـ "واجب الوجود" ثانیا.

إنهم یقولون:

«من البراهین علیه أنه لا ریب أن هناك موجودا ما، فإن كان هو أو شـيء منه واجبا بالذات فهو المطلوب، وإن لم یكن واجبا بالذات وهو موجود فهو ممكن بالذات بالضـروره، فرجح وجوده على عدمه بأمر خارج من ذاته... وعلته إما ممكنة مثله أو واجبة بالذات،... فإما أن یدور أو یتسلسل وهما محالان، أو ینتهي إلى علة هي غیر معلولة هي الواجب بالذات، وهو المطلوب».١

ویقولون:

«لا شك أن صفحة الوجود ملیئة بالموجودات الإمكانیة، بدلیل أنها توجد وتنعدم وتحدت وتفنى، ویطرء علیها التبدل والتغیر إلى غیر ذلك من الحالات التي هي آیات الإمكان وسمات الافتقار، وأمر وجودها لا یخلو عن الفروض التالیة:

١. لا علة لوجودها، أو إن كلا منها علة لوجود نفسه، وهذا باطل لأن كل ممكن یحتاج إلى علة.

٢. البعض منها علة لبعض آخر وبالعكس، وهو محال لبطلان الدور.

٣.


  1. الطباطبائي، محمد حسين: نهاية الحكمة، ٢٧٠.
معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام٤١٦

بعضها معلول لبعض آخر وذلك البعض معلول لآخر من غیر أن ینتهي إلى علة لیست بمعلول، وهو ممتنع لاستحالة التسلسل.

٤. وراء تلك الموجودات الإمكانیة علة لیست بمعلولة بل یكون واجب الوجود لذاته وهو المطلوب».١

فنقول: أدلتهم هذه لا تثبت شیئا وترد علیها إشكالات عدیدة أصولیة وهی:

الإشكال الأول)لا سبیل لمنتحلي المعرفة البشـریة إلى إبطال التسلسل، وذلك أن ما استدل به على بطلان التسلسل من الأدلة یكون على قسمین، قسم منها یدل على بطلان التسلسل من حیث استحالة اللامتناهي مطلقا، والقسم الثاني منها یستدل به لذلك لا من جهة بطلان اللامتناهي بل من جهات أخرى.

القسم الأول منها یكون تاما في نفسه ولكن المعرفة البشـریة حیث لا تذعن ببطلان اللامتناهي على إطلاقه فهي ممنوعة عن التمسك بهذا القسم من الأدلة، وذلك لاعتقادها بقدم وجود العالم، وعدم تناهي النفوس، وأزلیة الحركات، وتأویل حدوث العالم بالحدوث الذاتي والحركة الجوهریة الأزلیة، فإن الجمع بین هذه الاعتقادات الباطلة من ناحیة، والاعتقاد ببطلان التسلسل من جهة استحالة اللامتناهي من ناحیة أخرى، یكون من أظهر مصادیق التناقض؛

وأما القسم الثاني من الأدلة المذكورة، فهو غیر تامّ في نفسه، وباطل من أساسه وهي قولهم:

«التسلسل في العلل محال، والبرهان علیه أن وجود المعلول رابط بالنسبة إلى علته، لا یقوم إلا بعلته، والعلة تقومه كما تقدم، وإذا كانت علته معلولة لثالث وهكذا كانت غیر مستقلة بالنسبة إلى ما فوقها، فلو ذهبت السلسلة إلى غیر النهایة ولم تنته إلى علة غیر معلولة تكون مستقلة غیر رابطة، لم یتحقق


  1. السبحاني، جعفر: الإلهيات، تلخيص علي رباني گلپايگاني، ٣٥، مع التصـرف.
٤١٧نقد برهان الوجوب والإمكان

شـيء عن أجزاء السلسلة، لاستحالة وجود الرابط إلا مع مستقل».١

وهذا البرهان باطل وذلك أن:

"الرابط"عندهم هو الذي یقوم بغیره، رابطا فرض ذلك الغیر أیضا أو مستقلا، فقول المستدل: "لاستحالة وجود الرابط إلا مع مستقل" لیس في محله، لأن مع فرض ذهاب السلسلة إلى غیر النهایة كما هو المدعی، لا یمكن إثبات المستقل إلا مصادرة، مضافا إلی أن مع فرض عدم ذهاب السلسلة إلی غیر النهایة ـ كما أن ذلك أساس الفلسفة ـ فلا یبقي محل لفرض وجود طرف مستقل أصلا.

وقولهم في برهان ثان لهم:

«برهان آخر، وهو المعروف ببرهان الوسط والطرف، أقامه الشیخ في الشفاء، حیث قال:... لیس یجوز أن تكون جملة علل موجودة ولیس فیها علة غیر معلولة وعلة أولى، فإن جمیع غیر المتناهي كواسطة بلا طرف، وهذا محال».٢

هذا البرهان أیضا واضح البطلان، فإن وجود الطرف مسلم عند القائل بالتسلسل وإنما الكلام في إثبات كون ذلك الطرف طرفا حقیقیا ـ أي فردا لا یكون فوقه فرد آخر مطلقا ـ وعلة غیر معلولة؟ أم أن كل طرف فهو وسط، وكل علة فهو معلول إلی ما لا یتناهی كما یقول بذلك القائل بالتسلسل والمعرفة البشـریة، وإثبات الأول بما جاء في الشفاء وارتضاه الناقل مصادرة واضحة.

مضافا إلى أن ما لا یتناهی فلا یتناهی، فلا یصح أن یقال: "جمیع غیر المتناهي كواسطة بلا طرف"، بل هو عند القائل بالتسلسل ـ بل عند صاحب الشفاء وناقل كلامه، بل عند أصحاب المعرفة البشـریة بأجمعهم ـ لا ینتهي إلى حد أبدا، فلا یتصور له طرف حقیقي مطلقا، فلا یجتمع أفراده في مجموعة أبدا.

ویقال في برهان ثالث لهم:

«برهان آخر: وهو المعروف بالأسد الأخصـر للفارابي،... الآحاد اللا متناهیة بأسـرها یصدق علیها أنها لا تدخل في الوجود ما لم یكن شـيء من ورائها موجودا من


  1. الطباطبائي، محمد حسين: نهاية الحكمة، ١٦٨.
  2. الطباطبائي، محمد حسين: نهاية الحكمة، ١٦٨ و ١٦٩، عن الشفاء لابن سينا، ٣٢٧.
معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام٤١٨

قبل، فإذن بداهة العقل قاضیة بأنه من أین یوجد في تلك السلسلة شـيء حتى یوجد شـيء ما بعده».١

وهذا البرهان أیضا مصادرة، فإن للقائل بالتسلسل أن یردّ على ذلك ویقول: ولكن كل فرد من الآحاد یكون موجودا لأنه قد وجد قبله شـيء آخر!

وقد أجیب عن هذا الردّ بما قد قیل:

«یجب أن یعتقد أو یلاحظ في هذه الوجوه من الأدلة أن سلسلة الممكنات الموجودة بالفعل معا قائمة بذاتها لا بد أن تنتهي إلى واجب قائم لذاته مقیم لغیره أي الوجود القیوم، ومع التوجه إلى هذا الأصل القویم كان النظر فیه غیر مستقیم وتعلیله بالمصادرة علیل».٢

وأنت خبیر بأن مع النظر إلى هذا الأصل عند من یتوهمه قویما أیضا تكون البراهین المذكورة ونفس هذا الكلام مصادرة واضحة، والدفاع عن المصادرة أمر علیل.

الإشكال الثاني علی برهان الوجوب والإمكان الفلسفي)لا دلیل لأصحاب المعرفة البشـریة على بطلان الدور أیضا.

فإن وجود الممكن عندهم یجامع عدمه، فلا شـيء من العلة والمعلول عندهم معدوما واقعیا مطلقا حتى یستلزم ذلك تقدم الشـيء على نفسه الباطل، ویستنتج من ذلك بطلان الدور. بل إن تأخر وجود المعلول المجامع وجوده مع عدمه عن العلة یكون عندهم بالرتبة وهو أمر اعتباري غیر حقیقي فلا مانع من اعتبار عكسه، یعني كما یصح أن يقال: وجود البحر متوقف علی وجود حصص الماء، فیمكن عكسه بأن یقال: وجود حصص الماء متوقف علی وجود البحر، وهذا علیأساس الفلسفة والعرفان في تعریف العلة


  1. الطباطبائي، محمد حسين: نهاية الحكمة، ١٦٩؛ نقلا عن الأسفار، ٢ / ١٦٦.
  2. حسن زاده، حسن: تعليقات كشف المراد، ٥٠٩.
٤١٩نقد برهان الوجوب والإمكان

والمعلول، فكیف یكون دورا باطلا؟!

الإشكال الثالث علی برهان الوجوب والإمكان الفلسفي)انه یكون مطلوب المعرفة البشـریة منقوضا بنفس هذه البراهین، وذلك أنّهم یقولون: "إن واجب الوجود هو الموجود الواقع في المرتبة اللا متناهیة من هذه السلسلة، ونحن نقول:

إذا كنتم اعترفتم بتناهي السلسلة بهذه البراهین، فأین یوجد لها مرتبة لا متناهیة حتى تسمى بالواجب أو غیره؟!

ألیس یجب أن تصل السلسلة إلى مرتبة غیر متناهیة بعد وجود أفراد أو مراتب لا متناهیة؟! وهو محال بنفس ادعائكم في هذه البراهین؟ فأصبح بهذا البیان أن مطلوبهم "الواجب الوجود لذاته"، یجب أن یكون ممتنع الوجود لذاته!

وبعبارة أخرى: إن ما یردّ علیه في هذه الأدلة ـ وهو استحالة وجود أفراد غیر متناهیة متسلسلة ـ هو نفس ما تعتقده المعرفة البشـریة من عدم تناهي مراتب الوجود، ولا فرق بینهم وبین الدهریة في حقیقة ما یقولون بوجوده إلا في مجرد تسمیة تلك المجموعة أو فرد من أفرادها بـ "العلة"، أو بـ "الواجب الوجود"، أو بـ "الموجود بنفسه"، أو...! وعلى هذا فما ندري على من تردّ المعرفة البشـریة وعلى أي شـيء ـ غیر نفسها ـ ینقض؟!

الإشكال الرابع علی برهان الوجوب والإمكان الفلسفي)إن المعرفة البشـریة تعتقد من ناحیة بأن: "الممكن الأشـرفیجب أن یتقدم في الوجود على غیره" ومن ناحیة أخرى تقول: "إن المرتبة الواجبة هي أشد مما تحتها بمراتب لا متناهیة"؛ فبالتأمل في هاتین الناحیتن یظهر أن برهان الوجوب والإمكان یصبح عقیما وقاصـرا عن إفادة مطلوبهم في إثبات واجبهم.

فإنه باقتضاء قاعدة "إمكان الأشـرف"یكون تحقق كل مرتبة من المراتب متوقفا على تحقق مراتب لا متناهیة قبلها، ـ وذلك لإمكان وجود أشـرف من كل شـریف ذاتا ـ ومن

معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام٤٢٠

المعلوم أن انتهاء ما لا یتناهیمحال، والمتوقف علی المحال أیضا یكون محالا.

كما أنه باقتضاء وجوب أشدیة المرتبة الواجبة عما تحتها بمراتب لا متناهیة، لیجب أن یكون كل فرد من أفراد السلسلة المفروضة ممكنا، ویكون الواجب المفروض فوقه وهكذا، وذلك لاقتضاء امتناع النیل إلى انتهاء السلسلة اللا متناهیة ابدا.

فلا یبقى حینئذ مجال لإمكان وجود الواجب المتوهم المدعى، فضلا عن وجوب وجوده. فلیس واقع هذا المسمى بالبرهان المبتني علی امتناع التسلسل إلا الالتزام بالتسلسل في سلسلة الممكنات، ونفي وجود الواجب في الحقیقة، فتسمیته ببرهان إثبات الواجب من أعجب العجاب، إلا أن یریدوا أن هذه السلسلة اللا متناهیة المتسلسلة المستحیلة الوجود واجبة الوجود بذاتها.

«وَقالُوا ما هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَنَحْيا. وَا يُهْلِكُنا إِلَّا الدَّهْرُ وَما لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّون».١

الإشكال الخامس علی برهان الوجوب والإمكان الفلسفي)لا وجه لفرض استناد وجود كل فرد من أفراد السلسلة الممكنة على آخر منها، فینتفي حینئذ موضوع الدور والتسلسل من حیث الثبوت، وذلك أن الممكن لا یوجَد ولا یفنى ولا یزید ولا ینقص إلا بخالق بخلافه، فلا شـيء هناك یقدر على الخلق والإیجاد والإعدام بوجه من الوجوهكما بین في أول الكتاب.

بل الإیجاد والإعدام عند الفلاسفة محالان بالذات، ولیس عندهم إلا تطورات الوجود، فأین هناك استناد في وجود شيء علی شیء آخر؟!

الإشكال السادس علی برهان الوجوب والإمكان الفلسفي)إن كل ما یعقله المخلوق ویجوّز له الوجود ـ وهو كل ما یمكن أن یعرف بنفسه ـ لا یخرج واقعه عن "الممكن" و"الامتداد المحتاج"، فما یقال من أن:

«


  1. الجاثية (٤٥): ٢٥.
٤٢١نقد برهان الوجوب والإمكان

كل معقول إما أن یكون واجب الوجود في الخارج لذاته، وإما ممكن الوجود لذاته، وإما ممتنع الوجود لذاته.

لیس إلا تقسیم الشـيء إلى نفسه وغیره، ولیس قولهم: "كل ما یفرض وینسب إلى الوجود إما ممكن أو واجب أو ممتنع" إلا كأن یقال: "كل ما یمكن أن یسمع فهو إما أن یمتنع أن یسمع لذاته، وإما أن یمكن أن یسمع، وإما أن یجب أن یسمع لذاته!!"

أو یقال: "كل ما یمكن أن تراه فهو إما أن یجب أن تراه لذاته، وإما أن یمكن أن تراه، وإما أن یمتنع أن تراه لذاته!!".

وبالجملة لیس مرجع التقسیم الثلاثي المذكور إلا كأن یقال للمخلوق: كل ما تراه ـ وهو منحصـر بالذات في الامتداد والعدد، ولا تجده ولا تراه ولا تعقله إلا محتاجا إلى العلة، وقابلا للوجود والعدم لذاته ـ فهو إما قابل للوجود والعدم لذاته، وإما غیر قابل للعدم لذاته، وإما غیر قابل للوجود لذاته!!"

الإمام أمیر المؤمنین عليه السلام:

«كل ما قدره عقل،... فهو محدود١».٢

الإمام الباقر عليه السلام:

«إنما یعقل ما كان بصفة المخلوق ولیس الله كذلك».٣

كیف یمكن أن یعقل المخلوق حقیقة خارجة عن الامتداد والعدد والتصور والتوهم ذاتا حتى یمكنه أن یفرضها موجودة أو معدومة وهو لا یمكن أن یلتفت إلى شـيء بنفسه إلا في العدد والامتداد؟!

وكیف یمكن مقایسة ذات لا تنسب إلى قبل وبعد والدوام والزوال والزمان والمكان


  1. امتدادي قابل للوجود والعدم وأن يكون له مثل وشبيه.
  2. بحار الأنوار، ٤ / ٢٩٤، عن التوحید.
  3. بحار الأنوار، ٤ / ٦٩، عن التوحید.
معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام٤٢٢

و... مع الوجود١ حتى یحكم بوجوب ذلك أو امتناعه له؟! فإن المقایسة مع الوجود والعدم، فرع جواز النسبة والمقایسة إلی طرفین، فهو تعبیر آخر عن الإمكان، وعلیه فینحصـر وجود أقسامهم الثلاثة بالممكن، وحینئذ فكیف یكون الإمكان قسما من المقسم الذي هو الإمكان بعینه؟! وكیف یعدّ الوجوب والامتناع قسما من المقسم الذي یكون هو نفس الإمكان في الحقیقة.

إن قلت: إن صحة النسبة فرع جواز النسبة بالإمكان العام فلا إشكال،

قلت: الإمكان العام هو جهة القضية، وهو یرجع من جهة المادة لا محالة إما إلی ممكنة خاصة كقولنا: "الإنسان موجود بالإمكان العام" وإما إلی الوجوب كقولنا: "الله موجود بالإمكان العام"، وحیث إنهم فرضوا الذات المفروضة في المقسم مما یعقل ویتصور ویعرف بنفسه، فیعود المحذور.

توضیح ذلك: إن القضیة الموجهة بالإمكان العام قد یعبر بها عن قضیة تكون مادتها هي الضـرورة كقولنا: "الإنسان حیوان بالإمكان العام"،

وقد یعبر بها عن قضیة تكون مادتها هي الإمكان الخاص كقولنا: "الإنسان كاتب بالإمكان العام".

ومع فرض أن یكون الخالق تعالى قسما من المعقولات والأشیاء التي یمكن أن یتوجه إلیها بنفسها وتنسب إلى الوجود والعدم، فلا یمكن أن تكون قضیة "الله موجود" من القسم الأول.

بل الأحق هو أن یقال إن الضـرورة على حقیقة معناها لا یوجد في شـيء سوى الله تعالى، بل یكون ما سوی الله تعالی بكلّه من موارد الضـرورة بشـرط المحمول حتی في صفة الوجود، والضـروري بشـرط هو غیر الضـروري بنفسه، وللبحث عن ذلك مفصلا مجال


  1. ويمكن أن يكون قد أشار أمير المؤمنين عليه السلام إلى هذا المعنى حيث يقول:... ووجوده إثباته بحار الأنوار، ٤ / ٢٥٣.
٤٢٣نقد برهان الوجوب والإمكان

آخر، خلافا لما یدعیه أصحاب المعرفة البشـریة، وذلك أن تجویز الوجود لأیة ذات مفروضة الوجود بنفسه لا یمكن مطلقا إلا إذا كانت معقولة قابلة للالتفات إلیها بنفسها، وما كان كذلك فیجوز نسبته إلى العدم أیضا، وهذا هو معنى الإمكان الخاص لا العام. ففرق الممكنة الخاصة والممكنة العامة في كل قضیة حاكمة بوجود شـيء ـ یكون ذلك الشـيء داخلا في دائرة ما یعقل ویتصور ویمكن أن یتوجه إلیه بنفسه ـ، هو في جهة القضیتین فقط لا في مادتهما.

فإن قلت: فما تصنع أنت بنفس الإشكال حیث تحكم بوجود الخالق ولا تقول له بجواز العدم؟!

أقول: إن الإشكال إنما نشأ من جهة فرض الوجود لشـيءیمكن أن یلتفت إلیه بنفسه ویعرف ویعلم بذاته، ثم نسبته إلى الوجود؛ فإن في هذه الصورة حیث لا یمكن فرض الوجود لشـيء إلا بتصوره امتدادیا عددیا، فیلزم أن یكون تقسیم المفروض إلى الواجب والممكن والممتنع تقسیم الشـيء إلى نفسه وغیره، ونحن في فسحة عن ورود الإشكال، لأن حكمنا بوجود الخالق لا یتقدمه التوجه إلى الذات المتعالیة وتعقلها بنفسها، حتى یدخل بذلك في ما یدخل فیه غیره مما یتساوى له الوجود والعدم، ویلزم كونه امتدادیا عددیا جائزا علیه الوجود والعدم، بل نقول:

إن كل ما یعرف بنفسه (ولعله هو سـر ما قاله مولانا الرضا عليه السلام: كل معروف بنفسه مصنوع١ ویمكن أن یلتفت إلیه وینسب إلى الوجود، ـ وهو الذي یجوز أن ینسب إلى العدم أیضا ـ یكون امتدادیا عددیا محتاجا إلى الخالق في وجوده، وما یكون بهذه الأوصاف فیكشف بحدوثه وسنخ وجوده عن وجود شـيء بخلاف الأشیاء كلها، متعال عن التصور بذاته وعن قبول الوجود والعدم، بحیث یكون فرض العدم بالنسبة إلیه مستحیلا بالذات، فإن جواز العدم لا یجري إلا على سنخ الذات الامتدادیة المتجزیة.

وبالجمله ففرق واضح بین أن ننظر إلى شـيء أولا وبالذات


  1. بحارالأنوار، ٤/٢٢٨.
معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام٤٢٤

ثم نقسمه ونحكم على بعض أقسامه بالوجوب وعلى الآخرین بالإمكان، ـ بل بالامتداد وغیر الامتداد أیضا ـ، وبین أن ننظر إلیه فنعلم أنه لا یكون إلا امتدادیا عددیا ممكنا جائزا علیه الوجود والعدم، ثم نقرّ بأن كل ذلك مخلوق متجزئ لا یوجد إلا بإیجاد خالق مبائن معه ومخالف له، یمتنع تصوره وتوهمه ومعرفته بنفسه، ویستحیل النظر إلیه أولا وبالذات، بل طریق التصدیق به لیس إلا من جهة حكم العقل بأن كل امتدادي مخلوق وكل مخلوق یحتاج إلى خالق بخلافه ومن هاهنا نقول:

إن التمثیل لـ "الممتنع الوجود" بـ"اجتماع النقیضین" یكون باطلا إیضا لأنه لیس لاجتماع النقیضین موضوع في عرض الممكن، بل موضوع ذلك هو نفس الممكن الوجود بأن نفرض شیئا امتدادیا ممكنا، ثم نحكم علیه بأنّه في حال وجوده یمتنع أن یكون معدوما، وفي حال عدمه لا یمكن أن یكون موجودا

فلا یكون موضوع ذلك إلا الموجود الامتدادي الممكن المتصور الذي یحكم العقل باستحالة اجتماع وجوده مع عدمه، لا موضوع مستقل عن الممكن، فهو حكم جدید علی الممكن، لا موضوع جدید في عرض الممكن، فلا یثلث به المقسم.

كما أن المثال لذلك بـ "شـریك الباری" لا یصح أیضا، لأن شـریك الباري لو تعقلناه شیئا وفرضناه ذاتا یصح نسبته إلى الوجود والعدم، فلا یكون إلا ممكنا، والحكم بامتناعه لذاته حینئذ أول الكلام بل هو محل المنع، ولذا ترى ضعف أدلتهم ـ بل بطلانها ـ على امتناع وجود الشـریك للمعبود تعالی مطلقا، ولیس ذلك إلا من حیث أنهم فرضوا الشـریك أولا ذاتا قابلة للمقایسة مع الوجود والعدم ـ وهو الممكن لا غیر ـ ثم سموه ممتنعا، فوقعوا في حیص بیص من حیث طلبهم الدلیل على إثبات امتناع الممكن بالذات!.

هذا كله علی مبنی تصورهم الباطل من حقیقة واجبهم وأما علی مبنی المعرفة الحقة في الله تعالی فالحكم بامتناع وجود شـریكه لا یكون علی موضوع مستقل بالتصور والتوهم قابلا للمعرفة والالتفات إلیه أولا وبالذات، بل هو أیضا حكم واحد من الأحكام الكثیرة العقلی

٤٢٥نقد برهان الوجوب والإمكان

ة المحكوم بها علی الذات المتعالیة عن التصور والتوهم المنزهة عن الامتداد والأجزاء والعدد.

بل إن لم یكن ذلك حكما علی امتناع ثان لنفس موضوع الباري تعالی بعینه، لم یكن دلیلا علی التوحيد، وكان أجنبیا عن مسألة وحدة الباري، فلا یثلث المقسم بذلك أیضا.

ومن الشواهد أیضا على بطلان التقسیم المذكور هو تعبیرهم فیه عن الخالق المتعالي عن قبول الوجود والعدم بـ "الواجب الوجود"، فإن الحكم بوجوب وجود شـيء أو عدم وجوبه علی طریقتهم لا یمكن إلا بعد إمكان فرضه مجردا عن الوجود والعدم أولا، ثم الحكم علیه بوجوب الوجود أو غیره.

فالوجود المفروض وجوبه لیس إلا زائدا على الشـيء وإلا فكیف یمكن فرضه (الشـيء) مجردا عنه (الوجود) في مرحلة حتى یحكم علیه بوجوب ذلك (الوجود) له (الشـيء) في مرحلة أخری؟! فإن سلب الشـيء عن نفسه في عین فرض أنه نفسه محال بالضـرورة.

قال العلامة الحلی قدس الله روحه:

«... والتشكك في النسب الممتنع تحققه في الذاتي».١

ومن لطائف ما یشتمل علیه البرهان الذي أقامته مدرسة الوحي لإثبات وجود الخالق المتعال، هو أنه لا یشیر إلى الله تعالى إلا بعد إیصال الخلق إلى مرحلة المعرفة بأن الله جلّ وعلا لا یمكن أن یلتفت إلیه بنفسه، ولا یطلب منهقبل ذلكالإقرار بوجوده تعالی أصلا، خلافا للمعرفة البشـریة حیث تقول: "لا ریب أن هناك شیئا فهو إما واجب أو ممكن"...، بل لا تطلب مدرسة الوحي والبرهان الإلهي الإقرار بوجود الخالق تعالی من أحد إلا بعد تعلیمه أن كل ما یعرف ویعقل بنفسه فهو مخلوق مصنوع، ولا بد لكم من الإقرار بوجود شيء هو خلاف ما نعقل ویتصور بذاته ومتعالعن جواز نسبته إلى الوجود والعدم المتقابلی


  1. كشف المراد في شـرح تجريد الاعتقاد، ٢٦.
معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام٤٢٦

ن بالذات.

وهذا أمر جلیل جدا یكفي لإثبات أن معارف أهل البیت ^ من سنخ إلهي وهي معجزة بنفسها، فسبحان الله عما یصفون، إلا عباد الله المخلصین.

الإمام الباقر عليه السلام:

«لوإنا حدثنا برأینا ضللنا كمن ضل من قبلنا ولكنا حدثنا ببینة من ربنا بینها لنبیه صلی الله علیه و آله فبینه لنا».١

الإشكال السابع علی برهان الوجوب والإمكان الفلسفي)إن إبطال التسلسل في السلسلة المفروضة علة ومعلولا في برهانهم لیس مفاده إلا تخصیص كلیة قانون العلیة دون أي ملاك واقعي یمكن الوصول إلیه ویصح أن یكون بذلك الملاك شـيء من الأشیاء مستغنیا عن العلة، ومع جواز هذا التخصیص فعلى م یبتني البرهان؟!

توضیح ذلك: أن هاهنا قاعدتین متعارضتین بدوا عند العقل وهما:

ألف). إن كل معلول یحتاج إلى علة،

ب). كل موجود فهو متحقق في الأجزاء ـ متناهیا كان أو غیر متناه (وإن كان الثاني منهما ـ أي غیر المتناهي ـ وهماً)، وكل متجزئ فهو مخلوق معلول،

فان إخراج الله تبارك وتعالی عن كلیة القاعدة الأولی وتخصیصها بغیره تعالی یكون تناقضا واضحا وتخصیصا بغیر مخصص عند من یكون كل ما یتصوره ویتوهمه ویحتمل وجوده ویمكن أن یلتفت الیه أولا وبالذات منحصـرا في الحقیقة الامتدادیة المتجزیة العددیة المحتاجة إلى الخالق، ولا یمكن أن یخرج عن هذا الجهل المركب إلا بهدایة من لا یدركه الأبصار وهو یدرك الأبصار.

ومادام المخلوق باقیا في هذا الجهل فهو معذور في رؤیة التناقض بین القاعدتین المذكورتین ویكون تكلیفه بالمعرفة في هذه الحالة تكلیفا له بما لا یطاق.


  1. بحار الأنوار، ٢/١٧٢، عن بصائر الدرجات.
٤٢٧نقد برهان الوجوب والإمكان

الإمام أمیر المؤمنین عليه السلام:

«هو الدال بالدلیل علیه، والمؤدي بالمعرفة إلیه».١

الإمام الصادق عليه السلام:

«لم یكلف الله العباد المعرفة، ولم یجعل لهم إلیها سبیلا».٢

«قلت لأبي عبد الله عليه السلام هل جعل في الناس أداة ینالون بها المعرفة؟ قال: لا، إن على الله البیان لا یكلّف الله نفسا إلا وسعها ولا یكلّف الله نفسا إلا ما آتاها».٣

وما یقال من أنه: "لا بد عن الإقرار بوجود موجود لذاته، فإن الممكن محتاج والتسلسل باطل"،

فهو تعبیر آخر عن التخصیص المذكور، ویكون اعترافا بورود الإشكال ولیس جوابا عنه، حیث إنه لم یبین فیها ملاك یصح أن یكون به شـيء من الأشیاء غیر محتاج إلى العلة وخارجا عن كلیة قاعدة العلیة، وما لم یبین ذاك الملاك فلا یمكن الإقرار بوجود موجود بنفسه أبدا.

وحكم العقل باستحالة التسلسل أمر صحیح ولكنه أجنبي عن بیان ملاك كون الشـيء موجودا بنفسه، فلا یرتفع به التعارض المترائى بینه وبین حكم العقل باستحالة تخصیص كلیة العلیة بلا مخصص.

إنهم یقولون:

إن ذاك واجب وهذا ممكن، وذاك وجوده من نفسه وهذا من غیره، وذاك علة وهذا معلول، ذاك كان دائما وهذا لم یكن ثم كان، فخروج الواجب یكون بالتخصص لا بالتخصیص، كما نقلوا عن مستشكل:

«إن أثبتنا للعالم إلها علی مقتضـی قانون العلیة والمعلولیة لوجب أن نثبت لله أیضا علة».٤


  1. بحار الأنوار، ٤ / ٢٥٣، عن الاحتجاج.
  2. بحار الأنوار، ٥ / ٢٢٢ عن المحاسن.
  3. إثبات الهداة، ١ / ٥٣، عن المحاسن.
  4. مجموعة آثار المطهري، ٦ / ٩٢٦.
معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام٤٢٨

ثم أجابوا عن إشكاله بقولهم:

«لیس من الصحیح أن نقول إن كل موجود یطلب علة، بل الصحیح هو أن كل حادث له علة، یعنيكل ما لم یكن فوجد یلزم أن یكون له علة بالضـرورة».١

ونقول: بل یكون قولكم هذا صـرف التفرقة بین العلة والمعلول بالاسم، ویكون تخصیصا للقاعدة دون إرائة أي ملاك واقعي للسائل لتمییزه الشـيء غیر المحتاج إلی العلة عن المحتاج الیها، وما دمتم لم تعطوه ذاك الملاك لا یفیدكم شیئا، علی أن في فلسفتكم لا معنی للحدوث، وللشـيء الذي لم یكن ثم كان اصلا، بل العالم وكل شـيء عندكم قدیم!

خلاصة الإشكالات الواردة على ما زعمه أصحاب المعرفة البشـریة برهانا لإثبات واجبهم:

الأول: إن برهانهم ذلك یبتني على إبطال التسلسل مع أن الأدلة التي اقیمت في المعرفة البشـریة لإبطال التسلسل عقیمة.

الثانی: لا دلیل لأصحاب المعرفة البشـریة على بطلان الدور أیضا. فإن تأخر وجود المعلول المجامع وجوده مع عدمه عن العلة، أمر اعتباري غیر حقیقي فلا مانع من اعتبار عكسه، ولا یلزم من ذلك تقدم الشـيء على نفسه المحال حتى یستدل بذلك على بطلان الدور.

وبعبارة أخرى: لا دلیل لأصحاب المعرفة البشـریة على بطلان فرض كون ممكن علة للآخر وعلی العكس، وذلك كما قدمناه من أن العلیة للممكن المجامع وجودُه عدمَه، لیست علیة حقیقیة إیجادیة للمعدوم الحقیقي، بل هي أمر اعتباري صـرف فلا مانع من كون كل منهما علة للآخر بتعاكس الاعتبار.


  1. مجموعة آثار المطهري، ٦ / ٩٢٦.
٤٢٩نقد برهان الوجوب والإمكان

الثالث: إن بین ما یطلب نتیجةً للبرهان المذكور وبین ما یكون مشتملا علیه البرهان بنفسه یكون تهافتا واضحا وذلك أنّه یطلب منها بالنتیجة إثبات أن المرتبة العلیا التي تكون أشد مما تحتها بمراتب لا متناهیة هي الحقیقة الواجبة (كما أن الفلسفة القدیمة أیضا تقول بأن الممكنات تكون بأسـرها قدیمة أزلیة فیكون قبل وجود كل ممكن ممكن آخر وهكذا)؛

مع أن البرهان یقول بنفسه: إنه لا یمكن أن تكون الأفراد أو المراتب الذاهبة إلى فوق لا متناهیة وإلا یلزم التسلسل.

هذا كله مضافا إلى أن السلسلة المفروضة تكون عددیة، فاللامتناهي منتف فیها ثبوتا، والمطلوب في البرهان المذكور یستحیل وجوده موضوعا.

فمن الواضح أن إبطال التسلسل ما لم یكن مستلزما لحدوث الأشیاء بعد عدمها المطلق ـ كما أن أصحاب المعرفة البشـریة لا یرون بینهما ملازمة ـ فلا یفید شیئا في إثبات الخالق تعالى.

وبعبارة أخرى: إن المستدل ببرهان الوجوب والإمكان یقول: "إن كل ممكن یحتاج إلى علة" وهذا القول لا یوافق اعتقادهم بقدم الممكن، بل تسمیة المفروض في هذه الحالة بـ "الممكن" مجازفة إن لم تكن مخادعة، فإن احتیاج هذا الممكن المفروض إلى غیره من حیث إمكانه، معارض بعدم احتیاجه إلى غیره من حیث كونه قدیما أزلیا.

ولا تغفل عن أن الإشكال إنّما نشأ من أصل بطلان فرض كون الممكن أزلیا عندهم، وإلا فمن عرف أن الممكن لا یكون إلا حادثا فلا تناقض عنده أصلا.

هذا كله مضافا إلى أن النتیجة الحاصلة من البرهان المذكور لا یكون لها كثیر فائدة، بل لا فائدة لها اصلا، فإن الالتزام بوجوب شـيء ما ولو كان ذلك هو الدهر ونفس العالم، مع اعتقاد جمیع الدهریین، وهم القائلون بقدم العالم والأدوار والأكوار.

وعلى هذا فالبحث عن إثبات وجود الخالق تعالی تكون نقطة بدئه غیر ما یفیده هذا البرهان ـ إن أفاد شیئا ـ وأمّا هذا البرهان ـ حتّى مع فرض أن یكون تاما في نفسه ـ فلیس فیه أیة فائدة تفیدها البراهین، فضلا عن أن یكون ـ ولو بأتم تقاریره ـ برهانا شـریفا أو

معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام٤٣٠

أشـرف البراهین!

فلا مناص لأصحاب المعرفة البشـریة من الإقرار بعجزهم عن إثبات واجبهم، والتسلیم لدي أهل الحق القائلین بحدوث العالم، وامتناع قدم الممكن، وبطلان اللامتناهي، واستحالة التسلسل مطلقا.

الخامس: إن ما یجوز وجوده عند المخلوقین هو نفس ما یجوز علیه العدم أیضا ویكون امتدادیا متجزیا فینحصـر ذلك بالممكن الوجود ولا یصح تقسیم مفروض ومعقولهم إلى "الممكن" و"الواجب" و"الممتنع".

السادس: إن قولهم بأنه: "یجب وجود واجب وراء الموجودات الإمكانیة"، لا یستقیم مع اعتقادهم بأن: "الواجب هو المرتبة المشتملة على جمیع مراتب الوجود الواقعة في حیطتها، المتحد معها عینا وخارجا".

السابع: لقائل أن یستنتج من نفس البرهان المذكور "تعدد وجود الواجب" و"وحدة وجود الممكن"، وذلك بأن یقول: "إن وجود المرتبة اللا متناهیة معلل بوجود مراتب لا متناهیة تحتها، وهذه المراتب المحدودة الضعیفة هي علة لوجود المرتبة اللا متناهیة، وحیث إن وجود أشد المراتب معلل بوجود المراتب الضعیفة، متقوم بها، فهو ممكن، والمراتب الضعیفة هي الواجبات المتكثرة اللا متناهیة!!"

الباب الحادي عشـر:

حقیقة الأشیاء

حقیقة الأشیاء

معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام٤٣٢

ترى المعرفةُ البشـریة حقیقةَ الوجود واحدة بسیطة مطلقة، وهي عندهم حقیقة ذات الخالق المتعال، متجلیة بمختلف الصور والأحوال،

وترى الأشیاء أوهاما وخیالات و...

ولكن العقل والبرهان والضـرورة والكتاب والسنة یشدّد النكیر على ذلك وفي عین أنها ترى الخالق والخلق شیئین بحقیقة الشیئیة بلا فرق في ذلك بین الخالق والمخلوق، تقول: إن ما سوى الخالق تعالی هي أشیاء مخلوقة موجودة بإیجاده تعالى، قائم بمشیته وإرادته جل وعلا لا بنفس ذاته المقدسة المتعالیة، وأما الله تبارك وتعالى هو الموجود بنفسه الغني عن غیره،

وإلیك تفصیل البحث عن ذلك:

٤٣٣حقیقة الأشیاء

ما ترى وبین یدیك أشیاء تراها وتسمعها وتذوقها وتشمها وتلمسها؟!

ألیست أشكالا وأزواجا، أشباها وأضدادا، أجزاء وأبعاضا، صغارا وكبارا، امتدادا ومتغیرا؟! مقدرا ومسخرا؟! قابلة للزیادة والنقصان، وجائزا علیها الوجود والعدم؟!

الإمام الصادق عليه السلام:

«إن المخلوق أجوف معتمل مركب للأشیاء فیه مدخل».١

«والأجسام قائمة بأعیانها، كالجحر والحدید».٢

وهل لك أن ترى الأشیاء، حقیقة واحدة غیر متجزیة ولا مركبة ساریة في كل شـيء، وترى الأشكال والأضداد والأبعاض والأجزاء و... أوهاما وخیالات؟!! أم هل لك أن تراها نفس حقیقه الوجود، وحقائق غیر قابله للعدم لذاتها؟!

یقول الله تعالى:

«أَ وَلَمْ يَرَوْا إِلى ما خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْ ءٍ يَتَفَيَّؤُا سُجَّداً لِلَّهِ ظِلالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمائِلِ وَهُمْ داخِرُون».٣

«وَمِنْ آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ والْأَرْضِ وما بَثَّ فيهِما مِنْ دابَّةٍ وهُوَ عَلى جَمْعِهِمْ إِذا


  1. الكافي، ١ / ١١٠.
  2. بحار الأنوار، ١٠ / ١٨٤، عن معاني الأخبار.
  3. النحل (١٦): ٤٨.
معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام٤٣٤

يَشاءُ قَديرٌ».١

الإمام الصادق عليه السلام:

«فطورا تخالهم نصاریفي أشیاء وطورا دهریة، یقولون: إن الأشیاء على غیر الحقیقة».٢

«قلت لأبي الحسن عليه السلام: أخبرني عن الإرادة من الله عزّ وجلّ ومن الخلق، فقال: الإرادة من الخلق الضمیر وما یبدو له بعد ذلك من الفعل، وأما من الله عزّ وجلّ فإرادته إحداثه لا غیر ذلك، لأنه لا یروّي ولا یهمّ ولا یتفكر، وهذه الصفات منفیة عنه، وهي من صفات الخلق فإرادة الله هي الفعل لا غیر ذلك، یقول له: "كن" فیكون بلا لفظ ولا نطق بلسان ولا همة ولا تفكر، ولا كیف لذلك كما أنه بلا كیف».٣

«قال لي أبو جعفر عليه السلام: إنه كان في ما مضى قوم تركوا علم ما وكلوا به وطلبوا علم ما كفوه حتى انتهى كلامهم إلى الله عزّ وجلّ فتحیروا. فإن كان الرجل لیدعی من بین یدیه فیجیب من خلفه، ویدعى من خلفه فیجیب من بین یدیه».٤

فما أعظم إعجاز اختلاف المراتب ـ عند الفیلسوف، والاختلاف بالاعتبار ـ عند العارف ـ حیث یصبح بهما حقیقة الوجود البسیطة غیر المتجزیة اللامتناهیة ذات ألوان وتجلیات وأجزاء وأبعاض ومقادیر!!

وإن أنت مغترّ من شعر كلامهم ومعجب عن سحر بیانهم فاستمع لما یلقى إلیك من الوحي المبین على لسان الشهداء على الخلق أجمعین:


  1. الشوری (٤٢): ٢٩.
  2. الاحتجاج، ٢/ ٨٩.
  3. نهج البلاغة، ٢٧٢؛ عنه بحارالأنوار، ٧٤ / ٣١٤.
  4. التوحيد، ٤٥٦.
٤٣٥حقیقة الأشیاء

الإمام الرضا عليه السلام:

«فالله تبارك وتعالى فرد واحد لا ثاني معه یقیمه ولا یعضده ولا یكنّه، والخلق یمسك بعضه بعضا بإذن الله ومشیته، وإنما اختلف الناس في هذا الباب حتى تاهوا وتحیروا وطلبوا الخلاص من الظلمة بالظلمة في وصفهم الله بصفة أنفسهم فازدادوا من الحق بعدا.

ولو وصفوا الله عزّ وجلّ بصفاته ووصفوا المخلوقین بصفاتهم لقالوا بالفهم والیقین ولما اختلفوا، فلما طلبوا من ذلك ما تحیروا فیه ارتبكوا فیه، والله یهدي من یشاء إلى صـراط مستقیم.

قال عمران: یا سیدي، أشهد أنه كما وصفت ولكن بقیت لي مسالة. قال: سل عما أردت، قال: أسئلك عن الحكیم في أي شـيء هو؟ وهل یحیط به شـيء؟ وهل یتحول من شـيء إلى شـيء، أو به حاجة إلى شـيء؟

قال الرضا عليه السلام: أخبرك یا عمران فاعقل ما سألت عنه فإنه من أغمض ما یرد على المخلوقین في مسائلهم، ولیس یفهمه المتفاوت عقله العازب حلمه ولا یعجز عن فهمه أولوا العقل المنصفون.

أما أول ذلك فلو كان خلق ما خلق لحاجة منه لجاز لقائل أن یقول: یتحول إلى ما خلق لحاجته إلى ذلك، ولكنه عزّ وجلّ لم یخلق شیئا لحاجة ولم یزل ثابتا لا في شـيء ولا على شـيء إلا أن الخلق یمسك بعضه بعضا ویدخل بعضه في بعض ویخرج منه، والله جل وتقدس بقدرته یمسك ذلك كله. ولیس یدخل في شـيء ولا یخرج منه ولا یؤده حفظه ولا یعجز عن إمساكه.

ولا یعرف أحد من الخلق كیف ذلك إلا الله عزّ وجلّ ومن اطلعه علیه من رسله وأهل سـره والمستحفظین من سـره وخزانه القائمین بشـریعته، وإنما أمره كلمح البصـر أو هو أقرب إذا شاء شیئا فإنما یقول له: كن، فیكون بمشیته وإرادته، ولیس

معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام٤٣٦

شـيء من خلقه أقرب إلیه من شـيء ولا شـيء أبعد منه من شـيء.

أفهمت یا عمران؟ قال: نعم، یا سیدي قد فهمت، وأشهد أن الله على ما وصفته ووحّدته وأن محمدا عبده المبعوث بالهدى ودین الحقّ. ثم خرّ ساجدا نحو القبلة وأسلم.١*

كیف یمكن أن تصبح حقیقة الوجود البسیطة غیر المتجزیة، طویلةً، عریضة، ثقیلة، خفیفة، حارة، باردة، متحركة، ساكنة، أضدادا وأشكالا وأزواجا؟! ألیست المرتبة الشدیدة واجدة للضعیفة عندهم وأكثر؟! وهم مصـرحون بقولهم:

«إن الواجب لذاته تمام كل شـيء.٢إن تمام الشـيء هو الشـيء وما یفضل علیه!!»٣

أمیر المؤمنین عليه السلام:

«فقدر ما خلق فأحكم تقدیره، ووضع كل شـيء بلطف تدبیره موضعه، ووجّهه بجهة فلم یبلغ منه شـيء محدود منزلته ولم یقصـر دون الانتهاء إلى مشیته، ولم یستصعب إذ أمر بالمضـيإلى إرادته، بلا معاناة للغوب مسّه، ولا مكائدة لمخالف له على أمره.فتم خلقه وأذعن لطاعته...

فأقام من الأشیاء أودها، ونهّى معالم حدودها، ولائم بقدرته بین متضاداتها، ووصل أسباب قرائنها وخالف بین ألوانها، وفرقها أجناسا مختلفات في الأقدار والغرائز والهیئات، بدایا خلائق أحكم صنعها، وفطرها على ما أراد وابتدعها...

أیها السائل؛ إعلم أن من شبه ربنا الجلیل بتبائن أعضاء خلقه، وبتلاحم أحقاق مفاصلهم المحتجبة بتدبیر حكمته أنه لم یعقد غیب ضمیره على معرفته، ولم یشاهد قلبه الیقین بأنه لا ند له، كأنه لم یسمع بتبري التابعین عن المتبوعین،


  1. التوحيد، ٤٣٩.
  2. الطباطبائي، محمد حسين: نهاية الحكمة، ٢٧٧.
  3. الطباطبائي، محمد حسين: نهاية الحكمة، ٢٦٩.
٤٣٧حقیقة الأشیاء

وهم یقولون: «تالله إن كنا لفي ضلال مبین إذ نسویكم برب العالمین».

فمن ساوى ربنا بشـيء فقد عدل به، والعادل به كافر بما نزلت به محكمات آیاته، ونطقت به شواهد حجج بیناته، الذي لما شبهه العادلون بالخلق المبعض المحدود في صفاته، ذي الأقطار والنواحي المختلفة في طبقاته، وكان عزّ وجلّ الموجود بنفسه لا بأداته، انتفى أن یكون قدّروه حق قدره فقال تنزهیا لنفسه عن مشاركة الأنداد وارتفاعا عن قیاس المقدرین له بالحدود من كفرة العباد: «وما قدروا الله حق قدره والأرض جمیعا قبضته یوم القیامة والسموات مطویات بیمینه سبحانه وتعالى عما یشـركون».

فما دلك القرآن علیه من صفته فاتبعه لیوصل بینك وبین معرفته وائتم به، واستضئ بنور هدایته، فإنها نعمة وحكمة أوتیتها فخذ ما أوتیت وكن من الشاكرین. وما دلك علیه الشیطان مما لیس في القرآن علیك فرضه ولا في سنة الرسول وأئمة الهدى أثره فكل علمه إلى الله عزّ وجلّ، فإن ذلك منتهى حق الله علیك».١

«تعالى عما ینحله المحددون من صفات الأقدار ونهایات الأقطار وتأثل المساكن، وتمكن الأماكن. فالحد لخلقه مضـروب، وإلى غیره منسوب، لم یخلق الأشیاء من أصول أزلیة، ولا من أوائل أبدیة، بل خلق ما خلق فأقام حده، وصور ما صور فأحسن صورته، لیس لشـيء منه امتناع، ولا له بطاعة شـيء انتفاع».٢

الباب الثاني عشـر:


  1. بحار الأنوار، ٤ / ٢٧٦ ـ ٢٧٧، عن التوحيد.
  2. بحار الأنوار، ٤ / ٣٠٧، عن نهج البلاغة.

الوحدة العرفانیّة الضالّة

٤٤١الوحدة العرفانیّة الضالّة

الوحدة العرفانیة الضالة

إن ما سوى النور القدوس الأزلي القدیم السـرمدي المتعالي عن كل شـيء لهو المسخر بإرادته؛ الموجود بإیجاده ومشیته؛ الفاني بإفنائه، فكیف یمكن التفوه بوحدة وجود الوجود وعینیة ذات الخالق والمخلوق؟!

وكیف یصح تأویل معنى الوحدة الحقة الإلهیة بالوحدة الاعتباریة الفلسفیة والعرفانیة، والقول بعینیة الذات المتعالیة مع الأشیاء المتبائنة المتجزیة المتكثرة بالوجدان والضـرورة؟!! حتى یكون واحدا في عین كثرته!! وكثیرا في عین وحدته؟! ویصبح الواحد الأحد الفرد الصمد واحدا بالاعتبار، ومتكثرا ومتجزیا بما لا یتناهی من المراتب والأجزاء؟!!

هل اعتبارك الشـيء لا بشـرط یجعل واقعیة وجوده مطلقا لا بشـرط، وخارجا عن الأجزاء العینیة والكیفیات الواقعیة؟! یقول الإمام الصادق عليه السلام في شأن اللعین الرجیم:

«إن هذا العدو الذي ذكرت... قد أقر مع معصیته لربه بربوبیته».١

إن كانت خلقة الأشیاء لا من شـيء ممتنعة ـ كما یقوله العارف والفیلسوف ـ، ولا یمكن تفسیر وجودها إلا على نحو الصدور والتولد والتجلي والظهور أو بتعبیرٍ أصـرح على نحو الاستحالة والتبعیض والتجزئة والتغیر، فمن الذي یعذبه الله تعالى بظلمه على نفسه وغیره، وضلالته وإضلاله الناس عن المعارف الحقة الإلهیة إلى الأوهام والأفكار الخاطئة الترابیة؟! یقول الله تعالى:

*«وقالت الیهود والنصاری نحن أبناء الله وأحباؤه قل فلم یعذبكم بذنوبكم بل أنتم بشـر ممن خلق یغفر لمن ی


  1. بحار الأنوار، ١٠ / ١٦٨، عن الاحتجاج.
معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام٤٤٢

شاء ویعذب من یشاء ولله ملك السموات والأرض وما بینهما وإلیه المصیر».١

ومع هذا كله قد تقول الفلسفة:

«إن من الضـروري الثابت بالضـرورة من الكتاب والسنة أن الله تعالى لا يوصف بصفة الاجسام، ولا ينعت بنعوت الممكنات مما يقضـي بالحدوث، ويلازم الفقر والحاجة».٢

وللسائل أن يسأل: إذا كانت الموجودات عندكم عين وجود الخالق وروابط بالنسبة إليه غير خارجة عنه، فكيف يمكن الالتزام بما تعتـرفون أن من ضـروري ما يدل عليه الكتاب والسنة هو أنه تعالى لا يوصف بصفة الأجسام، ولا ينعت بنعوت الممكنات ؟!

إن من البدیهى أن ذات الله جل وعلا لا تكون قابلة للتطوّر والتغير بالأطوار والأحوال والشؤون المختلفة، ولكن اللمعرفة البشـرية مبتنية على الاعتقاد بتطور ذات الله تعالى وعينية وجود الخالق والمخلوق خلافاللعقل والبرهان وضـروريات جميع الأديان، وترى في كتابي نهاية الحكمة وبدایتها القول بأن تقدم الوجود على الوجود مطلقا یكون بالتطور لا بالتأثیر والإیجاد! كما أن فيهما:

«تقدم الوجود على الوجود فهو تقدم آخر غير ما بالعلية إذ ليس بينهما تأثير وتأثر ولا فاعلية ولا مفعولية بل حكمهما حكم شـيء واحد له شؤون وأطوار وله تطور من طور إلى طور».٣

ليس لذات الله تعالى وعلمه إجمال وتفصيل، والقول بذلك موهون جدا بل تناقض واضح ولكن ترى في الكتابين خلافا لضـرورة العقل والوحي:

«


  1. المائدة (٥): ١٩.
  2. الطباطبايى، محمد حسين: تفسير الميزان، ١/٤١١.
  3. الطباطبائي، محمد حسين، نهاية الحكمة، ٢٢٦.
٤٤٣الوحدة العرفانیّة الضالّة

وكالواجب تعالى بناء على ما سيجي ء من أن له تعالى علما إجماليا في عين الكشف التفصيلي».١

«فما سواه من شـيء فهو معلوم له تعالى في مرتبة ذاته المتعالية علما تفصيليا في عين الإجمال وإجماليا في عين التفصيل... أما المجردة منها فبأنفسها وأما المادية فبصورها المجردة. فتبين بما مر أن للواجب تعالى علما... وأنه علم إجمالي في عين الكشف التفصيلي وأن له تعالى علما تفصيليا بما سوى ذاته من الموجودات في مرتبة ذواتها خارجا من الذات المتعالية وهو العلم بعد الإيجاد».٢

«فهو معلوم عنده علما إجماليا في عين الكشف التفصيلي».٣

«يكشف بتفاصيل صفاته التي هي عين ذاته المقدسة عن إجمال ذاته كالواجب تعالى».٤

«ولما كان الواجب تعالى واحدا بسيطا من كل وجه لا يتسـرب إليه جهة كثرة لا عقلية ولا خارجية واجدا لكل كمال وجودي وجدانا تفصيليا في عين الإجمال».٥

«الوجودات الإمكانية كائنة ما كانت... محاطة له بمعنى ماليس بخارج».٦

فهلّموا نتلُ نصوصا من الكتاب والسنة حتى تظهر قیمة ما قالته العرفاء في هذا المضمار:

«وَلِلَّهِ


  1. الطباطبائي، محمد حسين، بداية الحكمة، ٩١.
  2. الطباطبائي، محمد حسين، نهاية الحكمة، ٢٨٩.
  3. الطباطبائي، محمد حسين، بداية الحكمة، ١٦٣.
  4. الطباطبائي، محمد حسين، نهاية الحكمة، ٣٠٨.
  5. الطباطبائي، محمد حسين، نهاية الحكمة، ٣١٥.
  6. الطباطبائي، محمد حسين، نهاية الحكمة، ٣٠١.
معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام٤٤٤

يَسْجُدُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ مِنْ دابَّةٍ وَالْمَلائِكَةُ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُون ».١

الإمام أمیر المؤمنین عليه السلام:

«ولا ینقلب شأنا بعد شأن».٢

«لم یحلل فیها فیقال: هو فیها كائن».٣

«متملك على الأشیاء.. قد خضعت له رواتب الصعاب في محل تخوم قرارها، وأذعنت له رواصن الأسباب في منتهى شواهق أقطارها،.. فلا لها محیص عن إدراكه إیاها، ولا خروج عن إحاطته بها، ولا احتجاب عن إحصائه لها، ولا امتناع عن قدرته علیها».٤

«ولا یتغیر بحال، ولا یتبدل بالأحوال، ولا تبلیه اللیالي والأیام ولا یغیره الضیاء والظلام، ولا یوصف بشـيء من الأجزاء ولا بالجوارح والأعضاء، ولا بعرض من الأعراض، ولا بالغیریة والأبعاض...

ولا أن الأشیاء تحویه فتقله أو تهویه، ولا أن الأشیاء تحمله فیمیله ویعدله، لیس في الأشیاء بوالج، ولا عنها بخارج،... یقول لما أراد كونه: كن، فیكون».٥

«وهو الظاهر علیها بسلطانه وعظمته، والباطن لها بعلمه ومعرفته، والعالي على كل شـيء منها بجلاله وعزته، لا یعجزه منها طلبه، ولا یمتنع علیه فیغلبه، ولا یفوته السـریع


  1. النحل (١٦): ٤٩.
  2. بحار الأنوار، ٤ / ٢٩٤، عن التوحید.
  3. بحار الأنوار، ٤ / ٢٩٤، عن التوحید.
  4. بحار الأنوار، ٤ / ٢٢٢، عن التوحید.
  5. بحار الأنوار، ٤ / ٢٥٤ ـ ٢٥٥، عن الاحتجاج.
٤٤٥الوحدة العرفانیّة الضالّة

منها فیسبقه... خضعت الأشیاء له فذلت مستكینة لعظمته، لا تستطیع الهرب من سلطانه إلى غیره فتمتنع من نفعه وضـره... هو المفني لها بعد وجودها حتى یصیر موجودها كمفقودها.

ولیس فناء الدنیا بعد ابتداعها بأعجب من إنشائها واختراعها... بلا قدرة منها كان ابتداء خلقها، وبغیر امتناع منها كان فناؤها... ثم هو یفنیها بعد تكوینها... ثم یعیدها بعد الفناء من غیر حاجة منه إلیها».١

«خلائق مربوبون وعباد داخرون».٢

الإمام الباقر عليه السلام:

«تصعق الأشیاء كلها من خیفته».٣

الإمام الصادق عليه السلام:

«من زعم أن الله عزّ وجلّ من شـيء أو في شـيء أو على شـيء فقد كفر».٤

«قد خلفوا ورائهم منهاج الدین وزینوا لأنفسهم الضلالات وأمرجوا أنفسهم في الشهوات، وزعموا أن السماء خاویة ما فیها شـيء مما یوصف، وأن مدبر هذا العالم في صورة المخلوقین،...وأنه لا جنة ولا نار ولا بعث ولا نشور، والقیامة عندهم خروج الروح من قالبه وولوجه في قالب آخر...

فاستقبح مقالتهم كل الفرق ولعنهم كل الأمم فلما سئلوا الحجة زاغوا وحادوا فكذب مقالتهم التوراة ولعنهم الفرقان وزعموا مع ذلك أن إلههم ینتقل من قالب إلى قالب، وأن الأرواح الأزلیة هي التي كانت في آدم، ثم هلم جرّا تجري


  1. بحار الأنوار، ٤ / ٢٥٥ ـ ٢٥٦، عن الاحتجاج.
  2. بحار الأنوار، ٤ / ٢٧٠، عن التوحید.
  3. بحار الأنوار، ٤ / ٢٩٩، عن التوحید.
  4. بحار الأنوار، ٣ / ٣٣٣، عن التوحید.
معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام٤٤٦

إلى یومنا هذا في واحد بعد آخر. فإذا كان الخالق في صورة المخلوق فبما یستدل على أن أحدهم خالق صاحبه؟!

وقالوا إن الملائكة من ولد آدم، كل من صار في أعلى درجة دینهم خرج من منزلة الامتحان والتصفیة فهو ملك، فطورا تخالهم نصاری في أشیاء وطورا دهریة، یقولون: إن الأشیاء على غیر الحقیقة».١

الإمام الكاظم عليه السلام:

«استولى على ما دق وجل».٢

الإمام الرضا عليه السلام:

«وأما الظاهر فلیس من أجل أنه علا الأشیاء بركوب فوقها وقعود علیها وتسنم لذراها، ولكن ذلك لقهره وغلبته الأشیاء وقدرته علیها كقول الرجل: ظهرت على أعدائي، وأظهرني الله على خصمي یخبر عن الفلج والغلبة فهكذا ظهور الله على الأشیاء.

ووجه آخر أنه الظاهر لمن أراده لا یخفى علیه شـيء، وأنه المدبّر لكل ما یرى، فأي ظاهر أظهر وأوضح أمرا من الله تبارك وتعالى فإنك لا تعدم صنعته حیثما توجهت وفیك من آثاره ما یغنیك، والظاهر منا البارز بنفسه والمعلوم بحده».٣

«وأما القاهر... فإنه لیس على علاج ونصب... ولكن ذلك من الله تبارك وتعالى على أن جمیع ما خلق متلبس به الذل لفاعله وقلة الامتناع لما أراد به لم یخرج منه طرفة عین غیر أنه یقول له: كن، فیكون».٤

«


  1. بحار الأنوار، ١٠ / ١٧٦ ـ ١٧٧، عن الاحتجاج.
  2. بحار الأنوار، ٤ / ١٨١، عن التوحید.
  3. بحار الأنوار، ٤ / ١٧٨ ـ ١٧٩، عن التوحيد والعيون.
  4. بحار الأنوار ٤، ١٧٩، عن التوحيد والعيون.
٤٤٧الوحدة العرفانیّة الضالّة

الذي خضع كل شـيء لملكته، وذل كل شـيء لعزته، واستسلم كل شـيء لقدرته وتواضع كل شـيء لسلطانه وعظمته، وأحاط بكل شـيء علمه، وأحصى عدده، فلا یؤوده كبیر، ولا یعزب عنه صغیر».١

«ثم خلق السموات والأرض في ستة أیام... وكان قادرا على أن یخلقها في طرفة عین».٢

«ویحك كیف تجترئ أن تصف ربّك بالتغیر من حال إلى حال، وأنه یجري علیه ما یجري على المخلوقین؟!»٣

فننقل هاهنا كلاما مشتملا على أهم المباني العرفانیة والفلسفیة وتصویرهم عن مسألة وحدة الخالق تعالی التي لا ترتبط في واقع الأمر إلى مسألة وحدة الباري جل وعلا أصلا، بل هو نفس الدلیل على وحدة الوجود وإنكار وجود الخالق ووحدته؛ ثم نأخذ بالنقد علیه إجمالا، وهو ما جاء في تفسیر "المیزان" من قوله:

«أطبقت البراهین على أن وجود الواجب تعالى بما أنه واجب لذاته مطلق غیر محدود بحد ولا مقید بقید ولا مشـروط بشـرط، ـ وإلا انعدم في ما ورآء حده وبطل على تقدیر عدم قیده أو شـرطه وقد فرض واجبا لذاته.

فهو واحد وحدة لا یتصور لها ثان ومطلق إطلاقا لا یتحمل تقییدا. وقد ثبت أیضا أن وجود ما سواه أثر مجعول له وأن الفعل ضـروري المسانخة لفاعله، فالأثر الصادر منه واحد بوحدة حقة ظلیة مطلق غیر محدود وإلا تركبت ذاته من حد ومحدود وتألفت من وجود وعدم وسـرت هذه المناقضة الذاتیة إلى ذات فاعله لمكان المسانخة بین الفاعل وفعله، وقد فرض أنه واحد مطلق.


  1. بحار الأنوار، ٤ / ٢٦٣، عن العيون.
  2. بحار الأنوار، ٣ / ٣١٨، عن التوحيد.
  3. بحارالأنوار، ١٠ / ٣٤٧، الاحتجاج، ٢ / ١٨٩.
معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام٤٤٨

فالوجود الذي هو فیضه وأثره المجعول واحد غیر كثیر ومطلق غیر محدود وهو المطلوب.

فما یترائى في الممكنات من جهات الاختلاف التي تقضـي بالتحدید من النقص والكمال والوجدان والفقدان عائدة إلى أنفسها دون جاعلها...

فالذي تفیضه العلة المفیضة من الأثر واحد مطلق، لكن القوابل المختلفة تكثره بإختلاف قابلیتها... كالشمس التي تفیض نورا واحدا متشابه الأجزاء لكن الأجسام القابلة لنورها تتصـرف فیه على حسب ما عندها من القوة والاستعداد.

فإن قلت: لا ریب في أن هذه الاختلافات أمور واقعیة، فإن كان ما عد منشأ لها من الماهیات والاستعدادات أمورا وهمیة غیر واقعیة لم یكن لإسناد هذه الأمور الواقعیة إلیها معنى ورجع الأمر إلى الوجود الذي هو أثر الجاعل الحق وهو خلاف ما ادعیتموه من إطلاق الفیض، وإن كانت أمورا واقعیة غیر وهمیة كانت من سنخ الوجود لاختصاص الأصالة به، فكان الاستناد أیضا إلى فعله تعالى وثبت خلاف المدعى.

قلت: هذا النظر یعید الجمیع إلى سنخ الوجود الواحد ولا یبقى معه من الاختلاف أثر، بل یكون هناك وجود واحد ظلي قائم بوجود واحد أصلي ولا یبقى لهذا البحث معه من الاختلاف أثر، بل یكون هناك وجود واحد ظلي قائم بوجود واحد أصلي ولا یبقى لهذا البحث على هذا محل أصلا.

وبعبارة أخرى: تقسیم الموجود المطلق إلى ماهیة ووجود، وكذا تقسیمه إلى ما بالقوة وما بالفعل هو الذي أظهر السلوب في نفس الأمر وقسم الأشیاء إلى ماهیة قابلة للوجود ووجود مقبول للماهیة، وكذا إلى قوة فاقدة للفعلیة وفعلیة تقابلها.

وأما إذا رجع الجمیع إلى الوجود الذي هو حقیقة واحدة مطلقة لم یبق للبحث عن سبب الاختلاف محل وعاد أثر الجاعل وهو الفیض واحدا مطلقا لا كثرة فیه ولا حدّ

٤٤٩الوحدة العرفانیّة الضالّة

معه فافهم ذلك».١

ونشیر إلى الإشكالات الواردة على الكلام المذكور في النقاط التالیة:

١ . إن الإطلاق لیس إلا أمرا عقلیا ولا وجود عیني له حتى یوصف به الخالق تعالی أو غیره من الموجودات الواقعیة. والله تعالى هو شـيء بحقیقة الشیئیة، لا أنه موجود ذهني أو اعتباري أو وهمي؛ هذا كله إذا أرید من الإطلاق هو الإطلاق في مقابل التقیید ـ كما هو ظاهر الكلام المنقول ـ وأما إذا أرید منه الإطلاق في مقابل التحدید ـ وهو معنى عدم التناهي في الوجود ـ فبیان بطلانه قد مضى في أكثر من موضع.

٢ . "الإطلاق والتقیید" و"التناهي وعدم التناهی" من ملكات الموجودات الامتدادیة المخلوقة فلا ینسب شـيء من ذلك إلى الخالق المتعالي عن الامتداد المبائن للأشیاء كلها موضوعا.

٣ . اللامتناهي منتف ثبوتا ومستحیل الوجود موضوعا.

٤ . الموجود الذي یحكم بوجوب وجوده لعدم تناهیه في الوجود، ویمكن فرض عدمه على تقدیر محدودیته وعدم وجوده في ما ورآء حده وعلى تقدیر عدم قیده وشـرطه لهو الممكن بالذات، والخالق تعالی هو موجود یمتنع فرض عدمه لذاته لا لعدم تناهیه وإمكان انعدامه في ما ورآء حده على فرض محدودیته، فإنه الموجود المتعالي عن الجزء والكل والامتداد والعدد غیر القابل للانتساب إلى العدم بالذات.

٥ . عدم إمكان تصور ثان للخالق جل وعلا یكون من ناحیة تعالیه عن الامتداد والعدد وتباینه مع الموجودات المتجزئة القابلة للتكثر والتجزي والتحدید، لا لإطلاقه في الوجود وعدم تناهیه في الذات، فإن الحقیقة اللامتناهیة ذات المراتب تكون مركبة عن مراتب وجودیة لا متناهیة ـ بناء على مذهب أصحاب الفلسفة ـ ومتشكلة عن عدد لا متناه من الصور المختلفة ـ بناء على مسلك مدعي العرفان ـ ومركبة عن أجزاء لا متناهیة ـ


  1. الطباطبايي، محمد حسين: تفسير الميزان، ١٣ / ٧٥ ـ ٧٧.
معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام٤٥٠

على ما یقضـيبه الانصاف والتحرز عن إغفال الناس بالوجوه الخطابیة والشعریة المغریة ـ، فإن صح أن تسمى أمثال ذلك من المعاني المركبة واحدا بالوحدة الحقة التي لا تتثنى ولا تتكرر، فما هي إلا مضاهئة لقول الذین كفروا من قبل.

«إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْماءٌ سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ ما أَنْزَلَ اللَّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَما تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدى».١

٦ . "الأثر المجعول" عند أصحاب الفلسفة هو ما یفسـر بكون وجود شـيء مقتضیا وجود شـيء آخر، لا ما یكون موجودا بإیجاد شـيء شیئا آخر لا من شـيء وعن قدرة واختیار تام، فإنهم یقولون:

«من المبرهن علیه أنه فاعل تام لمجموع ما سواه... فهو مبدء لما سواه، منبع لكل خیر ورحمة بذاته، واقتضاء المبدأ لما هو مبدء له ضـروري».٢

وهذا التفسیر مخالف لما یدل علیه العقل والنقل من أن الله تعالى هو خالق الأشیاء وموجدها لا من شـيء، ولا تكون وجود الأشیاء من مقتضیات ذاته ولا مراتب وجوده أو صورا مختلفة عن حقیقته.

٧ . لا یلیق بالذي هو خالق كل شـيء إلا أن یكون مبائنا لكل شـيء متعالیا عن كل شـيء سبحانه وتعالى، فإن الأشیاء كلها ذوات امتدادیة عددیة متجزئة وبذلك تكون قابلة للوجود والعدم، والخالق جل وعلا یكون على خلاف ذلك كله، فالقول بضـرورة المسانخة بین الخالق الفاعل عن الاختیار وفعله، والاعتقاد بوجوب التسانخ بین الله تعالى وخلقه من أوضح الخطأ.

٨ . القول بتعدد الموجود المطلق غیر المحدود (الصادر والمصدر). من الغرائب وهم یعترفون بامتناع ذلك بأعلى أصواتهم، بل هو نفس دلیلهم على إثباتهم لوحدة الوجود وانحصار الوجود على زعمهم بوجود واجبهم.

٩ . إذا كان البحث برهانیا عقلیا فلا یناسبه التعبیر عن الحقائق الواقعیة بألفاظ شعریة ووجوه خطابیة ـ كالوحدة الحقة الظلیة ـ التي تلزم منها محالات واضحة كما یأتي.

١٠ .


  1. النجم (٥٣): ٢٤.
  2. الطباطبايي، محمد حسين: تفسير الميزان، ٨ / ٤٦.
٤٥١الوحدة العرفانیّة الضالّة

الذات غیر الممتنعة عن التركب لذاتها ـ بل بشـرط عدم تناهیها ووحدة الصادر عنها وعدم تألفها من وجود وعدم و... ـ وهي القابلة لسـریان المناقضة الذاتیة إلیها ولو على بعض التقادیر الممكنة فهو الواجب المشـروط لا الواجب لذاته كما قلناه.

١١ . جهات اختلاف الممكنات راجعة إلى إرادة منشئها وخالقها الذي خلقها وأنشأها لا من شـيء، ولا معنى لإرجاع ذلك إلى أنفسها واختلاف قابلیاتها واستعداداتها، فإن استعداد الشىء متفرع على وجوده السابق، والمخلوق لا من شـيء لیس له وجود سابق، واستعداده ـ كأصل وجوده ـ ینسب إلى موجده لا نفسه، وإن كانت الفلسفة والعرفان لم تخضعا لهذه الحقیقة الواضحة البدیهیة من بدو تولدهما إلى الآن.

وما مثّل به لذلك من إفاضة الشمس نورا واحدا متشابه الأجزاء على الأجسام المختلفة القابلیة لا یناسب المقام، فإن وجود الأشیاء القابلة للنور لا تنسب قابلیاتها لا إلى الشمس ولا إلى أنفسها، بل ینسب إلى خالقها وموجدها لا من شـيء.

١٢ . التمثیل بالشمس وكون نورها واحدا متشابه الأجزاء إن لم یكن مبعدا عن معرفة الله فلا یقرّب منها شیئا، بل التمثیل بذلك یؤید ما بیناه مرارا عدیدة من عدم إمكان فرار أصحاب الفلسفة والعرفان من الالتزام بكون ذات الخالق تعالی وفیضه الصادر عنها عندهم حقیقة عددیة ذات أجزاء وأبعاض وتطورات. فإن في ذلك تصـریحا بأن النور ولو فرضناها حقیقة واحدة بسیطة یكون ذات مراتب مختلفة ومتشكلة عن أجزاء متشابهة.

١٣ . القول بإصالة الوجود بل وتصویرهم مسألة الوجود والماهیة بما قرروه باطل موضوعا. بل الأنسب بما یریدونه من مسألة أصالة الوجود هو أن یقال في تصویرها:

إن ما نراه من الحقائق والواقعیات هل هي حقیقة محضة لا متناهیة موجودة بذاتها غیر قابلة للعدم مطلقا، هي المتحصصة بالحصص المختلفة والمتجلیة بالصور المتبائنة أزلا

معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام٤٥٢

وأبدا، والماهیات هي الحدود الذهنیة المنتزعة من صور تلك الحقیقة، فلا خالق، ولا مخلوق، ولا جاعل، ولا مجعول، ولا حادث، ولا محدث.١

أم لیست هي نفس حقیقة الوجود حتى یمتنع خلقها وإیجادها، بل إن هي إلا أشیاء حقیقیة مخلوقة بإیجاد خالقها، وهي قابلة للوجود والعدم لذاتها؟٢

ولنعم ما قيل:

«الماهيّة قد تطلق على ما يقال في جواب «ما هو؟» وقد تطلق على ما به الشـيء هو هو بالفعل، والموجود في الذهن هو الماهيّة بالمعنى الأوّل الذي يعبّر عنه بـ «الأشباح» أيضا، وأمّا الماهيّة بالمعنى الثاني فلا توجد إلّا في الخارج، وما ذكر [من الآثار كإحراق النار] من لوازم الماهيّة بالمعنى الثاني لا الأوّل.

ومن قال بأصالة الوجود إن كان مراده أنّ الوجود له مصداق خارجيّ، كما أنّ له مفهوما ومصداقا ذهنيّا من غير أن ينفي أصالة الماهيّة، وكونها أيضا


  1. وهذا هو حقیقة مذهب أصالة الوجود واعتبارية الماهية، وإن لم يتنبه إلى ذلك كثير من الباحثين الفانين في دراسة الفلسفة والعرفان، والمفنين عمرهم في ذلك. فينزل على أساس هذه النظرية مسألة أن يخلق الله تعالى شيئا لا من شـيء أو يعدمها ويمحو رسمها عن صفحة الوجود ـ وهو أساس ما يخضع لديه العقول ويرسمه لنا الأديان ـ منزلة الأساطير الموهومة!
  2. واعلم أنه إذا قلنا بكون الأشياء حقائق واقعية قابلة للوجود والعدم لذاتها ومخلوقة بإيجاد خالقها، فكما يدل ذلك على بطلان القول بأصالة الوجود، فيدل على بطلان القول بأصالة الماهية التي تصوِّرها لنا الفلسفة أيضا. وذلك أن الماهية لا تكون على هذا المسلك الحق هي الحدود المنتزعة عن حقيقة الوجود التي قد فرض أصالته وهي غير الهويات الخارجية، بل تعريف الماهية على هذا الوجه يكون بنفسه من متفرعات القول بأصالة الوجود، فكيف يمكن القول بأصالة الماهية على هذا التعريف المحرَّف عن حقيقة معناه؟ والعجب ممن يزعم أنه يمكنه القول بأصالة الوجود مع إمكان تخلصه عن الاعتقاد بوحدة الوجود، والاحتراز عن الالتزام بكون الخالق تعالی هو الموجود اللا متناهي المتجلي بصور الأعيان والكائنات، ولم يتنبه إلى أن القول بأصالة الوجود هو نفس القول بوحدة الوجود لا غير!!
٤٥٣الوحدة العرفانیّة الضالّة

موجودة في الخارج وذات مصداق خارجيّ باعتبار المعنى الثاني، بمعنى أصالة الوجود والماهيّة معا بكونهما موجودين في الخارج بإيجاد واحد، وكون الماهيّة موجودة بالوجود، والوجود موجودا بنفسه دفعا للتسلسل من غير الحكم بكون الوجود أصلا من هذه الجهة والماهيّة حدّا له وسببا لتعيّنه، بل تكون الماهيّة أصلا وجهة التقوّم بنفسه، والوجود أصلا من جهة التحصّل بنفسه، ويكون كلّ ممكن زوجا تركيبيّا، فهو حقّ لا ينافي ما ذكرنا».١

«وإن كان مراده اعتباريّة الماهيّة بالمعنى الثاني، فلا اعتبار به؛ لبداهة حكم العقل بوجود الذات والماهيّة بالمعنى الثاني، كما لا يخفى.

وإن كان مراده اعتباريّة الماهيّة بالمعنى الأوّل، وأصالة الوجود بالمعنى المذكور سيّما بمعنى منشأ الأثر، فهو حقّ.ولكنّ النزاع لفظيّ؛ فإنّ القائل بأصالة الماهيّة يقول بأصالة الماهيّة بالمعنى الثاني لا الأوّل، وعرضيّة الوجود، لا عدم كونه ذا مصداق حقيقيّ خارجيّ، والقائل بأصالة الوجود يقول بكونه ذا مصداق حقيقيّ، لا عدم كونه عرضا في الممكن مع اعتباريّة الماهيّة بالمعنى الأوّل لا الثاني.

فما يثبته أحد الفريقين لا ينفيه الآخر، وما ينفيه الآخر لا يثبته الأوّلون، فمتعلّق النفي والإثبات مختلف، وليس النزاع إلّا بحسب اللفظ، وليس هذا ممّا يليق بالعلماء».٢

وهذا كما قلت موافق لعقيدة أهلالأدیان وعلمائنا المتكلمین القائلین بخلق العالم لا من شـيء.

ثم هو قدس سـره یقول في أصالة الوجود الفلسفي:

«والحمل على أصالة الوجود بمعنى كون جميع الوجود وجود الواجب المتنزّل في الممكنات ـكما يقوله أهل التصوّف ـ موجب للكفر والخروج عن الدين.

١٤ .


  1. أقول: وهذا موافق لعقيدة أهل الأدیان وعلمائنا المتكلمین القائلین بخلق العالم لا من شـيء.
  2. الاسترابادي، محمد جعفر، المتوفی ١٢٦٣، البراهين القاطعة في شـرح تجريد العقائد الساطعة،١٠٠ ـ ١٠١ .
معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام٤٥٤

إن الاختلافات الموجودة في الأشیاء هي أمور لا یعتریها ریب، وإنكار ذلك یكون من أظهر مصادیق السفسطة والعمى، وقد قال الله تعالى:

«ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى وأضل سبیلا».١

وقال الإمام الصادق عليه السلام:

«یعني أعمى عن الحقائق الموجودة».٢

فكیف یمكن إنكار الاختلافات الواقعیة الموجودة، أو إرجاع أمرها إلى وحدة الوجود الموهوم؟!

١٥ . ما هو المعنى المقصود من الوجود الظلي؟ إن كان هو وجودا وهمیا صـرفا فكیف یوصف حتى بـ"الظلیة" و"الفرعیة" و"عدم الأصالة" و"القیام بشيء آخر"؟! وإن لم یكن كذلك فقد یعود المحذور.

١٦ . إذا رجعت مباحث الوجود والماهیة والقوة والفعل و... إلى غیر حقیقتها، فما هو قیمة المباحث الفلسفیة والمعارف البشـریة التي تعدّ من أنفس العلوم والذخائر ومن نعتبر من أعظم ما منّ به مفكري البشـر على غیرهم من الناس وهي قد تبتني بكلها على أساس أمثال هذه المباحث غیر المرتبطة بالواقع باعتراف أربابها؟!

ولعمري أن ما أجیب به عن الإشكال أخیرا ـ وهو رجوع الجمیع إلى الواحد المطلق، واحتساب الأمور المختلفة الواقعیة أوهاما غیر حقیقیة ـ فقد خطّ البطلان خطّه على جمیع المعارف والعلوم والمباحث الراجعة إلى المبدأ والمعاد و... وعلى كل ما أتى به صاحب التفسیر المذكور من شـرح وتوضیح وتأویل وبیان في میزانه البالغ إلی عشـرین مجلدات، الذي قل ما یوجد فیه ـ إن وجد ـ مبحث عقلي خال عن الإشكال والإیراد، فلا خالق ولا مخلوق، ولا عابد ولا معبود، ولا عود ولا تكلیف، ولا وعد ولا وعید و... فإن الجمیع


  1. الإسـراء (١٧): ٧٢.
  2. التوحيد: ٤٣٨.
٤٥٥الوحدة العرفانیّة الضالّة

راجع إلى الوجود الذي هو حقیقة واحدة مطلقة... وهو نفس وجود الخالق المتعال، وهو قولهم: "لیس في الدار غیره دیار"!! یقول إبن عربي:

«ثم السـر الذي فوق هذا في مثل هذه المسألة أن الممكنات على أصلها من العدم ولیس وجود إلا وجود الحق بصور أحوال ما هي علیه الممكنات في أنفسها وأعینها فقد علمت من یلتذ ومن یتألم».١

«شـرح: أي الأعیان الممكنة باقیة على أصلها من العدم، غیر خارجة من الحضـرة العلمیة كما قال في ما تقدم: والأعیان ما شمت رائحة الوجود بعد، ولیس وجود في الخارج إلا وجود الحق متلبسا بصور أحوال الممكنات فلا یلتذ بتجلیاته إلا الحق، ولا یتألم منه سواه».٢

«فلم یبق إلا الحق لم یــبق كائن فما ثم مـوصـول وما ثـم بائن
بـذا جاء برهان العیان فما أری بعیـني إلا عیــنه إذ اُعــاین»٣

«إنه عین الأشیاء، والأشیاء محدودة وإن اختلفت حدودها فهو محدود بحدّ كل محدود، فما یحد شـيء إلا وهو حدّ للحق، فهو الساري في مسمیات المخلوقات والمبدعات».٤

«فإن للحق في كل خلق ظهورا، فهو الظاهر في كل مفهوم، وهو الباطن عن كل فهم إلا عن فهم من قال: "إن العالم صورته وهویته وهو الاسم الظاهر"، كما أنه بالمعنى روح ما ظهر في الباطن... وصور العالم لا یمكن زوال الحق عنها أصلا».٥

فصاحب العقل ینشد: «


  1. ابن عربي: فصوص الحكم، الفص اليعقوبي، ١ / ٩٦.
  2. *شـرح فصوص الحكم: ٦٧٤.
  3. ابن عربي ، فصوص الحكم: ٩٣.
  4. ابن عربي: فصوص الحكم، الفص الهودي، ١١١.
  5. ابن عربي: فصوص الحكم، الفص النوحي: ٦٨.
معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام٤٥٦

وفي كل شـيء له آیةتــدل على أنه واحد

وصاحب التجلي ینشد في ذلك:

وفي كل شـيء له آیةتدل على أنـه عــینه

فسبحان من أظهر الأشیاء وهو عینها».١

ومن عجیب الكلام المتناقص في نفسه، فضلا عن تناقضه مع ما تقدم من القائل نفسه هو قوله:

«فهو عین كل شـيء في الظهور وما هو عین الأشیاء في ذواتها، بل هو هو والأشیاء أشیاء».٢

«فالحق حق، والإنسان إنسان».٣

«فالـــرب رب، والعبد عبد».٤

والأعجب من ذلك كله مزعمة من توهم أن هذه الكلمات المتناقضات في أنفسها تكون هي وجه التوفیق بین ما صدر عن "إبن عربی"صـریحا في الاعتقاد بـ"وحدة الوجود" وإنكار وجود الخلق، وبین ما یقضـيبه العقل والبرهان والضـرورة والكتاب والسنة من ضلالة من تفوه بهذه الهفوات، فإن الاعتقاد بكون شـيء"هو هو" و"هو غیره"یكون من أظهر مصادیق التناقض عند العقول السلیمة التي تعرف الرجال بالحق ولا تعرف الحق بغیره. قال مولانا الإمام الصادق عليه السلام:

«یا جاهل، إذا قلت لیست هو فقد جعلتها غیره، وإذا قلت لیست غیره فقد جعلتها هو».٥

ویقول عليه السلام:

«لم یكن بین الإثبات والنفي منزلة».٦

والعلم هو ما صدر عن مشكاة النبوة والولایة، وأما ما یعارض ذلك فهو عین الضلالة والغوایة، والله أعلم حیث یجعل رسالته حیث یقول تبارك وتعالى:

*«أومن كان میتا فأحییناه وجعلنا له نورا یمشـي به في الناس كمن مثله في الظلمات لیس بخارج منها كذلك زین للكافرین ما كانوا یعملون. وكذلك جعلنا في كل قریة أكابر مجرمیها لیمكروا فیها وما یمكرون إلا بأنفسهم وما یشعرون».

«وَإِذا جاءَتْهُمْ آيَةٌ قالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتى مِثْلَ ما أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغارٌ عِنْ


  1. ابن عربي: الفتوحات المكية: ٢/ ٤٥٩.
  2. ابن عربي: الفتوحات المكية، ٢ / ٤٨٤.
  3. ابن عربي: الفتوحات المكية، ١ / ١٨٣.
  4. ابن عربي، الفتوحات المكية: ٣ / ٢٢٤.
  5. التوحيد / ٤٥٣.
  6. التوحيد: ٢٤٦.
٤٥٧الوحدة العرفانیّة الضالّة

دَ اللَّهِ وَعَذابٌ شَدِيدٌ بِما كانُوا يَمْكُرُون».١

«وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُون».٢

الباب الثالث عشـر:

الله جل جلاله أهو خالق الأشیاء أم نفس الأشیاء ومصدرها؟!


  1. الأنعام (٦): ١٢٣ ـ ١٢٥.
  2. الشعراء (٢٦) ـ ٢٢٨.
معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام٤٥٨

تقول الفلسفة القدیمة:

إن الأشیاء صدرت عن نفس ذات الخالق تعالی فیجب أن یكون بینهما سنخیة تامة وشباهة كاملة

وتقول الفلسفة الجدیدة المسماة عند المنتمین إلیها بـ"الحكمة المتعالیة":

إن الأشیاء هي مراتب ذات الواحد الأحد ولا موجود سواه مطلقا

ویقول المتسمون بالعرفاء:

إن الأشیاء هي تجلیات الذات القدوس، والأشكال المختلفة من حقیقة وجود الخالق، المتغیرة بصور متشتة و... لیس في الدار غیره دیار، لا خالق ولا مخلوق، ولا عابد ولا معبود، ولا تعدد ولا تكثر إلا وهما وجهلا

ویرد هذا الفصل على ذلك كله ببیان:

إن المخلوق حقیقة امتدادیة متجزئة قابلة للزیادة والنقصان والوجود والعدم، والخالق تعالى یباین ذلك كله بنفس ذاته القدوس، فلا یتولد عنه شـيء، ولا یصدر هو عن شـيء، ولا یتجزي، ولا یتغیر، ولا یتصور، ولا یشاهد، ولا یرى، ولا یدرك، ولا یوصل إلیه، فإن كل ذلك ملكة للامتداد فلا ینسب إلى ما على خلاف ذلك إلا جهلا

(١)

٤٥٩الوحدة العرفانیّة الضالّة

إن الامتداد لا یكون إلا مخلوقا، وخالقه لا یكون إلا بخلافه، وعلیه فلا شـيء أبعد من حقیقة معنى التوحید وأقرب إلى القول بالدهر ـ بل هو القول بالدهر بعینه ـ من الحكم بصدور ذوات الأشیاء عن صمیم ذات الخالق، أو تجلیه في صورة ذوات الأشیاء وأعیان الممكنات.

ولا مجال للقول بوجوب السنخیة بین الخالق والمخلوق، وامتناع انفكاك وجوده عن خلقه، ووجوب كون الأشیاء بذواتها في ذاته المتعالیة ـ ولو بنحو أعلى وأتم، (ولا تغفل عن أن أمثال هذا القیود هي صـرف ألفاظ لا یعدو معناها ألفاظها، ولا تغني القائل بها عن وجوب الالتزام بكون وجود إلهه مشتملا بذاته على جمیع الأجسام والمادیات شیئا). ـ المبتنیة على قاعدة امتناع إعطاء الفاقد وأمثال ذلك من الموهومات.

الإمام الرضا عليه السلام:

«كل ما یوجد في الخلق لا یوجد في خالقه، وكل ما یمكن فیه یمتنع في صانعه».١

فإن ما یوجد في الموجود الامتدادي من الأجزاء القابلة للزیادة والنقصان، هو نفس الدلیل على فقره واحتیاجه وحدوثه، فكیف یكون ذلك في خالقه ولا یلزم منه مخلوقیته!؟!

الإمام الصادق عليه السلام:

«إنه لا یلیق بالذي هو خالق كل شـيء إلا أن یكون مبائنا لكل شـيء، متعالیا عن كل شـيء، سبحانه وتعالى».٢

«


  1. بحار الأنوار، ٤ / ٢٣٠، عن التوحيد.
  2. بحار الأنوار، ٣ / ١٤٨، عن توحید المفضل.
معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام٤٦٠

إذاً لتفاوتت ذاته، ولتجزأ كنهه، ولامتنع من الأزل معناه، ولما كان للباري معنى غیر المبروء».١

«إذاً لقامت فیه آیة المصنوع».٢

«فالحجاب بینه وبین خلقه لامتناعه مما یمكن في ذواتهم ولإمكان ذواتهم مما یمتنع منه ذاته، ولافتراق الصانع والمصنوع، والرب والمربوب، والحاد والمحدود».٣

«فرداني لا خلقه فیه ولا هو في خلقه».٤

إن الخالق جل وعلا یتعالى عن كل ما یوجد في خلقه لا أنه یكون واجدا لكمالات الخلق بأسـرها!!

الإمام الباقر عليه السلام:

«إن الله تعالى خلو من خلقه وخلقه خلو منه، وكل ما وقع علیه إسم شـيء فهو مخلوق ما خلا الله عزّ وجلّ».٥

الإمام الصادق عليه السلام:

«هو واحد أحدي الذات بائن من خلقه، وبذاك وصف نفسه وهو بكل شـيء محیط بالإشـراف والإحاطة والقدرة».٦

الإمام الرضا عليه السلام:

«... تعالى عن صفة خلقه علوا كبیرا».٧

«


  1. بحار الأنوار، ٤ / ٢٣٠، عن التوحید.
  2. بحار الأنوار، ٤ / ٢٣٠، عن التوحید.
  3. بحار الأنوار، ٤ / ٢٨٥، عن التوحید.
  4. الكافي، ١ / ٩١.
  5. بحار الأنوار، ٣ / ٣٢٢ ، عن التوحید.
  6. بحار الأنوار، ٣ / ٣٢٢، عن التوحید.
  7. بحار الأنوار، ٣ / ٣١٨، عن التوحید.
٤٦١الوحدة العرفانیّة الضالّة

كنهه تفریق بینه وبین خلقه، وغیوره تحدید لما سواه».١

(وذلك أن الحد فرع الامتداد، كما أن الامتداد لا یكون إلا محدودا متجزیا قابلا للزیادة والنقصان فهما متلازمان).

فأول ما یجب على من یرید معرفة ربه بالوحدانیة، هو أن یعرف أنه جل وعلا مبائن مع كل شـيء متعال عن كل شـيء:

الإمام الرضا عليه السلام:

«فأول مااختار لنفسه "العلي العظیم" لأنه أعلى الأسماء كلها، فمعناه الله واسمه العلي العظیم، هو أول أسمائه لأنه علا كل شـيء».٢

فإنه لیس معرفة حقیقة التوحید إلا معرفة التباین بین الخالق وما سواه:

الإمام أمیر المؤمنین عليه السلام:

«ومعرفته توحیده، وتوحیده تمییزه من خلقه، وحكم التمییز بینونة صفة لا بینونة عزلة، [فإن العزلة أیضا فرع الامتداد والخالق بخلافه]».٣

«والمتعالي عن الخلق بلا تباعد».٤

الإمام الصادق عليه السلام:

«وأما التوحید فإن لا تجوز على ربك ما جاز علیك».٥

فالخالقیة لا یمكن إلا بالتبای


  1. التوحيد، ٣٦، باب التوحيد ونفي التشبيه*.
  2. بحار الأنوار، ٤ / ١٧٥، عن التوحید ومعاني الاخبار.
  3. بحار الأنوار، ٤ / ٢٥٣، عن الاحتجاج.
  4. التوحيد، ٣٣، باب التوحيد ونفي التشبيه.
  5. بحار الأنوار، ٤ / ٢٦٤، عنالتوحيد.
معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام٤٦٢

ن لا السنخیة، فما لكم كیف تحكمون؟!

رسول الله صلی الله علیه و آله:

«... كیف الكیف فلا یقال له: "كیف؟"، وأین الأین فلا یقال له: "أین؟"، هو منقطع الكیفوفیة والأینونیة، فهو الأحد الصمد كما وصف نفسه والواصفون لا یبلغون نعته، لم یلد ولم یولد ولم یكن له كفوا أحد».١

الإمام أمیر المؤمنین عليه السلام:

«لا یقال له: "ما هو؟"، لأنه خلق الماهیة».٢

«إن الله عزّ وجلّ أین الأین فلا أین له».٣

«كیف یجري علیه ما هو أجراه؟ ویعود فیه ما هو أبداه؟ ویحدث فیه ما هو أحدثه؟ إذاً لتفاوتت ذاته، ولتجزأ كنهه و... لامتنع من الأزل معناه».٤

الإمام الصادق عليه السلام:

«إن الأبصار لا یدرك إلا ما له لون وكیفیة، والله خالق الألوان والكیفیة».٥

«إن الله تبارك وتعالى لا یوصف بزمان ولا مكان ولا حركة ولا انتقال ولا سكون، بل هو خالق الزمان والمكان والحركة والسكون، تعالى الله عما یقول الظالمون علوا كبیرا».٦

الإمام الرضا عليه السلام:

«لشهادة العقول أن كل صفة وموصوف مخلوق، وشهادة كل موصوف أن له خالقا لیس بصفة ولا موصوف».٧

«كی


  1. بحار الأنوار، ٣ / ٣٠٤، عنالتوحيد.
  2. بحار الأنوار، ٣ / ٢٩٧، عن روضة الواعظين.
  3. بحار الأنوار، ٣ / ٢٠٩، عن الإرشاد.
  4. بحار الأنوار، ٤ / ٢٥٤، عن الاحتجاج.
  5. بحار الأنوار، ٤ / ٣١، أمالي الصدوق.
  6. بحار الأنوار، ٣ / ٣٣٠، عن التوحيد.
  7. بحار الأنوار، ٤/ ٢٢٨، عن التوحيد والعيون.
٤٦٣الوحدة العرفانیّة الضالّة

ف الكیف فلا یقال له: "كیف؟"، وأین الأین فلا یقال له: "أین؟"، إذ هو مبدع الكیفوفیة والأینونیة».١

«ابتداؤه إیاهم دلیل على أن لا إبتداء له لعجز كل مبتدء عن إبتداء غیره، وأدوه إياهم دليل على أن لا أداة فيه لشهادة الأدوات بفاقة المتأدين».٢

فكیف یمكن الحكم بأن فاقد الشـيء لا یكون معطیه؟ مع أن الحكم بخلاف ذلك بدیهي لأن الصدور هي التطور والتغیر والولادة والامتدادي لا یكون وجوده إلا بالغیر، ولا یزید ولا ینقص بنفسه أبدا، فالخالق لا یكون إلا متعالیا عن كل شـيء وكل امتداد، بل هو معط بخلاف كل معط، ویكون إعطائه بإیجاد الأشیاء لا من شـيء لا بتجزئة أو انقسام أو إصدار من ذاته، ولا موجد ولا خالق إلا هو:

الإمام أمیر المؤمنین عليه السلام:

«كل معط منتقص سواه».٣

«الحمد لله الدال على وجوده بخلقه، وبحدوث خلقه على أزلیته، وبأشتباههم على أن لا شبه له».٤

الإمام الرضا عليه السلام:

«بتشعیره المشاعر عرف أن لا مشعر له، وبتجهیره الجواهر عرف أن لا جوهر له، وبمضادته بین الأشیاء عرف أن لا ضد له، وبمقارنته بین الأمور عرف أن لا قرین له. ضاد النور بالظلمة، والجلایة بالبهم، والجسو بالبلل، والصـرد بالحرور.

مؤلف بین متعادیاتها، مفرق بین متدانیاتها، دالة بتفریقها


  1. بحار الأنوار ٤ / ٢٩٠، عن التوحيد.
  2. الاحتجاج، ٢ / ٣٩٩، وتوحيد الصدوق: ٣٦، وبحار الأنوار، ٤ / ٢٢٨.
  3. نهج البلاغة، ١٢٤؛ بحار الأنوار، ٤ / ٢٧٤، عن التوحید.
  4. بحار الأنوار، ٤ / ٢٨٤، عن التوحيد.
معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام٤٦٤

على مفرقها، وبتألیفها على مؤلفها. ذلك قوله عز وجل وَمِنْ كُلِّ شـيء خَلَقْنا زَوْجَینِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ .

ففرق بها بین قبل وبعد لیعلم أن لا قبل له ولا بعد، شاهدة بغرائزها أن لا غریزة لمغرزها، دالة بتفاوتها أن لا تفاوت لمفاوتها، مخبرة بتوقیتها أن لا وقت لموقتها».١

فلا لؤم على من یرى خالقه تبارك وتعالى منبع كل شـيء أن یفسـر "التكبیر" بمعنى أنه تعالى أكبر من كل شـيء! لا یتناهی في الوجود! ولیس شـيء بخارج عنه!

«الوجودات الإمكانية كائنة ما كانت... محاطة له بمعنى ماليس بخارج».٢

إن وجوب التباین بین الخالق والمخلوق یكون من البداهة علی حدّ من الوضوح یقع نقیضُه نتیجة برهان الخلف، وتالیا فاسدا للشـرطیة حیث یقول الإمام أمیر المؤمنین عليه السلام:

«ولا یكون بینها وبینه فصل ولا له علیها فضل، فیستوي الصانع والمصنوع، ویتكافأ المبتدع والبدیع».٣

الإمام الصادق عليه السلام:

«ولو لا ذلك ما فصل بینه وبین خلقه، فسبحانه وتقدست أسماؤه».٤

«ولو كان یصل إلى المكون الأسف والضجر [ومطلق ما في غیره] وهو الذي أحدثهما وأنشأهما لجاز لقائل أن یقول: إن المكوّن یبید یوما لأنه إذا دخله الضجر والغضب [وما یكون في المتجزئ المخلوق] دخله التغییر، وإذا دخله التغییر لم یؤمن علیه الإبادة، ولو


  1. بحار الأنوار، ٤/ ٢٢٨، عن التوحيد والعيون. التوحيد، ٣٨.
  2. الطباطبائي، محمد حسين، نهاية الحكمة، ٣٠١.
  3. بحار الأنوار، ٤ / ٢٥٥، عن الاحتجاج.
  4. بحار الأنوار، ٣ / ١٩٤، الخبر المروي عن المفضل بن عمر في التوحيد المشتهر بالإهليلجة.
٤٦٥الوحدة العرفانیّة الضالّة

كان ذلك كذلك لم یعرف المكوِّن من المكوَّن، ولا القادر من المقدور، ولا الخالق من المخلوق، تعالى الله عن هذا القول علوا كبیرا».١

الإمام الرضا عليه السلام:

«لو كان كما یقول المشبهة لم یعرف الخالق من المخلوق، ولا الرازق من المرزوق، ولا المنشئ من المنشأ، لكنه هو المنشئ فرق بین من جسمه وصوّره وشیأه إذ كان لا یشبهه شـيء».٢

ثم اعلم أنه لا یوجد مصداق للتناقض في ما یتصور ویدرك مطلقا، بل كل ما عدّ في المنطق من أمثلة التناقض ومصادیقه لیس إلا ملكة للامتداد، ومن هناك لا یمكن تصور تباین الخالق والمخلوق بعنوانه الخاص الذي یمكن أن یتعلق بكل شـيء ویكون ملكة للامتداد، فإن الحكم بالتباین ـ بل بالتشابه أیضا ـ لا یمكن إلا بعد تصور طرفیه بخصوصهما، وذلك بخلاف الحكم بالتباین بین الخالق والمخلوق حیث إن تصور الخالق ممتنع بالذات فلا یكون الحكم بالتباین بینه وبین غیره إلا بعد تصور طرف واحد ـ وهو الامتداد ـ ثم الحكم بوجود شـيء مبائن لكل ما یمكن أن یدرك ویتصور.

قال العلامة الحلي قدس سـره:

«العدم الخاص له حظ من الوجود ولهذا افتقر إلى موضوع خاص كافتقار الملكة إليهفيصدق عليه مطلق الثابت و منافاته للوجود المطلق لا باعتبار صدق مطلق الثبوت عليه بل من حيث أخذ مقابلا له».٣

فكل ما نأتي به من الامثلة للتباین أو نتصور ونتوهم من المعاني المتبائنه أو المتشابهة لا یخرج عن إمكان تصور طرفیه بخصوصهما في امتداد خاص وعدد معین، وأما تباین الخالق والمخلوق فیكون بتصور أحد المتبائنین فقط لیكون مقدمة للحكم بالتباین وعدم التشابه بعنوانه العام بین الخالق والمخلوق، فلا بد لنا بعد كل مثال لذلك من أن نقول:

الإمام الصادق عليه السلام:

«بل فوق هذا المثال بما لا نهایة له، لأن الأمثال كلها تقصـر عنه [لأنها لا یخرج عن إرائة الحقیقة الامتدادیة العددیة] لكنها تقود


  1. بحار الأنوار، ٤ / ٦٥ ـ ٦٦، عن التوحيد ومعاني الأخبار.
  2. التوحيد، ٦٢.
  3. كشف المراد في شـرح تجريد الاعتقاد،٣١.
معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام٤٦٦

العقل إلى معرفته.١ [وإلى الحكم بوجوده وكونه بخلاف كل شـيء]».

فللتباین معنى خاص ـ وهو الحكم بتخالف شیئین بعد إمكان تصور طرفیه بخصوصهماـ ومعنى عام ـ وهو الحكم بتخالف شیئین ولو مع امتناع تصور طرفیه معا، بل بتصور طرف واحد منهما فقط ـ فلا وجه لما یقال:

إن كان معنى التباین بین الخالق والمخلوق شیئا غیر التباین بین المخلوقات فلا فائدة في الحكم به علیه.

لأنا نقول:

إن الحكم بالتباین بعد تصور طرفي المتبائنین لا یكون إلا للمتجزئ، وأما الحكم بالتباین بین شیئین بتصور أحد طرفیه بنفسه مع امتناع تصور طرفه الآخر إلا بعنوان أنه شـيء بخلاف الأشیاء ـ بلا تصوره بنفسه ـ لا مانع منه أصلا، ولا یقصـر عن إفادة معنى التباین بینهما شیئا، وبذلك ظهر الفرق بین تصور موضوع التباین الخاص والعام.

الإمام أمیر المؤمنین عليه السلام:

«ومن قرنه فقد ثناه، ومن ثناه فقد جزأه».٢

«لشهادة كل صفة أنها غیر الموصوف».٣

«مبائن لجمیع ما أحدث في الصفات [التي لا تنفك عنه محدث فالقید یكون للتوضیح ولذا قال عليه السلام في الروایة المتقدمة: ولا كالأشیاء


  1. بحار الأنوار، ٣ / ١٤٧، عن توحید المفضل.
  2. بحارالأنوار، ٤ / ٢٤٧ عن نهج البلاغة والاحتجاج.
  3. بحار الأنوار، ٤ / ٢٤٧، عن نهج البلاغة.
٤٦٧الوحدة العرفانیّة الضالّة

فتقع علیه الصفات]».١

«ولیس بجنس فتعادله الأجناس، ولا بشبح فتضارعه الأشباح، ولا كالأشیاء فتقع علیه الصفات».٢

«الذي بان من الخلق فلا شـيء كمثله».٣

الإمام الصادق عليه السلام:

«والنعوت نعوت الذات لا یلیق إلا بالله تبارك وتعالى».٤

الإمام الرضا عليه السلام:

«وإن سألوك عن الكیفیة فقل كما قال الله عزّ وجلّ: «لیس كمثله شـيء».٥

«... فكیف هو؟! فقال صلی الله علیه و آله: وكیف أصف ربي بـ"الكیف" والكیف مخلوق، والله لا یوصف بخلقه».٦

«معروف بغیر تشبیه... لا یمثل بخلیقته».٧

وحینئذ فكیف یمكن الالتزام بالسنخیة والشباهة بین الخالق والمخلوق؟!!

ویقول الله تعالى:

«ما عرفني من شبهني بخلقی».٨

الإمام الصادق عليه السلام:

«ومن شبهه بخلقه فقد اتخذ مع الله شـریكا».٩

«سأل بعض أصحابنا الصادق عليه السلام فقال له: أخبرني أي الأعمال أفضل؟ قال: توحیدك لخالقك، قال: فما أعظم الذنوب؟ قال: تشبیهك لخالقك».١٠

الإمام


  1. بحار الأنوار، ٤ / ٢٢٢، عن التوحید.
  2. بحار الأنوار، ٤ / ٢٢٢، عن التوحید.
  3. بحار الأنوار، ٤ / ٢٦٦، عن التوحید.
  4. بحار الأنوار، ٤ / ٦٨، عن التوحید.
  5. بحار الأنوار، ٣ / ٢٢١، عن التوحید.
  6. بحار الأنوار، ٣ / ٣٣٢، عن التوحید.
  7. بحار الأنوار، ٣ / ٢٩٧، عن التوحید.
  8. بحار الأنوار، ٣ / ١٩١، عن الاحتجاج.
  9. بحار الأنوار، ٤ / ٥٤، عن التوحید.
  10. بحار الأنوار، ٣ / ٨، عن أمالي الشيخ الطوسي.
معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام٤٦٨

الكاظم عليه السلام:

«إن الله تعالى لا یشبهه شـيء أي فحش أوخناء أعظم من أن یوصف خالق الأشیاء بجسم أو صورة، أو بخلقة، أو بتحدید وأعضاء، تعالى الله من ذلك علوا كبیرا».١

الإمام الرضا عليه السلام:

«ما عرف الله من شبهه بخلقه».٢

«من شبه الله بخلقه فهو مشـرك... ثم تلا... «ِنَّما يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَأُولئِكَ هُمُ الْكاذِبُون ».٣

الإمام الهادي عليه السلام:

«وتعالى الله عن الاشتباه».٤

كیف یمكن الحكم بالسنخیة بین الخالق والمخلوق مع أنه لا یمكن السنخیة إلا بین شیئین یجوز علیهما الاستحالة والتجزیة والتركیب والتغییر والتبدیل والتبدل وهما یكونان امتدادیین:

الإمام الرضا عليه السلام:

«إن من یصف ربه بالقیاس لا یزال الدهر في الالتباس، مائلا عن المنهاج، ظاعنا في الاعوجاج، ضالا عن السبیل، قائلا غیـر جمیل».٥

«فلیس


  1. بحار الأنوار، ٣ / ٣٠٣، عن التوحید.
  2. بحار الأنوار، ٣ / ٢٩٧، عن التوحید.
  3. بحار الأنوار، ٣ / ٢٩٩، عن التوحید.
  4. بحار الأنوار، ٤ / ٣٤، عن الاحتجاج.
  5. التوحيد ص : ٤٧.
٤٦٩الوحدة العرفانیّة الضالّة

الله عرف من عرف بالتشبیه ذاته، ولا أیاه وحد من اكتنهه، ولا حقیقة أصاب من مثّله... ولا إیاه عنی من شبهه».١

ما لمخلوق لا یتصور ولا یرى ولا یدرك إلا الامتداد وما یلزم الامتداد من الاستحالة والتجزیة والتركیب والسنخیة والتغیر و... یتكلم من تلقاء نفسه في المبداء والمعاد؟! أهم الشهداء على الخلق إذ یقول الله تعالى:

«ما أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَما كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدا».٢

فیحسب كل جهل علما وكل باطل حقا!!

«انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلا».٣

یقول مولانا الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه وأعلى به كلمة التوحید:

«لا لأمر الله تعقلون، ولا من أولیائه تقبلون "حِكْمَةٌ بالِغَةٌ فَما تُغْنِ الْآياتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُون "».٤

فطوبى ثم طوبى لامرء علم قدره ولم یرجع في تحصیل معارفه إلا إلى العلماء بالله الشهداء على الخلق معلمي العقول وهداة النفوس إلى الله تبارك وتعالى وإلى المعارف الإلهیة البرهانیة الحقیقیة:

«كنت عند أبي جعفر الثاني عليه السلام فأجریت اختلاف الشیعة، فقال: یا محمّد، إن الله تبارك وتعالى لم یزل متفردا بوحدانیته ثم خلق محمّدا وعلیا وفاطمة، فمكثوا ألف دهر، ثم خلق الأشیاء، فأشهدهم خلقها، وأجرى طاعتهم علیها، وفوض


  1. التوحيد، ٣٥.
  2. الكهف (١٨): ٥٢.
  3. الفرقان (٢٥): ٩.
  4. بحار الأنوار، ٩٩ / ٩٢، من زیاره آل یس.
معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام٤٧٠

أمورها إلیهم.

فهم یحلّون ما یشاؤون، ویحرمون مایشاؤون، ولن یشاؤوا إلا أن یشاء الله تبارك وتعالى. ثم قال: یا محمد، هذه الدیانة التي من تقدمها مرق، ومن تخلف عنها محق، ومن لزمها لحق، خذها إلیك یا محمد».١

فنسأل الله تعالى بمنه وكرمه:

«فثبتني الله أبدا ما حييت على موالاتكم ومحبتكم ودينكم ووفقني لطاعتكم ورزقني شفاعتكم وجعلني من خيار مواليكم التابعين لما دعوتم إليه وجعلني ممن يقتص آثاركم ويسلك سبيلكم ويهتدي بهداكم ».٢

فأین الملوك وأبناء الملوك من شـرف هذا المقام وعلو شأنه!

ولنرجع إلى ما كنا فیه من التذكر بالروایات الشـریفة الدالة على تباین ذات الخالق والمخلوق، وبطلان الاعتقاد بالتشابه والسنخیة بینهما:

قال الإمام الرضا عليه السلام لابن قرّة النصـراني:

«ما تقول في المسیح؟ قال: یا سیدي إنه من الله ، فقال: وما ترید بقولك "من"؟ و"من" على أربعة أوجه لا خامس لها، أترید بقولك "من"، ك "البعض من الكل" فیكون مبعضا؟ أو ك "الخل من الخمر" فیكون على سبیل الاستحالة؟ أو ك"الولد من الوالد" فیكون على سبیل المناكحة،؟ أو ك"الصنعة من الصانع" فیكون على سبیل المخلوق من الخالق؟ أو عندك وجه آخر فتعرفناه؟ فإنقطع».٣

ینبغي التأمل في هذه الروایة الشـریفة التي صدرت عن معدن العلم الرباني والحكمة الإلهی


  1. الكافي، ١ / ٤٤١.
  2. عيون أخبار الرضا عليه السلام، ٢ / ٢٧٦.
  3. بحار الأنوار، ١٠ / ٣٤٩، عن مناقب آل أبي طالب عليه السلام.
٤٧١الوحدة العرفانیّة الضالّة

ة في وضوح معناها ودلالتها، حتى تعلم هل یكون هناك مبرّر للقول بصدور الأشیاء عن الواحد الصمد الذي لم یلد ولم یولد، ولم یكن له كفوا أحد؟! أو الاعتقاد بتجلیه وظهوره في صور الأشیاء وأعیانها؟!! أو إمكان القول بالسنخیة والشباهة بین الخالق والمخلوق؟!

«إِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُور».١

«وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَما لَهُ مِنْ نُور».٢

الإمام الصادق عليه السلام:

«"وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً"، إماما من ولد فاطمة علیها السلام "فَما لَهُ مِنْ نُور" إمام یوم القیامة».٣

ومع هذا كله فالعجب من الفلسفة وهي تقول:

«من الواجب أن یكون بین المعلول وعلته سنخیة ذاتیة».٤

«إن السنخیة بین الفاعل وفعله مما لا یعتریه ریب، ولا یتطرق إلیه شائبة دغدغة».٥

«إن الواحد لا يصدر عنه إلا الواحد ولما كان الواجب تعالى واحدا بسيطا من كل وجه... لا يفيض إلا وجودا واحدا بسيطا له كل كمال وجودي لمكان المسانخة بين العلّة والمعلول».٦

ويُثبَت في كتابي نهاية الحكمة وبدایتها وجود ما یساوي الله تعالى من خلقه، وعجزه تعالى عن خلق غیر ذلك!:

«


  1. الحج (٢٢): ٤٦.
  2. النور (٢٤): ٤٠.
  3. الكافي، ١ / ١٩٥.
  4. الطباطبائي، محمد حسين: نهاية الحكمة، ١٦٦.
  5. حسن زاده، حسن: كشف المراد، التعليقات، ٥٠٦.
  6. الطباطبائي، محمد حسين، نهاية الحكمة، ٣١٥ ـ ٣١٦.
معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام٤٧٢

الواجب تعالى... لا يفيض إلا وجودا واحدا بسيطا له كل كمال وجودي».١

التناقض في قاعدة: "الواحد لا یصدر عنه إلا الواحد"

إن التناقض في نفس قاعدة "الواحد" المبتنیة علیها أصول المعارف الفلسفیة أبین من الشمس في رائعة النهار، فإن نفس المقارنة بین الصادر والمصدر ـ فضلا عن الاعتقاد بصدور الأشیاء من الذات المتعالیة ـ مستلزم لكون ذاته تعالى متجزئة امتدادیة وكون وحدته تعالى وحدة عددیة اعتباریة:

الإمام أمیر المؤمنین عليه السلام:

«...ومن قرنه فقد ثناه، ومن ثناه فقد جزأه، ومن جزأه فقد جهله».٢

إن كان المفروض واحدا في حقیقته ومعناه فبما یتمیز الواحد عن الواحد، والصادر عن المصدر؟!! وبم یكونان شیئین حقیقیین متمایزین؟!

الإمام الباقر عليه السلام:

«والواحد، المتبائن الذي لا ینبعث من شـيء، ولا یتحد بشـيء، ومن ثم قالوا: إن بناء العدد من الواحد ولیس الواحد من العدد، إن العدد لا یقع على الواحد بل یقع على الاثنین».٣

فلا نعید ما فرغنا عن تفصیله في مبحث "أنه واحد" فراجع.

وبالوقوف على التفرقة الذاتیة بین الامتدادي القابل للتعدد وبین ما یكون بخلاف ذلك موضوعا، وبمعرفة معنى الواحد الحقیقي والاعتباري، تعرف أیضا قیمة الآراء الفلسفیة حول: "اتحاد العاقل والمعقول"، و"العلم الحضوری"، و"الحلول والاتحاد"، و"تجرد


  1. الطباطبائي، محمد حسين، نهاية الحكمة، ٣١٥ ـ ٣١٦.
  2. بحارالأنوار، ٤ / ٢٤٧ عن نهج البلاغة والاحتجاج؛ نهج البلاغه، ٢٤٧.
  3. التوحيد، ٩٠، باب تفسير قل هو الله أحد إلى آخرها.
٤٧٣الوحدة العرفانیّة الضالّة

النفس" و"تجرد حقیقة العلم"، وغیر ذلك من الأوهام الخاطئة والمحالات الثبوتیة.

«قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً سُبْحانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطانٍ بِهذا أَ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُون »؟١

«ذلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْواهِهِمْ يُضاهِؤُنَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُون».٢

«وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبادِهِ جُزْءاً إِنَّ الْإِنْسانَ لَكَفُورٌ مُبِين ».٣

«ما كانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحانَهُ إِذا قَضـى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُون ».٤

«وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدًّا تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمنِ وَلَداً وَما يَنْبَغِي لِلرَّحْمنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمنِ عَبْدا».٥

« أَلا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ وَلَدَ اللَّهُ وَ إِنَّهُمْ لَكاذِبُون ».٦

« فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكاذِبين ».٧

سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ إِلَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِين».٨

إن تكن الخلقة مؤولة بالصدور أو التجلي:


  1. يونس (١٠): ٦٩.
  2. التوبة (٩): ٣١.
  3. الزخرف (٤٣): ١٦.
  4. مريم (١٩): ٣٦.
  5. مريم (١٩): ٨٩ ـ ٩٥.
  6. الصافات (٣٧): ١٥٣.
  7. آل عمران (٣): ٦٢.
  8. الصافات (٣٧): ١٦٠ ـ ١٦١.
معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام٤٧٤

الإمام الصادق عليه السلام:

«فإن كان ذلك كذلك فمن أین جاء الموت والفناء [وهما غیر مسانخ للحي الأزلي]... هذه مقالة... أشد الزنادقة قولا وأهملهم مثلا، نظروا في كتب قد صنفها أوائلهم وحبروها لهم بألفاظ مزخرفة من غیر أصل ثابت ولا حجة توجب إثبات ما ادعوا، كل ذلك خلافا على الله وعلى رسله وتكذیبا بما جاؤوا عن الله .

وأما من زعم أن النور [وهو عندهم حقیقة الوجود] لا یعمل الشـر [لأنه عندهم عدمي] والظلمة لا تعمل الخیر [للّزوم السنخي، أو توهم أن الوجود خیر محض والشـر عدم محض] فلا یجب علیهم أن یلوموا أحدا على معصیة ولا ركوب حرمة، ولا إتیان فاحشة، وأن ذلك على الظلمة غیر مستنكر، لأن ذلك فعلها [وسنخها]، ولا له [وللقائل بالسنخیة والصدور ووحدة الخالق والمخلوق] أن یدعو ربا ولا یتضـرع إلیه لأن النور رب والربّ لا یتضـرع إلى نفسه، ولا یستعیذ بغیره.

ولا لأحد من أهل هذه المقالة أن یقول: "أحسنت" و"أسأت"، لأن الإسائة من فعل الظلمة [باقتضاء ذاته]... والإحسان من النور [ذاتا واقتضاء لوجوب السنخیه!! لا عن اختیاره] ولا یقول النور لنفسه: "أحسنت یا محسن"، ولیس هناك ثالث [غیر النور والظلمة، أو فقل: غیر حقیقة الوجود والعدم الحاصل الناشئ عن الماهیات وتعینات الوجود] فكانت الظلمة على قیاس قولهم أحكم فعلا وأتقن تدبیرا وأعزّ أركانا.

ثم حبست النور في حبسها والدولة لها [لسـریان حقیقة الوجود في الأعیان والماهیات، فلا فعل له إلا في حبس الماهیة والحدود، حیث إنه یمتنع تحقق اللا بشـرط في الخارج إلا بشـرط].

وما ادعوا بأن العاقبة سوف تكون للنور [فلا یبقى عین من الأعیان ولا شـيء من الأشیاء

٤٧٥الوحدة العرفانیّة الضالّة

بعد الفناء ورجوع الأمر إلى الوحدة المطلقة!!] فدعوى [بلا دلیل، مع غض النظر عن امتناع ذلك بذاته].

وینبغي على قیاس قولهم أن لا یكون للنور [وحقیقة الوجود] فعل لأنه أسیر [ومحقق في الأعیان بأعیانها وحدودها وذواتها، وأما الخارج عن ذلك والمتعري عن الحدود فلا وجود له إلا ذهنا ووهما لا واقعا وعینا] ولیس له سلطان فلا فعل له ولا تدبیر. وإن كان له مع الظلمة تدبیر، فما هو بأسیر بل هو مطلق عزیز [وهو شـيء بحقیقة الشیئیة وبخلاف الأشیاء كلها، ولیس بحقیقة الوجود الموهومة الأسیرة المتعینة في الحدود لزوما، والمتجلیة في الأعیان المتجزیة الامتدادیة لا محالة].فإن لم یكن كذلك [مطلقا عزیزا مبائنا متعالیا بل] وكان أسیر الظلمة [وموجودا بوجود الأعیان ومتحققا في ذوات الأشیاء وأعیانها] وأنه یظهر في هذا العالم إحسان وخیر مع فساد وشـر، فهذا یدل أن الظلمة تحسن الخیر وتفعله كما تحسن الشـر وتفعله!

فإن قالوا: "محال ذلك"، فلا نور ولا ظلمة [ولیس التقسیم إلى الوجود والماهیة إلا من أساطیر الأولین وأوهام المتوهمین] بطلت دعواهم ویرجع الأمر إلى أن الله واحد وما سواه [مما توهم أزلیته وألوهیته كالنور والظلمة وحقیقة الوجود و...]باطل».١

«ولا یخلو ذلك الشـيء [المصدر] من أن یكون جوهرا واحدا ولونا واحدا، فمن أین جائت هذه الألوان المختلفة والجواهر الكثیرة الموجودة في هذا العالم من ضـروب شتّى؟ ومن أین جاء الموت إن كان الشـيء الذي أنشأت منه الأشیاء حیا؟ أو من أین جاء الحیوة إن كان ذلك الشـيء میتا؟»٢


  1. بحار الأنوار، ٣ / ٢١٠، عن الاحتجاج.
  2. بحار الأنوار، ١٠ / ١٦٦، عن الاحتجاج.
معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام٤٧٦

فلا یشبه الخالق ما یوجد بإیجاده وتكوینه تبارك وتعالى:

الإمام الباقر عليه السلام:

«٤ولا یشبه شیئا مكونا».١

الإمام الكاظم عليه السلام:

«ولا یشبهه شـيء مكوّن».٢

إن كانت الأشیاء بانت من الله تعالى بالصدور عن ذاته أو بتجلیه في صورة المخلوقین، فكیف یمكن الاعتقاد بقدرة الخالق واختیاره في خلق ما خلق؟!

«قال [الزندیق]: فأخبرني عمن زعم أن الخلق لم یزل یتناسلون ویتوالدون ویذهب قرن ویجيء قرن، تفنیهم الأمراض والأعراض وصنوف الآفات، یخبرك الآخر عن الأول، وینبئك الخلف عن السلف، والقرون عن القرون أنهم وجدوا الخلق على هذا الوصف بمنزلة الشجر والنبات، في كل دهر یخرج منه حكیم علیم بمصلحة الناس بصیر بتألیف الكلام، وصنف كتابا قد حبّره بفطنته وحسنه بحكمته، قد جعله حاضـرا بین الناس یأمرهم بالخیر ویحثهم علیه وینهاهم عن السوء والفساد ویزجرهم عنه لئلا یتهاوشوا ویقتل بعضهم بعضا؟!

قال [الإمام الصادق عليه السلام ]: ویحك، إن من خرج من بطن أمه أمس ویرحل عن الدنیا غدا، لا علم له بما كان قبله ولا ما یكون بعده».٣

الإمام الرضا عليه السلام:

*«ثم خلق السموات والأرض في ستة أیام... وكان... قادرا على أن یخلقها في


  1. بحار الأنوار، ٤ / ٢٩٩، عن التوحید.
  2. بحار الأنوار، ٤ / ٢٩٨، عن التوحید.
  3. بحار الأنوار، ١٠ / ١٨٢، عن الاحتجاج.
٤٧٧الوحدة العرفانیّة الضالّة

طرفة عین».١

ومن هنا أیضا نقول: إنه لا شـيء أبعد من معرفة حقیقة التوحید وأقرب إلى اعتقاد الدهریة، من القول بتفسیر الخلقة على وجه الصدور أو التجلي والظهور:

«... كتبت إلى أبي الحسن الرضا عليه السلام: سألته عن آدم: هل كان فیه من جوهریة الرب شـيء؟! فكتب إلي جواب كتابي: لیس صاحب هذه المسألة على شـيء من السنّه، زندیق».٢

«... قال لي یونس: أكتب إلى أبي الحسن عليه السلام، فاسأله عن آدم: هل فیه من جوهریة الله شـيء! قال: فكتبت إلیه، فأجاب: هذه المسألة مسألة رجل على غیر السنة. فقلت لیونس، فقال: لا یسمع ذا أصحابنا فیبرؤون منك. قال: قلت لیونس: یتبرؤون مني أو منك؟!»٣

إن الصدور هو الولادة لا غیر، وإن السنخیة هي العینیة نفسها:

الإمام أبو عبد الله الصادق عليه السلام:

«سبحان الله الذي لیس كمثله شـيء، ولا تدركه الأبصار، ولا یحیط به علم، لم یلد لأن الوالد یشبه أباه، ولم یولد فیشبه من كان قبله، ولم یكن له من خلقه كفوا أحد، تعالى عن صفة من سواه علوا كبیرا».٤

«خلق الخلق والأشیاء لا من شـيء ولا كیف بلا علاج ولا معاناة ولا فكر ولا كیف كما أنه لا كیف له، وإنما الكیف بكیفیة المخلوق، لأنه الأول لا بدو له، ولا شبه، ولا مثل، ولا ضد، ولا ند».٥


  1. بحار الأنوار، ٣ / ٣١٨، عن التوحید.
  2. بحار الأنوار، ٣ / ٢٩٢، عن الكشي.
  3. بحار الأنوار، ٣ / ٢٩٢، عن الكشي.
  4. بحار الأنوار، ٣ / ٣٠٤، عن التوحيد.
  5. بحار الأنوار، ٣ / ١٩٣، الخبر المروي عن المفضل بن عمر في التوحيد المشتهر بالإهليلجة.
معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام٤٧٨

الإمام ابو الحسن الرضا عليه السلام:

«إن كل صانع شـيء فمن شـيء صنع، والله الخالق اللطیف الجلیل خلق وصنع لا من شـيء».١

لا یعطي الوجود إلا الله تعالى، وكل شـيء غیره فلیس إعطاؤه بالإیجاد بل بالتجزیة وانتقاص الذات:

الإمام أمیر المؤمنین عليه السلام:

«كل معط منتقص سواه».٢

ومن هنا نرى یقول الله تعالى:

«لو أن أهل سمواتي وأهل أرضـيأمّلوا جمیعا ثم أعطیت كل واحد منهم مثل ما أمّل الجمیع ماانتقص من ملكي مثل عضو ذرة، وكیف ینتقص ملك أنا قیّمه؟!»٣

ویقول مولانا أمیر المؤمنین عليه السلام:

«ولو وهب ما تنفست عنه معادن الجبال، وضحكت عنه أصداف البحار من الفلز اللجین وسبائك العقیان ونضائد المرجان لبعض عبیده، لماأثر ذلك في جوده ولا أنفد سعة ما عنده، ولكان عنده من ذخائر الإفضال ما لا ینفده مطالب السؤال ولا یخطر لكثرته على بال، لأنه الجواد لا تنقصه المواهب... وإنما أمره إذا أراد شیئا یقول له: «كن فیكون».٤

بعض متشابهات الصدور والسنخیة:

ولنذكر هاهنا بعض متشابهات الآیات والأخبار التي یمكن أن یتشبث بها القائل


  1. الكافي، ١ / ١٢٠، بحارالأنوار، ٤ / ١٧٤، عن التوحيد والعیون.
  2. نهج البلاغة، ١٢٤؛ بحار الأنوار، ٤ / ٢٧٤، عن التوحید.
  3. بحار الأنوار، ٧١ / ١٣١، عن الکافي.
  4. بحار الأنوار، ٤ / ٢٧٤، عن التوحید.
٤٧٩الوحدة العرفانیّة الضالّة

بالصدور والتجلي والظهور، مع تأویله الصادر عن أهله، أهل الذكر الراسخین في العلم، غیر القائلین بالظنون الباطلة والأهواء المردیة.

فمنها قوله تعالى:

«ونفخت فیه من روحي».١

«... سألت أبا جعفر عليه السلام عن قول الله عزّ وجلّ «ونفخت فیه من روحي»؟ قال: روح إختاره الله واصطفاه وخلقه وأضافه إلى نفسه، وفضله على جمیع الأرواح فأمر فنفخ منه في آدم عليه السلام».٢

الإمام الباقر عليه السلام:

«... وإنما أضافه إلى نفسه لأنه اصطفاه على سائر الأرواح، كما إصطفى بیتا من البیوت فقال: "بیتي"، وقال لرسول من الرسل: "خلیلي" وأشباه ذلك، وكل ذلك مخلوق، مصنوع، محدث، مربوب، مدبر».٣

الإمام الصادق عليه السلام:

«إن الله تبارك وتعالى أحد صمد لیس له جوف وإنما الروح خلق من خلقه».٤

ومنها قوله صلی الله علیه و آله:

«إن الله عزّ وجلّ خلق آدم على صورته.

... سألت أبا جعفر عليه السلام عما یروون أن الله عزّ وجلّ خلق آدم على صورته؟ فقال: هي صورة محدثه مخلوقة اصطفاها الله واختارها على سائر الصور المختلفة فأضافها إلى نفسه كما أضاف الكعبة إلى نفسه والروح إلى نفسه


  1. الحجر (١٥): ٣٠.
  2. بحار الأنوار، ٤ / ١١، عن معاني الأخبار.
  3. بحار الأنوار، ٤ / ١٢، عن التوحید.
  4. بحار الأنوار، ٤ / ١٣، عن التوحید.
معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام٤٨٠

فقال: "بیتي"، وقال: «نفخت فیه من روحي».١

ومنها قوله تعالى:

«الله نور السموات والأرض».٢

«... سألت الرضا عليه السلام عن قول الله عز وجل: «الله نور السموات والأرض». فقال: هاد لأهل السماء وهاد لأهل الأرض».٣

«... "مثل نوره" مثل هداه في قلب المومن...

... قلت لجعفر عليه السلام: جعلت فداك یا سیدي، إنهم یقولون: مثل نور الرب! قال سبحان الله ! لیس لله بمثل، ما قال الله : «فلا تضـربوا لله الأمثال؟»٤

ومنها قوله تعالى:

«كل شـيء هالك إلا وجهه». وقوله تعالى: «كل من علیها فان ویبقى وجه ربك»

«كنا عند أبي عبد الله عليه السلام فسأله رجل عن قول الله عز وجل: «كل شـيءهالك إلا وجهه»؟ قال: ما یقولون فیه؟! قلت: یقولون: یهلك كل شـيء إلا وجهه، فقال: یهلك كل شـيء إلا وجهه الذي یؤتى منه، ونحن وجه الله الذي یؤتى منه».٥

الإمام أمیر المؤمنین عليه السلام:

«... وأنا عین الله ولسانه الصادق ویده وجنب الله الذي یقول «أن تقول نفس یا حسـرتي على ما فرطت في جنب الله »، وأنا ید الله المبسوطة على


  1. بحار الأنوار، ٤ / ١٣، عن التوحید.
  2. النور (٢٤): ٣٦.
  3. بحار الأنوار، ٤ / ١٥، عن التوحید.
  4. بحار الأنوار، ٤ / ١٨، عن تفسیر القمي.
  5. بحار الأنوار، ٤ / ٥، عن بصائر الدرجات.
٤٨١الوحدة العرفانیّة الضالّة

عباده بالرحمة والمغفرة، وأنا باب حطة، من عرفني وعرف حقي فقد عرف ربه، لأني وصـي نبیه في أرضه، وحجته على خلقه، لا ینكر هذا إلا راد على الله ورسوله».١

الإمام علي بن الحسین عليه السلام:

«نحن وجه الله الذي یؤتى منه».٢

الإمام الباقر عليه السلام:

«إن الله عزّ وجلّ أعظم من أن یوصف بالوجه».٣

الإمام الرضا عليه السلام:

«من وصف الله بوجه كالوجوه فقد كفر، ولكن وجه الله أنبیاؤه ورسله وحججه صلوات الله علیهم، هم الذین بهم یتوجه إلى الله وإلى دینه وإلى معرفته».٤

الباب الرابع عشـر:


  1. بحار الأنوار، ٤ / ٩، عن التوحید.
  2. بحار الأنوار، ٤ / ٥، عن بصائر الدرجات.
  3. بحار الأنوار، ٤ / ٥، عن بصائر الدرجات.
  4. بحار الأنوار، ٤ / ٣١، عن التوحید والعیون.
٤٨٣الوحدة العرفانیّة الضالّة

اذا كان كمال معرفة الله التصدیق به فما هو حكم استزادة معرفة الله تعالى؟!

تتوهم

معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام٤٨٤

الفلسفة وهيالباحثة عن معرفة ذات الخالق:

إنا إن اقتصـرنا في طریق معرفة الخالق بإثبات وجوده فقط ولم نفحص عن معرفة كنه ذاته، فقد جعلنا المعارف الإلهیة على سعتها محدودة ومقصورة على غیر ما یلیق بها، فلابد لنا عن دراسة الفلسفة الفاحصة عن معرفة كنه وجود الخالق

إذا كان كمال معرفة الله تعالى هو التصدیق بوجوده، فكیف یمكن استزاده معرفة الخالق تعالی ومحبته؟!

ویجیب هذا الفصل عن ذلك ویرد دعواهم ببیان:

أن استحالة معرفة الذات المتعالیة أمر ثبوتي.

لا یزید التفكر في ذات الإله إلا تیها وضلالة، ولا ینتج إلا زندقة وإلحادا.

إن أبواب التفكر في فعل الخالق الودود الوهاب مفتوحة، وتنفتح من كل باب منها آلاف الأبواب.

إن الله تعالى هو الفعال لما یشاء ولا یكون أسیرا لقانون العلیة الذاتیة، والجري على ما تقتضیه ذاته المقدسة كما تقوله الأوهام الخاطئة.

لا ینحصـر الكمال بالكمال الامتدادي القابل للوجود والعدم، خلافا لما تصل إلیه الأفهام البشـریة

أكمل الأوصاف والكمالات التي تنسبها الفلسفة إلى الله ـ وهو عدم التناهي في الذات والوجود ـ هو أمّ النقائص وأقبح الأوصاف للخالق المتعالي عن الوصف والامتداد

١)

٤٨٥الوحدة العرفانیّة الضالّة

ذات علم نور قدرة حیاة سمع بصـر

لعله أن یقول قائل: إذا كان كمال معرفة الله هوالتصدیق بوجوده فقط وكان كل تعمق وتفكر في معرفته بعد الحكم بوجوده تشبیها وجهلا فما هو حكم تحصیل الزیادة في معرفته تعالى ومحبته؟ وكیف یعقل أن یكون المعارف الإلهیة على سعتها مقصورة على التصدیق بوجود الخالق فقط؟!

فنجیبه بأنه:

أولا: هل الحسن والجمال منحصـر بغیر ما یرى بالباصـرة وإن حكم بذلك الأعمى؟!

وهل الألحان الداوودیة بمعزل عن الحسن والجمال وإن لم یدركها الأصم؟!

وهل الالتذاد والسـرور والابتهاج لا یحصل إلا بما یدرك بالحواس الظاهرة؟! وهل الكمال ینحصـر بالامتداد والعدد المحدود العاجز الفقیر المحتاج؟!

وهل العزة والعظمة والجلال والكبریاء وعلو المقام والجبروت لا یكون إلا بالتجسد والسعة الوجودیة فتحكم على معبودك بأنه أكبر الأشیاء وأوسعها وجودا، وبأنه هو الحقیقة اللا متناهیة؟!

وهل تعظّم العلماء والصلحاء والأولیاء والأسخیاء وأهل الجود والكرم والإیثار لكبر أجسادهم وعظم هیاكلهم؟!

هل لا یسمع إلا من له اذن!، والله تعالى هو السمع ذاته؟!

معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام٤٨٦

وهل لا یرى إلا من له عین! وهو العین ذاته؟!

وهل لا یعلم إلا من یكون عالماً بعلم!! وهو العلم ذاته الذي لاتخفی علیه خافیة؟!

وهل القادر لیس إلا أنت العاجز!! وهو القدرة ذاتها، یفعل ما یشاء ویحكم ما یرید؟!

وهل الغني لیس إلا أنت الفقیر المسكین!!؛ وهو غني عن العالمین.

وهل الموجود لا یكون إلا أنت ومثلك المحتاج المتجزئ المتبعض المحدود الموجود بإیجاد غیرك؟!! وهو الموجود بنفسه؟!

الإمام الباقر عليه السلام:

«من صفة القدیم أنه واحد، أحد، صمد، أحدي المعنى، ولیس بمعان كثیرة مختلفة».١

الإمام الصادق عليه السلام:

«هو نور لا ظلمة فیه، وحیاة لا موت فیه، وعلم لا جهل فیه، وحق لا باطل فیه. قال هشام: فخرجت وأنا أعلم الناس بالتوحید».٢

«والله نور لا ظلام فیه، وحي لا موت له، وعالم لا جهل فیه، وصمد لا مدخل فیه، ربنا نوري الذات، حي الذات، عالم الذات، صمدي الذات».٣

«إن الله تبارك وتعالى ذات علامة سمیعة بصیرة قادرة».٤

«لم یزل الله جل وعز ربنا والعلم ذاته ولا معلوم، والسمع ذاته ولا مسموع، والبصـر ذاته ولا مبصـر، والقدرة ذاته ولا مقدور، فلما أحدث الأشیاء وكان المعلوم وقع العلم منه على المعلوم، والسمع على المسموع، والبصـر على المبصـر، والقدرة على المقدور».٥

٢) القریب


  1. التوحيد، ١٤٤.
  2. التوحيد، ١٤٦.
  3. التوحيد، ١٤٠.
  4. التوحيد، ١٤٤.
  5. التوحيد، ١٣٩.
٤٨٧الوحدة العرفانیّة الضالّة

المحتجب بالنور

إن الذات العلم القدرة النور القدوس المتعالي عن الامتداد لا یدرك ولا یتوهم ولا یتصور ولا یعرف ولا یحس ولا یمس ولا یجس و...، فلیس الحجاب والستر على ذاته، بل على بصـرك وبصیرتك؛ فما ذنبه وأنت لا ترى الوجود إلا لك ولمثلك؟!

الرسول الأعظم صلی الله علیه و آله:

«المحتجب بنوره دون خلقه في الأفق الطامح، والعز الشامخ، والملك الباذخ، فوق كل شـيء علا، ومن كل شـيء دنا، فتجلي لخلقه من غیر أن یكون یرى، وهو بالمنظر الأعلى، فأحب الاختصاص بالتوحید إذا احتجب بنوره، وسما في علوه، واستتر عن خلقه».١

فاحتجابه لیس بما نتصوره من معنى الحجاب والاحتجاب، بل لیس هو إلا حجابا بخلاف ما نعرفه من معنى الحجاب والستر ونتصوره:

قال الله تبارك وتعالى:

«ونحن أقرب إلیه من حبل الورید».٢

الإمام امیر المؤمنین عليه السلام:

«وأقرب إلینا من كل قریب، وأبعد من الشبه من كل بعید».٣

الإمام الباقر عليه السلام:

«


  1. بحار الأنوار، ٤ / ٢٨٨، عن التوحید.
  2. ق (٥٠): ١٦.
  3. التوحيد، ٧٩.
معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام٤٨٨

والله هو المستور عن درك الأبصار المحجوب عن الأوهام والخطرات».١

الإمام الكاظم عليه السلام:

«وإنما منظره في القرب والبعد سواء، لم یبعد منه قریب، ولم یقرب منه بعید».٢

الإمام الرضا عليه السلام:

«احتجب بغیر حجاب محجوب، واستتر بغیر ستر مستور».٣

ولكنا لا نتصور من الكبریاء والجلال والعظمة إلا ما یناسب الامتداد، والله تعالى لا یوصف إلا بما یخالف ذلك:

الإمام أمیر المؤمنین عليه السلام:

«الحمد لله اللابس الكبریاء بلا تجسد، والمرتدي بالجلال بلا تمثل، والمتعالي عن الخلق بلا تباعد منهم».٤

بل هو:

«لطیف اللطافه فلا یوصف باللطف، عظیم العظمة فلا یوصف بالعظم، كبیر الكبریاء فلا یوصف بالكبر، جلیل الجلالة فلا یوصف بالغلظ».٥

«لا تشمله المشاعر، ولا یحجبه الحجاب. فالحجاب بینه وبین خلقه لامتناعه مما یمكن في ذواتهم ولإمكان ذواتهم مما یمتنع منه ذاته، ولافتراق الصانع والمصنوع».٦


  1. التوحيد، ٨٩، باب تفسير قل هو الله أحد إلى آخرها.
  2. بحار الأنوار، ٣ / ٣١١، عن الاحتجاج.
  3. التوحيد، ٩٨.
  4. التوحيد، ٣٣.
  5. بحار الأنوار، ٤ / ٣٠٤، عن التوحید.
  6. التوحيد، ٥٦.
٤٨٩الوحدة العرفانیّة الضالّة

الإمام الصادق عليه السلام:

«محجوب عنه حس كل متوهم، مستتر غیر مستور».١

«... قال: یا أمیر المؤمنین، كم بین موضع قدمیك إلى عرش ربك؟ قال:... من موضع قدمي إلى عرش ربي أن یقول قائل مخلصا: "لا إله إلا الله "».٢

«... فقال له ابن أبي العوجاء: ذكرت أبا عبد الله ، فأحلت على غائب، فقال الصادق عليه السلام: كیف یكون ـ ویلك ـ غائبا من هو مع خلقه شاهد، وإلیهم أقرب من حبل الورید، یسمع كلامهم ویعلم أسـرارهم، لا یخلو منه مكان، ولا یشغل به مكان، ولا یكون منه مكان أقرب من مكان، یشهد له بذلك آثاره، ویدل علیه أفعاله».٣

«... فقال أبو قرة: فأین الله ؟ فقال أبو الحسن عليه السلام: "أین" مكان، وهذه مسألة شاهد عن غائب، والله تعالى لیس بغائب، ولا یقدمه قادم، وهو بكل مكان موجود، مدبر، صانع، حافظ، ممسك السموات والأرض».٤

«... لیس لك مكان یعرف ولا لك موضع ینال... بل أین توجه الواجهون فأنت هناك لم تزل... محتجب عن رؤیة المخلوقین وهم عنك غیر محتجبین، ترى ولا ترى وأنت في الملا الأعلى، تسمع وترى، وتعلم ما یخفى وأخفى، فتباركت وتعالیت عما یقولون علوّا كبیرا».٥

فإن الستر والحجاب لا یلیق إلا بالامتداد ولیس إلا لغیره تعالى:


  1. التوحيد، ١٩١.
  2. بحار الأنوار، ١٠ / ١٢٢، عن الاحتجاج.
  3. بحار الأنوار، ١٠ / ٢١٠، عن الإرشاد.
  4. بحار الأنوار، ١٠ / ٣٤٦، عن الاحتجاج.
  5. بحار الأنوار، ٩٢ / ٣٥٧، عن فقه الرضا.
معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام٤٩٠

الإمام أمیر المؤمنین عليه السلام:

«حجب بعضها عن بعض لیعلم أن لا حجاب بینه وبین خلقه غیر خلقه».١

ومن البدیهي أن حجاب المخلوقیة لا یرفع عن المخلوق إلا بانعدامه.

الإمام أمیر المؤمنین عليه السلام:

«إنما یدرك بالصفات ذوو الهیئات والأدوات ومن ینقضـيأمد حده بالفناء».٢

الإمام الرضا عليه السلام:

«إنما تحد الأدوات أنفسها، وتشیر الآلة إلى نظائرها».٣

٣) حجاب المعصیة

وإن هناك نوعا آخر من الاحتجاب وهو الحرمان عن نعم الله السابغة، وآلائه الجسیمة، ورحمته الواسعة، ولذة مناجاته والأنس به، وذلك مسبب عن الغفلة والمعصیة وإلا فهو المنان بالعطیات، فما ذنبه ونحن في حجاب المعصیة والغفلة عنه وعن تفضله؟

الأئمة أمیر المؤمنین والباقر والصادق صلوات الله علیهم:

«فسبحانك تثیب على ما بدؤه منك، وانتسابه إلیك، والقوة علیه بك، والإحسان فیه منك، والتوكل في التوفیق له علیك».٤

الإمام السجاد عليه السلام:

«إنك لا تحتجب عن خلقك إلا أن تحجبهم الأعمال السیئة (الآمال). دونك».٥

«...


  1. بحار الأنوار، ٤ / ٣٠٥، عن التوحید.
  2. بحار الأنوار، ٤ / ٣١٥، عن نهج البلاغه.
  3. التوحيد، ٣٩، باب التوحيد ونفي التشبيه.
  4. بحار الأنوار، ٩٥ / ٤٠٤، مهج الدعوات.
  5. عقاب الأعمال، ٦٨.
٤٩١الوحدة العرفانیّة الضالّة

قال الرجل: فلم احتجب؟! قال أبو الحسن عليه السلام: إن الاحتجاب عن الخلق لكثرة ذنوبهم».١

«اللهم إن قلوب المخبتین إلیك والهه، وسبل الراغبین إلیك شارعة، وأعلام القاصدین إلیك واضحة، وأفئدة العارفین منك فازعة، وأصوات الداعین إلیك صاعدة، وأبواب الإجابة لهم مفتحة، ودعوة من ناجاك مستجابة، وتوبة من أناب إلیك مقبولة، وعبرة من بكى من خوفك مرحومة، والإغاثة لمن استغاث بك موجودة، والإعانة لمن استعان بك مبذولة، وعداتك لعبادك منجزة، وزلل من استقالك مقالة، وأعمال العاملین لدیك محفوظة، وأرزاقك إلى الخلائق من لدنك نازلة، وعوائد المزید إلیهم واصلة، وذنوب المستغفرین مغفورة، وحوائج خلقك عندك مقضیة، وجوائز السائلین عندك موفرة، وعوائد المزید متواترة، وموائد المستطعمین معدّة، ومناهل الظماء مترعة.

اللهم فاستجب دعائي، وأقبل ثنائي، واجمع بیني وبین أولیائي، بحق محمّد وعلي وفاطمة والحسن والحسین، إنك ولي نعمائي».٢

٤) ریاض القرب

ما لك لا تدخل في حدائق قرب الله جلت عظمته، ومساكن الذین قال فیهم أمیر المؤمنین عليه السلام:

«هتكت بینك وبینهم حجب الغفلة فسكنوا في نورك».٣

فإن:

«قربه كرامته، وبعده إهانته».٤


  1. التوحيد، ٢٥٢.
  2. كامل الزيارات، ٣٩؛ مصباح المتهجد، ٧٣٨: بحارالأنوار، ٢ / ٢٦١، زيارة أمين الله.
  3. بحار الأنوار، ٩٤ / ٩٥، عن الكتاب العتيق الغروي.
  4. بحار الأنوار، ٤ / ٣٠١، عن تحف العقول.
معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام٤٩٢

فاذا تجلى لك برأفته فقل:

«یا جاري اللصیق، یا ركني الوثیق، یا إلهي بالتحقیق، یا رب البیت العتیق، یا شفیق یا رفیق، فكني من حلق المضیق، واصـرف عني كل هم وغم وضیق، واكفني شـر ما لا أطیق، وأعني على ما أطیق».١

الإمام أمیر المؤمنین عليه السلام:

«فأسألك باسمك الذي ظهرت به لخاصة أولیائك فوجدوك وعرفوك، فعبدوك بحقیقتك، أن تعرفني نفسك لاقرّ لك بربوبیتك على حقیقة الإیمان بك، ولا تجعلني یا إلهي ممن یعبد الاسم دون المعنى، والحظني بلحظة من لحظاتك تنوّر بها قلبي بمعرفتك خاصة ومعرفة أولیائك، إنك على كل شـيء قدیر».٢

«... نوف البكالي: رأیت أمیر المؤمنین صلوات الله علیه مولیا مبادرا فقلت: أین ترید یا مولاي! فقال: دعني یا نوف، إن آمالي تقدمني في المحبوب، فقلت: یا مولاي، وما آمالك؟

قال: قد علمها المأمول، واستغنیت عن تبیینها لغیره، وكفى بالعبد أدبا أن لا یشـرك في نعمه وأربه غیر ربه. فقلت: یا أمیر المؤمنین، إني خائف على نفسـي من الشـرة، والتطلع إلى طمع من أطماع الدنیا، فقال: وأین أنت عن عصمة الخائفین وكهف العارفین؟ فقلت: دلّني علیه.

قال: إن الله العلي العظیم یصل أملك بحسن تفضله، وتقبل علیه بهمك، وأعرض عن النازلة في قلبك، فإن أحلك بها فأنا الضامن من موردها.


  1. دعاء المشلول، مفاتيح الجنان، عن كتب الكفعمي ومهج الدعوات.
  2. بحار الأنوار، ٩٤ / ٩٥، عن عقاب الأعمال.
٤٩٣الوحدة العرفانیّة الضالّة

وانقطع إلى الله سبحانه فإنه یقول: وعزتي وجلالي لاقطعن أمل كل من یؤمل غیري بالیأس و...»١

الإمام زین العابدین عليه السلام:

«أسألك بسبحات وجهك، وبأنوار قدسك، وأبتهل إلیك بعواطف رحمتك ولطائف برّك، أن تحقق ظني بما أؤمله من جزیل إكرامك وجمیل إنعامك في القربیمنك والزلفى لدیك، والتمتع بالنظر إلیك».٢

«إلهي فاجعلنا ممن اصطفیته لقربك وولایتك، واخلصته لودك ومحبتك، وشوقته إلى لقائك، ورضیته بقضائك، ومنحته بالنظر إلى وجهك... وامنن بالنظر إلیك عليّ».٣

«إلهي فاجعلنا من الذین توشحت (ترسخت). أشجار الشوق إلیك في حدائق صدورهم، وأخذت لوعة محبتك بمجامع قلوبهم، فهم إلى أوكار الأفكار یأوون، وفي ریاض القرب والمكاشفة یرتعون... قد كشف الغطاء عن أبصارهم... وانشـرحت بتحقیق المعرفة صدورهم... وقرّت بالنظر إلى محبوبهم أعینهم».٤

«... أما الحیاة الباقیة فهي أن یعمل لنفسه حتى تهون علیه الدنیا وتصغر في عینه، وتعظم الآخرة عنده... فإذا فعل ذلك اسكنتُ قلبه حبّا حتى أجعل قلبه لي، وفراغه واشتغاله وهمه وحدیثه من النعمة التي أنعمت بها على أهل محبتي من خلقي،


  1. الصحيفة العلوية.
  2. بحار الأنوار، ٩٤ / ١٤٥، عن العدد القویه.
  3. بحار الأنوار، ٩٤ / ١٤٩، عن العدد القویه.
  4. بحار الأنوار، ٩٤ / ١٥٠ ـ ١٥١، عن العدد القویه.
معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام٤٩٤

وافتح عین قلبه وسمعه حتى یسمع بقلبه، وینظر بقلبه إلى جلالي وعظمتي».١

ویقول الله تبارك وتعالى:

«وعزتي وجلالي ومجدي وارتفاعي على عرشـي لأقطعن أمل كل مؤمل من الناس أمل غیري بالیأس، ولأكسونه ثوب المذلة عند الناس، ولأنحیّنه من قربي، ولأبعدنه من وصلي، أیؤمل غیري في الشدائد والشدائد بیدي؟ ویرجو غیري ویقرع بالفكر باب غیري وبیدي مفاتیح الأبواب وهي مغلقة وبابي مفتوح لمن دعاني؟

فمن ذا الذي أملني لنوائبه فقطعته دونها، ومن ذا الذي رجاني لعظیمة فقطعت رجاه مني؟ جعلت آمال عبادي عندي محفوظة فلم یرضوا بحفظي، وملأت سماواتي ممن لا یمل تسبیحي وأمرتهم أن لا یغلقوا الأبواب بیني وبین عبادي فلم یثقوا بقولي، ألم یعلم من طرقته نائبة من نوائبي أنه لا یملك كشفها أحد غیري إلا بعد إذني، فما لي أراه لاهیا عني؟

أعطیته بجودي ما لم یسألني ثم أنزعته عنه فلم یسألني رده وسأل غیري... أفیراني أبدء بالعطایا قبل المسألة، ثم أسأل فلا أجیب سائلي؟ أبخیل أنا فیبخلني عبدي؟ أولیس الجود والكرم لي؟ أولیس العفو والرحمة بیدي؟ أولیس أنا محل الامال فمن یقطعها دوني؟

أفلا یخشـی المؤملون أن یؤملوا غیري؟

فلو أن أهل سماواتي وأهل أرضـيأملوا جمیعا ثم أعطیت كل واحد منهم مثل ما أمل الجمیع ما انتقص من ملكي مثل عضو ذرة، وكیف ینقص ملك أنا قی


  1. بحار الأنوار، ٧٧ / ٧٨، عَنْ كِتَابِ إِرْشَادِ الْقُلُوبِ لِلدَّيْلَمِي.
٤٩٥الوحدة العرفانیّة الضالّة

مه، فیا بؤسا للقانطین من رحمتي، ویا بؤسا لمن عصاني ولم یراقبني».١

٥) الخالق العاجز؟!

ونعود إلى بحثنا في جواب من استغرب إمكان استزادة معرفة الله تعالى وحبّه على فرض كون التوحید هو الإثبات والإقرار فقط. فنقول: ألیس من العجب أن یكون الاعتقاد بمعبود یخالف كل امتداد وعدد ویباین كل متصور ومتوهم، ویتعالى عن كل شـيء:

*«الشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمین».٢

یدعو عبده الضعیف في كل آن إلى الانغمار في بحار عفوه ورحمته ونعمته وجوده وحنانه:

الإمام السجاد عليه السلام:

«... الحمد لله الذی... انتظر مراجعتنا برأفته حلما».٣

غیر قابل للزیادة!! ویكون الاعتقاد بموجود كبیر عظیم لا یعرف رأسه من ذنبه، لا قدرة له ولا اختیار، بل یكون مسخر قانون العلیة والمعلولیة، إن أراد التخلف عنها بشـيء لا ترضى له بذلك عباده العرفاء الشامخون!! خوفا من لزوم الصدفة والاتفاق والمحال!!

الإمام الصادق عليه السلام:

«سبحان الله وتعالى ما أعجز إلها یوصف بالقدرة لا یستطیع التفصـي عن الطینة».٤

یكون أعلى مراتب العرفان والتوحید!!


  1. بحار الأنوار ٧١ / ١٣١، عن الكافي ٢ / ٦٦.
  2. الأعراف (٧): ٥٥.
  3. الصحيفة السجادية، الدعاء الأول.
  4. بحار الأنوار، ١٠ / ١٧٧، عن الاحتجاج.
معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام٤٩٦

ألا تتعجب من خدعة اللعین لأبناء البشـر حیث لا یرضى لهم بمعرفة رب قادر علیم حكیم مختار مرید یفعل ما یشاء ویحكم ما یرید، ویتعالى عن كل ما یتوهم، فیذهب بهم إلى أن یأخذوا لأنفسهم ربا لا یجوز له الخروج والتخلف عما ألزموه به من: "قانون العلیة الجبریة" و"لزوم السنخیة" و"قاعدة الواحد" و... حیث یقولون:

«یا روحانیتي المتصله بالروح الأعلى! تضـرعي إلى العلة التي أنت معلولة من جهتها لتتضـرع عني إلى العقل الفعال في صحة مزاجي ما دمت في عالم التركیب ودار التركیب».١

ولعله لا بد لهذا المعبود الموهوم حینئذ من أن یجیبه بلسان حاله، فینادیه:

لبیك! لبیك! یا من صدر عني باقتضاء ذاتي! وتجلي أسمائي وصفاتي! إن جاز لي ـ معذرة عنك! ـ التخلف عن قانون العلیة، ولم یمنعني عن إجابتك لزوم التخصیص في الحكم العقلي! فعلى عیني، ولكني معذور من إجابتك وإغاثتك لأني بنفسـي أنا الواجب المسجون في سجن قانون العلیة والمعلولیة الذاتیه!!

كما أنه لا بد للوجود الصـرف اللا متناهي أن یجیبه فیقول:

إني أنا المحتاج بنفسـي أیضا إلى صحة المزاج في أسـر دار التركیب وعالم التركیب، وأما أنت فما أشـركك وما أجرئك عليّ! حیث تعتبر نفسك غیري، وتثبت لنفسك وجودا في قبالي، لأقسم بصـرافتي، إن لم یكن كونك كوني ووجودك وجودي، لعذبتك بعذاب لم یخطر على بالك أبدا!؟

فنقول:

«سبحان الله وتعالي، ما أعجز إلها یوصف بالقدرة لا یستطیع التفصـي من الطینة».٢

وكان في عهد مولانا أمیر المؤمنین عليه السلام أحد هؤلاء الذین یزعمون أن كل ما فرضوا ذات الله أكبر یكونون


  1. الخيراتية، ٢ / ٢٦١، نقلاً عن أفلاطون.
  2. بحار الأنوار، ٣ / ٢٠٩، عن الاحتجاج.
٤٩٧الوحدة العرفانیّة الضالّة

به تعالی أعرف!! فقال له عليه السلام:

«یا أمیر المؤمنین عليه السلام صف لنا ربك تبارك وتعالیـ لنزداد له حبا وبه معرفة!!»

فغضب أمیر المؤمنین عليه السلام من كلامه واعتقاده بأنه كیف زعم أن كلما فرض لخالقه زبانیة أوقرنا أكبر وأطول فیكون أعرف:

«وهكذا حال العقلاء في ما یصفون الله تعالى به».١

«ثم قام عليه السلام متغیر اللّون فقال:..»٢

نعم:

الإمام الصادق عليه السلام:

«... ما أقبح بالرجل یأتي علیه سبعون سنة، أو ثمانون سنة، یعیش في ملك الله ، ویأكل من نعمه، ثم لا یعرف الله حق معرفته!»٣

قد جاء في "تفسیر المیزان" في ردّ من اعتقد أن یكون لله تعالى إسم یدعى به فیستجاب:

«والبحث الحقیقي عن العلة والمعلول وخواصّها یدفع ذلك كله فإن التأثیر الحقیقي یدور مدار وجود الأشیاء في قوته وضعفه، والمسانخة بین المؤثر والمتأثر...

والأسماء الإلهیة وإسمه الأعظم خاصة وإن كانت مؤثرة في الكون وسائط وأسبابا لنزول الفیض من الذات المتعالیة في هذا العالم المشهود لكنها تؤثر بحقائقها».٤

«من المبرهن علیه أنه فاعل تام لمجموع ما سواه... فهو مبدء لما سواه، منبع لكل خیر ورحمة بذاته، واقتضاء المبدء لما هو مبدء له ضـروري».٥

فنقول: أنه لا وجه لتوهم انتساب إجابة الدعوات إلى نفس الالفاظ من أسماء الله تعالى، وأوهن من ذلك توهم كون الأسماء والصفات ذات مصادیق مؤثرة في أسـر قانون العلیة والمعلولیة الجبریة، بل الحق هو أن المجیب هو الله الخالق البارئ القادر الفعال لما یشاء مسبب


  1. بحار الأنوار، ٦٩ / ٢٩٣.
  2. بحار الأنوار، ٤ / ٢٧٤، عن التوحید.
  3. بحار الأنوار، ٤ / ٥٤، عن کفایه الأثر.
  4. الطباطبايي، محمد حسين: تفسير الميزان، ٨ / ٣٥٤ و٣٥٥.
  5. الطباطبايي، محمد حسين: تفسير الميزان، ٨ / ٤٦.
معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام٤٩٨

الأسباب والقادر على الإجابة من غیر سبب ولا أسباب، وإن كان من حكمته وكمال قدرته أن لا یجري الأمور إلا بالأسباب.

٦)أدنى مرتبة المعرفة هو أعلاها

قد مر مرارا أن أعلى مراتب معرفة الله تعالى وأدناها لیس إلا واحدا وهو العلم بأنه تعالى موجود فقط وأنه شـيء بخلاف الأشیاء:

الإمام أمیر المؤمنین عليه السلام:

«وكمال معرفته التصدیق به، وكمال التصدیق به توحیده».١

«ولم تجعل طریقا إلى معرفتك إلا بالعجز عن معرفتك».٢

«كتبت إلى الطیب ـ یعني أبا الحسن موسى عليه السلام ـ ما الذي لا تجزي معرفة الخالق بدونه فكتب: لیس كمثله شـيء ولم یزل سمیعا وعلیما وبصیرا وهو الفعال لما یرید».٣

الإمام الرضا عليه السلام:

«... وبالإقرار یكمل الإیمان به».٤

«... [عن أبي الحسن] عليه السلام: قال: سئلته عن أدنى المعرفة، فقال: الإقرار بأنه لا إله غیره، ولا شبه له ولا نظیر، وأنه قدیم مثبت موجود غیر فقید، وأنه لیس كمثله شـيء».٥

٧)التفكر في


  1. بحار الأنوار، ٤ / ٢٤٧، عن نهج البلاغة.
  2. بحار الأنوار، ٩٤ / ١٥٠، عن العدد القویة.
  3. التوحيد، ٢٨٤.
  4. بحار الأنوار، ٤ / ٢٣٠، عن التوحید.
  5. التوحيد، ٢٨٣.
٤٩٩الوحدة العرفانیّة الضالّة

ذات الله

فلا مجال للتفكر إلا في فعله تعالى، فإنه لا یزید التفكر في ذاته إلا تیها وجهالة وضلالة:

الإمام أبو جعفر عليه السلام:

«تكلموا في خلق الله ولا تكلموا في الله ، فإن الكلام في الله لا یزید إلا تحیرا».١

«تكلموا في كل شـيء ولا تكلموا في الله ».٢

«إیاكم والتفكر في الله ، فإن التفكر في الله لا یزید إلا تیها، لأن الله عزّ وجلّ لا تدركه الأبصار ولا یوصف بمقدار».٣

«إیاكم والتفكر في الله ، ولكن إذا أردتم أن تنظروا إلى عظمة الله فانظروا إلى عظم خلقه».٤

الإمام الصادق عليه السلام في قول الله عز وجل: «وأن إلى ربك المنتهى»:

«إذا انتهى الكلام إلى الله عزّ وجلّ فأمسكوا».٥

«خرج رسول الله صلی الله علیه و آله على أصحابه فقال: ما جمعكم؟ قالوا: اجتمعنا نذكر ربنا ونتفكر في عظمته، فقال: لن تدركوا التفكر في عظمته».٦

«...سألت أبا جعفر عليه السلام من شـيء من التوحید، فرفع یدیه إلى السماء وقال: تعالى الجبار، إن من تعاطى


  1. التوحيد، ٤٥٤.
  2. التوحيد، ٤٥٥.
  3. التوحيد، ٤٥٧.
  4. التوحيد، ٤٥٨.
  5. التوحيد، ٤٥٦.
  6. التوحيد، ٤٥٥.
معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام٥٠٠

ما ثَّمَ لك».١

«... دخل علیه قوم من هؤلاء الذین یتكلمون في الربوبیة، فقال: اتقوا الله ، وعظموا الله ، ولا تقولوا ما لا نقول، فإنكم إن قلتم وقلنا، ومتّم ومتنا، ثم بعثكم الله وبعثنا، فكنتم حیث شاء الله وكنا».٢

«... إن الناس لا یزال بهم المنطق حتى یتكلموا في الله ، فاذا سمعتم ذلك فقولوا: لا إله إلا الله الواحد الذي لیس كمثله شـيء».٣

«جاء أعرابي إلى النبي صلی الله علیه و آله فقال: یا رسول الله علمني من غرائب العلم، قال: ما صنعت في رأس العلم حتى تسأل من غرائبه؟!

قال الرجل: ما رأس العلم یا رسول الله ؟ قال: معرفة الله حق معرفته، قال الاعرابی: وما معرفة الله حق معرفته؟ قال: تعرفه بلا مثل، ولا شبه، ولا ند، وأنه واحد، أحد، ظاهر، باطن، أول، آخر، لا كفو له، ولا نظیر، فذلك حق معرفته».٤

فلا مجال للتعمق في معرفة ذاته تعالی، فإن المتعمقون والرامون وراء تعالیم الوحي هم الهالكون:

الإمام علي بن الحسین عليه السلام:

«إن الله عزّ وجلّ علم أنه یكون في آخر الزمان أقوام متعمقون فأنزل الله عزّ وجلّ «قل هو الله أحد، الله الصمد» والآیات من سورة الحدید إلى قوله: «وهو علیم بذات الصدور»، فمن رام وراء هنالك هلك».٥

الإمام أبو عبدالله عليه السلام:

«


  1. التوحيد، ٤٥٦.
  2. التوحيد، ٤٥٧.
  3. التوحيد، ٢٥٦.
  4. التوحيد، ٢٨٤ / ٢٨٥.
  5. التوحيد، ٢٨٣ / ٢٨٤.
٥٠١الوحدة العرفانیّة الضالّة

إنه كان في من كان قبلكم قوم تركوا علم ما وكلوا بعلمه وطلبوا علم ما لم یوكلوا بعلمه، فلم یبرحوا حتى سألوا عما فوق السماء فتاهت قلوبهم، فكان أحدهم یدعى من بین یدیه فیجیب من خلفه، ویدعى من خلفه فیجیب من بین یدیه».١

«إن ملكا عظیم الشأن كان في مجلس له فتكلم في الرب تبارك وتعالى ففقد فما یدري أین هو».٢

ومن هنا تعرف المراد من أصحاب الكلام الهالكین الضالین حیث یقول مولانا الإمام أبو عبد الله عليه السلام:

«إیاك وأصحاب الخصومات والكذابین علینا، فإنهم تركوا ما أمروا بعلمه وتكلفوا علم السماء».٣

«یهلك أصحاب الكلام وینجو المسلّمون، إن المسلّمین هم النجباء».٤

«متكلموا هذه العصابة من شـر من هم منه من كل صنف».٥

فإنك تعلم بالمراجعة إلى معتقدات أصحاب الفلسفة أن المراد من المتكلمین هم المتسمین به في ذلك الزمان وهم أصحاب الفلسفة بعینهم في زماننا هذا، وأنت تراهم وعقائدهم من قولهم بقدم العالم، وأزلیة الإرادة، وصدور العالم من ذات الخالق، والجبر العلي والمعلولي، وإدعاء استغنائهم عن تعالیم أهل الوحي والتنزیل بما ینالون إلیه بأوهامهم وأفكارهم وإدراكاتهم:

«عن یونس بن یعقوب عن أبي عبد الله عليه السلام:... قال: قلت: إني سمعتك


  1. التوحيد، ٤٥١ / ٤٥٧.
  2. التوحيد، ٤٥٨.
  3. التوحيد، ٤٥٩.
  4. التوحيد، ٢٥٨.
  5. التوحيد، ٤٦٠.
معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام٥٠٢

تنهى عن الكلام وتقول: ویل لأهل الكلام یقولون: هذا ینقاد وهذا لا ینقاد، وهذا ینساق وهذا لا ینساق، وهذا نعقله وهذا لا نعقله؛ فقال أبو عبد الله عليه السلام: قلت ویل لهم إن تركوا ما أقول وذهبوا إلى ما یریدون».١

٨)المراد من المعرفة القلبیة

فلیس للمخلوق النظر إلى ذات الخالق مطلقا، لأن النظر لا یمكن أن یقع إلا إلى العددي المخلوق، فلا یمكنه إلا أن ینظر إلى فعل الله تعالى وأثره ویتفكر فیه. فإن ذلك مضافا إلى أنه یدله على وجود الله تعالى من حیث أنه خالق وفاعل وصانع، یزیده خشوعا ومحبة ویقینا وتوكلا وشوقا إلى لقائه، وذلك أنه تعالى لا یفعل بغیره إلا ما ینتج ذلك، وهذه هي المعرفة والإیمان القابل للزیادة والكمال.

فلا یمكن أن یكون المراد من المعرفة القلبیة أیضا معرفة في عرض دلالة الآثار والأفعال على وجود الخالق المتعالي بالذات عن كل تصور وتوهم وإدراك ومعرفة بنفسه، فتقسیم بعض أهل البحث للمعرفة إلى أقسام ومراتب مختلفة من: "المعرفة بالآثار" وبـِ "الحقیقة" وبـِ "الذات" وأمثال ذلك لیس بشـيء:

الإمام الحسین عليه السلام:

«احتجب عن القلوب كما احتجب عن الأبصار، وعمن في السماء احتجابه عمن في الأرض».٢

«محرم على القلوب إن تحتمله».٣

ولا فرق في استحالة تعلق المعرفة بذات الخالق تعالی بین أن تكون تلك المعرفة


  1. إثبات الهداة، ١ / ٦٥، عن التوحيد.
  2. بحار الأنوار، ٤ / ٣٠١، عن التوحید.
  3. بحار الأنوار، ٤ / ١٥٤، عن الاحتجاج.
٥٠٣الوحدة العرفانیّة الضالّة

بالقلب، أو بالبصـر، أو بالعقل، أو بالوهم؛ وأن تكون في الدنیا، أو في الآخرة، أو في الذر؛ وأن یدعى كون ذلك في الیقظة، أو في النوم:

«... قلت للصادق جعفر بن محمّد علیهما السلام: إن رجلا رأى ربه عز وجل في منامه! فما یكون ذلك!؟ فقال: ذاك رجل لا دین له، إن الله تبارك وتعالى لا یرى في الیقظة ولا في المنام ولا في الدنیا ولا في الآخرة».١

«... سألت أبا عبد الله جعفر بن محمّد علیهما السلام عن الله تبارك وتعالى هل یرى في المعاد؟! فقال: سبحان الله وتعالى عن ذلك علوا كبیرا! یابن الفضل إن الأبصار لا تدرك إلا ماله لون وكیفیة، والله خالق الألوان والكیفیة».٢

وقد قال الشیخ محمد جواد الخراساني في كتابه هدایة الأمة، ردا علی التفكیكین وأمثالهم من الصوفیه:

«إنه تخیل (بعض المعاصـرین) أن... لا مانع من أن یعرف الله تعالی أولیائه الخاصة... ذاته المقدسة بالذات المقدسة... وزعم أن هذا من معرفة الذات بالذات وأنه شـيء استفاده من الروایات ـ أعاذنا الله من أمثال هذه التوهمات ـ

بل المدعي من مذهب أهل البیت ^ أن كشف الذات وإدراكه من حیث هو ذاته تعالی ممتنع بالذات، سمي كشفا صوفیا أم لم یسم، قیل معه بالفناء أم لم یقل، قیل بوحدة الوجود أم لم یقل، قیل بأنه هو الوجود أم لم یقل، قیل بأهلیة الكاشف أم لم یقل».٣

٨)تحنن الخالق وتجّري المخلوق

ثم نقول جوابا عن سؤالك من حكم استزادة معرفة الله وحبه أیضا وقد سألناك:


  1. بحار الأنوار، ٤ / ٣٢ عن أمالى الصدوق.
  2. بحار الأنوار، ٤ / ٣١، عن أمالي الصدوق.
  3. الخراساني، محمد جواد، هداية الأمة إلی معارف الأئمة، ٢٧٨.
معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام٥٠٤

أنه هل العظمة والشموخ لا یكون إلا بالتجسد والسعة الوجودیة؟! فلا تعظم العلماء والصلحاء والرحماء والأسخیاء وأهل الجود والكرم والإیثار إلا لكبر أعضائهم وعظم أجسادهم؟! حتى یلزم أن یكون خالقهم العظیم كل كلهم، وبصـرافته یحویهم بأجمعهم؟!!

أو تكبرهم وتعظمهم وتجللهم لكبر شأنهم وعلو فضائلهم النفسیة المعلومة منهم بآثار علمهم وقدرتهم وفضلهم وعفوهم وجودهم و...؟!

وحینئذ فارجع إلى نفسك وما فعل بك ربك، وما بارزته به وتجرأت به علیه:

قال الله تعالى:

«ما لكم لا ترجون لله وقارا، وقد خلقكم أطوارا».

الإمام الحسین عليه السلام:

«یا مولاي أنت الذي مننت، أنت الذي أنعمت، أنت الذي أحسنت، أنت الذي أجملت، أنت الذي أفضلت، أنت الذي أكملت، أنت الذي رزقت، أنت الذي وفقت، أنت الذي أعطیت، أنت الذي أغنیت، أنت الذي أقنیت، أنت الذي آویت، أنت الذي كفیت، أنت الذي هدیت، أنت الذي عصمت، أنت الذي سترت، أنت الذي غفرت، أنت الذي أقلت، أنت الذي مكّنت، أنت الذي أعززت، أنت الذي أعنت، أنت الذي عضدت، أنت الذي أیدت، أنت الذي نصـرت، أنت الذي شفیت، أنت الذي عافیت، أنت الذي أكرمت، تباركت وتعالیت. فلك الحمد دائما، ولك الشكر واصبا أبدا.

ثم أنا یا إلهي المعترف بذنوبي فاغفرها لي؛ أنا الذي أسأت، أنا الذي أخطات، أنا الذي هممت، أنا الذي جهلت، أنا الذي غفلت، أنا الذي سهوت، أنا

٥٠٥الوحدة العرفانیّة الضالّة

الذي اعتمدت، أنا الذي تعمدت، أنا الذي وعدت، أنا الذي أخلفت، أنا الذي نكثت، أنا الذي أقررت، أنا اعترفت بنعمتك علي وعندي...»١

الإمام السجاد عليه السلام:

«سیدي أنا الصغیر الذي ربیته، وأنا الجاهل الذي علمته، وأنا الضال الذي هدیته، وأنا الوضیع الذي رفعته، وأنا الخائف الذي آمنته، والجایع الذي أشبعته، والعطشان الذي أرویته، والعاري الذي كسوته، والفقیر الذي أغنیته، والضعیف الذي قویته، والذلیل الذي أعززته، والسقیم الذي شفیته، والسائل الذي أعطیته، والمذنب الذي سترته، والخاطئ الذي أقلته، وأنا القلیل الذي كثّرته، والمستضعف الذي نصـرته، أنا الطرید الذي آویته.

أنا یا رب الذي لم أستحیك في الخلا، ولم أراقبك الملا، أنا صاحب الدواهي العظمى، أنا الذي على سیده اجترى، أنا الذي عصیت جبار السماء، أنا الذي أعطیت على معاصـي الجلیل الرّشا».٢

الإمام السجاد عليه السلام:

«كیف أدعوك وأنا العاصي، وكیف لا أدعوك وأنت الكریم، وكیف أفرح وأنا العاصي، وكیف أحزن وأنت الكریم، وكیف أدعوك وأنا أنا، وكیف لا أدعوك وأنت أنت».٣

٩)الدعاء

إن لم یكن قلبك مشغوفا بحب الضلالة والعمى، فما لك لا ترید زیادة معرفة ربّك ومحبته إلا من باب لا ینفتح ثبوتا ولا یكون إلا جهلا وظلما، ولا تریدهما من باب فتحه مولاك لأي أحد وبأي مكان وزمان؟! فإن باب المناجاة والعبودیة الحرة والاستزادة منها ـ وهي التي تری


  1. المحدث القمي: مفاتيح الجنان، دعاء عرفة.
  2. المحدث القمي: مفاتيح الجنان، دعاء أبي حمزة ثمالي.
  3. بحار الأنوار، ٩٤ / ١٣٩، عن العدد القویة.
معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام٥٠٦

ك ربك في عزة وعظمة وجلال وأبهة ورحمة ورأفة وتحنن وجود وكرم ومغفرة وشفقة وقرب وكرامة لیس لها حد ولا نهایة ـ مفتوحة لك وللخلائق أجمعین. یقول الخالق جل وعلا:

*«قل ما یعبؤ بكم ربي لو لا دعاؤكم».١

والرسول الأعظمصلی الله علیه و آله:

«الدعاء مخ العبادة».٢

الإمام أمیر المؤمنین عليه السلام:

«أعلم الناس بالله أكثرهم له مسألة».٣

الإمام الصادق عليه السلام:

«ما عظم الله عز وجلّ بمثل البداء».٤

١٠)التوكل والتسلیم والخشوع والحیاء و...

فمعرفة الخالق تبارك وتعالى تزید وتزید ولكن لا من حیث ما توهمه أولیاء المعرفة البشـریة وزعماء الأفكار الفلسفیة والعرفانیة، بل من حیث ازدیاد التوكل علیه، والتسلیم له، والتفویض إلیه، والیقین به، والخشوع والخضوع عنده، والاستحیاء منه، والتذلل لدیه، وتحصیل رضاه، والتنعم والتلذذ والتعزز بعبودیتنا له، وربوبیته لنا:

الإمام أمیر المؤمنین عليه السلام:

«إلهي كفى بي عزا أن أكون لك عبدا، وكفى بي فخرا أن تكون لي ربا، أنت كما أحب فاجعلني كما تحب».٥


  1. الفرقان (٢٥): ٧٧.
  2. بحار الأنوار، ٩٣ / ٣٠٠، وعدة الداعي.
  3. غرر الحكم.
  4. بحار الأنوار، ٤ / ١٠٧، عن التوحید.
  5. الصحيفة العلوية.
٥٠٧الوحدة العرفانیّة الضالّة

والعجب من هذا المستزید من معرفة الله تعالى القائل هل من مزید وهو یزعم أنه متصف بهذه الخلق الثمینة البهیة التي أشـرنا إلیها وهو یعتقد بأن الخالق هو الذات اللا متناهیة الصادر عنها الأشیاء باقتضاء ذاتها، أو هو المتجلیة بصور الكائنات المتغیرة المتبدلة، الأسیرة في قید قانون العلیة والمعلولیة؟!

فاعرف حكم استزادة معرفة الله تعالى وحبه عما نتلوه علیك وهو:

رسول الله صلی الله علیه و آله:

«من عرف الله وعظمه منع فاه عن الكلام، وبطنه من الطعام، وعنى نفسه بالصیام والقیام».١

الإمام أمیر المؤمنین عليه السلام:

«من سكّن قلبه العلم بالله سبحانه سكنه الغنى عن الخلق».٢

«یسیر المعرفة یوجب الزهد في الدنیا».٣

«لا ینبغي لمن عرف عظمة الله أن یتعظم، فإن رفعة الذین یعلمون ما عظمته أن یتواضعوا له».٤

«ینبغي لمن عرف الله سبحانه أن لا یخلو قلبه من رجائه وخوفه طرفة عین».٥

«ینبغي لمن عرف الله أن یتوكل علیه».٦

«


  1. الكافي، ٢ / ٢٣٧.
  2. غرر الحكم.
  3. غرر الحكم.
  4. نهج البلاغه، خطبه ١٤٧.
  5. غرر الحكم.
  6. غرر الحكم.
معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام٥٠٨

عجبت لمن عرف الله كیف لا یشتد خوفه».١

«غایة المعرفة الخشیة».٢

«غایة العلم الخوف من الله ».٣

«أكثر الناس معرفة بنفسه أخوفهم لربه».٤

«من كان بالله أعرف كان من الله أخوف».٥

الإمام السجاد عليه السلام:

«اللهم إن قلوب المخبتین إلیك والهة، وسبل الراغبین إلیك شارعة، وأعلام القاصدین إلیك واضحة، وأفئدة العارفین منك فازعة، وأصوات الداعین إلیك صاعدة، وأبواب الإجابة لهم مفتحة، ودعوة من ناجاك مستجابة، وتوبة من أناب إلیك مقبولة، وعبرة من بكى من خوفك مرحومة، والإغاثة لمن استغاث بك موجودة، والإعانة لمن استعان بك مبذولة، وعداتك لعبادك منجزة، وزلل من استقالك مقالة، وأعمال العاملین لدیك محفوظة، وأرزاقك إلى الخلائق من لدنك نازلة، وعوائد المزید إلیهم واصلة، وذنوب المستغفرین مغفورة، وحوائج خلقك عندك مقضیة، وجوائز السائلین عندك موفرة، وعوائد المزید متواترة، وموائد المستطعمین معدّة، ومناهل الظماء مترعة».٦

الإمام الباقر عليه السلام:

«


  1. غرر الحكم.
  2. غرر الحكم.
  3. غرر الحكم.
  4. غرر الحكم.
  5. بحار الأنوار، ٧٠ / ٣٩٣، عن روضة الواعظین.
  6. زيارة أمين الله، المحدث القمي: مفاتيح الجنان، عن كامل الزيارات وغيره.
٥٠٩الوحدة العرفانیّة الضالّة

أحق خلق الله أن یسلّم لما قضى الله عزّ وجلّ من عرف الله عزّ وجلّ».١

الإمام الصادق عليه السلام:

«من عرف الله خاف الله ، ومن خاف الله سخت نفسه عن الدنیا».٢

الإمام الرضا عليه السلام:

«لو یعلم الناس ما في فضل معرفة الله عزّ وجلّ ما مدّوا أعینهم إلى ما منح الله به الأعداء من زهرة الحیوة الدنیا ونعیمها، وكانت دنیاهم أقل عندهم مما یطؤونه بأرجلهم، ولنعموا بمعرفة الله جل وعز، وتلذذوا بها تلذذ من لم یزل في روضات الجنان مع أولیاء الله . إن معرفة الله عزّ وجلّ أنس من كل وحشة، وصاحب من كل وحدة، ونور من كل ظلمة، وقوة من كل ضعف، وشفاء من كل سقم».٣

فإنه:

*«ولو یؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة».٤

«أعرف الناس بالله ، أعذرهم للناس وإن لم یجد لهم عذرا».٥

«العارف وجهه مستبشـر متبسم، وقلبه وجل محزون».٦

«كل عارف العزوف».٧

«كل عاقل مغموم، كل عارف مهموم».٨

ومع هذا ـ فبالله علیك ـ هل لك أن تسمي سلوكا غایته أن یعري العارف عن قید العبودیة والشـریعة، ویرى السالكشخصه عین


  1. الكافي، ٢ / ٦٢.
  2. تنبيه الخواطر، ٤١٧.
  3. روضة الكافي، ٣٤٦؛ فروع الكافي، ٨ / ٢٤٨.
  4. فاطر، ٤٥.
  5. غرر الحكم.
  6. غرر الحكم.
  7. غرر الحكم.
  8. غرر الحكم.
معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام٥١٠

وجود الخالق، معرفة الله !؟ بل أعلى مراتب التوحید والعرفان؟! والأعجب هو أن بعض من یعتقد بوحدة وجود الخالق والمخلوق یلتزم بآداب الشـریعة ویتعب نفسه بإتیان التكالیف الدینیة ویأمر بها غیره، مع وضوح أن التعري عن قید العبودیة والشـریعة هو ولید الاعتقاد بوحدة الوجود بالصـراحة.

قال الصادق عليه السلام:

«وقالوا: إن كل من صار في أعلى درجة من دینهم خرج من منزلة الامتحان والتصفیة فهو ملك، فطورا تخالهم نصاریفي أشیاء وطورا دهریة، یقولون إن الأشیاء على غیر الحقیقة».١

الإمام سید الشهداء عليه السلام:

«... فإذا عرفوه عبدوه، وإذا عبدوه استغنوا بعبادته عن عبادة ما سواه».٢

الإمام علي بن الحسین علیهما السلام:

«سبحانك أخشى خلقك منك أعلمهم بك».٣

«وما العلم بالله والعمل إلا إلفان مؤتلفان، فمن عرف الله خافه، وحثه الخوف على العمل بطاعة الله ، وإن أرباب العلم وأتباعهم الذین عرفوا الله فعملوا له، ورغبوا إلیه، وقد قال الله : «إنما یخشى الله من عباده العلماء»، فلا تلتمسوا شیئا مما في هذه الدنیا بمعصیة الله ، واشتغلوا في هذه الدنیا بطاعة الله ، واغتنموا إیامها، واسعوا لما فیه نجاتكم غدا من عذاب الله ».٤

١١) الضیافة الإلهی


  1. الاحتجاج، ٢ / ٨٩.
  2. بحار الأنوار، ٧ / ١٨، ٢٣، ٨٣، عن علل الشرایع.
  3. الصحيفة السجادية، دعاء ٥٢.
  4. الروضة من الكافي، ١، ٢٥.
٥١١الوحدة العرفانیّة الضالّة

ة

إن الخالق جل جلاله ما أكرم أعز عبیده وأحبهم إلیه في أجلّ ضیافة عنده بشـيء غیر إرائة آیاته:١

«... وسأله من قول الله : «سبحان الذي أسـرى بعبده لیلا عن المسجد الحرام». فقال أبو الحسن: قد أخبر الله تعالى أنه أسـرى به، ثم أخبر لِمَ أسـرىَ به فقال: «لنریه من آیاتنا» فآیات الله غیر الله ».٢

وقال الله تبارك وتعالى:

«فقد رأى من آیات ربه الكبرى».٣

ویقول الرسول الأعظمصلی الله علیه و آله:

«لما أسـرى بي إلى السماء بلغ بي جبرئیل مكانا لم یطأه جبرئیل قط، فكشف لي فأراني الله عز وجل من نور عظمته ما أحب».٤

«... سألت زین العابدین علي بن الحسین بن علي بن أبي طالب ^ عن الله جل جلاله: "هل یوصف بمكان؟!" فقال: تعالى عن ذلك. قلت: فلم أسـرى نبیه محمّدا صلی الله علیه و آله إلى السماء؟! قال: لیریه ملكوت السموات وما فیها من عجائب صنعه وبدائع خلقه، قلت: فقول الله عزّ وجلّ «ثم دنى فتدلى فكان قاب قوسین أو أدنى»؟ قال: ذاك رسول الله صلی الله علیه و آله دنا من حجب النور فرأى ملكوت السموات، ثم تدلى فنظر من تحته إلى ملكوت الأرض حتى ظن أنه القرب كقاب قوسین أو أدنى».٥

ولا تغفل


  1. لنريه، من آياتنا، ... الإسـراء (١٧): ٢.
  2. بحار الأنوار، ١٠ / ٣٤٥، ٣٤٦، عن الاحتجاج.
  3. النجم (٥٣): ١٨.
  4. بحار الأنوار، ٤ / ٣٨، ٣٩، عن التوحید.
  5. نور الثقلين، ١ / ٧٣٥، عن علل الشـرائع.
معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام٥١٢

عن قول سید الشهداء عليه السلام وهو یقول:

«قربه كرامته وبعده إهانته».١

١٢) المحبوب الحقیقي

فلیس لك إلا أن تجد ربك في ألطافه وإكرامه وإنعامه وكلامه وحنانه ورحمته الواسعه الشاملة لك بكلك، فإنه تجلى لك فیها:

«... قال: لم احتجب عنهم؟... قال:... ویلك، وكیف احتجب عنك من أراك قدرته في نفسك، نشؤك ولم تكن، وكبرك بعد صغرك، وقوتك بعد ضعفك... وما زال یعدّ علی قدرته التي في نفسـي التي لا أدفعها، حتى ظننت أنه سیظهر في ما بیني وبینه!»٢

القرآن الكریم:

«ونحن أقرب إلیه من حبل الورید».٣

الإمام الصادق عليه السلام:

«والله هو العلي حیث ما یبتغى یوجد».٤

«... عن الله تعالى: عجبا لمن ضل عني ولیس یخلو في شـيء من الأوقات مني، كیف یخلو وأنا أقرب إلیه من كل قریب، وأدنى إلیه من حبل الورید».٥

وعودا


  1. بحار الأنوار، ٤ / ٣٠١، عن تحف العقول.
  2. بحار الأنوار، ٣ / ٤٣، عن التوحید.
  3. ق (٥٠): ١٦.
  4. بحار الأنوار، ٣ / ٢٩٨، عن التوحید.
  5. بحار الأنوار، ٩٥ / ٤٥٤، عن صحيفة إدريس النبي(ع ).
٥١٣الوحدة العرفانیّة الضالّة

على بدء نجیبك عن سؤالك عن حكم استزادة معرفة الله تعالى ومحبته ونقول: هل الحب لیس إلا للعلم المشوب بالجهل؟! والقدرة المشوبة بالعجز؟! والجمال الجسمي الفاني؟!

وإذا كانت تلك الحقائق المخلوقة تلیق بأن تكون محبوبة، فما هو حكم ذات العلم والقدرة والبهاء والسناء والعظمة؟!

وإذا كان الإنعام والإكرام والجود والإیثار من العبید یجعلك عبدا لهم، وهم یریدونك لأنفسهم، فما هو حكم الإنعام والإكرام والجود والحنان لك ممن یریدك لنفسك لا لنفسه؟!

وعن الله تعالى:

«یا بن آدم، كل شـيءیریدك لأجله، وأنا أریدك لأجلك فلا تفرّ مني.

یا بن آدم، أنا وحقي لك محب، فبحقي علیك كن لي محبا».١

وإذا تحب من یحبك لنفع عائد إلى نفسه وهو محتاج إلیك وإلى أمثالك،

فما هو حق من یحبك فوق حب المحبین وهو غني عنك وعن جمیع العالمین؟!

وإذا كان عفو مخلوق عنك قد یمیتك استحیاء، فما لك لا تصعق من محبة ربك صعقة تكون فیها نفسك؟

وكیف لا تموت حیاء منه، وأنت العاصـي المذنب المجتري على ربك جبار السموات والأرضین، أقدر القادرین وهو أعلم بك من نفسك:

القرآن الكریم:

«يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُم».٢

«... كان لسلطان عبد، مقربا عنده، وكان یحبّه حبا شدیدا، فمرض العبد فجاة


  1. ابن فهد الحلي، عدةالداعي.
  2. إبراهيم (١٤): ١١.
معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام٥١٤

واشتد مرضه كل یوم حتى یئس عن معالجته الاطباء، فحدس طبیب حاذق أن مرضه لیس جسمیا بل یكون من سبب روحي معنوي، فخلى به وكلمه في ذلك، فأقرّ الغلام بأن: عدة من أعداء السلطان غرّوه فأدخلوا بواسطته سمّا في شـراب السلطان.

قال الغلام: فتفطن السلطان إلى ذلك حینما كنت أشـربه فاجتنب من الشـرب، ولكنه مع ذلك زاد في إكرامي وتلطفه ومحبته إلي، فأصبحت من شدة الاستحیاء منه بحیث تراني، وإني على علم أنه لا یعالجني إلا الموت!»*

ویقول ربك الودود:

«يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَريمِ. الَّذي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ».١

وإن له تعالى في كل نظرة علیك نعم لا تحدّ، وفي كل طرفة آلاء لا تعدّ:٢

«... آجرت دارا واتخذت كلبا یحرس الدار، وكنت أخرج إلى الدرس كل لیلة وأغلق الباب وكان الكلب یقعد على الباب حتى أرجع، وكان یدخل الدار معي عند الدخول إلى باب الدار.

فأتفق لیلة أن طال رجوعي وكانت لیلة شدیدة البرودة بحیث كنت جعلت رأسـي في لباسـي وأخفیت رأسـي وأذني ویدي وأخفیت وجهي دون عیني، وعلى هذه الهیئة وصلت إلى الدار، فلما أردت فتح الباب، اشتبه الأمر على الكلب فما عرفني وأخذ بلباسي، فأخرجت رأسـي ونادیته وعرفته نفسي، فلما عرفني جلس على حاشیة الطریق حیاء وكلما جهدت أن أدخله الدار لم یتیسـر لي ذلك، فدخلت وأغلقت الباب ونمت. فلما أن أصبحت خرجت إلیه لأن أریما كان من أمره، فرأیته قد مات من شدة الحیاء».


  1. الانفطار (٨٣):٦ ـ ٧.
  2. بحار الأنوار، ٩٥ / ٤٥٣، من صحيفة إدريس النبي *ع.
٥١٥الوحدة العرفانیّة الضالّة

الإمام أمیر المؤمنین عليه السلام:

«یا عدتي في شدتي، یا حافظي في غربتي، یا مونسـي في وحدتي، یا ولیي في نعمتي، یا كهفي حین تعییني المذاهب وتسلمني الاقارب ویخذلني كل صاحب. یا عماد من لا عماد له، یا سند من لا سند له، یا ذخر من لا ذخر له، یا حرز من لا حرز له، یا كهف من لا كهف له، یا كنز من لا كنز له، یا ركن من لا ركن له، یا غیاث من لا غیاث له، یا جار من لا جار له.

یا جاري اللصیق، یا ركني الوثیق، یا إلهي بالتحقیق، یا رب البیت العتیق، یا شفیق یا رفیق، فكني من حلق المضیق واصـرف عني كل هم وغم وضیق، واكفني شـر ما لا أطیق وأعني على ما أطیق».١

«اللهم صل على محمّد وآل محمّد وحفظا حفظا لغراس غرسها بید الرحمن وشـربها من ماء الحیوان ونجاتها بدخول الجنان أن یكون بید الشیطان تجزّ بفأسه تقطع وتحزّ، إلهي فمن أولى منك بأن یكون عن حریمك دافعا ومن أجدر منك بأن یكون عن حماك حارسا ومانعا».٢

الإمام السجاد عليه السلام:

«وأنا یا رب، الذي لم أستحیك في الخلا ولم أراقبك في الملا».٣

«إلهي أدعوك آمنا، واسألك مستأنسا، لا خائفا ولا وجلا، مدلا علیك في ما قصدت فیه إلیك، فإن أبطأ عني عتبت بجهلي علیك ولعل الذي أبطأ عني هو خیر لي لعلمك بعاقبة الأمور.

فلم أر مولى كریما أصبر علي عبد لئیم منك عليیا رب، إنك تدعوني فأولي عنك، وتتحبب إلی فأتبغض إلیك، وتتودد إلی


  1. المحدث القمي: مفاتيح الجنان، دعاء المشلول.
  2. الصحيفة المهدية، ٣٣.
  3. المحدث القمي: مفاتيح الجنان، دعاء أبي حمزة الثمالي، عن مصباح المجتهد.
معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام٥١٦

فلا أقبل منك، كانّ لي التطول علیك فلم یمنعك ذلك من الرحمة لي والإحسانإلي، والتفضل علي بجودك وكرمك،

فارحم عبدك الجاهل وجد علیه بفضل إحسانك إنك جواد كریم».١

«الحمد لله على حلمه بعد علمه، والحمد لله على عفوه بعد قدرته».٢

«الحمد لله الذي یجیبني حین أنادیه ویستر علی كل عورة وأنا أعصیه، ویعظم النعمة علي فلا أجازیه».٣

«الحمد لله الذي أدعوه فیجیبني وإن كنت بطیئا حین یدعوني، والحمد لله الذي أسئله فیعطیني وإن كنت بخیلا حین یستقرضني... الحمد لله لا أدعو غیره ولو دعوت غیره لم یستجب لي دعائي، والحمد لله الذي لا أرجو غیره ولو رجوت غیره لأخلف رجائي، والحمد لله الذي وكلني إلیه فأكرمني ولم یكلني إلى الناس فیهینوني، والحمد لله الذي تحبب إلی وهو غني عني، والحمد لله الذي یحلم عني حتى كأني لا ذنب لي، فربي أحمد شـيء عندي وأحق بحمدي.

وإن الراحل إلیك قریب المسافة وأنك لا تحتجب عن خلقك إلا أن تحجبهم الأعمال (الآمال). دونك.

اللهم أنت القائل وقولك حق ووعدك صدق "«واسألوا الله من فضله إن الله كان بكم رحیما»" ولیس من صفاتك یا سیدي إن تأمر بالسؤال وتمنع العطیة وأنت المنان بالعطیات على أهل مملكتك والعائد علیهم بتحنن رأفتك... یا خیر من دعاه داع وأفضل من رجاه راج، عظم یا سیدي أملي وساء عملی... وما أنا یا رب وما خطری... یحملني ویجرئني على معصیتك


  1. التهذيب، ٣ / ١٠٨؛ مصباح المتهجد، ٥٧٧، دعاء الافتتاح.
  2. التهذيب، ٣ / ١٠٨؛ مصباح المتهجد، ٥٧٧، دعاء الافتتاح.
  3. التهذيب، ٣ / ١٠٨؛ مصباح المتهجد، ٥٧٧، دعاء الافتتاح.
٥١٧الوحدة العرفانیّة الضالّة

حلمك عني ویدعوني إلى قلة الحیاء سترك علی... أین سترك الجمیل، أین عفوك الجلیل، أین فرجك القریب، أین غیاثك السـریع...

فما ندري ما نشكر، أجمیل ما تنشـر أم قبیح ما تستر... یا حبیب من تحبب إلیك ویا قرة عین من لاذ بك وانقطع إلیك، أنت المحسن ونحن المسیئون... فوعزتك یا سیدي لو نهرتني ما برحت من بابك، ولا كففت عن تملقك لماانتهى إلى من المعرفة بجودك وكرمك...أفتراك یا رب تخلف ظنوننا أو تخیب أمالنا، كلا یا كریم، فلیس هذا ظننا بك ولا هذا فیك طمعنا. یا رب، إن لنا فیك أملا طویلا كثیرا... عصیناك ونحن نرجو أن تستر علینا...

تتحبب إلینا بالنعم ونعارضك بالذنوب، خیرك إلینا نازل وشـرنا إلیك صاعد... كذب العادلون بالله وضلوا ضلالا بعیدا وخسـروا خسـرانا مبینا.

اللهم صل على محمّد وآل محمّد... وما أنا یا سیدي وما خطري هبني بفضلك یا سیدى... أنا الصغیر الذي ربیته، وأنا الجاهل الذي علمته، وأنا الضال الذي هدیته.. وأنا الطرید الذي آویته، أنا یا رب الذي لم أستحیك في الخلا ولم أراقبك في الملا، أنا صاحب الدواهي العظمى أنا الذي على سیده اجتري، أنا الذي عصیت جبار السماء... إلى من یذهب العبد إلا إلى مولاه؟ وإلى من یلتجىِ ء المخلوق إلا إلى خالقه؟ إلهي لو قرنتني بالاصفاد ومنعتني سیبك من بین الاشهاد ودللت على فضائحي عیون العباد وأمرت بي إلى النار وحلت بیني وبین الابرار ما قطعت رجائي منك... ولا خرج حبك من قلبى، وأجمع بیني وبین المصطفى وآله خیرتك من خلقك... فالأمر لك وحدك لا شـریك لك والخلق كلهم عیالك وفي قبضتك وكل شـيء خاضع لك تباركت یا رب العالمین».١

حیث ثبت أن الله جل وعلا لا یعرف إلا بخلقه الموجود لا من شـيء مطلقا فیكون هذا الفصل من الكلام بصدد بیان:

إن الله تعالى أقام الأنوار الدربعة عشـر ـ وهم الرسول الأعظم وآله المعصومون ^ مقام نفسه في جمیع العوالم، فعرف الخلائق بهم قدسه، وأنقذهم بهم عن تیه الجهالة وحیرة الضلالة، فهم أصول الكرم وأولیاء النعم ومحالّ المعرفة ومساكن التوحید، ولهم المنّ والولایة المطلقة بذلك على ما سوى خالقهم مطلقا.

الباب الخامس عشـر:


  1. المحدث القمي: مفاتيح الجنان، دعاء أبي حمزة الثمالي.
٥١٩الوحدة العرفانیّة الضالّة

الإقرار بوجود الخالق تعالى عقلي أم تعبدي، أم لا ذاك ولا ذا؟!

معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام٥٢٠

إن البحث عن الله تعالى ومعرفته یقع في مقامین:

الأول). مقام إثبات الوجود والإقرار بشـيء هو خالق الأشیاء وهو شـيء بخلاف الأشیاء،

والثاني). مقام معرفة أن الله تعالى ما هي حقیقة ذاته، وما هو كنه وجوده،

وحیث إنا قد فرغنا عن المقام الثاني وقلنا "إن تعلق المعرفة بالنسبة إلى الذات المتعالیة محال ذاتا وثبوتا، ولیس للمخلوق إلا الإقرار والتصدیق بوجود ذات بخلاف الأشیاء، محجوبة عن الأوهام والأفكار والعقول والخطرات فقد بقي شـيء وهو: أن المقام الأول ـ وهو مقام التصدیق والإقرار العقلي بوجود الله تعالى هل یمكن أن یحصل بالعقل مستقلا عن الهادي والبیان، أم لیس للعقل بلا بیان من الخالق نفسه سبیل إلى ذلك أیضا؟!

وعلى الفرض الثاني ـ أي على فرض أن لا یكون للعقل باستقلاله سبیل إلى الإقرار بوجود المعبود تعالی ـ فهل یلزم أن تكون المعرفة إذا تعبدیة غیر برهانیة، أم لا؟!

ولتوضیح الجواب نقدم

٥٢١الوحدة العرفانیّة الضالّة

أمثلة:

الأول) السمك یعیش في الماء ولا مقتضـيله لتقسیم الحیاة من عند نفسه إلى الحیاة في الماء والحیاة خارج الماء، وأما إذا كان هناك موجود یدرك ما وراء ما یدركه السمك، ویلفته إلى أن الحیاة خارج الماء تكون حیاة أیضا، وهي شـيء بخلاف الحیاة المدركة له فقد یفتح له السبیل إلى قبول ذلك أو إنكاره.

الثاني) الإنسان یعلم الآن بوجود أصوات وأنوار حوله تكون أمواجها أكثر أو أقل طولا مما یدركه هو بعینه وأذنه، ولكنه قبل أن یحصل له العلم بوجود هذه الأصوات والألوان ما كان له بنفسه مقتض لتقسیم الأصوات والألوان إلى الأصوات والألوان ذات طول موج وراء ما یسمعه ویراه وما دونه.

الثالث) نفرض أن هناك إنسان أكمه ویعیش كذلك، وحینئذ فمن الضـرورى أنه لا مقتضـيلهذا الإنسان بنفسه للالتفات إلى وجود الألوان والإنوار المحسوسة المدركة لغیره من أفراد الإنسان. فیمتنع له بنفسه تقسیم المحسوسات إلى ما یرى بالعین وما یدرك بغیرها فضلا عن أن یمكنه إثبات وجود الانوار والألوان أو إنكارها بخصوصها.

الرابع) إن الصفحة المستویة لا یمكنها أن تدرك وجود الموجود ذي أبعاد ثلاثة، ولا مقتضـيلها بنفسها أن یقسم الموجود إلى "ما یكون ذا أبعاد ثلاثة" و"ما یكون ذا بعدین" و"ما یكون ذا بعد واحد".

معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام٥٢٢

ثم إن لموضوع الأمثلة التي ذكرناها أحكام خاصة:

الأول) لا یمكن العلم بوجود تلك الموضوعات والالتفات إلیها لتلك الأشخاص بأنفسهم. وذلك لعدم وجود المقتضـي للتوجه إلى ذلك، وإن لم یكن هناك مانع یمنعهم عن ذلك.

الثاني). لا یمكن لأولئك الأشخاص معرفة ذوات موضوعات تلك الامثلة، ولا یحصل لهم العلم بحقیقتها أكثر من علمهم بأنها "أشیاء بخلاف ما یدركونه ویعرفونه".

الثالث) لا یمكن إثبات وجود تلك الموضوعات للأشخاص المذكورین إلا من حیث دلالة الأدلة ووجود آثارها علیها.

الرابع) لیس لهؤلاء الأشخاص إنكار وجود تلك الموضوعات بعد دلالة الدلیل علیها.

فكما أنه لیس للأحول إنكار الواحد إذا دلّه دلیل عقلي قطعي على وجود ذلك، ولیس للأصمّ إنكار وجود الأصوات بدلیل أنه لا یسمعها، ویكون القاضـي الفصل والحاكم العدل في ذلك كله هو العقل؛

وكما أن التصدیق بوجود اللون من الأكمه لا یتوقف على رؤیته ذلك، ویصح منه ـ بل یجب علیه ـ التصدیق بوجود اللون بعد قیام الدلیل على وجود ذلك عنده، وبعد التفاته إلى محدودیة حواسه وإدراكاته، ولیس له حینئذ إلا أن یقول: "عدم إدراكي اللون بخصوصه لا یمنعني عن جواز تصدیقي بذلك بل لا بد لي من الإقرار بوجود شـيء بخلاف ما أحسّ به، وخارج عما أدركه"،

وكما أنا أنفسنا لا یمكننا تصور عدم النور والظلمة معا بل لا یمكن حكمنا بعدمهما معا إلا بأن نتصور وجودهما أولا، ثم نحكم بعدمهما جمیعا عقلا.١

ـ وكذلك في سایر الأمثلة ـ فكذلك نحن بعد الالتفات إلى أن على وجودنا وبصـرنا وبصیرتنا وإدراكنا حجابا لا یرینا إلا الأشیاء المخلوقة الامتدادیة المتجزیة، لا بد لنا من


  1. قال الله تعالى: جعل الظلمات والنور. الأنعام (٦): ١.
٥٢٣الوحدة العرفانیّة الضالّة

الإقرار بوجود الخالق تعالی بعد قیام الدلیل على ذلك ولیس لنا إلا التصدیق والإقرار بأن الله تعالى موجود ثابت واقعي حقیقي وهو شـيء بحقیقة الشیئیة وبخلاف الأشیاء كلها، واستحالة تعلق علمنا بحقیقة ذاته تعالى لا یمنعنا عن إمكان التصدیق بوجوده، والإیمان بوجوده الغائب عن مطلق حواسنا وإدراكاتنا.

الخامس). إن حصول الالتفات إلى تلك الموضوعات لأولئك الأشخاص وإن كان یمتنع أن یحصل لهم بأنفسهم، ولكنه لا یلزم من ذلك أن یكون العلم والإقرار بوجود تلك الموضوعات لهم ـ بعد الالتفات إلى الموضوع ودلالة الدلیل علیه ـ أمرا غیر عقلي، فإن مرحلة الالتفات إلى الشـيء غیر مرحلة إثباته وإنكاره، وأحكامهما متغایرتان. فلا منافاة بین أن یكون أمر غیر تعبدي وبین أن یكون الالتفات إلى موضوعه غیر عقلي ـ بل الصحیح هو أن العلم بالموضوع خارج عن شأنیة الاتصاف بكونه عقلیا أو تعبدیا، فإنهما من أوصاف القضایا الخبریة لا التصورات ـ وعلیه فلا منافاة بین أن تكون المعرفة التصدیقیة بوجود الخالق تعالی عقلیة غیر تعبدیة، بعد أن یكون سبیل الالتفات إلى الموضوع اللائق به الألوهیة منسدّا على العقل، ومحتاجا إلى تعریف الخالق تعالی نفسه.

السادس) إنه لا یجوز تكلیف من مثّلنا بهم بالإقرار والتسلیم، إلا:

ألف) بعد توجیههم إلى وجود النقصان والمحدودیة في إدراكاتهم بواسطة غیر شخصهم الذي یكون مدركا لهم ولنقصان إدراكاتهم

ب) بعد توجیههم إلى تلك الموضوعات وتعریفها لهم

وإلا كان تكلیف لأولئك الأشخاص بالتصدیق بوجود الموضوعات المذكورة قبل بیان محدودیة إدراكاتهم، وقبل توجیههم إلى تلك الموضوعات وتعریفها لهم، تكلیفا بما لا یطاق.

وحینئذ نقول في مسألة معرفة الله سبحانه:

١) إنه لیس للعقل بنفسه وبلا بیان من الله تعالى النیل إلى مقام الإقرار والتصدیق بوجود الخالق، فإن غایة ما عند المخلوق ـ بنفسه لا ببیان وتوجیه من الخالق ـ هو إدراك الموجود الامتدادي المتجزئ الذي یقسّمه إلى المتناهي واللامتناهي، وقد بینا أن ذلكما كلیهما امتدادیان

معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام٥٢٤

مخلوقان، بل الثاني منهما وهمٌ.

الإمام أمیر المؤمنین عليه السلام:

«كل ما قدره عقل... فهو محدود».١

الإمام الحسین عليه السلام:

«لیس برب من طرح تحت البلاغ».٢

وأما التوجه والالتفات إلى الموجود المتعالي عن الامتداد والأجزاء، وتقسیم الموجود إلى الامتدادي وما یكون بخلافه، فلیس للمخلوق إلیه سبیل مطلقا، لعدم احتماله وتجویزه الوجود إلا لما یتحقق في الامتداد والأجزاء والعدد ـ وذلك لعدم وجود المقتضـي لهذا الإدراك بالنسبة إلیه، فلا مجال للسؤال عن مانع ذلك الإدراك له ـ.

فغیر الموجود الامتدادي المتجزئ ـ مع قطع النظر عن بیان الخالق وتوجیهه المكلف إلى الموضوع المبائن للامتداد والأجزاء الذي تلیق به الألوهیة ـ مجهول مطلق عنده، فكیف یمكنه أن یثبت ذلك أو ینفیه نفیا خاصا؟!

الإمام الصادق عليه السلام:

«أرأیت لو كان معك كیس فیه جواهر، فقال لك قائل: هل في الكیس دینار؟ فنفیت


  1. بحار الأنوار، ٤ / ٢٩٤، عن التوحید.
  2. بحار الأنوار، ٤ / ٣٠١، عن تحف العقول.
٥٢٥الوحدة العرفانیّة الضالّة

كون الدینار في الكیس، فقال لك قائل: صف لي الدینار وكنت غیر عالم بصفته هل كان لك أن تنفي كون الدینار عن الكیس وأنت لا تعلم؟ قال: لا، فقال عليه السلام: العالم أكبر وأطول وأعرض من الكیس، فلعل في العالم صنعةمن حیث لا تعلم صفة الصنعة من غیر الصنعة، فانقطع عبد الكریم».١

فإن من لا یعلم صفة الدینار بعینه كیف یمكنه أن یثبت وجوده أو ینفیه نفیا خاصا؟! وكذلك من لا یرى في أدق صور أوهامه ومعقولاته وكل ما یصل إلیه بمطلق إدراكاته إلا الامتداد والعدد والزمان والمكان، ولا یلتفت إلى غیر ذلك أصلا، فیكف یثبت وجود شـيء خارج عن ذلك أو ینفیه نفیا خاصا؟!

إن قلت: ألیس یكفي المخلوق في هذا المقام علمه ببداهة قانون العلیة وكشف وجود كل أثر عن وجود مؤثره؟

قلت: إن القانون الكلي العقلي الدال على أن "كل مخلوق لا بد له من سبب وعلة"، لا صلة له بمقام الالتفات إلى الموضوع اللائق بالألوهیة أصلا. فإن وجوب الإقرار بأن هناك شیئا هو الواجب ردّا للدور والتسلسل، أمر صحیح لا غبار علیه في نفسه، ولكنه لا یفید شیئا في إثبات وجود الخالق تعالی إلا بعد التفات العقل إلى الموضوع اللائق للاقرار بكونه خالقا غیر مخلوق، وذلك أمر لا یمكن تحصیله من حكم العقل بأصل العلیة. فإن المخلوق مادام لا یرى الوجود إلا لما یراه موجودا في الامتداد والعدد والأجزاء یكون معذورا في رؤیة التناقض بین هاتین القاعدتین وهما:

ألف). إن كل مخلوق یحتاج إلى خالق وسبب وعلة

ب). كل ما یمكنني أن أفرضه موجودا لا یلیق بأن یكون إلها، ولا یمكن أن یكون مستغنیا عن وجود العلة والخالق.

فظهر أن


  1. بحار الأنوار، ٣ / ٤٦، عن التوحید.
معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام٥٢٦

انسداد طریق العقل إلى إثبات وجود الخالق، ناشئ من عدم سبیل للمخلوق إلى أن یجد شیئا یلیق بالخالقیة حتى یكون موضوعا لتصدیقه وإقراره، وأصل العلیة أجنبي عن هذا المقام ـ أي مقام إثبات الموضوع ـ بالمرّة، فأصل العلیة في عین أنه غیر قابل للشك والتردید أبدا، إلا أنه لیس ذاك یكفي المخلوق للاقرار بوجود الخالق مع حصـر الموجود عنده بالامتدادي فقط.

وبالجملة إذا كان ما یصح وجوده عند المخلوق في جمیع محتملاته یساوي الامتداد ـ إما متناهیا وإما غیر متناه، مع أن الثاني مستحیل الوجود ذاتا، والأول هو المعلول المحتاج القابل للزیادة والنقصان والوجود والعدم ـ فلا یبقى له موضوع للإثبات أو النفي بعنوان أنه الخالق والرب اللائق به الألوهیة والربوبیة. ویجوز أن یكون إشارة إلى ذلك ما قاله مولانا الإمام الصادق عليه السلام حیث یقول:

«ولو لا ذلك لم یدر أحد من خالقه ورازقه».١

ولم یقل عليه السلام: ولو لا ذلك لم یعلم أحد أنه لا بد له من خالق ورازق.


  1. بحار الأنوار، ٥ / ٢٣٧، عن تفسير القمي.
٥٢٧الوحدة العرفانیّة الضالّة

الانسداد وعجز العقلعن إثبات وجود الخالق المتعال الا بإعانة من الله تعالی

من البدیهي أن

معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام٥٢٨

معرفة حقیقة وجود الخالق تعالی مستحیلة مطلقا، بالعقل كانت أم بغیر ذلك، وأما إثبات وجوده تعالى فهل یمكن بالعقل مستقلا أم لا؟!

قد تدعي المعرفة البشـریة إمكان ذلك بل وقوعها، ونحن نخالفهم في ذلك ونقول:

إن العلم بوجود الخالق تعالی لا یمكن أن یحصل بالعقل مستقلا عن البیان الإلهى، وذلك أن إدراك المخلوق منحصـر باحتمال وجود الموجود الامتدادي، وأما ما وراء ذلك فلا مقتضـي لالتفاته إلیه ـ بلا احتیاج إلى مانع یمنعه عن ذلك ـ فیكون عنده مجهولا مطلقا، واستحالة الحكم ـ نفیا وإثباتا ـ على المجهول المطلق من البداهة بمكان.

ثم إنه لا یلزم مع ذلك أن یكون إثبات وجود الخالق أمرا تعبدیا غیر عقلي، لأن التصدیق بوجود الخالق، بعد توجه المخلوق إلى الموضوع اللائق للألوهیة ـ الذي لا یحصل إلا بتعریف الخالق نفسه ـ أمر عقلي صـرف، والاستدلال العقلي لا یخرج عن كونه عقلیا بكون الالتفات إلى موضوعه من غیر ناحیة العقل.

لیس

٥٢٩الوحدة العرفانیّة الضالّة

للمخلوق ـ وحالهما بیناه ـ إلا سلوك أحد طریقین بالنظر إلى نفسه، وهما:

الف). أن یختار لنفسه ربّا مما یراه ویصح عنده وجوده، ـ غافلا عن أن ما یراه ویصح عنده وجوده لا یلیق بالخالقیة ـ فیختار خالقه إما نارا، وإما نورا، وإما شمسا، وإما قمرا، وإما بقرا، وإما شجرا، وإما وجودا كبیرا! وسيعا! بلا حدّ ولا نهایة، و...

ب). أن یكون تاركا للفحص، آیسا عن الحصول على النتیجة، لما یرى من التعارض بین أصل العلیة الموجبة للإقرار بوجود الخالق، وبین رؤیة انحصار الموجود عنده بما لا یلیق بالخالقیة، المستلزمة لإنكار وجود الخالق بعنوان عام، فیقول:

«كان أبي یقول لي: إن هذا السؤال: من خلقني؟ لا جواب له، لأنه ینبغي أن یسأل بعده: فمن خلق الله ؟ فظهر لي بهذا السؤال الساذج كذب برهان علة العلل، وهو كاذب عندي إلى الآن، لأنه إن یلزم أن تكون لكل شـيء علة، فیجب أن تكون للخالق أیضا علة، وإن یمكن أن یكون شـيء موجودا بلا علة، فیجوز أن یكون ذلك الشـيء هو الله أو العالم نفسه».١

نعم، هذا هو حكم الإنسان وعقلَه وغایة ما یدركه ویفهمه، ولكنه بالنظر إلى هدایة ربه وخالقه، فإن أدركه البیان والتوجیه إلى نقصانه في مطلق إدراكه ـ


  1. لما ذا لا أكون مسيحا؟، ٨ ـ ٩.
معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام٥٣٠

في عالم سابق كعالم الذر مثلا، أو في عالم الدنیا بتذكر الحجج وهدایتهم بعد نسیان عالم الذر، فأقر بوجود الخالق تعالی یكون مؤمنا، وإن أنكره بعد ذلك یكون جاحدا.

*«لیهلك من هلك عن بینة ویحیى من حي عن بینة».١

ونزید البحث توضیحا:

لا شك أن الأكمه، والجاهل المطلق بالنسبة إلى حقیقة الرؤیة البصـریة ووجود الألوان، ـ وهو لا یرى ولا یحتمل نقصانا في إدراكه، بل یتوهم أن المحسوس مطلقا هو ما یصل هو إلیه بحواسه ـ لا یتوجه حكمه إلى وجود اللون نفیا وإثباتا أبدا، وهو مع هذا فإن دلّه دلیلٌ عقلي على وجود شـيء خارج عن إدراكه وهو اللون فهو معذور في رؤیة التناقض ما دام لا یرى نقصانا في حواسه، ولا یتوجه إلى المحدودیة في إدراكاته، فإن كان هناك مدرك غیره فوجّهه إلى محدودیة إدراكاته ونقصان حواسه فلیس له حینئذ إلا الإقرار بوجود ذلك، وذلك لاقتضاء الدلیل القطعي الدال على وجود اللون أولا، والتفاته إلى نقصان حواسه وإدراكاته واحتماله وجود شـيء خارج عن كل ما یدركه ویحتمل وجوده ثانیا.

فلا یرتفع التناقض المترائى عنده بین القاعدتین اللتین أشـرنا إلیهما، ولا یمكن أن یهتدي إلى الحق والواقع، إلا بتعریف وهدایة من جانب من یرى محدودیة إدراكاته.

مثال آخر:

هناك إنسان على عینیه عدستین حمراوتین وهو على حاله هذا غیر متوجه إلى ذلك، وحینئذ فإن دلّه دلیل قطعي على وجود لون مخالف لما یراه ـ كالأبیض مثلا ـ یكون معذورا في رؤیة التناقض مادام غیر ملتفت إلى النقصان في إبصاره، ـ كیف وهو لا یرى غیر ما یرى ـ وأما إن كان هناك هادٍ یهدیه فوجّهه إلى نقصان إدراكاته فلا عذر له في الجحود والإنكار، ولا یسعه حینئذ إلا التسلیم والإقرار بوجود اللون الأبیض اقتضاء لقطعیة الدلیل


  1. الأنفال (٨): ٤٢.
٥٣١الوحدة العرفانیّة الضالّة

الدال على وجود ما لا یدركه.

وحینئذ فنقول:

إن المخلوق، بصـره وبصیرته، معقوله ومتوهمه، حسه وإدراكه، مفروضه ومحتمله، كل ذلك منحصـر بالموجود المتجزئ المعلول المحتاج القابل للوجود والعدم، فهو معذور في رؤیة التناقض بین:

ألف). أصل العلیة

ب). عدم قابلیة ما یمكنه فرض وجوده للخالقیة والاستغناء عن العلة

كیف وهو غیر ملتفت إلى محدودیة إدراكه مطلقا حتى یصح له فرض شـيء خارج عن إدراكه ومفروضه، ویمكنَه احتمال وجود شـيء خارج عما یحتمل وجوده، وحتى یلتفتَ إلى شـيء خارج عن كل شـيء عنده حتى یثبته ویتخلص عن التناقض المترائى له في طریق إثبات وجود الخالق.

فإنه لا یري غیر ما یرى، وإلا لما كان مما لا یرى،

ولا یتصور غیر ما یتصور، وإلا لما كان غیر ما یتصور،

ولا یفهم غیر ما یفهم، وإلا لما كان مما لا یدرك ولا یفهم،

فلا یتوقع من فارض لا یفرض موجودا إلا في الامتداد والعدد أن یفرض شیئا خارجا منه، منزها عنه حتى یثبته أو ینفیه. فإن استحالة الحكم على المجهول المطلق نفیا وإثباتا بدیهي لغایتة.

الإمام الصادق عليه السلام:

«إن الله خلق الناس كلهم... لا یعرفون إیمانا بشـریعة ولا كفرا بجحود،١ ثم


  1. ولا تغفل عن الفرق بين عدم الإيمان مع الجحود فإن الجحود لا تتحقق إلا بعد الالتفات إلى الموضوع بعينه بخلاف عدم الإيمان فإنه أمر ممكن ولو مع عدم الالتفات إلى الموضوع.
معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام٥٣٢

بعث الله الرسل تدعوا العباد إلى الإیمان به».١

فیكون طریق العلم بوجود الخالق ـ إثباتا ونفیا، نفیا خاصا ـ منسدا، والتكلیف بذلك یكون قبیحا إلا أن یبتدء الخالق تعالى نفسُه بالتعریف والهدایة، وهو الذي ینادي:

«أن علینا للهدى».٢

فیوجّه المخلوق إلى العلم بأن الموجود لا یكون منحصـرا بما یمكن أن یصل إلیه المخلوق ویرى له الوجود، ویبینَ له أن رؤیة التناقض عنده إنما نشأ عن خطأه في ما توهمه من كون الموجود منحصـرا بما یحتمل هو بنفسه وجودَه ویمكنُه أن یفرضه موجودا، وهو معذور في هذا الخطأ ألبتة ما دام لا یرى محدودیة في إدراكاته، لأنه یمتنع له الالتفات ـ والحال هذه ـ إلى شـيء خارج مما یكون امتدادیا معلولا محتاجا، حتى یثبته أو ینفیه نفیا خاصا بعنوان أنه الخالق غیر المحتاج إلى العلة الخارج مما تدركه الأوهام والعقول والخطرات والضمائر.

المعرفة من صنع الله

فظهر أنه لو لم یعرّف الله تعالى نفسه إلى خلقه لم یعرفه أحد:

الإمام الصادق عليه السلام:

«... فعرّفهم نفسه ولو لا ذلك لن یعرف أحد ربه».٣

«... ولو لا ذلك لم یدر أحد من خالقه ولا من رازقه».٤

الإمام السجاد عليه السلام:

«


  1. بحار الأنوار، ٦٩ / ٢١٢.
  2. الليل (٩٢): ١٣.
  3. إثبات الهداة، ١ / ٤٧؛ بحار الأنوار، ٥ / ٢٥٠.
  4. بحار الأنوار، ٥ / ٢٤٣، عن علل الشرایع.
٥٣٣الوحدة العرفانیّة الضالّة

بك عرفتك، وأنت دللتني علیك، ودعوتني إلیك، ولو لا أنت لم أدر ما أنت.

«عن أبي عبد الله عليه السلام: أنه سئل عن المعرفة أمكتسبة هي؟ قال: لا، فقیل له: فمن صنع الله وعطائه هي؟ قال: نعم، ولیس للعباد فیها صنع، ولهم اكتساب الأعمال».١

«... قلت للعبد الصالح عليه السلام: هل في الناس استطاعة یتعاطون بها المعرفة؟ قال: لا، إنما هو تطوّل من الله ، قلت: أفلهم على المعرفة ثواب إذا كان لیس فیهم ما یتعاطونه بمنزلة الركوع والسجود الذي أمروا به ففعلوه؟ قال: لا، هو تطوّل من الله علیهم وتطوّل بالثواب».٢

«... قلت لابي الحسن الرضا عليه السلام: للناس في المعرفة صنع؟ قال: لا، فقلت: لهم علیها ثواب؟ قال: یتطوّل علیهم بالثواب كما یتطوّل علیهم بالمعرفة».٣

وهم ^ مصـرحون بانسداد طریق المعرفة على العباد بلا بیان من الله تعالى، معللین ذلك بأنه تكلیف بما لا یطاق:

الإمام أمیر المؤمنین عليه السلام:

«هو الدال بالدلیل علیه، والمؤدي بالمعرفة إلیه».٤

«قلت لأبي عبد الله عليه السلام هل جعل في الناس أداة ینالون بها المعرفة؟ قال: لا، إن على الله البیان لا یكلّف الله نفسا إلا وسعها ولا یكلّف الله نفسا إلا ما آتاها».٥


  1. إثبات الهداة، ١ / ٤٨، عن التوحيد.
  2. بحار الأنوار، ٥ / ٢٢٣، عن المحاسن.
  3. إثبات الهداة، ١ / ٥٠، عن قرب الإسناد.
  4. بحار الأنوار، ٤ / ٢٥٣، عن الاحتجاج.
  5. إثبات الهداة، ١ / ٥٣، عن المحاسن.
معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام٥٣٤

الإمام الصادق عليه السلام:

«لم یكلف الله العباد المعرفة، ولم یجعل لهم إلیها سبیلا».١

«لیس لله على خلقه أن یعرفوا، وللخلق على الله أن یعرّفهم، ولله على الخلق إذا عرّفهم أن یقبلوا».٢

«المعرفة صنع من هي؟ قال عليه السلام: من صنع الله عز وجل، لیس للعباد فیه صنع».٣

فلا یمكن الوصول إلى حقیقة معرفة التوحید إلا بعد معرفة أن الموجود لیس منحصـرا في ما نحتمل وجوده ونجوّز له الوجود، بل الصحیح هو أن یقال:

إن الموجود إما امتدادي وإما بخلافه، والأول هو ما نحتمل وجوده والثاني هو ما لا نحتمل بأنفسنا وجوده،

والأول یدرك والثاني لا یدرك،

والأول یوجد والثاني لا یوجد، بل هو متعالٍ عن قبول الوجود،

والأول یعدم والثاني لیس قابلا للعدم،

فالصغر والكبر، والوضع والرفع، والنقص والكمال، والفقر ، والشدة والضعف، والزیادة والنقصان، والكون في زمان ومكان ـ متناهیین فرضا أو غیر متناهیین ـ والقرب والبعد، والقوة والفعل، والتغیر والثبوت، والخفاء والظهور، والتحقق وعدم التحقق، والصفة مطلقا، كل ذلك ملكة للامتداد ویختص به، ولا ینسب بطرفیه إلى ما هو یكون بخلاف الامتداد، لعدم قابلیة اتصاف الموضوع بذلك مطلقا.

نعمإن الله لا یوصف بالمحدودیة، ولكنه لیس ذلك من حیث كونه وجودا غیر محدود


  1. وبحار الأنوار، ٥ / ٢٢٢، عن المحاسن
  2. إثبات الهداة، ١ / ٤٤، عن الكافي؛ التوحيد، ٤١٢.
  3. التوحيد، ٤١٠.
٥٣٥الوحدة العرفانیّة الضالّة

وذاتا بلا نهایة، بل لأن الوصف فرع الامتداد الملازم للمحدودیة:

الإمام السجاد عليه السلام:

«عظم ربنا عن الصفة، وكیف یوصف بمحدودیة من لا یحد ولا تدركه الأبصار وهو یدرك الأبصار وهو اللطیف الخبیر».١

قد جاء في "تفسیر المیزان":

«إن التوحید ونفي الشـركاء لیس مما یرجع فیه إلى بیان النبوة، فإنه مما یستقل به العقل وتقضـيبه الفطرة فلا معنى لعدّه فضلا على الناس من جهة الاتباع بل هم والأنبیاء في أمر التوحید على مستوى واحد وشـرع سواء ولو كفروا بالتوحید فإنما كفروا لعدم إجابتهم لنداء الفطرة لا لعدم اتباع الأنبیاء».٢

ونقول: قد ظهر بما بیناه ـ بل وبالمراجعة إلى ما تدعي الوصول إلیه الفلسفة والعرفان من معرفة المعبود وتوصیفهم إیاه بصفات أنفسهم، واعتقادهم بكون وجوده عین حقیقة وجودهم بلا حد ولا نهایة ـ أن معرفة الخالق تعالى حق معرفته لا یمكن أن یحصل لأحد إلا بالمراجعة إلى أبواب معرفة الله الحقیقیة ـ وهم الأنوار الأربعة عشـر صلوات الله علیهم أجمعین ـ فلهم المنّ والفضل على الخلائق أجمعین بتعریفهم إیاهم معبودهم، وإنقاذهم عن تیه الجهالة وحیرة الضلالة.

والقول بأن الأنبیاء وسائر الناس في أمر التوحید على مستوى واحد، فهو أمر صحیح في نفسه ولكن لا من جهة كفایة العقل المستقل لهم للوصول إلى معرفة المعبود تعالی حق المعرفة كما تزعمه المعرفة البشـریة، بل من حیث إنه لو لم یكن الخالق تعالى یعرّف نفسه إلى العباد ـ حتى الأنبیاء ـ لم تكن تحصل المعرفة لأحد مطلقا، وقد فرغنا عن


  1. الوافي، ١ / ٤١٠، نقلا عن الكافي، ١ / ١٠٠.
  2. الطباطبايي، محمد حسين: تفسير الميزان، ١١ / ١٢٣.
معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام٥٣٦

البحث عن ذلك بالتفصیل.

قال الإمام الباقر عليه السلام:

«إنا لو حدثنا برأینا ضللنا كمن ضل من قبلنا ولكنا حدثنا ببینة من ربنا بینها لنبیه صلی الله علیه وآله فبینه لنا».١

وبالجملة فالعجب كل العجب ممن یدعي استغنائه عن مدرسة النبوة والإمامة في معرفة المعبود تبارك وتعالى مع ما یرى من وضوح بطلان ما وصل إلیه العقلاء بآرائهم وأفكارهم في سبیل ذلك من الاعتقاد بالجبر والتشبیه ووحدة الوجود وأزلیة وجود العالم و... وبذلك یظهر جلیا بطلان ما قد یقال:

«فالحق الذي لا محیص عنه في المرحلتین: أن العقل النظري مصیب في ما یشخصه ویقضـيبه من المعارف الحقیقیة المتعلقة به تعالى، فإنا إنما نثبت له تعالى ما نجده عندنا من صفة الكمال كالعلم والقدرة والحیاة واستناد الموجودات إلیه، وسائر الصفات الفعلیة العلیا كالرحمة والمغفرة والرزق والإنعام والهدایة وغیر ذلك على ما یهدي إلیه البرهان.

غیر أن الذي نجده من الصفات الكمالیة لا یخلو عن محدودیة وهو تعالى أعظم من أن یحیط به حد، والمفاهیم لا تخلو عنه لأن كل مفهوم مسلوب عن غیره منعزل مما سواه، وهذا لا یلائم الإطلاق الذاتي فتوسل العقل إلى رفع هذه النقیصة بشـيء من النعوت السلبیة تنزیها، وهو تعالى أكبر من أن یوصف بوصف، وأعظم من أن یحیط به تقیید وتحدید، فمجموع التشبیه والتنزیه یقرّبنا إلى حقیقة الأمر».٢

«فمن عظیم الجرم أن نحكم العقل علیه تعالى فنقید إطلاق ذاته غیر المتناهیة فنحده بأحكامه المأخوذة من مقام التحدید والتقیید.


  1. بحار الأنوار: ٢ / ١٧٢، عن بصائر الدرجات.
  2. الطباطبايي، محمد حسين: تفسير الميزان: ٨ / ٥٧.
٥٣٧الوحدة العرفانیّة الضالّة

ومن عظیم الجرم أیضا أن نعزل العقل عن تشخیص أفعاله تعالى في مرحلتي التكوین والتشـریع أعني أحكام العقل النظریة والعملیة».١

فإن أعظم الجرم هو توصیف الخالق تعالی بأوصاف المخلوقات والحكم علیه بعدم التناهي الذاتي الذي یكون وصفا موهوما في نفسه وممتنعا بالنظر إلى موضوعه، فضلا عن أن یوصف به الخالق جل وعلا.

ومن البدیهي أن من یحكم على الخالق جل وعلا بذلك هو الذي قد عزل العقل عن حكمه الصـریح بوجوب تباین ذات الخالق والمخلوق، وتنزهه عز وجل عن مجانسة مخلوقاته ومشابهة مصنوعاته الامتدادیة المتجزیة القابلة للزیادة والنقصان والوجود والعدم بالذات.

ثم إن القول بأن التشبیه والتنزیه معا یقربنا إلى حقیقة معرفة الخالق جل وعلا ففساده أوضح من أن یخفى، بل الله تعالى لا یعرف إلا بالتنزیه عن كل ما تصل إلیه عقول الخلائق من معرفة الذوات والأشیاء مطلقا.

الإغاثة قبل الاستغاثة

إن الله جلت آلائه وعظمت كبریاؤه حیث یرى أن المخلوق لا سبیل له إلى إثبات وجود خالقه إن لم یهده الله إلى ذلك، ـ وأساس الخلقة على العبودیة والمعرفة ـ فما ترك خلقه سدى تائهین في الضلالة، بل أحضـرهم قبل الهبوط إلى الأرض في السماء في صورة الذر، وجعل فیهم ما إذا سألهم أجابوه، فأرسل إلیهم أولیائه صلوات الله علیهم بعد أن منحهم المعرفة قبل ذلك، فأراهم بهم صنعه وعرّفهم بهم نفسه، وأخرجهم بذلك من ظلمة الشـرك والضلالة إلى نور الإیمان والهدایة. فمن الناس من آمن هناك بقلبه ولسانه، ومنهم من آمن بلسانه فقط وأنكر بقلبه، وهم قد نسوا الموقف بعد ذلك وثبتت


  1. الطباطبايي، محمد حسين: تفسير الميزان، ٨ / ٥٥.
معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام٥٣٨

في قلوبهم المعرفة.

نعم، قد ثبت بالأدلة القاطعة أن الرب الودود قد إغاث الناس في واد المعرفة قبل استغاثتهم، وعرّفهم نفسه قبل ولادتهم في عالم یسمى بعالم الذر، والتعریف بهذا التعریف یختص بمدرسة الوحي الإلهي ولا یمكن أن یصدر إلا عن أولیاء الله تعالى الشهداء على الخلق، وأما غیرهم من أصحاب المعارف البشـریة وأهل التفكیر الناطقین عن أوهام وظنون وأهواء، فانّی لهم شأنیة التكلم والبحث عن هذه الأمور الجلیلة الغالیة، وأین هم عن الوصول إلى هذه الحقایق الشـریفة والعلوم المقدسة الثمینة حتى یثتبوها أو یكونوا لها من المنكرین؟!

فحقیق بهم أن یجحدوا ذلك الموقف من التعریف والهدایة أشد الإنكار، ویؤوّلوا الآیات المشیرة إلیها والأخبار الناصّة علیها إلى معان بعیدة عن العقل والفهم ـ وكذلك یفعلون ـ ومن هاهنا قد ترى أصحاب الفلسفة والعرفان قد ینكرون ذلك أشد الإنكار ویؤوّلون ما ورد في الباب من الأخبار، إلى معان واهیة.

ولنأخذ بتفصیل بیان ذلك الموقف، فاستمع لما یتلى علیك من الشواهد علیه مما نطق به كتابا الله الصامت والناطق:

قال الله تعالى:

«وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ؟ قالُوا: بَلى شَهِدْنا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غافِلِين أَوْ تَقُولُوا إِنَّما أَشْرَكَ آباؤُنا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَ فَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ الْمُبْطِلُون».١

«...عن زراره، سألت أبا جعفر عليه السلام عن قول الله «وإذ أخذ ربك من بني آدم» إلى «أنفسهم» قال: أخرج الله من ظهر آدم ذریته إلى یوم القیامة، فخرجوا كالذر، فعرّفهم نفسه، وأراهم نفسه، ولو لا ذلك ما عرف أحد ربه، وذلك


  1. الأعراف (٧): ١٧٢ ـ ١٧٣.
٥٣٩الوحدة العرفانیّة الضالّة

قوله: «ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض لیقولن الله ».١

«سأل أبو بصیر الإمام الصادق عليه السلام عن قول الله «ألست بربكم قالوا: بلى» قال: قلت: قالوا بألسنتهم؟ قال: نعم وبقلوبهم، فقلت: وأي شـيء كانوا یومئذ؟ قال: صنع منهم ما اكتفى به».٢

الإمام أبو عبد الله عليه السلام:

«... وأسـر بعضهم خلاف ما أظهر، قلت: كیف علموا القول حیث قیل لهم: «ألست بربكم»؟ قال: إن الله جعل فیهم ما إذا سألهم أجابوه».٣

«... كان ذلك معاینة الله فأنساهم المعاینة وأثبت الإقرار في صدورهم، ولو لا ذلك ما عرف أحد خالقه ولا رازقه، وهو قول الله «ولئن سألتهم من خلقهم لیقولن الله ».٤

«... إبن مسكان... قلت معاینة كان هذا؟ قال: نعم، فثبتت المعرفة ونسوا الموقف وسیذكرونه، ولو لا ذلك لم یدر أحد من خالقه ورازقه، فمنهم من أقر بلسانه ولم یومن بقلبه، فقال الله : «فما كانوا لیؤمنوا بما كذبوا من قبل».٥

«... فطرهم على التوحید عند المیثاق على معرفة أنه ربهم، قلت: فخاطبهم؟، فطأطأ راسه، ثم قال: لو لا ذلك لم یعلموا من ربهم ولا من رازقهم».٦

الإمام أمیر المؤمنین عليه السلام:

«إن الله حین شاء تقدیر الخلیقة وذرء البریة وأبداع المبدعات، نصب الخلق في صور كالهباء


  1. بحار الأنوار، ٥ / ٢٥٨، عن تفسیر العیاشي.
  2. بحار الأنوار، ٥ / ٢٥٨، عن تفسیر العیاشي.
  3. بحار الأنوار، ٥ / ٢٥٨ ـ ٢٥٩.
  4. بحار الأنوار، ٥ / ٢٢٣، عن المحاسن.
  5. بحار الأنوار، ٥ / ٢٣٧، عن تفسير القمي.
  6. إثبات الهداة، ١ / ٤٩.
معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام٥٤٠

قبل دحو الأرض ورفع السماء... ثم اجتمع النور في وسط تلك الصور الخفیة فوافق ذلك صورة نبینا محمّد صلی الله علیه و آله فقال الله عز من قائل: أنت المختار المنتجب وعندك مستودع نوري وكنوز هدایتی... إنصب أهل بیتك للهدایة... واجعلهم حجتي على بریتي والمنبهین على قدرتي ووحدانیتي.

ثم أخذ الله الشهادة علیهم بالربوبیة والإخلاص وبالوحدانیة، فبعد أخذ ما أخذ من ذلك شات ببصائر الخلق انتخاب محمد وآله، وأراهم أن الهدایة معه والنور له والإمامة في آله، تقدیما لسنة العدل ولیكون الإعذار متقدما، ثم أخفى الله الخلیقة في غیبه...

ولم یزل الله تعالى یخبأ النور تحت الزمان إلى أن فضل محمّدا صلی الله علیه و آله في ظاهر الفترات، فدعى الناس ظاهرا وباطنا، وندبهم سـرا وإعلانا واستدعى عليه السلام التنبیه على العهد الذي قدمه إلى الذر قبل النسل، فمن وافقه وقبس من مصباح النور المقدم اهتدى إلى سـره واستبان واضح أمره، ومن أبلسته الغفلة استحق السخط».١

قد أُوّل حقیقة عالم الذر على غیر حقیقته في "تفسیر المیزان" حیث جاء فیه:

«إن هذه النشأة الإنسانیة الدنیویة مسبوقة بنشأة أخرى إنسانیة هي هي بعینها غیر أن الآحاد موجودون فیها غیر محجوبین عن ربهم یشاهدون فیها وحدانیته تعالى في الربوبیة بمشاهدة أنفسهم لا من طریق الاستدلال، بل لانهم لا ینقطعون عنه ولا یفقدونه، ویعترفون به وبكل حق من قبله، أما قذارة الشـرك وألواث المعاصـي فهو من أحكام هذه النشأة الدنیویة دون تلك النشأة التي لیس فیها إلا فعله تعالى القائم به فافهم ذلك.

...


  1. المسعودي: مروج الذهب، ١ / ٤٢ ـ ٤٣.
٥٤١الوحدة العرفانیّة الضالّة

والنشأة السابقة... لا تفارق هذه النشأة الإنسانیة الدنیویة زمانا بل هي معها محیطة بها لكنها سابقة علیها السبق الذي في قوله تعالى: «كن فیكون».١

«لا حجاب بینهم وبین ربهم في تلك النشأة فلو فرض هناك علم منهم كان ذلك إشهادا وأخذ میثاق، وأما هذه النشأة فالعلم فیها من ورآء الحجاب وهو المعرفة من طریق الاستدلال».٢

«... فلم یحتجبوا عنه، وعاینوا أنه ربهم كما أن كل شـيء بفطرته یجد ربه من نفسه من غیر أن یحتجب عنه».٣

«إن آیات الذر تثبت عالما إنسانیا آخر غیر هذا العالم الإنساني المادي التدریجي المشوب بالآلام والمصائب والمعاصـي والآثام المشهود لنا من طریق الحس، وهو مقارن لهذا العالم المحسوس نوعا من المقارنة لكنه غیر محكوم بهذه الأحكام المادیة.

ولیس تقدمه على عالمنا هذا تقدما بالزمان بل بنوع آخر من التقدم المستفاد من قوله: «أن یقول له كن فیكون»٤ فإن "كن" و"یكون"یحكیان عن مصداق واحد وهو وجود الشـيء خارجا لكن هذا الوجود بعینه بوجهه الذي إلى الله متقدم علیه بوجهه الآخر، وهو بوجهه الرباني غیر تدریجي ولا زماني ولا غائب عن ربه ولا منقطع عنه بخلاف وجهه إلى الخلق».٥

نقول: هذا التأویل باطل من وجوه:

١ . لا یمكن الحكم بتخالف شیئین في كل الأحكام أو بعضها وأحدهما هو الآخر بعینه لا یختلفان إلا


  1. الطباطبايي، محمد حسين: تفسير الميزان، ٨ / ٣٢١.
  2. الطباطبايي، محمد حسين: تفسير الميزان، ٨ / ٣٢٣.
  3. الطباطبايي، محمد حسين: تفسير الميزان، ٨ / ٣٢٢.
  4. يس (٣٦): ٨٢.
  5. الطباطبايي، محمد حسين: تفسير الميزان، ١٠ / ١٠٥.
معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام٥٤٢

بالاعتبارات والجهات غیر الواقعیة.

٢ . من البدیهي أن صـرف توصیف الشـيء بالمقارنة، یستلزم كونه عددیا امتدادیا متجزیا" زمانیا محكوما بأحكام المادة مطلقا، فیناقض ذلك كونه ذا وجه رباني غیر تدریجي ولا زماني و...

٣ . لا معنى لأن یكون الشـيء المقارن لهذا العالم المحسوس ـ أي نحو فرض ـ مقدما علیه حتى یبحث عن كیفیة تقدمه.

٤ . إن تقدم "كن" على "یكون" هو تقدم الإیجاد على ما یوجد به، وهو تقدم المعنى المصدري الفعلي على وجود المفعول والمخلوق الخارجي، فلا معنى لاحاطة وجود أحدهما بالآخر، ولا ینطبق ذلك على ما فسـر به وجود النشأتین بوجه من الوجوه.

٥ . تأویل آیات الذر إلى هذه المعاني الفلسفیة الموهونة البعیدة عن المعارف الحقة ـ بل الممتنعة في نفسها ـ خلاف ما التزم به صاحب التفسیر في مقدمة تفسیره حیث یقول:

«قد اجتنبنا فیها عن أن نركن إلى حجة نظریة فلسفیة أو إلى فرضیة علمیة، أو إلى مكاشفة عرفانیة».١

«والبحث الصحیح یوجب أن تفسـر هذه البیانات اللفظیة على ما یعطیها اللفظ في العرف واللغة».٢

والتفسیر المذكور مشحون بأمثال هذا المورد المتجاوز به عن حریم ما التزم به صاحبه كما لا یخفى على المراجع.

٦ . الحجاب بین الخالق وخلقه هو نفس خلقه فلا یرتفع أبدا إلا على المباني الفلسفیة والعرفانیة الذاهبة إلى إنكار معنى الخلقة من رأسها، والقول بأن حقیقة وجود


  1. الطباطبايي، محمد حسين: تفسير الميزان، ١ / ١٢.
  2. الطباطبايي، محمد حسين: تفسير الميزان، ١ / ٨٩.
٥٤٣الوحدة العرفانیّة الضالّة

المخلوق هو نفس وجود الخالق بعینه بحیث تحصل بمشاهدة النفس مشاهدة الرب المتعال!!

٧ . الطریق إلى معرفة الخالق تعالی منحصـر بالاستدلال علیه من غیره.

٨ . قیام فعل الخالق تعالی به جل وعلا لا یكون على نحو كون ذلك مرتبة من مراتب وجوده أو تجلیا من تجلیات ذاته حتى تحصل بوجدان ذلك وجدان حقیقة ذات الخالق تعالی كما تزعمه الفلسفة والعرفان، بل هو قیام المعنى المصدري الفعلي بوجود الفاعل المختار كما قلناه.

٩ . إن حقیقة وحدانیة الرب تعالی هو تعالیه الذاتي عن الامتداد والعدد والجزء والكل، وعن حیطة والإدراك والمشاهدة مطلقا، فمشاهدتها في أي نشأة فرضت تكون من أوضح المحال.

١٠ . الاعتقاد بقیام نشأة وجودیة بوجود الخالق تعالی خلاف البرهان وضـرورة المذهب التي تتحاشى حتى عن القول بأن الله تعالى له صفات قائمة به وتذهب إلى القول بأن صفات الله جل جلاله عین ذاته ـ على المشهور بین المتأخرین ـ ومنفیة عنها مطلقا ـ على التحقیق ـ.

١١ . الحكم باختصاص قذارة الشـرك والواث المعاصـي بهذه النشأة دون عالم الذر خلاف ما تدل علیه الأدلة المثبتة لوجود عالم الذر، فإنها تدل بالصـراحة على وجود من أقرّ هناك بلسانه بما أنكره بقلبه، وبهذا الاختلاف یظهر على أولي الأفهام مدى تخالف مباني الانظار البشـریة مع ما یصدر عن مصدر الهدایة الإلهیة.

١٢ . إذا اختصت تلك النشأة بكونها فعل الله تعالى القائم به عند أصحاب الفلسفة دون هذه النشأة، فما هو حكم هذه النشأة الدنیویة؟! فهل هناك من خالق غیر الله ؟! أم لهم تفسیر آخر لمعنى الخلقة؟!

قال الله تعالى:

«هَلْ مِنْ خالِقٍ غَيْرُ الله يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَ الْأَرْضِ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ.

وَ إِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ وَ إِلَى اللهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ.

يا أَيُّهَ

معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام٥٤٤

ا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ الله حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَ لا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللهِ الْغَرُورُ.

إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّما يَدْعُوا حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحابِ السَّعيرِ.

الَّذينَ كَفَرُوا لَهُمْ عَذابٌ شَديدٌ وَ الَّذينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَ أَجْرٌ كَبيرٌ.

أَ فَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً فَإِنَّ الله يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَ يَهْدي مَنْ يَشاءُ فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسـراتٍ إِنَّ الله عَليمٌ بِما يَصْنَعُونَ».١

ما هو معنى معاینة الله ومخاطبته؟!

قد وقع التعبیر عن التعریف الذرّي في الروایات بالمعاینة والمخاطبة وإرائة الله تعالى نفسه، ولذا قد یتوهم أهل السلوك العرفاني ومن یحذو حذوهم ویتبع نعالهم أن المعرفة الذریة قد تعلقت هناك بذات الخالق المتعال، بلا وساطة آثاره ودلالة خلقه علیه، ویدّعون أن السالك یجد الله تعالى بكنه ذاته بوجدان نفسه هاهنا أیضا بعد الغفلة التامة عن كل تعلقاته الوجودیة والوصول إلى مرحلة اللاعقلیة واللاوهمیة واللافكریة.

وذلك أن وجود المخلوق عندهم عین وجود الخالق بكنهه، ولا فرق بینهما إلا بحدود الماهیات الاعتباریة أو الوهمیة أو الواقعیة (ولا یخفى أن تسمیة أمر یكون هذا حاله أمرا واقعیا كما ترى!) التي تحصل من توجهات النفس وإشاراتها فقط وإلا فمع صـرف النظر عن هذا التوجه والإشارة فلیس شیئا غیر الله تعالى!

ویزعمون أن الوصول إلى تلك الحالة قد یحصل على نحو غیر


  1. الفاطر (٣٥): ٤ ـ ٩.
٥٤٥الوحدة العرفانیّة الضالّة

إرادي، وقد یحصل إرادیا بسبب ریاضات وتمارین في جهة تحصیل الغفلة التامة من الماهیات واللا فكري ووجدان كل نفس نفسه معراة عن الحدود والاعتبارات والتعینات.

وقد كشفنا عن حقیقة حال هذه الریاضات التي لیست في الواقع إلا تلقینات باطلة وتصـرفات شیطانیة، في كتابنا الذي كتبناه لبیان بطلان السلوك العرفاني، وإنا بعد أن أوضحنا أن العلم والمعرفة بالله تعالى لا یحصل إلا من جهة العلم بأثره وفعله وصنعه، وبینا أنه لا یحصل العلم بوجوده تعالى إلا بواسطة خلقه، ولا یمكن أن نجده بذاته مطلقا، فلا یبقى شك في بطلان الآراء المذكورة، فإن المحال الذاتي لا ینقلب إمكانا، والذات التي تكون على خلاف العدد والزمان والمكان لا تكون قابلة للمشاهدة والإدراك والوجدان مطلقا.

یقولون: حیث إن إدراك الذات المتعالیة محال فلا یكون ذلك إلا من صنعه تعالى، ولا یحصل إلا بفعله، ولا ینسب إلا إلیه!

ونقول: إن المحال الذاتي لا یتعلق به الفعل مطلقا، والله جل جلاله یتعالى عن إرادة المحال.

الإمام أمیر المؤمنین عليه السلام:

«ممتنع عن الإدراك بما ابتدع من تصـریف الذوات».١

الإمام الرضا صلوات الله علیه:

«لیس في محال القول حجة، ولا في المسألة عنه جواب، ولا في معناه له تعظیم، ولا في إبانته عن الخلق ضیم إلا بامتناع الأزلي٢ أن یثنى٣».٤


  1. بحار الأنوار، ٤ / ٢٢٢، عن التوحید.
  2. المخالف للامتداد والعدد غير القابل للإدراك والوجدان.
  3. وأن يكون امتداديا وعدديا قابلا للإدراك والوجدان بنفسه.
  4. التوحيد، ٤٠.
معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام٥٤٦

فلا یرفع الحجاب بینه وبین خلقه أبدا لأن الحجاب لیس إلا نفس مخلوقیة المخلوق فكیف یمكن سلبها عنه.

«خلق الله الخلق حجاب بینه وبینهم».١

الإمام الكاظم عليه السلام:

«لیس بینه وبین خلقه حجاب غیر خلقه، احتجب بغیر حجاب محجوب واستتر بغیر ستر مستور، لا إله إلا هو الكبیر المتعال».٢

الإمام الرضا عليه السلام:

«فالحجاب بینه وبین خلقه لامتناعه مما یمكن في ذواتهم ولإمكان ذواتهم مما یمتنع منه ذاته».٣

إرائة الآیات أم إرائة الذات؟!

فرفع هذا الحجاب لا یمكن أبدا، بل ونفس الروایات الواردة في بیان المعرفة الذریة مصـرحة بأن التعریف في ذلك الموقف أیضا وقع بإرائة صنع الخالق تعالى وبدلالة المخلوقات على وجوده، فیكون المراد من المعاینة المصـرحة بها في تلك الروایات هو شدة الیقین الحاصل من رؤیة الأثر والصنع على وجود المؤثر والصانع. حیث إن التعبیر بالمعاینه والارائة والمخاطبة عن كمال العلم والیقین الحاصل من الصنع في غایة الحسن والبلاغة ولا عكس:

الإمام الباقر عليه السلام:

«وأخرج من ظهر آدم ذریته إلى یوم القیامة، فخرجوا كالذر فعرّفهم وأر»اهم


  1. التوحيد، ٣٥ ـ ٣٦.
  2. بحار الأنوار، ٣ / ٣٢٧، عن التوحید.
  3. بحار الأنوار، ٤ / ٢٨٥، عن التوحید.
٥٤٧الوحدة العرفانیّة الضالّة

صنعه، ولولا ذلك لم یعرف أحد ربه، وقال: قال رسول الله صلی الله علیه و آله: كل مولود یولد على الفطرة، یعني على المعرفة بأن الله عز وجل خالقه، فذلك قوله «ولن سئلتهم من خلق السماوات والأرض لیقولن الله» .١

فالتعبیر عن هذه الحالة في أمثال المقام أمر شائع بلیغ ولا دلالة فیها على وقوع المعرفة على الذات بلا واسطة فإن المحال لا ینقلب إمكانا أبدا.

الإمام الرضا صلوات الله علیه:

«لیس في محال القول حجة، ولا في المسألة عنه جواب، ولا في معناه له تعظیم، ولا في إبانته عن الخلق ضیم إلا بامتناع الأزلي٢ أن یثنى٣».٤

«قلت له: أخبرني عن الله عز وجل هل یراه المؤمنون یوم القیامة؟! قال (الإمام الصادق عليه السلام): نعم وقد رأوه قبل یوم القیامة فقلت: متى؟! قال: حین قال لهم «ألست بربكم قالوا: بلى» ثم سكت ساعة، ثم قال: وإن المؤمنین لیرونه في الدنیا قبل یوم القیامة؛ ألست تراه في وقتك هذا؟!

قال أبو بصیر: قلت له: جعلت فداك، فأحدّث بهذا عنك؟! فقال: لا، إنك إذا حدّثت به فأنكره منكر جاهل بمعنى ما تقوله ثم قدّر أن ذلك تشبیه وكفر، ولیست الرؤیة بالقلب كالرویة بالعین تعالى الله عما یصفه المشبهون والمحددون».٥

والتعریف بالآیات والعلامات هو طریق تعریف الخالق نفسه للعباد في كل المواطن والمواقف ولا ینحصـر به التعریف في عالم الذر:

الإمام أمیر المؤمنین عليه السلام:

«الحمد لله المتجلي لخلقه بخلقه، والظاهر لقلوبهم بحجته».٦

الإمام الصادق عليه السلام:

«إنما عرّف الله عز وجل نفسه إلى خلقه بالكلام والدلالات علیه والأعلام».٧

«...


  1. التوحيد، ٣٣٠ ـ ٣٣١.
  2. المخالف للامتداد والعدد غير القابل للإدراك والوجدان.
  3. وأن يكون امتداديا وعدديا قابلا للإدراك والوجدان بنفسه.
  4. التوحيد، ٤٠.
  5. بحار الأنوار، ٤ / ٤٤ ـ ٤٥، عن التوحيد، ١١٧.
  6. نهج البلاغة، الخطبة، ١٠٨.
  7. الروضة من الكافي، ١ / ٢٧٦.
معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام٥٤٨

قال بأي شـيء عرفناه؟ قال عليه السلام: بغیره، قال: فأي شـيء غیره؟ قال الرضا عليه السلام: مشیته واسمه وصفته وما أشبه ذلك، وكل ذلك محدث مخلوق مدبّر».١

«إن الله أظهر ربوبیته في إبداع الخلق».٢

الإمام الرضا عليه السلام:

«وبها [الأشیاء] عرّفها الإقرار».٣

فكیف یجوز غمض العین عن صـریح الروایات وواضح دلالتها، وعدم التوجه إلى بلیغ تشبیهها واستعارتها وكنایتها وحقیقتها ومجازها، والغفلة من حقایق المعاني المرادة منها الدال علیها، والقرائن الواضحة العقلیة واللفظیة المنصوبة علیها؟!

الإمام أمیر المؤمنین عليه السلام:

«كل معروف بنفسه مصنوع».٤

«لیس بإله من عرف بنفسه، هو الدال بالدلیل علیه».٥

الإمام سید الشهداء عليه السلام:

«لیس برب من طرح تحت البلاغ».٦

الإمام الرضا عليه السلام:

«إذا لقامت فیه آیة المصنوع، ولتحول دلیلا بعد ما كان مدلولا علیه».٧

«


  1. التوحيد، ٤٣٣.
  2. بحار الأنوار، ٣ / ٢٢٤.
  3. بحار الأنوار، ٤ / ٢٣٠.
  4. بحار الأنوار، ٤ / ٢٢٨.
  5. بحار الأنوار، ٤ / ٢٥٣.
  6. بحار الأنوار، ٤ / ٣٠١، عن تحف العقول.
  7. التوحيد، ٤٠.
٥٤٩الوحدة العرفانیّة الضالّة

ولما كان للبارئ معنى غیر المبروء».١

وبما أوضحناه یظهر جلیا أن القائل بإمكان وجدان ذات الخالق بنفسها من جهة معرفة النفس ووجدانها أو غیرها، هو القائل بوحدة الوجود وعینیة ذات الخالق والمخلوق بعینه، نعوذ بالله تعالى من القول بذلك.

المعرفة الفطریة؟!

ومما جاء في "تفسیر المیزان":

«إذا اشتغل الإنسان بالنظر إلى آیات نفسه، وشاهد فقرها إلى ربها، وحاجتها في جمیع أطوار وجودها وجد أمرا عجیبا. وجد نفسه متعلقة بالعظمة والكبریاء، متصلة في وجودها وحیاتها وعلمها وقدرتها وسمعها وبصـرها وإرادتها وحبها وسائر صفاتها وأفعالها بما لا یتناهی بهاء وسناء وجمالا وكمالا من الوجود والحیاة والعلم والقدرة وغیرها من الكمال...

وعند ذلك تنصـرف عن كل شـيء وتتوجه إلى ربها، وتنسى كل شـيء وتذكر ربها. فلا یحجبه عنها حجاب، ولا تستتر عنه بستر، وهو حق المعرفة الذي قدر لإنسان.وهذه المعرفة الأحرى بها أن تسمى بمعرفة الله بالله .٢

إن الإنسان إذا اشتغل بآیة نفسه وخلا بها عن غیرها انقطع إلى ربه من كل شـيء، وعقّب ذلك معرفة ربه معرفة بلا توسیط وسط، وعلما بلا تسبیب سبب، إذ الانقطاع یرفع كل حجاب مضـروب، وعند ذلك یذهل الإنسان بمشاهدة ساحة العظمة والكبریاء عن نفسه، وأحرى بهذه المعرفة أن تسمى معرفة الله بالله ».٣


  1. التوحيد، ٤٠.
  2. الطباطبايي، محمد حسين: تفسير الميزان، ٦ / ١٧٢.
  3. الطباطبايي، محمد حسين: تفسير الميزان، ٦ / ١٧٥.
معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام٥٥٠

ونقول:

المعرفة المذكورة ووجدان الأمر العجیب عندهم مبتنیة على ما یدعیه أصحاب العرفان والفلسفه من كون وجود الخالق والمخلوق متحدا عینا وخارجا ـ بأن تكون المخلوقات مراتب وجود الخالق تعالی أو نفس صوره المتعینة بصور المخلوقات والمتجلیة في الأقدار المتخالفات ـ

وعلیه فإذا وجد السالك نفسه بلا واسطة ولا حجاب فقد وجد ربه وخالقه عندهم بلا ستر ولا سبب!! وهذه المعرفة الخاطئة المخالفة للوجدان والبرهان وضـرورة الأدیان تعدّ عندهم المعرفة حق المعرفة. وهذه المعرفة التي تكون في الحقیقة معرفة المخلوق بعنوان الخالق تحسب عندهم معرفة الله بالله .

یقول الشیخ محمد جواد الخراساني قدس الله روحه:

«إنه تخیل١أن فساد الكشف لأجل عدم أهلیة مدعیه، أو لأجل قولهم بالفناء فقال: لا مانع من أن یعرف الله تعالى أولیائه الخاصة ممن شملتهم العنایة الإلهیة، ذاته المقدسة بالذات المقدسة بنوره عرفانا شهودیا بقدر ما شاء من غیر الفناء الذي یقول به الصوفیة. وزعم أن هذا من معرفة الذات بالذات وأنه شـيء استفاده من الروایات ـ أعاذنا الله من أمثال هذه التوهمات ـ بل المدعى من مذهب أهل البیت ^ أن كشف الذات وإدراكه من حیث هو ذاته تعالى ممتنع بالذات، سمّي كشفا صوفیا أم لم یسمّ، قیل معه بالفناء أم لم یقل، قیل بوحدة الوجود أم لم یقل، قیل بأنه هو الوجود أم لم یقل، قیل بأهلیة الكاشف أم لم یقل».٢

ولا یذهب علیك أن روایات معرفة النفس التي قد یهتم بها أصحاب الفلسفة والعرفان شدیدا، وهي القائلة بأن: "من عرف نفسه فقد عرف ربه"، لهي من أهون الروایات مدركا، ومن أفسد الروایات بما یفسـرها أصحاب الفلسفة والعرفان معنى.حیث إنها لا توجد الغالب منها إلا في الكتب غیر المعتبرة عند المحققین المشتملة على الروایات الشاذة التي لا توجد أمثالها في كتبنا المعتبرة المشهورة كـ:"غوالي اللئالي" و"غرر الحكم" و"مصباح الشـریعة".

وأما بطلان المعنى الذي تفسـر به الروایات المذكورة عند أهل السلوك العرفاني والفلسفي فأظهر من الشمس للناظر في مباحثنا والحمد لله.

إن قلت: ما هو فائدة التعریف في عالم الذر؟

قلت: تحتمل وجوها:

منها: أنه إن لم یكن ذلك التعریف لكنافي تلك المواطن قبل النزول إلی الدنیا غیر عارفین بالله تعالی، وأما بعد ما أنعم الله علینا بالتعریف الذري أصبحنا عارفین موحدین حتی في تلك المواطن قبل النزول


  1. بعض المعاصـرين.
  2. الخراساني، محمد جواد، هداية الأئمة إلى معارف الأئمة: ٢٧٨.
٥٥١الوحدة العرفانیّة الضالّة

إلی الدنیا، لا جاهلین بربنا وملحدین.

ومنها: أنه یمكن أن یكون من آثار التعریف الذريأن أصبحنا في الدنیا أقرب إلی قبول هدایة الأنبیاء وتعریفهم لنا، ولعله إن لم یتقدم لنا ذلك التعریف كان فهم التوحید وقبوله من الأنبیاء ^ أصعب علینا.

الباب السادس عشـر:

شأن العقل في طریق

شأن العقل

في طریق معرفة الله تعالی

معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام٥٥٤

معرفة الله تعالى

إشارة

إنك لا ترى أحدا من الفلاسفة والعرفاء وعقلاء البشـر ـ فضلا عن جهالهم ـ أن یكون مصیبا في طریق معرفة الله ویعرفه حق معرفته، وذلك أن العقل على شـرافته وعلو شأنه فشأنه شأن الباصـرة مع النور حیث لا ینفع وجودها إلا مع وجوده. والنور هاهنا هو بیان الخالق تعالی وأولیائه المعصومون ^.

ثم إنه حیث لا تتم الحجة بقیام أحدهما دون الأخرى فلا یصح ترجیح إحدى الحجتین ـ من العقل والبیان ـ على الأخرى كما یفعله الفلسفي فإن كل واحد منهما یكمّل حجیة الآخر، ویقصـر عن إفادة المطلوب باستقلاله، فلاوجه لتوهم المعارضة بینهما أصلا.

فلا تحصل المعرفة ولا تتم الحجة إلا بمعرفة الحجة سلام الله علیه أبدا وتصبح بذلك أصول الدین منحصـرة بأصل واحد وهو

٥٥٥شأن العقل

معرفة المعصوم والتسلیم المطلق لدیه لا غیر،

وإلیك تفصیل البحث:

عظمة شأن العقل

لك أن تقول: إذا كان لا تحصل معرفة الله تعالى إلا ببیان منه تعالی وهدایته فما شأن العقل في طریق معرفة الله ، وكیف لا یلزم أن تكون المعرفة على ما قلت تعبدیة غیر عقلیة؟!

فأقول: لا شبهة في شـرافة قدر العقل وعظمة شأنه، وهو الذي ورد فیه عن العصمة الرّبانیة:

رسول الله صلی الله علیه و آله:

«قوام المرء عقله، لا دین لمن لا عقل له».١

«لا عدم أشد من عدم العقل».٢

الإمام الكاظم عليه السلام:

«إن الله تبارك وتعالى بشـر أهل العقل والفهم في كتابه، فقال «فبشـر عباد الذین یستمعون القول فیتبعون أحسنه٣ أولئك الذین هداهم الله وأولئك


  1. كنز الفوائد، ٢ / ٣١؛ روضة الواعظين، ١ / ٤؛ بحار الأنوار، ١ / ٩٤ . ١٥٨.
  2. بحار الأنوار، ١ / ٨٨، عن أمالي الشیخ الطوسي.
  3. وعلى هذا التفسير فيكون قوله تعالى "أحسنه" مفعولا مطلقا لبيان كيفية الاتباع وليس بمفعول به، فلا تتوهمن أنه يجوز الرجوع إلى كل متكلم والاستماع منه.
معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام٥٥٦

هم أولوالألباب».١

«... ثم ذمّ الذین لا یعقلون فقال:... «إن شـر الدواب عند الله الصم البكم الذین لا یعقلون».٢

«كان أمیر المؤمنین صلوات الله علیه یقول: ما من شـيء عبد الله به أفضل من العقل... وإن ضوء الروح العقل، فإذا كان العبد عاقلا كان عالما بربه، وإذا كان عالما بربه أبصـر دینه... ما قسم الله بین العباد أفضل من العقل، نوم العاقل أفضل من سهر الجاهل، وما بعث الله نبیا إلا عاقلا حتى یكون عقله أفضل من جمیع جهد المجتهدین، وما أدیالعبد فریضة من فرائض الله حتى عقل عنه».٣

العقل أو المعصوم؟!

فأقول جوابا عن سؤالك عن شأن العقل في معرفة الله تعالى:

إن امتناع حصول العلم والإقرار بوجود الخالق بلا رجوع إلى البیان، وإنسداد طریق إثبات وجود الخالق إلا من بیان الحجج لا یستلزم أن یكون الأمر تعبدیا غیر عقلي، فلا منافاة بین وجوب الرجوع إلی البیان والأخذ بالعقل.

توضیح ذلك: إنك تارة ترجع إلی البیان وتسأله عن شـيء فیجیبك فتقبل قوله لا عن فهم علة الحكم وملاكه ـ كوجوب الإخفات في الظهر ـ مثلا فهو تعبد لا غیر، ومرة أخرى تفهم شیئا بنفسك بلا رجوع إلى أحد كالحكم باستحالة اجتماع النقیضین مثلا وذاك عقلي صـرف، ومرة ثالثة تفكر في مشكلة فلا تقدر على حلّها، ثم ترجع إلى غیرك فیستدل لك علیها ببرهان تعقله وتفهمه بعقلك، فتحل عقدتك من بیانه بقنوع


  1. البحراني،"قدس سـره": العوالم، كتاب العلم، ٨١.
  2. البحرانى، "قدس سـره": العوالم، كتاب العلم والعقل، ٨٣.
  3. بحار الأنوار، ١ / ١٥٣؛ البحراني،"قدس سـره": العوالم، كتاب العلم والعقل.
٥٥٧شأن العقل

من نفسك، فلیس هذا من التعبد في شـيء.

فللعقل في هذه المسألة الثالثة شأن عظیم بحیث أنه لو لا أنك كنت عاقلا لما نفعك البیان، كما أن للبیان أیضا هاهنا لشأنا عظیما لأنه لو لم یكن لكان عقلك بنفسه قاصـرا عن حلّ المشكلة.

وذلك كما أن صحیح العین لا یرى إلا بالنور، والنور أیضا لا ینفع إلا من له عین سليمة، ولا تحصل الرؤیة إلا بهما معا. وهذا هو الحال بعینه في حصول العلم بوجود الله تعالى، فإنه لو لم یكن التعریف والبیان من الله تعالى لما حصلت المعرفة ولو لأشـرف مخلوق وأكمل موجود:

الإمام الصادق عليه السلام:

«لو لا الله ما عرفناه».١

كما أنه لو لم یمنّ أصحاب الوحى ^ بتعریف الخالق تعالى لغیرهم لما حصلت المعرفة لاحد أبدا:

«ولو لا نحن ما عرف الله ».٢

الإمام المهدي عليه السلام:

«نحن صنائع ربنا والخلق بعد صنائعنا».٣

الإمام الباقر عليه السلام:

«بنا عبد الله ، وبنا عرف الله ، وبنا وحّد الله ، ومحمد حجاب الله تبارك وتعالى».٤

الإمام الصادق عليه السلام:

«بنا عرف الله ، وبنا عبد الله . نحن الأدلاء على الله ، ولو لا نا ما عبد الله ».٥

ولیس


  1. بحار الأنوار، ٣ / ٢٧٣.
  2. الكافي، ١ / ١٤٤ ؛ التوحيد، ١٥١ ـ ٢٩٠ ؛ بحارالأنوار، ٣ / ٢٧٣.
  3. بحار الأنوار، ٥٣ / ١٧٨، عن الاحتجاج.
  4. الكافي، ١ / ١٤٥، باب النوادر.
  5. التوحيد، ١٥٢.
معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام٥٥٨

ذلك من الله تعالى بالنسبة إلیهم إلا إكراما لشأنهم وإعظاما لحقهم، وإلا فلا یحتاج الله في إیصال جوده وكرمه وهدایته إلی الخلق، إلی توسیط وسائط، خلافا للفلاسفة والعرفاء والشیخیة والتفكیكو...

فلیس هناك امتناع ذاتي في أن یلهم الله تعالى العلمَ بوجوده كلَّ أحد بلا واسطه، ولكن الله تعالى لم یفعل ذلك بل اقتضـى حكمته البالغة أن یجعل الرسول الأعظم وآله صلی الله علیه و آله أبوابا لمعرفته ومحالا لتوحیده:

الإمام أمیر المؤمنین عليه السلام:

«إن الله لو شاء لعرّف العباد نفسه، ولكن جعلنا أبوابه وصـراطه وسبیله والوجه الذي یؤتى منه».١

«وسدَّ الأبواب إلا بابه فقال: أنا مدینة العلم وعلىّ بابها، فمن أراد المدینة والحكمة فلیأتها من بابها».٢

فمن الباطل أن یقال: إنه یمتنع التعریف (بل الخلقة والإیجاد). من الله تعالى إلا بالواسطة بتوهم اقتضاء قاعدة إمكان الأشـرف وحفظ مراتب الوجود، وأمثال ذلك من القواعد الفلسفیة الواهیة.

وعلى ما قدّمناه فتمسك القائل بعدم جواز الرجوع إلى المعصوم لإثبات وجود


  1. إثبات الهداة، ١ / ٥٩، عن الكافي.
  2. القمي: مفاتيح الجنان، دعاء الندبة.
٥٥٩شأن العقل

الخالق بلزوم التعبد والدور، أو بتوهم خروج معرفة التوحید على هذا البیان عن كونه بالعقل ودخوله في ما یكون بالتعبد، مما لا ینبغي التفوه به، فإنه لا منافاة بین كون المعرفة تفضلا من الله تعالى ومن أولیائه١ محال معرفته وأبواب توحیده بالنسبة إلى من سواهم، وبین كونها عقلیة بعد توجیه المكلف إلى الموضوع اللائق بالإثبات من ناحیة الخالق تعالى:

«ولو لا فضل الله علیكم ورحمته ما زكى منكم أحد أبدا».٢

الإمام الصادق عليه السلام:

«الفضل، رسول الله صلی الله علیه و آله ؛ والرحمة، أمیر المؤمنین صلوات الله علیه».٣

فلا یعدّ العقل والبیان حجتان مستقلتان إحدیهما في عرض الأخرى حتى یصبح ما یحصل بالبیان تعبدیة، بل تقصـر كل واحدة منهما بالاستقلال عن الحجیة والإفادة في طریق إثبات وجود الخالق المتعال، وهما معا تعدّان حجة واحدة:

«كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ


  1. ... فلما رفع الصادق عليه السلام يده قال: الحمد لله رب العالمين، اللهم هذا منك ومن رسولك صلى الله عليه و آله وسلم، فقال ابو حنيفة: يا اأبا عبدالله أجعلت مع الله شـريكا؟! فقال عليه السلام: ويلك إن الله تبارك وتعالى يقول في كتابه: وما نقموا إلا أن أغنيهم الله ورسوله من فضله ويقول عزّ وجلّ في موضع آخر: ولو أنهم رضوا ما آتيهم الله رسوله وقالوا حسبنا الله سيؤتينا الله من فضله ورسوله. فقال أبو حنيفة: والله كأني ماقرأتهما قط من كتاب الله ولا سمعتهما إلا في هذا الوقت. فقال أبو عبد الله عليه السلام: بلى قد قرأتهما وسمعتهما ولكن ألله انزل فيك وفي أشباهك: "أم على قلوب أقفالها" وقال تعالى: "كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون" بحار الأنوار، ١٠/ ٢١٦ عن كنز الفوائد للكراجكي قدس سـره، ١٩٦.
  2. النور (٢٤): ٢١.
  3. بحار الأنوار، ٩ / ١٩٤.
معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام٥٦٠

لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُون ».١

«قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُون ».٢

«لَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ كِتاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَ فَلا تَعْقِلُونَ».٣

«لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُل».٤

«إن الله أكمل للناس الحجج بالعقول، ونصـر النبیین بالبیان».٥

الإمام الصادق عليه السلام:

«حجة الله على العباد النبي، والحجة في ما بین العباد وبین الله العقل».٦

«... ثم بین أن العقل مع العلم فقال: «وتلك الأمثال نضـربها للناس وما یعقلها إلا العالمون».٧

«لا نجاة إلا بالطاعة، والطاعة بالعلم، والعلم بالتعلم، والتعلم بالعقل یعتقد، ولا علم إلا من عالم رباني ومعرفة العالم بالعقل».٨

«إن لله على الناس حجتین: حجة ظاهرة، وحجة باطنة، فأما الظاهرة فالرسل والأنبیاء والأئمة^ وأما الباطنة فالعقول».٩

«ما بعث الله أنبیائه ورسله إلى عباده إلا لیعقلوا عن الله ، فأحسنهم استجابة أحسنهم معرفة، وأعلمهم بأمر الله أحسنهم عقلا، وأكملهم عقلا أرفعهم درجة في الدنیا والآخرة».١٠

«


  1. الأنبياء (٢١): ١٠.
  2. آل عمران (٣): ١١٨.
  3. الأنبياء (٢١): ١٠.
  4. النساء (٤): ١٦٥.
  5. إثبات الهداة، ١ / ٤١.
  6. إثبات الهداة ١ / ٤٢.
  7. العنكبوت، ٤٢؛ البحراني: العوالم، كتاب العقل، ٨٣.
  8. إثبات الهداة، ١ / ٤١.
  9. إثبات الهداة، ١ / ٤.
  10. الكافي، ١ / ١٦.
٥٦١شأن العقل

بالعقل استخرج غور الحكمة، وبالحكمة استخرج غور العقل».١

«وفي خبر إبن السكیت قال: فما الحجة على الخلق الیوم؟ فقال الرضا عليه السلام: العقل، تعرف به الصادق على الله فتصدقه، والكاذب على الله فتكذبه».٢

أبواب المعرفة:

لا ینتج النظر والقیاس الحاصل من الاستبداد بالتعقل والتفكر إلا شـركا وضلالا، ولا تجد معرفة التوحید الحقیقي وحقیقة معرفة التوحید إلا في بیوت أذن الله أن ترفع ویذكر فیها اسمه:

الإمام الباقر عليه السلام:

«بنا عبد الله ، وبنا عرف الله ، وبنا وحّد الله ، ومحمد حجاب الله تبارك وتعالى».٣

ولا یذهب علیك أنه لا شك في حجیة حكم العقل ومطابقته مع الواقع، ولكن العقلاء كثیرا ما یخلطون بین أحكام العقل والوهم والظنون والأهواء، فما یصدر من العقلاء هو أحكام العقلاء ولیس بحكم العقل دائما، وأما أولیاء الوحي ^ فهم المعصومون عن خلط أحكام العقل بالوهم مطلقا.

وعلى ذلك فمدّعو العقل من البشـر إن لم یستبدوا بآرائهم ورجعوا إلى أبواب المعرفة الإلهیة لانحصـر الاختلاف والخطأ بموارد قلیلة كفهم متشابهات ما ورد من الآیات والروایات، ولكانوا معذورین عند العقل والشـرع في ما یصدر عنهم من الخطأ والاشتباه إحیانا:


  1. إثبات الهداة، ١ / ٤٢.
  2. بحار الأنوار، ١ / ١٠٥.
  3. الكافي، ١ / ١٤٥، باب النوادر.
معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام٥٦٢

قال رسول الله صلی الله علیه و آله لعلي عليه السلام:

«إنك والأوصیاء من بعدك عرفاء لا یعرف الله إلا بسبیل معرفتكم».١

الإمام أمیر المؤمنین عليه السلام:

«من ترك الأخذ عمن أمر الله عز وجل بطاعته قیض الله له شیطانا فهو له قرین».٢

الإمام الباقر علیه السلام:

«بلیة الناس علینا عظیمة، إن دعوناهم لم یستجیبوا لنا، وإن تركناهم لم یهتدوا بغیرنا».٣

«عن یونس بن عبدالرحمن قال: قلت لأبي الحسن عليه السلام: بما أوحد الله ؟ فقال: یا یونس، لا تكونن مبتدعا، من نظر برأیه هلك، ومن ترك أهل بیت نبیه ضل، ومن ترك كتاب الله وقول نبیه كفر».٤

فلا فرق في ما یجب فیه الرجوع إلى الحجج ^ بین المعارف العقلیة والأحكام التعبدیة إلا أن في القسم الأول یؤخذ بالدلیل والبرهان الذي یقیمه الحجة فیخرج الأمر بذلك عن كونه تعبدیا، وفي القسم الثاني یكفي فیه التعبد ولا یلزم المكلف على فهم الدلیل الدال على الحكم.

قال علی عليه السلام لرسول الله صلی الله علیه و آله:

«یا رسول الله ، أمنا الهداة أم من غیرنا؟ قال: لا، بل منا إلى یوم القیامة. بنا استنقذهم الله من ضلالة الشـرك، وبنا استنقذهم الله من ضلالة الفتنة، وبنا یصبحون إخوانا بعد الضلالة».‌٥


  1. بحار الأنوار، ٢٣ / ٩٩، عن الخصال.
  2. الخصال، ٢ / ٤٢٩.
  3. أمالي الصدوق قدس سـره، ٦٠٩؛ بحار الأنوار، ٤٦ / ٢٨٨.
  4. الكافي، ١ / ٥٦؛ إثبات الهداة، ١ / ٥٧.
  5. بحار الأنوار، ٢٣ / ٤٢، عن الإکمال الدین.
٥٦٣شأن العقل

الإمامان أبو عبد الله وأبو جعفر ^:

«إن العلم الذي أهبط مع آدم لم یرفع، والعلم یتوارث، وكل شـيء من العلم وآثار الرسول والأنبیاء لم یكن من أهل هذا البیت وهو باطل، وإن علیا عالم هذه الأمة، وإنه لن یموت منا عالم إلا خلف من بعده من یعلم مثل علمه».١

الإمام الباقر عليه السلام:

«یا أبا حمزة، یخرج أحدكم فراسخ فیطلب لنفسه دلیلا، وأنت بطرق السماء. أجهل منك بطرق الأرض فاطلب لنفسك دلیلا».٢

الإمام العسكري عليه السلام:

«لو لا محمد والأوصیاء من ولده كنتم حیاری كالبهائم».٣

وفي زیارة الجامعة الكبیرة:

«السلام على محال معرفة الله ... أعزكم بهداه، وخصكم ببرهانه... ورضیكم... أركانا لتوحیده... فالراغب عنكم مارق، واللازم لكم لاحق... ونوره وبرهانه عندكم... من أتاكم نجى، ومن لم یأتكم هلك... من أراد الله بدء بكم ومن وحده قبل عنكم».

الدین بكماله هو معرفة الحجة لا غیر

والعجب ممن لا یرى تنافیا بین الاعتقاد بوجوب تبعیة الحجة وبین جواز الرجوع إلى غیرهم لاكتساب المعارف وهو یرى الاختلاف البین بینهما في جلّ المسائل بل كلها بحیث لا یمكنه الجمع بینهما إلا بتأویل محكمات أقوال الحجج الإلهیة


  1. بحار الأنوار، ٢٣ / ٣٩، عن الإکمال الدین.
  2. الكافي، ١٨٤.
  3. بحار الأنوار، ٢٣ / ١٠٠، عن علل الشـرائع.
معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام٥٦٤

فضلا عن متشابهاتها إلى معان منطبقة على فلسفة أهل الشـرك والضلال، وأعجب من ذلك إنكارهم على من تنبّه إلى المبائنة والتنافي بین المعارف السماویة والأرضیة، وأوجب الرجوع إلى معادن العلم الحقیقي لا إلى أهل الظنون والأهواء، فینكرون على أهل الحق حقهم ویسمونهم أهل الظاهر والجمود و...، فیا عجبا قد أصبح المعروف منكرا والمنكر معروفا حیث یسمّى مدافعو معارف الأدیان والبراهین الساطعه الصادرة عن أولیاء الملك الدیان أهل الظاهر والجمود!! ویسمّى أهل الظنون الواهیة والأهواء المردیة ومخربو بنیان الشـریعة بإدخال آراء المدارس الضالة البشـریة ـ وهي الفلسفة الیونانیة التي لیست في الواقع إلا تبیین عقائد أهل الشـرك شـركهم بصورة علمیة وفنّیة ـ أهل الفهم والعقل والبرهان!!

وهذا هو بعینه ما یفعله العامة العمیاء المخالفون لأهل البیت ^ أصولا وفروعا حیث یعدون أنفسهم موالین لأهل بیت النبى صلی الله علیه و آله ثم یأخذون معالم دینهم من غیرهم! فیالیتهم وافق قولهم فعلهم حتی لا یغترّ الناس بهم، ویعرفوهم بحقیقة أمرهم.

«... أتى أبو حنیفة إلى أبي عبد الله جعفر بن محمد علیه أفضل الصلوة والسلام، فخرج إلیه یتوكأ على عصا، فقال أبو حنیفة: ما هذه العصا یا أبا عبد الله ؟ ما بلغك من السن ما كنت تحتاج إلیها، قال: أجل، ولكنها عصا رسول الله صلی الله علیه و آله فأردت أن أتبرك بها. قال: أما إني لو علمت ذلك وأنها عصا رسول الله لقمت وقبلتها.

فقال أبو عبدالله عليه السلام: سبحان الله ! ـ وحسـر عن ذراعه ـ وقال:

والله یا نعمان، لقد علمت أن هذا من شعر رسول الله صلی الله علیه و آله ومن بشـره فما قبّلته!

فتطاول أبو حنیفه لیقبّل یده، فاستلّ كمه وجذب یده ودخل منزله».١


  1. بحار الأنوار، ١٠ / ٢٢٢، و دعائم الإسلام مع اختلاف یسیر.
٥٦٥شأن العقل

الإمام أمیر المؤمنین عليه السلام:

«یا معشـر شیعتنا والمنتحلین مودتنا، إیاكم وأصحاب الرأي فإنهم أعداء السنن. تفلّتت منهم الأحادیث أن یحفظوها وأعیتهم السنة أن یعوها فاتخذوا عباد الله خولا وماله دولا، فذلت لهم الرقاب، وأطاعهم الخلق أشباه الكلاب، ونازعوا الحق أهله، وتمثلوا بالأئمة الصادقین وهم من الكفار الملاعین، فسئلوا عما لا یعلمون فأنفوا إن یعترفوا بأنهم لا یصلحون، فعارضوا الدین بآرائهم فضلوا وأضلوا».١

الإمام أمیر المؤمنین عليه السلام:

«نحن الأعراف الذي لا یعرف الله إلا بسبیل معرفتنا، إلى أن قال: إن الله لو شاء لعرّف العباد نفسه، ولكن جعلنا أبوابه وصـراطه وسبیله والوجه الذي یؤتى منه، إلى أن قال: ولا سواء حیث ذهب الناس إلى عیون كدرة، یفرغ بعضها في بعض، وذهب من ذهب إلینا إلى عیون صافیة لا نفاد لها ولا انقطاع».٢

«من دان الله بالرأي لم یزل دهره في ارتماس».٣

الإمام الصادق عليه السلام:

«كذب من زعم أنه من شیعتنا وهو متمسك بعروة غیرنا».٤

«من دان الله بغیر سماع من صادق ألزمه الله ألتیه الفناء، ومن ادعى سماعا من غیر الباب الذي فتحه الله لخلقه فهو مشـرك، وذلك الباب هو الأمین


  1. بحار الأنوار، ٢ / ٨٤.
  2. إثبات الهداة، ١ / ٥٩، عن الكافي.
  3. إثبات الهداة، ١ / ٦٤، عن الكافي.
  4. بحار الأنوار، ٢ / ٩٨، عن صفات الشیعة للصدوق (ره).
معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام٥٦٦

المأمون على سـر الله المكنون».‌١

«عن یونس بن یعقوب: كتب إليّ أبو الحسن الأول وهو في السجن: وأما ما ذكرت یا علي، ممن تأخذ معالم دینك؟ لا تأخذن معالم دینك عن غیر شیعتنا، فإنك إن تعدّیتهم أخذت دینك عن الخائنین الذین خانوا الله ورسوله وخانوا أماناتهم. إنهم اؤتمنوا على كتاب الله جل وعلا فحرفوه وبدلوه، فعلیهم لعنة الله ولعنة رسوله وملائكته ولعنة آبائي الكرام البررة ولعنتي ولعنة شیعتي إلى یوم القیامة».٢

«أبى الله أن یجري الأشیاء إلا بأسباب، فجعل لكل شـيء سببا وجعل لكل سبب شـرحا وجعل لكل شـرح علما وجعل لكل علم بابا ناطقا، عرفه من عرفه، وجهله من جهله، ذاك رسول الله صلی الله علیه و آله ونحن».٣

«الأوصیاء أبواب الله عز وجل التي یؤتى منها، ولولا هم ما عرف الله عز وجل، وبهم احتج الله على خلقه».٤

فلا یمكن النیل إلى المعارف الحقة حتی العقلية منها بلا رجوع إلى الحجج الإلهیة، ولا تتوهمن أنه یمكن أن یوصل إلیها ولكن الله لا یقبل ذلك ولا یؤجر علیه، بل الحق أنه تنتفي معرفة الله تعالى بانتفاء معرفة الإمام:

«سئل أبو عبد الله الحسین عليه السلام: ما معرفة الله ؟ قال: معرفة أهل كل زمان إمامهم الذي تجب علیهم طاعته».٥

الإمام الباقر عليه السلام:

«إنما یعرف


  1. إثبات الهداة، ١ / ٧١، عن غيبة النعماني،"قدس سـره"، والكافي.
  2. بحار الأنوار، ٢ / ٨٢، عن الكشى.
  3. إثبات الهداء، ١ / ٥٩، عن الكافي.
  4. إثبات الهداة، ١ / ٦٠، عن الكافي.
  5. بحار الأنوار، ٢٣ / ٨٣، عن علل الشرایع.
٥٦٧شأن العقل

الله عز وجل ویعبده من عرف الله وعرف إمامه منا أهل البیت، ومن لا یعرف الله عز وجل ولا یعرف الإمام منا أهل البیت فإنما یعرف ویعبد غیر الله هكذا والله ضلالا».١

«ولیعلموا أن الحق معنا وفینا لا یقول ذلك سوانا إلا كذاب مفتر ولا یدعیه غیرنا إلا ضال غوی».٢

«كل من دان الله عز وجل بعبادة یجهد فیها نفسه ولا إمام له من الله فسعیه غیر مقبول، وهو ضال متحیر والله شأنى ء لأعماله... والله یا محمد، من أصبح من هذه الأمة لا إمام له من الله عز وجل ظاهر عادل أصبح ضالا تائها، وإن مات على هذه الحالة مات میتة كفر ونفاق.

واعلم یا محمد، إن أئمة الجور وأتباعهم لمعزولون عن دین الله قد ضلوا واضلوا، فأعمالهم التي یعملونها كرماد اشتدت به الریح في یوم عاصف، لا یقدرون مما كسبوا على شـيء، ذلك هو الضلال البعید».٣

«... سألت أبا عبد الله عليه السلام عن قول رسول الله صلی الله علیه و آله: من مات ولیس له إمام مات میتة جاهلیة؟! فقال: نعم، إلى أن قال: فقلت: میتة كفر؟ فقال: میتة ضلال... إلى أن قال: میتة كفر ونفاق وضلال»٤

كیف یصح لنا أن ننكر بداعي اتباع العقل حكما صـریحا عقلیا آخر وهو: "وجوب رجوع الجاهل بالمبدأ والمعاد و... إلى العالم الشاهد على الخلق لا إلى الأوهام والظنون"، التي هي من أبده البدیهیات عند العقل بل یكون طریق النیل إلى الحقائق منحصـرا


  1. الكافي باب معرفة الإمام والرد إليه.
  2. بحار الأنوار، ٣ / ١٩٠، عن إکمال الدین.
  3. الكافي، ١ / ١٨٤.
  4. إثبات الهداة، ١ / ١٢٦، عن المحاسن.
معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام٥٦٨

بذلك ولا نكلف إلا به:

الإمام الباقر عليه السلام:

«إنما كلّف الناس ثلاثة: معرفة الأئمة، والتسلیم لهم في ما ورد علیهم، والردّ إلیهم في ما اختلفوا فیه».١

«یا أبا حمزة، یخرج أحدكم فراسخ فیطلب لنفسه دلیلا وأنت بطرق السماء أجهل منك بطرق الأرض فاطلب لنفسك دلیلا».٢

الدین على أصل واحد

ومن هنا تعلم أنه لا دور أصلا في جعل أصول الدین منحصـرا بأصل واحد وهو معرفة الحجة والتسلیم له فقط لا غیر.

وذلك أن معرفة الحجة لا بعنوان أنه حجة الله ، بل بعنوان أنه العالم ونحن الجاهلون یكون أمرا قابلا للتجربة والاختبار لكل أحد من الناس ولا یكون أمرا تعبدیا، كما أن وجوب تسلیم الجاهل عند العالم أیضا أمر عقلي ولیس من التعبد في شـيء.

هذا كله، مع أن الحجة أیضا بعد الرجوع إلیه لا یدل على المعارف العقلیة بالتعبد، بل هو معلم العقول وهادیها إلى ما لا یمكن إلیه الوصول بإقامة البرهان بل بأتم البراهین وأوضحها.

ثم من المعلوم أن بهذا التعریف یخرج عن الدین منكر الضـروري والكافر بغیر التوحید والنبوة والمعاد بنفس التعریف، ولا نحتاج لإخراجهما عن الدین والحكم بكفرهما إلى تكلّف التقیید وزیادة التوضیح.

عن یونس بن یعقوب عن أبي عبد الله عليه السلام:

«... قال قلت له: إني سمعتك تنهي عن الكلام وتقول: ویل لأهل الكلام یقولون: هذا ینقاد، وهذا لا ینقاد وهذا ینساق وهذا لا ینساق، وهذا نعقله


  1. الكافي، ١ / ٣٩٠.
  2. الكافي، ١ / ١٨٤.
٥٦٩شأن العقل

وهذا لا نعقله.فقال أبو عبد الله عليه السلام:

إنما قلت ویل لهم إن تركوا ما أقول وذهبوا إلى ما یریدون».١

ولا یخفَ علیك، أن المراد من أهل الكلام هاهنا هم الذین لا یرجعون في معارفهم إلى المعصومین عليهم السلام وإن لم یسموا بالمتكلم في اصطلاحنا، ولیس المراد منه الذین لا یقرّرون إلا ما صدر عنهم ^ من البراهین ولا یتّبعون إلا إیاهم، فإنه لیس المتكلم المذموم في مصطلحهم ^ إلا أهل الأهواء والآراء والذین یتكلمون في ذات الله الذي قد ورد في ذلك:

الإمام أبو جعفر عليه السلام:

«تكلموا في كل شـيء ولا تكلموا في الله ».٢

الإمام أبو عبد الله عليه السلام:

«یهلك أصحاب الكلام وینجوا المسلمون، إن المسلمین هم النجباء».٣

«والإمام أبو عبد الله عليه السلام، دخل علیه قوم من هؤلاء الذین یتكلمون في الربوبیة. فقال رأینا وقسنا" فیفعل الله بنا وبكم ما یشاء».٤

ولا یذهب علیك أنه لا وجه لتخصیص هذه الروایة وأمثالها بالفروغ الفقهیة كما قد یتوهم.


  1. إثبات الهداة، ١ / ٦٥، عن التوحيد.
  2. التوحيد: ٤٥٥.
  3. التوحيد، ٤٥٨؛ بصائر الدرجات، ٥٢١، بحار الأنوار، ٢ / ١٣٢.
  4. بحار الأنوار، ١٠ / ٢٢١، عن دعائم الإسلام.
معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام٥٧٠

الإمام أبوالحسن الرضا عليه السلام:

«إنه من یصف ربه بالقیاس لا یزال الدهر في الالتباس، مائلا عن المنهاج، ظاعنا في الاعوجاج، ضالا عن السبیل».١

ومع هذا فالعجب مما قد یقال:

«الفیلسوف الكامل هو الإمام ـ حسب ما عرفه الفارابي ـ وسائر الفلاسفة الإلهیین أمته وحواریه وصحبه وتلامیذه، لأن ذلك الفیلسوف الكامل هو العالم الرباني، وهؤلاء المتفكرون في الفلسفة الإلهیة هم المتعلمون على سبیل النجاة».٢

«قال رجل للصادق عليه السلام: فإذا كان هؤلاء القوم من الیهود لا یعرفون الكتاب إلا بما یسمعونه من علمائهم لا سبیل لهم إلى غیره، فكیف ذمهم بتقلیدهم والقبول من علمائهم؟ وهل عوام الیهود إلا كعوامنا یقلدون علمائهم؟ فإن لم یجز لأولئك القبول من علمائهم لم یجز لهؤلاء القبول من علمائهم؟!

فقال عليه السلام: بین عوامنا وعلمائنا وبین عوام الیهود وعلمائهم فرق من جهة وتسویة من جهة، أما من حیث استووا فإن الله قد ذم عوامنا بتقلیدهم علمائهم كما ذم عوامهم، وأما من حیث افترقوا فلا. قال: بین لي یا بن رسول الله .

قال عليه السلام: إن عوام الیهود كانوا قد عرفوا علمائهم بالكذب الصـریح، وبأكل الحرام، والرشاء، وبتغییر الأحكام عن واجبها بالشفاعات والعنایات والمصانعات، وعرفوهم بالتعصب الشدید الذي یفارقون به أدیانهم، وأنهم إذا تعصبوا أزالوا حقوق من تعصبوا علیه، وأعطوا ما لا یستحقحه من تعصبوا


  1. بحار الأنوار، ٤ / ٣٠٣، عن تفسیر الإمام المنسوب.
  2. جوادي، عبد الله: علي بن موسى الرضا عليه السلام والفلسفة الإلهيه، ٤.
٥٧١شأن العقل

له من أموال غیرهم وظلموهم من أجلهم. وعرفوهم یقارفون المحرمات واضطروا بمعارف قلوبهم إلى أن من فعل ما یفعلونه فهو فاسق لا یجوز أن یصدق على الله ولا على الوسائط بین الخلق وبین الله ، فلذلك ذمهم لما قلدوا من قد عرفوا وقد علموا أنه لا یجوز قبول خبره ولا تصدیقه في حكایاته ولا العمل بما یؤدیه إلیهم عمن لم یشاهدوه، ووجب علیهم النظر بأنفسهم في أمر رسول الله صلی الله علیه و آله إذ كانت دلائله أوضح من أن تخفى وأشهر من أن لا تظهرلهم.

وكذلك عوام أمتنا إذا عرفوا من فقهائهم الفسق الظاهر والعصبیة الشدیدة والتكالب على حطام الدنیا وحرامها وإهلاك من یتعصبون علیه وإن كان لإصلاح أمره مستحقا، والترفرف بالبر والإحسان على من تعصبوا له وإن كان للإذلال والإهانة مستحقا.

فمن قلّد من عوامنا مثل هؤلاء الفقهاء فهم مثل الیهود الذین ذمهم الله تعالى بالتقلید لفسقة فقهائهم، فأما من كان من الفقهاء صائنا لنفسه، حافظا لدینه، مخالفا على هواه، مطیعا لأمر مولاه، فللعوام أن یقلّدوه، وذلك لا یكون إلا بعض فقهاء الشیعة لا جمیعهم، فأما من ركب من القبائح والفواحش مراكب فسقة فقهاء العامة فلا تقبلوا منهم عنا شیئا ولا كرامة، وإنما كثر التخلیط في ما یتحمل عنا أهل البیت لذلك، لأن الفسقة یتحملون عنا فیحرفونه بأسـره لجهلهم، ویضعون الأشیاء على غیر وجوهها لقلة معرفتهم، وآخرین یتعمدون الكذب علینا لیجرّوا من عرض الدنیا ما هو زادهم إلى نار جهنم، ومنهم قوم نصاب لا یقدرون على القدح فینا فیتعلمون بعض علومنا الصحیحة فیتوجهون به عند شیعتنا وینتقصون بنا عند نصابنا، ثم یضیفون إلیه أضعافه وأضعاف أضعافه من الأكاذیب علینا

معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام٥٧٢

التي نحن منه برءاء منها، فیقبله المستسلمون من شیعتنا على أنه من علومنا فضلوا وأضلوا.

وهم أضـر على ضعفاء شیعتنا من جیش یزید علیه اللعنة على الحسین بن علي علیهما السلام وأصحابه، فإنهم یسلبونهم الأرواح والأموال وهؤلاء علماء السوء الناصبون المتشبهون بأنهم لنا موالون ولأعدائنا معادون یدخلون الشك والشبهة على ضعفاء شیعتنا فیضلونهم ویمنعونهم عن قصد الحق المصیب.

ثم قال: قال رسول الله صلی الله علیه و آله شـرار علماء أمتنا المضلون عنا، القاطعون للطرق إلینا، المسمّون أضدادنا بأسمائنا، الملقبون أندادنا بألقابنا، یصلّون علیهم هم للّعن مستحقون...

ثم قال: قیل لأمیر المؤمنین عليه السلام: من خیر خلق الله بعد أئمة الهدى ومصابیح الدجى؟ قال: العلماء إذا صلحوا. قیل: ومن شـر خلق الله بعد إبلیس وفرعون ونمرود وبعد المتسمین بأسمائكم، وبعد المتلقبین بألقابكم والآخذین لأمكنتكم والمتأمرین في ممالككم؟

قال: العلماء إذا فسدوا.

هم المظهرون للأباطیل الكاتمون للحقائق وفیهم قال الله عز وجل: «أولئك یلعنهم الله ویلعنهم اللاعنون إلا الذین تابوا» الآیة»١

حرمة الأخذ عن غیر صاحب المعجزة عقلا ونقلا


  1. بحار الأنوار، ٢ / ٨٧ ـ ٨٩، عن تفسیر الإمام المنسوب.

حرمة الأخذ عن غیر صاحب المعجزة

عقلاً ونقلاً

معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام٥٧٤

هناك روایات تقول: الحكمة ضالة المؤمن، یأخذها حیث وجدها، وقد یتوهم أن ذلك معارض لما ادعیناه من امتناع حصول معرفة الله تعالى من غیر بیان الخالق تعالی وأولیائه المعصومین ^، فیتوهم احیانا أنها تدل علی جواز الرجوع إلی كل أحد في تحصیل المعارف والعلم والاعتقاد الصحیح

وهذا الفصل من الكلام یجیب عن ذلك بیان:

المعنى المراد من الحكمة

الكشف عن تفسیر آیة: «فبشـر عباد...»

من هو المأمور بالأخذ عن أي أحد

الناقل لعلوم الأولیاء لیس كالقائل بالأهواء والآراء

الحكمة ضالة المؤمن

إن قلت: كیف یختص

٥٧٥حرمة الأخذ عن غیر صاحب المعجزة

العلم بأولیاء الوحي وكیف لا یجوز الرجوع إلى غیرهم وهم الذین یقولون بأنفسهم:

«فَبَشِّرْ عِبادِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ وَأُولئِكَ هُمْ أُولُوا الْأَلْباب».١

رسول الله صلی الله علیه و آله:

«الحكمة ضالة المؤمن یأخذها حیث وجدها».٢

الإمام أمیر المؤمنین عليه السلام:

«خذوا الحكمة ولو من المشـركین».٣

«الحكمة ضالة المؤمن، فخذ الحكمة ولو من أهل النفاق».٤

«خذ الحكمة ممن أتاك بها، وانظر إلى ما قال، ولا تنظر إلى من قال».٥


  1. الزمر (٣٩): ٢٠.
  2. البحراني، العوالم، كتاب العلم، ٤١١.
  3. البحراني: العوالم، كتاب العلم، ٤١١.
  4. البحراني: العوالم، كتاب العلم، ٤١١.
  5. غرر الحكم.
معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام٥٧٦

الإمام الباقر عليه السلام:

«من وصایا المسیح على نبینا وآله وعليه السلام: لم یضـركم من نتن القطران إذا أصابكم سـراجه، خذوا العلم ممن عنده ولا تنظروا عمله».١

قلت: أولا: إن كان المراد من الحكمة علم الشـرایع والأدیان والمعارف والتوحید والمبدأ والمعاد فكیف یمكن أن نأخذه عن الیهود والنصاری والمشـركین وأهل الأهواء والضلالات؟!!

«عن محمّد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام قال: قلت له: إن من عندنا یزعمون أن قول الله «فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون» إنهم الیهود والنصاری. قال: إذا یدعونكم إلى دینهم، قال: ثم أومأ بیده إلى صدره وقال: نحن أهل الذكر ونحن المسؤولون».٢

وإن كان المراد منها النصایح والوصایا التي یوافق العدل والحق الذب یعرفها كل أحد باقتضاء الفطرة البشـریة كوجوب الإنصاف وترك اللذات الفانیة الدنیویة والزهد والعفاف وأشباه ذلك، فما هو المانع حینئذ من أخذه من كل أحد ولو كان ضالا في اعتقاده مبطلا في عمله؟!

غیر أن ذلك أیضا لا یرجى ممن نال صافیة عیون الحكمة الربانیة من علوم أهل بیت النبوة صلوات الله علیهم أجمعین.

وفي حدیث النبى صلی الله علیه و آله حین أتاه عمر فقال: إنا نسمع أحادیث من الیهود تعجبنا، فترى أن نكتب بعضها؟ فقال رسول الله صلی الله علیه و آله:

«أفتهوكون كما تهوكت الیهود والنصاری؟! لقد جئتكم بها بیضاء نقیة، ولو


  1. البحراني: العوالم، كتاب العلم، ٤١٢.
  2. الاستر آبادي: تأويل الآيات الباهرة، ١ / ٣٢٤.
٥٧٧حرمة الأخذ عن غیر صاحب المعجزة

كان موسى حیا لما وسعه إلا اتباعي».١

الإمام أمیر المؤمنین عليه السلام:

«أول الحكمة ترك اللذات، وآخرها مقت الفانیات».٢

«حد الحكمة الإعراض عن دار الفناء والتولّه بدار البقاء».٣

«من الحكمة أن لا تنازع من فوقك، ولا تستذل من دونك، ولا تتعاطیما لیس في قدرتك، ولا یخالف لسانك قلبك، ولا قولك فعلك، ولا تتكلم فیما لا تعلم».٤

«قیل للقمان: ما یجمع من حكمتك؟ قال: لا أسأل عما كفیته، ولا أتكلف ما لا یعنیني».٥

«وأحسن كلمة حكم جامعة: أن تحب للناس ما تحب لنفسك، وتكره لهم ما تكره لها».٦

وثانیا: أنه یمكن أن یكون قوله «أحسنه» في الآیة الشـریفة مفعولا مطلقا بمعنی الاتباع الأحسن أی یتبعونه أحسن الاتباع لا مفعولا به وذلك كما فسـره الإمام الصادق عليه السلام:

«... سألت الصادق عليه السلام عن قول الله عز وجل «الذین یستمعون القول فیتبعون أحسنه» إلى آخر الآیة، قال: هم المسلمون لآل محمّد، الذین إذا سمعوا الحدیث لم یزیدوا فیه ولم ینقصوا عنه وجاوؤا به كما سمعوه».٧

فیكون


  1. بحار الأنوار: ٢ / ٩٩، عن دعوات الراوندي.
  2. غرر الحكم.
  3. غرر الحكم.
  4. غرر الحكم.
  5. بحار الأنوار، ١٣ / ٤١٧، عن قصص الأنبیاء.
  6. بحار الأنوار، ٧٧ / ٢٠٨، من وصية أمير المؤمنين إلى الحسن بن علي وإلى محمد بن الحنفيةمن طرق کثیره.
  7. البحراني: تفسير البرهان، ٤ / ٧٢.
معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام٥٧٨

المعنى حینئذ: فیتبعونه اتباعا حسنا.

الإمام أبي الحسن علي بن محمد الهادي علیهما السلام:

«وقال فَبَشـر عِبادِ الَّذِینَ یسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَیتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ. أي: أحكمه وأشـرحه. أُولئِكَ الَّذِینَ هَداهُمُ الله وَأُولئِكَ هُمْ أُولُوا الْأَلْباب».١

ویشهد لهذا المعنى صدر الآیة أیضا حیث یقول:

«والذین اجتنبوا الطاغوت أن یعبدوها وأنابوا إلى الله فلهم البشـرى».

فإن من عبادة الطاغوت هو الاستماع إلى من یقول عن رأیه لا عن حجة إلهي:

الإمام الجواد عليه السلام:

«من أصغى إلى ناطق فقد عبده، فإن كان الناطق عن الله فقد عبد الله ، وإن كان الناطق ینطق عن لسان إبلیس فقد عبد إبلیس».٢

فیكون المعنى حینئذ: «الذین یجتنبون الطاغوت (أي غیر المعصوم) أن یعبدوها (أي أن یستمعوا قوله) وأنابوا إلى الله (برجوعهم إلى المعصوم والأخذ عنه) فلهم البشـرى، «فبشـر عباد الذین یستعمون القول» (أي قول الله والمعصوم)، «فیتبعون أحسنه» (أي یتبعونه أحسن الاتباع).

وثالثا: لا تعارض بین ما دل على جواز أخذ العلم والحكمة من كل أحد، وما دل على أن العلم الصحیح لا یوجد إلا عندهم عليهم السلام، وذلك إذا كانوا أولئك ناقلین لعلوم المعصومین ^ لا لما یقتضیه أهوائهم وآرائهم، لأنه لا مانع من كون غیرهم ناقلا لعلومهم ^ في عین ضلالتهم، وحینئذ فلا بأس بالأخذ بنقلهم إذا كانوا موثوقا بهم:

الإمام الباقر عليه السلام:

«


  1. تحف العقول، ٤٥٨.
  2. بحار الأنوار،٢ / ٩٤، عن تحف العقول.
٥٧٩حرمة الأخذ عن غیر صاحب المعجزة

إن لنا أوعیة نملأها علما وحكما، ولیست لها بأهل، فما نملأها إلا لتنقل إلى شیعتنا، فانظروا إلى ما في الأوعیة، فخذوها ثم صفوها من الكدورة تأخذونها بیضاء نقیة، والأوعیة فأنها وعاء سوء فتنكبوها».١

الإمام الصادق عليه السلام:

«اطلبوا العلم من معدن العلم، وإیاكم والولائج فیهم الصادون عن الله ، ثم قال: ذهب العلم وبقي غبرات العلم في أوعیة سوء فأحذروا باطنها فإن في باطنها الهلاك، وعلیكم بظاهرها فإن في ظاهرها النجاة».٢

ورابعا: أن من وجد ماء نتنا كدرا فیتعصب علیه ویتوهم أن ذلك أعذب المیاه وألذّها، ینبغي أن یقال له: علیك بشـرب قطرة من كل ماء امتحانا، وتجرب میاه مختلفة حتى ترى هل أنك تكون بالواقع على الماء العذب الصافي أم لا، وأما من اهتدى إلى عذب ماء یعترف بصفوه كل عالم وجاهل ومخالف وموافق، فكیف یجوز له أن یرجع القهقرى فیصبح في أسفل سافلین؟!

فعلى الضال عن معرفة الإمام أن یفحص عن كل شـيء حتى یهتدي إلى هداه، ولیس على المهتدي إلیه أن یخرج من النور إلی الظلمة، ومن حقه إلى باطل غیره.

الإمام الرضا عليه السلام:

«رحم الله عبدا أحیى أمرنا، فقلت له: كیف یحیي أمركم؟ قال: یتعلم علومنا ویعلمها الناس، فإن الناس لو علموا محاسن كلامنا لاتبعونا».٣

فإن:

قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ فَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعينَ.٤

الإمام الحسین عليه السلام:

لله الحجة


  1. البحراني: العوالم، كتاب العلم، ٣٩٤.
  2. البحراني: العوالم، كتاب العلم، ٣٩٩.
  3. بحار الأنوار، ٢ / ٣٠، عن معاني الإخبار.
  4. الأنعام (٦): ١٤٩.
معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام٥٨٠

البالغة عليهم بالرسل والرسالة والبيان والدعوة وهو أجل من أن يكون لأحد منهم عليه حجة فمن أجابه فله النور والكرامة ومن أنكره فإن الله غني عن العالمين وهو أسرع الحاسبين.١

والإمام نور، أبین الحجج وأتمها، صاحب المعجزات ومثبت للحقایق، ولا یحتاج إلی مثبت غیر نفسه:

سألت أبا جعفر عليه السلام عن قوله فَآمِنُوا بِالله ورَسُولِهِ والنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنا، فقال: يا أبا خالد، النور والله الأئمة من آل محمد ص إلى يوم القيامة، وهم والله نور الله الذي أنزل وهم والله نور الله في السماوات والأرض.

يا أبا خالد لنور الإمام في قلوب المؤمنين أنور من الشمس المضيئة بالنهار وهم والله ينورون قلوب المؤمنين ويحجب الله نورهم عمن يشاء فتظلم قلوبهم، والله يا أبا خالد لا يحبنا عبد ويتولانا حتى يطهر الله قلبه ولا يطهر الله قلب عبد حتى يسلم لنا ويكون سلما لنا فإذا كان سلما لنا سلمه الله من شديد الحساب وآمنه من فزع يوم القيامة الأكبر.٢

هو الشاهد علی نفسه بنفسه كما أن الله تعالی كذالك بما لهما من العلم والقدرة والكمالات الظاهرة، فلیس لأحد أن یقول: ما هو شاهد الإمام؟

كما أنه لیس لأحد أن یسأل: بم یری النور؟ لأنالنور هو الذی یری به الأشیاء ولا یری هو بشـيء آخر:

«... قلت لأبي جعفر عليه السلام:"قُلْ كَفى بِالله شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ" قال: إيانا عنى وعلي أفضلنا وأولنا وخيرنا بعد النبي صلی الله علیه و آله

... سألته


  1. التوحيد، ٢٤٠.
  2. الكافي، ١ / ١٩٣؛ تفسيرالقمي، ٢ / ٣٧١.
٥٨١حرمة الأخذ عن غیر صاحب المعجزة

عن قوله:"قُلْ كَفى بِالله شَهِيداً بَيْنِي وَ بَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ" فقال نزلت في علي بعد رسول الله صلی الله علیه و آله وفي الأئمة بعده وعلي عنده علم الكتاب.

... عن أبي جعفر عليه السلام في قوله:"وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ" قال نزلت في علي عليه السلام أنه عالم هذه الأمة بعد النبي ».١

أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له كما شهد الله لنفسه وشهدت له ملائكته وأولو العلم من خلقه لا إله إلا هو العزيز الحكيم .٢

فإنها ظاهرة لكل أحدولا یقبل الإنكار، ومن كان ممن وسعه إنكار ذلكفهو خارج من دائرة التكلیف:

فبلغ الله بكم أشرف محل المكرمين وأعلى منازل المقربين وأرفع درجات المرسلين حيث لا يلحقه لاحق ولا يفوقه فائق ولا يسبقه سابق ولا يطمع في إدراكه طامع.

حتى لا يبقى ملك مقرب ولا نبي مرسل ولا صديق ولا شهيد ولا عالم ولا جاهل ولا دني ولا فاضل ولا مؤمن صالح ولا فاجر طالح ولا جبار عنيد ولا شيطان مريد ولا خلق فيما بين ذلك شهيد إلا عرفهم جلالة أمركم وعظم خطركم وكبر شأنكم وتمام نوركم وصدق مقاعدكم وثبات مقامكم وشرف محلكم ومنزلتكم عنده وكرامتكم عليه وخاصتكم لديه وقرب منزلتكم منه .٣

وحیث إن الفضل ما شهدت به الأعداء، فكیف نحتاج لإثبات حقية مذهبنا إلی


  1. تفسير العياشي، ٢ / ٢٢٠.
  2. عيون أخبار الرضا عليه السلام، ٢ / ٢٧٣.
  3. من لا یحضره الفقیه، ٢ / ٦١٣.
معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام٥٨٢

شيء آخر؟!:

قال ابن أبي الحدید:

«فأما ضـرار بن ضمرة فإن الرياشـي روى خبره و نقلته أنا من كتاب عبد الله بن إسماعيل بن أحمد الحلبي في التذييل على نهج البلاغة، قال:

دخل ضـرار على معاوية وكان ضـرار من صحابة علي عليه السلام، فقال له معاوية: يا ضـرار، صف لي عليا! قال: أ وتعفيني!

قال: لا أعفيك...

وذكر أبو عمر بن عبد البر في كتاب الإستيعاب هذا الخبر فقال...

قال معاوية لضـرار الضبابي: يا ضـرار صف لي عليا! قال: اعفني يا أمير المؤمنين!

قال: لتصفنه! قال: أما إذ لا بد من وصفه، فكان والله بعيد المدى، شديد القوى، يقول فصلا، ويحكم عدلا، يتفجر العلم من جوانبه، وتنطق الحكمة من نواحيه، يستوحش من الدنيا وزهرتها، ويأنس بالليل ووحشته، وكان غزير العبرة، طويل الفكرة، يعجبه من اللباس ما قصـر، ومن الطعام ما خشن، كان فينا كأحدنا، يجيبنا إذا سألناه، وينبئنا إذا استفتيناه، ونحن والله مع تقريبه إيانا، وقربه منا لا نكاد نكلمه هيبة له.

يعظم أهل الدين، ويقرب المساكين، لا يطمع القوي في باطله، ولا ييئس الضعيف من عدله.

وأشهد لقد رأيته في بعض مواقفه وقد أرخى الليل سدوله، وغارت نجومه، قابضا على لحيته، يتململ تململ السليم، ويبكي بكاء الحزين ويقول: يا دنيا غري غيري! أ بي تعرضت؟ أم إلي تشوقت؟ هيهات! هيهات! قد باينتك ثلاثا

٥٨٣حرمة الأخذ عن غیر صاحب المعجزة

لا رجعة لي فيها! فعمرك قصير، وخطرك حقير. آه من قلة الزاد، وبعد السفر، ووحشة الطريق.

فبكى معاوية وقال: رحم الله أبا حسن، كان والله كذلك.

فكيف حزنك عليه يا ضـرار؟ قال: حزن من ذبح ولدها في حجرها».١

«... كنت أنا وابن أبي العوجاء وعبد الله بن المقفع في المسجد الحرام، فقال ابن المقفع: ترون هذا الخلق؟ وأومأ بيده إلى موضع الطواف، ما منهم أحد أوجب له اسم الإنسانية إلا ذلك الشيخ الجالس، يعني جعفر بن محمد علیهما السلام فأما الباقون فرعاع وبهائم.

فقال له ابن أبي العوجاء: وكيف أوجبت هذا الاسم لهذا الشيخ دون هؤلاء؟ قال: لأني رأيت عنده ما لم أر عندهم.فقال ابن أبي العوجاء: ما بد من اختبار ما قلت فيه منه. فقال له ابن المقفع: لا تفعل، فإني أخاف أن يفسد عليك ما في يدك! فقال: ليس ذا رأيك ولكنك تخاف أن يضعف رأيك عندي في إحلالك إياه المحل الذي وصفت! فقال ابن المقفع: أما إذا توهمت عليّ هذا فقم إليه وتحفظ ما استطعت من الزلل، ولا تثن عنانك إلى استرسال يسلمك إلى عقال، وسمه ما لك أو عليك.

قال فقام ابن أبي العوجاء وبقيت أنا وابن المقفع فرجع إلينا فقال: يا ابن المقفع، ما هذا ببشـر! وإن كان في الدنيا روحاني يتجسد إذا شاء ظاهرا ويتروح إذا شاء باطنا فهو هذا!

فقال له: وكيف ذاك؟ فقال: جلست إليه، فلما لم يبق عنده غيري ابتدأني فقال: إن يكن الأمر على ما يقول هؤلاء وهو على ما يقولون يعني أهل الطواف فقد سلموا وعطبتم و...٢


  1. ابن أبي الحدید، شـرح نهج البلاغة، ١٨ / ٢٢٥ ـ ٢٢٦.
  2. التوحيد، ١٢٦.
معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام٥٨٤

وكم لهذا من نظائر في كل لحظة وآن وقدم من حیاتهم المباركة لا تعدّولا تحصی.

وارجع إلی بحارالأنوار، ٤٠ / ١١٧، باب: ما جرى من مناقبه (أمیر المؤمنین عليه السلام) ومناقب الأئمة من ولده ^ على لسان أعدائهم، وغیر ذلك.

وقال ابن أبي الحدید:

«فأما فضائله عليه السلام فإنها قد بلغت من العظم والجلالة والانتشار والاشتهار مبلغا يسمج معه التعرض لذكرها والتصدي لتفصيلها فصارت كما قال أبو العيناء لعبيد الله بن يحيى بن خاقان وزير المتوكل والمعتمد:

رأيتني فيما أتعاطى من وصف فضلك كالمخبر عن ضوء النهار الباهر والقمر الزاهر الذي لا يخفى على الناظر فأيقنت أني حيث انتهى بي القول منسوب إلى العجز مقصـر عن الغاية فانصـرفت عن الثناء عليك إلى الدعاء لك ووكلت الإخبار عنك إلى علم الناس بك.

وما أقول في رجل أقر له أعداؤه وخصومه بالفضل ولم يمكنهم جحد مناقبهولا كتمان فضائله فقد علمت أنه استولى بنو أمية على سلطان الإسلام في شـرق الأرض وغربها واجتهدوا بكل حيلة في إطفاء نوره والتحريض عليه ووضع المعايب والمثالب له ولعنوه على جميع المنابر وتوعدوا مادحيه بل حبسوهم وقتلوهم ومنعوا من رواية حديث يتضمن له فضيلة أو يرفع له ذكرا حتى حظروا أن يسمى أحد باسمه فما زاده ذلك إلا رفعة وسموا وكان كالمسك كلما ستر انتشـر عرفه وكلما كتم تضوع نشـره وكالشمس لا تستر بالراح وكضوء النهار إن حجبت عنه عين واحدة أدركته عيون كثيرة.

٥٨٥حرمة الأخذ عن غیر صاحب المعجزة

وما أقول في رجل تعزى إليه كل فضيلة وتنتهي إليه كل فرقة وتتجاذبه كل طائفة فهو رئيس الفضائل وينبوعها وأبو عذرها وسابق مضمارها ومجلي حلبتها كل من بزغ فيها بعده فمنه أخذ وله اقتفى وعلى مثاله احتذى.

وقد عرفت أن أشـرف العلوم هو العلم الإلهي لأن شـرف العلم بشـرف المعلوم ومعلومه أشـرف الموجودات فكان هو أشـرف العلوم ومن كلامه عليه السلام اقتبس وعنه نقل وإليه انتهى ومنه ابتدأ...

وروى الكل أيضا أنه عليه السلام قال له وقد بعثه إلى اليمن قاضيا اللهم اهد قلبه وثبت لسانه قال فما شككت بعدها في قضاء بين اثنينوهو عليه السلام الذي أفتى في المرأة التي وضعت لستة أشهر وهو الذي أفتى في الحامل الزانية وهو الذي قال في المنبرية صار ثمنها تسعا وهذه المسألة لو فكر الفرضـي فيها فكرا طويلا لاستحسن منه بعد طول النظر هذا الجواب فما ظنك بمن قاله بديهة واقتضبه ارتجالا.

ومن العلوم علم تفسير القرآن وعنه أخذ ومنه فرع وإذا رجعت إلى كتب التفسير علمت صحة ذلك لأن أكثره عنه وعن عبد الله بن عباس وقد علم الناس حال ابن عباس في ملازمته له وانقطاعه إليه وأنه تلميذه وخريجه وقيل له أين علمك من علم ابن عمك فقال كنسبة قطرة من المطر إلى البحر المحيط.

ومن العلوم علم الطريقة والحقيقة وأحوال التصوف^١٦٣٤ وقد عرفت أن أرباب هذا الفن في جميع بلاد الإسلام إليه ينتهون وعنده يقفون وقد صـرح بذلك الشبلي والجنيد وسـري وأبو يزيد البسطامي وأبو محفوظ معروف الكرخي وغيرهم ويكفيك دلالة على ذلك الخرقة التي هي شعارهم إلى اليوم وكونهم يسندونها بإسناد متصل إليه عليه السلام.

ومن العلوم علم النحو والعربية وقد علم الناس كافة أنه هو الذي ابتدعه وأنشأه وأملى على أبي الأسود الدؤلي جوامعه وأصوله.

من جملتها الكلام كله

معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام٥٨٦

ثلاثة أشياء اسم وفعل وحرف .

ومن جملتها تقسيم الكلمة إلى معرفة ونكرة وتقسيم وجوه الإعراب إلى الرفع والنصب والجر والجزم وهذا يكاد يلحق بالمعجزات لأن القوة البشـرية لا تفي بهذا الحصـر ولا تنهض بهذا الاستنباط.

وإن رجعت إلى الخصائص الخلقية والفضائل النفسانية والدينية وجدته ابن جلاها وطلاع ثناياها.

وأما الشجاعة فإنه أنسى الناس فيها ذكر من كان قبله ومحا اسم من يأتي بعده ومقاماته في الحرب مشهورة يضـرب بها الأمثال إلى يوم القيامة وهو الشجاع الذي ما فر قط ولا ارتاع من كتيبة ولا بارز أحدا إلا قتله ولا ضـرب ضـربة قط فاحتاجت الأولى إلى ثانية.

وفي الحديث كانت ضـرباته وترا ولما دعا معاوية إلى المبارزة ليستريح الناس من الحرب بقتل أحدهما قال له عمرو لقد أنصفك فقال معاوية ما غششتني منذ نصحتني إلا اليوم أ تأمرني بمبارزة أبي الحسن وأنت تعلم أنه الشجاع المطرق أراك طمعت في إمارة الشام بعدي .

وكانت العرب تفتخر بوقوفها في الحرب في مقابلته فأما قتلاه فافتخار رهطهم بأنه عليه السلام قتلهم أظهر وأكثر قالت أخت عمرو بن عبدود ترثيه

لو كان قاتل عمرو غير قاتله بكيتــه أبدا ما دمت في الأبد

لكن قاتـــــله من لا نظير له وكان يدعى أبوه بيضة البلد.

وانتبه يوما معاوية فرأى عبد الله بن الزبير جالسا تحت رجليه على سـريره فقعد فقال له عبد الله يداعبه يا أمير المؤمنين لو شئت أن أفتك بك لفعلت فقال

٥٨٧حرمة الأخذ عن غیر صاحب المعجزة

لقد شجعت بعدنا يا أبا بكر قال وما الذي تنكره من شجاعتي وقد وقفت في الصف إزاء علي بن أبي طالب قال لا جرم أنه قتلك وأباك بيسـرى يديه وبقيت اليمنى فارغة يطلب من يقتله بها.

وجملة الأمر أن كل شجاع في الدنيا إليه ينتهى وباسمه ينادي في مشارق الأرض ومغاربها.

وأما القوة والأيد فبه يضـرب المثل فيهما

قال ابن قتيبة في المعارف ما صارع أحدا قط إلا صـرعه

وهو الذي قلع باب خيبر واجتمع عليه عصبة من الناس ليقلبوه فلم يقلبوه وهو الذي اقتلع هبل من أعلى الكعبة وكان عظيما جدا وألقاه إلى الأرض وهو الذي اقتلع الصخرة العظيمة في أيام خلافته عليه السلام بيده بعد عجز الجيش كله عنها وأنبط الماء من تحتها.

وأما السخاء والجود فحاله فيه ظاهرة وكان يصوم ويطوي ويؤثر بزاده وفيه أنزل ويُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِيناً ويَتِيماً وأَسِيراً إِنَّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ الله لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزاءً ولا شُكُوراً.

وروى المفسـرون أنه لم يكن يملك إلا أربعة دراهم فتصدق بدرهم ليلا وبدرهم نهارا وبدرهم سـرا وبدرهم علانية فأنزل فيه الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ بِاللَّيْلِ والنَّهارِ سـرا وعَلانِيَةً.

وروى عنه أنه كان يسقي بيده لنخل قوم من يهود المدينة حتى مجلت يده ويتصدق بالأجرة ويشد على بطنه حجرا.

معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام٥٨٨

وقال الشعبي وقد ذكره عليه السلام كان أسخى الناس كان على الخلق الذي يحبه الله السخاء والجود ما قال لا لسائل قط.

وقال عدوه ومبغضه الذي يجتهد في وصمه وعيبه معاوية بن أبي سفيان لمحفن بن أبي محفن الضبي لما قال له جئتك من عند أبخل الناس فقال ويحك كيف تقول إنه أبخل الناس لو ملك بيتا من تبر وبيتا من تبن لأنفد تبره قبل تبنه .

قال وهو الذي كان يكنس بيوت الأموال ويصلي فيها وهو الذي قال: يا صفراء ويا بيضاء غري غيري .

وهو الذي لم يخلف ميراثا وكانت الدنيا كلها بيده إلا ما كان من الشام.

وأما الحلم والصفح فكان أحلم الناس عن ذنب وأصفحهم عن مسي ء وقد ظهر صحة ما قلناه يوم الجمل حيث ظفر بمروان بن الحكم وكان أعدى الناس له وأشدهم بغضا فصفح عنه .

وكان عبد الله بن الزبير يشتمه على رءوس الأشهاد وخطب يوم البصـرة فقال قد أتاكم الوغد اللئيم علي بن أبي طالب وكان علي عليه السلام يقول ما زال الزبيررجلا منا أهل البيت حتى شب عبد الله فظفر به يوم الجمل فأخذه أسيرا فصفح عنه وقال اذهب فلا أرينك لم يزده على ذلك .

وظفر بسعيد بن العاص بعد وقعة الجمل بمكة وكان له عدوا فأعرض عنه ولم يقل له شيئا.

وقد علمتم ما كان من عائشة في أمره فلما ظفر بها أكرمها وبعث معها إلى المدينة عشـرين امرأة من نساء عبد القيس عممهن بالعمائم وقلدهن بالسيوف فلما كانت ببعض الطريق ذكرته بما لا يجوز أن يذكر به وتأففت وقالت هتك ستري برجاله وجنده الذين وكلهم بي فلما وصلت المدينة ألقى النساء عمائمهن

٥٨٩حرمة الأخذ عن غیر صاحب المعجزة

وقلن لها إنما نحن نسوة.

وحاربه أهل البصـرة وضـربوا وجهه ووجوه أولاده بالسيوف وشتموه ولعنوه فلما ظفر بهم رفع السيف عنهم ونادى مناديه في أقطار العسكر ألا لا يتبع مول ولا يجهز على جريح ولا يقتل مستأسـر ومن ألقى سلاحه فهو آمن ومن تحيز إلى عسكر الإمام فهو آمن ولم يأخذ أثقالهم ولا سبى ذراريهم ولا غنم شيئا من أموالهم .

ولو شاء أن يفعل كل ذلك لفعل ولكنه أبى إلا الصفح والعفو وتقيل سنة رسول الله ص يوم فتح مكة فإنه عفا والأحقاد لم تبرد والإساءة لم تنس.

ولما ملك عسكر معاوية عليه الماء وأحاطوا بشـريعة الفرات وقالت رؤساء الشام له اقتلهم بالعطش كما قتلوا عثمان عطشا سألهم علي عليه السلام وأصحابه أن يشـرعوا لهم شـرب الماء فقالوا لا والله ولا قطرة حتى تموت ظمأ كما مات ابن عفان فلما رأى عليه السلام أنه الموت لا محالة تقدم بأصحابه وحمل على عساكر معاوية حملات كثيفة حتى أزالهم عن مراكزهم بعد قتل ذريع سقطت منه الرءوس والأيدي وملكوا عليهمالماء وصار أصحاب معاوية في الفلاة لا ماء لهم فقال له أصحابه وشيعته امنعهم الماء يا أمير المؤمنين كما منعوك ولا تسقهم منه قطرة واقتلهم بسيوف العطش وخذهم قبضا بالأيدي فلا حاجة لك إلى الحرب فقال لا والله لا أكافئهم بمثل فعلهم افسحوا لهم عن بعض الشـريعة ففي حد السيف ما يغني عن ذلك .

فهذه إن نسبتها إلى الحلم والصفح فناهيك بها جمالا وحسنا وإن نسبتها إلى الدين والورع فأخلق بمثلها أن تصدر عن مثله عليه السلام.

وأما الجهاد في سبيل الله فمعلوم عند صديقه وعدوه أنه سيد المجاهدين وهل الجهاد لأحد من الناس إلا له وقد عرفت أن أعظم غزاة غزاها رسول الله ص وأشدها

معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام٥٩٠

نكاية في المشـركين بدر الكبرى قتل فيها سبعون من المشـركين قتل علي نصفهم وقتل المسلمون والملائكة النصف الآخر.

وإذا رجعت إلى مغازي محمد بن عمر الواقدي وتاريخ الأشـراف لأحمد بن يحيى بن جابر البلاذري وغيرهما علمت صحة ذلك دع من قتله في غيرها كأحد والخندق وغيرهما وهذا الفصل لا معنى للإطناب فيه لأنه من المعلومات الضـرورية كالعلم بوجود مكة ومصـر ونحوهما.

وأما الفصاحة فهو عليه السلام إمام الفصحاء وسيد البلغاء وفي كلامه قيل دون كلام الخالق وفوق كلام المخلوقين ومنه تعلم الناس الخطابة والكتابة قال عبد الحميد بن يحيى حفظت سبعين خطبة من خطب الأصلع ففاضت ثم فاضت وقال ابن نباتة حفظت من الخطابة كنزا لا يزيده الإنفاق إلا سعة وكثرة حفظت مائة فصل من مواعظ علي بن أبي طالب.

ولما قال محفن بن أبي محفن لمعاوية جئتك من عند أعيا الناس قال له ويحك كيف يكون أعيا الناس فو الله ما سن الفصاحة لقريش غيره.

ويكفي هذا الكتاب الذي نحن شارحوه دلالة على أنه لا يجارى في الفصاحة ولا يبارى في البلاغة وحسبك أنه لم يدون لأحد من فصحاء الصحابة العشـر ولا نصف العشـر مما دون له وكفاك في هذا الباب ما يقوله أبو عثمان الجاحظ في مدحه في كتاب البيان والتبيين وفي غيره من كتبه.

وأما سجاحة الأخلاق وبشـر الوجه وطلاقة المحيا والتبسم فهو المضـروب به المثل فيه حتى عابه بذلك أعداؤه قال عمرو بن العاص لأهل الشام إنه ذو دعابة شديدة وقال علي عليه السلام في ذاك عجبا لابن النابغة يزعم لأهل الشام أن فيّ

٥٩١حرمة الأخذ عن غیر صاحب المعجزة

دعابة وأني امرؤ تلعابة أعافس وأمارس وعمرو بن العاص إنما أخذهاعن عمر بن الخطاب لقوله له لما عزم على استخلافه لله أبوك لو لا دعابة فيك إلا أن عمر اقتصـر عليها وعمرو زاد فيها وسمجها.

قال صعصعة بن صوحان وغيره من شيعته وأصحابه كان فينا كأحدنا لين جانب وشدة تواضع وسهولة قياد وكنا نهابه مهابة الأسير المربوط للسياف الواقف على رأسه .

وقال معاوية لقيس بن سعد رحم الله أبا حسن فلقد كان هشا بشا ذا فكاهة قال قيس نعم كان رسول الله ص يمزح ويبتسم إلى أصحابه وأراك تسـر حسوا في ارتغاء وتعيبه بذلك أما والله لقد كان مع تلك الفكاهة والطلاقة أهيب من ذي لبدتين قد مسه الطوى تلك هيبة التقوى وليس كما يهابك طغام أهل الشام .

وقد بقي هذا الخلق متوارثا متنافلا في محبيه وأوليائه إلى الآن كما بقي الجفاء والخشونة والوعورة في الجانب الآخر ومن له أدنى معرفة بأخلاق الناس وعوائدهم يعرف ذلك.

وأما الزهد في الدنيا فهو سيد الزهاد وبدل الأبدال وإليه تشد الرحال وعنده تنفض الأحلاس ما شبع من طعام قط وكان أخشن الناس مأكلا وملبساقال عبد الله بن أبي رافع دخلت إليه يوم عيد فقدم جرابا

معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام٥٩٢

مختوما فوجدنا فيه خبز شعير يابسا مرضوضا فقدم فأكل فقلت يا أمير المؤمنين فكيف تختمه قال خفت هذين الولدين أن يلتاه بسمن أو زيت .

وكان ثوبه مرقوعا بجلد تارة وليف أخرى ونعلاه من ليف وكان يلبس الكرباس الغليظ فإذا وجد كمه طويلا قطعه بشفرة ولم يخطه فكان لا يزال متساقطا على ذراعيه حتى يبقى سدى لا لحمة له وكان يأتدم إذا ائتدم بخل أو بملح فإن ترقى عن ذلك فبعض نبات الأرض فإن ارتفع عن ذلك فبقليل من ألبان الإبل ولا يأكل اللحم إلا قليلا ويقول لا تجعلوا بطونكم مقابر الحيوان وكان مع ذلك أشد الناس قوة وأعظمهم أيدا لا ينقض الجوع قوته ولا يخون الإقلال منته وهو الذي طلق الدنيا وكانت الأموال تجبى إليه من جميع بلاد الإسلام إلا من الشام فكان يفرقها ويمزقها ثم يقول

هذا جناي وخياره فيه إذ كل جان يده إلى فيه .

وأما العبادة فكان أعبد الناس وأكثرهم صلاة وصوما ومنه تعلم الناس صلاة الليل وملازمة الأوراد وقيام النافلة وما ظنك برجل يبلغ من محافظته على ورده أن يبسط له نطع بين الصفين ليلة الهرير فيصلي عليه ورده والسهام تقع بين يديه وتمر على صماخيه يمينا وشمالا فلا يرتاع لذلك ولا يقوم حتى يفرغ من وظيفته وما ظنك برجل كانت جبهته كثفنة البعير لطول سجوده.

وأنت إذا تأملت دعواته ومناجاته ووقفت على ما فيها من تعظيم الله سبحانه وإجلاله وما يتضمنه من الخضوع لهيبته والخشوع لعزته والاستخذاء له عرفت ما ينطوي عليه من الإخلاص وفهمت من أي قلب خرجت وعلى أي لسان جرت.

وقيل لعلي بن الحسين عليه السلام وكان الغاية في العبادة أين عبادتك من عبادة جدك قال عبادتي عند عبادة جدي كعبادة جدي عند عبادة رسول الله ص

وأما قراءته القرآن واشتغاله به فهو المنظور إليه في هذا الباب اتفق الكل على أنه كان يحفظ القرآن على عهد رسول الله ص ولم يكن غيره يحفظه ثم هو أول من جمعه نقلوا كلهم أنه تأخر عن بيعة أبي بكر فأهل الحديث لا يقولون ما تقوله الشيعة من أنه تأخر مخالفة للبيعة بل يقولون تشاغل بجمع القرآن فهذا يدل على أنه أول من جمع القرآن لأنه لو كان مجموعا في حياة رسول الله ص لما احتاج إلى أن يتشاغل بجمعه بعد وفاته ص وإذا رجعت إلى كتب القراءات وجدت أئمة القراء كلهم يرجعون إليه كأبي عمرو بن العلاء وعاصم بن أبي النجود وغيرهما لأنهم يرجعون إلى أبي عبد الرحمن السلمي القارئ وأبو عبد الرحمن كان تلميذه وعنه أخذ القرآن فقد صار هذا الفن من الفنون التي تنتهي إليه أيضا مثل كثير مما سبق.

وأما

٥٩٣حرمة الأخذ عن غیر صاحب المعجزة

الرأي والتدبير فكان من أسد الناس رأيا وأصحهم تدبيرا وهو الذي أشار على عمر بن الخطاب لما عزم على أن يتوجه بنفسه إلى حرب الروم والفرس بما أشار وهو الذي أشار على عثمان بأمور كان صلاحه فيها ولو قبلها لم يحدث عليه ما حدث وإنما قال أعداؤه لا رأي له لأنه كان متقيدا بالشـريعة لا يرى خلافها ولا يعمل بما يقتضـي الدين تحريمه.

وقد قال عليه السلام لو لا الدين والتقى لكنت أدهى العرب .

وغيره من الخلفاء كان يعمل بمقتضـى ما يستصلحه ويستوفقه سواء أ كان مطابقا للشـرع أم لم يكن ولا ريب أن من يعمل بما يؤدي إليه اجتهاده ولا يقف مع ضوابط وقيود يمتنع لأجلها مما يرى الصلاح فيه تكون أحواله الدنيوية إلى الانتظام أقرب ومن كان بخلاف ذلك تكون أحواله الدنيوية إلى الانتثار أقرب.

وأما السياسة فإنه كان شديد السياسة خشنا في ذات الله لم يراقب ابن عمه في عمل كان ولاه إياه ولا راقب أخاه عقيلا في كلام جبهه به وأحرق قوما بالنار ونقض دار مصقلة بن هبيرة ودار جرير بن عبد الله البجلي وقطع جماعة وصلب آخرين.

ومن جملة سياسته في حروبه أيام خلافته بالجمل وصفين والنهروان وفي أقل القليل منها مقنع فإن كل سائس في الدنيا لم يبلغ فتكه وبطشه وانتقامه مبلغ العشـر مما فعل عليه السلام في هذه الحروب بيده وأعوانه.

فهذه هي خصائص البشـر ومزاياهم قد أوضحنا أنه فيها الإمام المتبع فعله والرئيس المقتفى أثره.

وما أقول في رجل تحبه أهل الذمة على تكذيبهم بالنبوة وتعظمه الفلاسفة على معاندتهم لأهل الملة وتصور ملوك الفرنج والروم صورته في بيعها وبيوت عباداتها حاملا سيفه مشمرا لحربه وتصور ملوك الترك والديلم صورته على أسيافها كان على سيف عضد الدولة بن بويه وسيف أبيه ركن الدولة صورته وكان على سيف

معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام٥٩٤

ألب أرسلان وابنه ملكشاه صورته كأنهم يتفاءلون به النصـر والظفر.

وما أقول في رجل أحب كل واحد أن يتكثر به وود كل أحد أن يتجمل ويتحسن بالانتساب إليه حتى الفتوة التي أحسن ما قيل في حدها ألا تستحسن من نفسك ما تستقبحه من غيرك فإن أربابها نسبوا أنفسهم إليه وصنفوا في ذلك كتبا وجعلوا لذلك إسنادا أنهوه إليه وقصـروه عليه وسموه سيد الفتيان وعضدوا مذهبهم إليه بالبيت المشهور المروي أنه سمع من السماء يوم أحد.

لا سيف إلا ذو الفقار ولا فتــــى إلا عــــلي .

وما أقول في رجل أبوه أبو طالب سيد البطحاء وشيخ قريش ورئيس مكة قالوا قل أن يسود فقير وساد أبو طالب وهو فقير لا مال له وكانت قريش تسميه الشيخ.

وفي حديث عفيف الكندي لما رأى النبي ص يصلي في مبدء الدعوة ومعه غلام وامرأة قال فقلت للعباس أي شي ء هذا قال هذا ابن أخي يزعم أنه رسول من الله إلى الناس ولم يتبعه على قوله إلا هذا الغلام وهو ابن أخي أيضا وهذه الامرأة وهي زوجته قال فقلت ما الذي تقولونه أنتم قال ننتظر ما يفعل الشيخ يعنى أبا طالب .

وأبو طالب هو الذي كفل رسول الله ص صغيرا وحماه وحاطه كبيرا ومنعه من مشـركي قريش ولقي لأجله عنتا عظيما وقاسى بلاء شديدا وصبر على نصـره والقيام بأمره .

وجاء في الخبر أنه لما توفي أبو طالب أوحي إليه عليه السلام وقيل له اخرج منها فقد مات ناصـرك .

وله مع شـرف هذه الأبوة أن ابن عمه محمد سيد الأولين والآخرين وأخاه جعفر ذو الجناحين الذي.

قال له رسول الله ص أشبهت خلقي وخلقي فمر يحجلفرحا.

وزوجته سيدة نساء العالمين وابنيه سيدا شباب أهل الجنة فآباؤه آباء

٥٩٥حرمة الأخذ عن غیر صاحب المعجزة

رسول الله وأمهاته أمهات رسول الله وهو مسوط بلحمه ودمه لم يفارقه منذ خلق الله آدم إلى أن مات عبد المطلب بين الأخوين عبد الله وأبي طالب وأمهما واحدة فكان منهما سيد الناس هذا الأول وهذا التالي وهذا المنذر وهذا الهادي.

وما أقول في رجل سبق الناس إلى الهدى وآمن بالله وعبده وكل من في الأرض يعبد الحجر ويجحد الخالق لم يسبقه أحد إلى التوحيد إلا السابق إلى كل خير محمد رسول الله ص.

ذهب أكثر أهل الحديث إلى أنه عليه السلام أول الناس اتباعا لرسول الله ص إيمانا به ولم يخالف في ذلك إلا الأقلون .

وقد قال هو عليه السلام أنا الصديق الأكبر وأنا الفاروق الأول أسلمت قبل إسلام الناس وصليت قبل صلاتهم.

ومن وقف على كتب أصحاب الحديث تحقق ذلك وعلمه واضحا وإليه ذهب الواقدي وابن جرير الطبري وهو القول الذي رجحه ونصـره صاحب كتاب الإستيعاب. ولأنا إنما نذكر في مقدمة هذا الكتاب جملة من فضائله عنت بالعرض لا بالقصد وجب أن نختصـر ونقتصـر فلو أردنا شـرح مناقبه وخصائصه لاحتجنا إلى كتاب مفرد يماثل حجم هذا بل يزيد عليه وبالله التوفيق» .١

الباب السابع عشـر:


  1. شـرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد، ١/١٦ ـ ٣٠.

معرفة الله تعالی بالله

معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام٥٩٨

معرفة الله بالله

قد یستشهد أصحاب الفلسفة والعرفان على عقیدتهم الضالة المضلة من الحصول على معرفة ذات الخالق تعالى وشهودها بنفسه بما ورد من النصوص القائلة بأنه: "لا یعرف الله تعالى إلا به"

وحینئذ فعلینا بیان أنه:

كیف ینحل ما یتوهم من عقدة التعارض بین ما دل على أنه: "لا یعرف الله إلا بالله " وما دل على أن: "معرفة الخالق بنفسه محال"؟!

ویصطاد الجواب عن خلال إیضاح الأمور التالیة:

إن الشـيء إذا امتنع عن الأشباه والنظائر فلا یصح تعریفه بالأمثال والأشباه، فلا یعرف إلا بنفسه

إذا كان وجود الموجود اللائق للالوهیة ـ وهو الوجود المتعالي عن الامتداد ـ مجهولا مطلقا عند المخلوق، بحیث لا یمكنه الالتفات إلى ذلك بنفسه، فلا یحصل ذلك إلا بتعریف الخالق له نفسه، فلا یعرف الله تبارك وتعالى إلا بنفسه

ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سیئة فمن نفسك

لا یمكن الوصول إلى دفائن العقول ومواثیق الفطر من معرفة الله تعالى إلا بتذكیر الحجج الإلهیة صلوات الله علیهم أجمعین وعلیه فمن من مات ولیس له إمام مات میتة كفر وضلال ونفاق

لا یعرف الله تعالى إلا بآثاره وأعلامه وخلقه

وإلیك تفصی

٥٩٩معرفة الله تعالی بالله

ل ذلك:

لا یعرف الله تعالی إلا بالله (١)

لا یخفى على من له أدنى أنس بأنوار الروایات المأثورة عن معادن العلم والحكمة الإلهیة، أن أئمة أهل البیت صلوات الله علیهم صـرحوا بأن معرفة الله تعالى به لا بغیره، فلعلّك أن ترى بین ما قدمناه من انحصار طریق معرفة الله تعالى بالآثار وبین تلك الروایات تناقضا وتنافیا، ولكنك بالتأمل تجد نفسك لما بیناه مؤیدا، فإن هاهنا معان أربعة صحیحة تدل الروایات المذكورة علیها:

الأول: أنه بعد ما ثبت:

الف) أن الإدراك والمعرفة فرع الامتداد والعدد، فلا یعرف إلا ما هو كذلك، ولا یوصف شـيء إلا بالأشباه والنظائر

ب) أنه تعالى شـيء بخلاف الأشیاء، مخالف لكل امتداد وعدد وتصور توهم

فواضح أنه تعالى لا یعرف إلا به، أي لا یكون أي شـيء مرأة لإرائته حتى یعرّفه ویریه، بل ما من شـيءیتصور ویتوهم إلا وهو غیره.

مثال: بینما أنت تعرف شیئا وترید أن تعرّفه لغیرك الجاهل به، فلك أن توصف ذلك وتمثّله بالأمثال والأشباه والنظائر، حتى یصبح عارفا به وإن لم یكن یراه.

وأما إذا أردت أن توصف ذات الله تعالى لنفسك أو لغیرك، فلا توصف شیئا ولا تتوهم صورة إلا وهو تعالى یكون غیرهما، ولا یقرّبانك من معرفته تعالى شیئا. فلا یعرف الخالق إلا به، ولا یعرف بغیره من الأشباه والنظائر.

معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام٦٠٠

الإمام أمیر المؤمنین عليه السلام:

«وإنما یشبه الشـيء بعدیله، وأما ما لا عدیل له فكیف یشبه بغیر مثاله».١

«سئل أمیر المؤمنین عليه السلام: بم عرفت ربك؟ قال: بما عرّفني نفسه، قیل: وكیف عرّفك نفسه؟ قال: لا یشبهه صورةٌ ولا یحسّ بالحواس، ولا یقاس بالناس، قریب في بعده، بعید في قربه، فوق كل شـيء ولا یقال شـيء فوقه، أمام كل شـيء ولا یقال له أمام، داخل في الأشیاء لا كشـيء داخل في شـيء، وخارج من الأشیاء لا كشـيء خارج من شـيء، سبحان من هو هكذا ولا هكذا غیره».٢

الإمام الصادق عليه السلام:

الإمام الصادق عليه السلام:

«لا یدرك ببصـر، ولا یحس بلمس، ولا یعرف بخلقه».٣

«إنما عرف الله من عرفه بالله ، فمن لم یعرفه به فلیس یعرفه، إنما یعرف غیره. لیس بین الخالق والمخلوق شـيء، والله خالق الأشیاء لا من شـيء، یسمى بأسمائه وهو غیر أسمائه والأسماء غیره والموصوف غیر الواصف، فمن زعم أنه یؤمن بما لا یعرف فهو ضال عن المعرفة».٤

«ومن زعم أنه یعرف الله بحجاب أو بصورة أو بمثال فهو مشـرك، لأن الحجاب والمثال والصورة غیره، وإنما هو واحد موحّد فكیف یوحّد من زعم أنه عرفه بغیره».٥


  1. بحار الأنوار، ٤ / ٢٧٦، عن التوحید.
  2. الوافي، ١ / ٣٤٠، نقلا عن الكافي، ١ / ٨٥.
  3. بحار الأنوار، ٣ / ١٩٣، الخبر المروي عن المفضل بن عمر في التوحيد المشتهر بالإهليلجة.
  4. بحار الأنوار، ٤ / ١٦١، عن التوحید.
  5. بحار الأنوار، ٤ / ١٦١، عن التوحید.
٦٠١معرفة الله تعالی بالله

الإمام الكاظم عليه السلام:

«ولیس لله حد ولا یعرف بشـيءیشبهه».١

الإمام الرضا عليه السلام:

«فلیس الله عرف من عرف بالتشبیه ذاته».٢

لا شبه له تعالى حتى یعرف به، كما أنه لا أحد یدعي الرسالة والولایة بغیر حق إلا ویفضح نفسه بأباطیله ومنكراته في القول والفعل:

الإمام أمیر المؤمنین عليه السلام:

«إعرفوا الله بالله ، والرسول بالرسالة، وأولي الأمر بالمعروف والعدل والإحسان».٣

«یا من دل على ذاته بذاته، وتنزّه عن مجانسة مخلوقاته، وجل عن ملائمة كیفیاته».٤

الإمام السجاد عليه السلام:

«من كان لیس كمثله شـيء وهو السمیع البصیر كان نعته لا یشبه نعت شـيء فهو ذاك».٥

هو هو، لا جزء له ولا بعض، ولا صورة له ولا شكل، ولا شـيءیمكن أن یعرف لنا بها ذاته القدوس ، فلیس


  1. التوحيد، ١٤١.
  2. بحار الأنوار، ٤ / ٢٢٨، عن التوحید.
  3. التوحيد، ٢٨٦، عن التوحید.
  4. القمي: مفاتيح الجنان، دعاء الصباح، عن المجلسي "قدس سـره"، عن مصباح السيد بن الطاووس.
  5. بحار الأنوار، ٤ / ٣٠٤، عن جامع الاخبار.
معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام٦٠٢

هو إلا هو:

الإمام أمیر المؤمنین عليه السلام:

«یا هو، یا من هو هو، یا من لیس هو إلا هو. یا هو، یا من لا هو إلا هو».١

«یا هو، یا من لا یعلم ما هو، ولا كیف هو، ولا أین هو، ولا حیث هو إلا هوم.٢

«یا الله یا هو، یا هو، یا من لیس كهو إلا هو، یا من لا هو، إلا هو».٣

لا یعرف الله تعالى إلا بالله (٢)

قد تقدم أن المخلوق لا یحتمل الوجود إلا للموجود الامتدادي، متناهیا فرضه أم غیر متناه، ولا یدرك شیئا وراء إدراكه، ولا یحتمل وجود شـيء خارجا عما یحتمل وجوده وهو لا یلتفت إلى هذا النقصان في إدراكه، فهو بالنسبة إلى الخالق الخارج عن ذلك جاهل مطلق، لا یمكنه إثباته ولا نفیه نفیا خاصا. فإنه ینظر إلى الموجود من عین لا یریه إلا المخلوق، فإثبات شـيء أو نفیه خارجا عن الامتداد یطلب عینا أخرى له أعم منها، وذلك لا یمكن له مع انحصار الموجود عند المخلوق بما یرى بالعین الواحدة الأولى.

فلا طریق للمخلوق إلى إثبات الخالق إلا بعد إغاثة الخالق بأن یلفته إلى نفسه القدوسة، وإلى انحصار إدراكه بالامتدادي، فالمعرفة من صنعه وبه، ولیس من صنع المخلوق، (وقد تقدم روایات الباب في مبحث الانسداد). ولیس للعقل باستقلالها النیل إلى إثبات وجود الخالق بحقیقته التي تكون مركبة من جزئین:

١. الإثبات

٢. بلا تشبیه

أو فقل:

١. لا تعطیل

٢. لا تشبیه


  1. بحار الأنوار، ٩٥ / ١٥٨، عن مکارم الأخلاق.
  2. القمي: مفاتيح الجنان، دعاء المشلول.
  3. بحار الأنوار، ٩٥ / ١٧٠، من دُعَاءِ إِبْرَاهِيمَ (ع) لَمَّا رمى بِهِ إِلَى النَّار.
٦٠٣معرفة الله تعالی بالله

بل یصبح العقل باستبداده بنفسه واستقلاله في النظر إلى خالقه إما منكرا وإما مشبها، وأما بعد الالتفات إلى الموضوع اللائق للالوهیة بواسطة الخالق تعالى فهو یصبح إما مؤمنا بالتسلیم عند سلطان عقله، وإما جاحدا تبعا لهوى نفسه.

وقد ترى بالمراجعة إلى كل مدارس المعرفة البشـریه أن أهلها بأجمعهم یترددون بین منكر ومشبّه، ولا یعبدون إلا أوثانا مصورة محدودیة أو لامتناهیة موهومة. فأین یذهبون وأین یتاه بهم؟!

الرسول الأعظم صلی الله علیه و آله:

«ومن أراد الحكمة فلیأتها من بابها».١

«وسدّ الأبواب إلا بابه، فقال: أنا مدینة العلم وعلى بابها».٢

لا یعرف الله تعالى إلا بالله (٣)

الثالث من معاني كون معرفة الله بالله هو: أن كل ما لنا من الحسنات ـ ویكون أشـرفها وأعلاها هو الإیمان بالله تعالى ـ لیس إلا به تعالى.

الوجود، العقل، العلم، القدرة، التوفیق والهدایة للمخلوق لیس إلا من فضل الخالق تعالى وكرمه وجوده ومنّه، فكل ما نكتسب من الخیرات والحسنات فهو بها أولى:

«ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِك ».٣

«إِنَّ


  1. دعاء الندبة.
  2. القمي: مفاتيح الجنان، دعاء الندبة.
  3. النساء (٤): ٧٩.
معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام٦٠٤

النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا ما رَحِمَ رَبِّي ».١

«وَلَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ ما زَكى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَداً وَلكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشاء».٢

«يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلْإِيمانِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِين ».٣

«عن علي بن أبي طالب عليه السلام أنه سئل عن تفسیر لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظیم. فقال: لا حول عن المعصیة إلا بعصمة الله تعالى، ولا قوة لي على الخیر إلا بعون الله عز وجل ».٤

وفي الدعاء عن النبي صلی الله علیه و آله:

«یا من فتق العقول بمعرفته، وأطلق الألسن بحمده، وجعل ما امتنّ به على عباده كفاء لتادیة حقه صل على محمّد وآل محمّد و...»٥

الإمام أمیر المؤمنین عليه السلام:

«...فجعلت لي سمعا یسمع آیاتك، وعقلا یفهم إیمانك، وبصـرا یرى قدرتك، وفؤادا یعرف عظمتك، وقلبا یعتقد توحیدك».٦

«عن سلمان الفارسـي (رضـي الله عنه). في حدیث طویل یذكر فیه قدوم الجاثلیق المدینة مع مأة من النصاري، وما سأل عنه أبابكر فلم یجبه، ثم


  1. يوسف: ٥٣.
  2. النور (٢٤): ٢١.
  3. الحجرات (٤٩): ١٨.
  4. الجعفريات، ٢٣٨.
  5. بحار الأنوار، ٩٥ / ٢٠٤، عن جنه الامان.
  6. بحار الأنوار، ٩٥ / ٢٥٧، من دعاء الحرز الیماني.
٦٠٥معرفة الله تعالی بالله

أرشد إلى أمیر المؤمنین علي بن أبي طالب عليه السلام فسأله عن مسائل فأجابه عنها، وكان في ما سأله أن قال له: أخبرني أعرفت الله بمحمّد أم عرفت محمّدا بالله ؟

فقال علي بن أبي طالب عليه السلام: ما عرفت الله عز وجل بمحمّد صلی الله علیه و آله ولكن عرفت محمّدا بالله عز وجل، حین خلقه، وأحدث فیه الحدود من طول وعرض فعرفت أنه مدبر مصنوع باستدلال وإلهام منه وإرادة، كما ألهم الملائكة طاعته وعرّفهم نفسه بلا شبه ولا كیف».١

الأئمة أمیر المؤمنین والباقر والصادق ^:

«فسبحانك تثیب علی ما بدؤه منك، وانتسابه إلیك، والقوة علیه بك، والإحسان فیه منك، والتوكل في التوفیق له علیك».٢

عن أمیر المؤمنین عليه السلام في قول الله عز وجل: «هل جزاء الإحسان إلا الإحسان» قال عليه السلام:

«سمعت رسول الله صلی الله علیه و آله یقول: إن الله عز وجل قال: ما جزاء من أنعمت علیه بالتوحید إلا الجنة؟»٣

الإمام سید الشهداء عليه السلام:

«به توصف الصفات لا بها یوصف، وبه تعرف المعارف لا بها یعرف».٤

الإمام السجاد عليه السلام:

«


  1. بحار الأنوار، ٣ / ٢٧٢، عن التوحید.
  2. بحار الأنوار، ٩٥ / ٤٠٤، عن مهج الدعوات.
  3. التوحيد، ٢٨.
  4. بحار الأنوار، ٤ / ٣٠١، عن تحف العقول.
معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام٦٠٦

بك عرفتك، وأنت دللتني علیك ودعوتني إلیك، ولولا أنت لم أدر ما أنت».١

«ولو لا أنت ربي ما اهتدینا إلى طاعتك، ولا عرفنا أمرك، ولا سلكنا سبیلك».٢

الإمام الباقر عليه السلام:

«یا من أتحفني بالإقرار بالوحدانیة، وحباني بمعرفة الربوبیة، وخلصني من الشك والعمى».٣

الإمام الصادق عليه السلام:

«لم یقدروا على عمل ولا معالجة في أبدانهم المخلوقة إلا بربهم».٤

«لا یدرك مخلوق شیئا إلا بالله ولا تدرك معرفة الله إلا بالله ».٥

«فلیس أحد أن یبلغ شیئا من وصفك، ولا یعرف شیئا من نعتك إلا ما حددته له ووفقته إلیه وبلغته إیاه».٦

«یابن آدم، أنا أولى بحسناتك منك، وأنت أولى بسیئاتك مني، عملت المعاصـي بقوتي التي جعلتها فیك».٧

الإمام الرضا عليه السلام:

«...وهكذا جمیع الأسماء وإن كنا لم نسمّها كلّها فقد تكتفي للاعتبار بما ألقینا إلیك؛ والله عوننا وعونك في إرشادنا وتوفیقنا».٨

«فَلَمَّا أَفَ


  1. القمي: مفاتيح الجنان، دعاء أبي حمزه الثمالى.
  2. بحار الأنوار، ٩٥ / ٤٢٥، مِنْ أَصْلٍ قَدِيمٍ مِنْ مُؤَلَّفَاتِ قُدَمَاءِ الْأَصْحَاب .
  3. بحار الأنوار، ٩٥ / ٣٣٨، عن مهج الدعوات.
  4. بحار الأنوار، ٤ / ١٦١، عن التوحید.
  5. بحار الأنوار، ٤ / ١٦١، عن التوحید.
  6. بحار الأنوار، ٩٥ / ٤٢١، مِنْ أَصْلٍ قَدِيمٍ مِنْ مُؤَلَّفَاتِ قُدَمَاءِ الْأَصْحَاب .
  7. التوحيد، ٣٦٣.
  8. بحار الأنوار، ٤ / ١٧٩، عن التوحید.
٦٠٧معرفة الله تعالی بالله

لَ الْكَوْكَبُ قالَ لا أُحِبُ الْآفِلِين١ لأن الأفول عن صفات المحدث لا من صفات القدیم... إن العبادة لا تحق لمن كان بصفة الزهرة والقمر والشمس، وإنما تحق العبادة لخالقها وخالق السموات والأرض، وكان ما احتج به علی قومه ما ألهمه الله وأتاه كما قال الله تعالی: «وتلك حجتنا آتیناها إبراهیم علی قومه».٢

لا یعرف الله تعالی إلا بالله (٤)

إن الله تبارك وتعالي بعد أن منّ علینا بمعرفته وصنعها فینا بتفضله، فقد عرضنا نسیان نعمته بعد نزولنا إلی دار الدنیا، وأصبحنا غافلین عن معرفته فاحتاجت فعلیة المعرفة والإقرار بالخالق إلی مرحلة أخری من التعریف بالتذكیر من سفرائه الكرام البررة.

ویشهد لذلك المراجعة إلی تواریخ الأمم كلها حیث إنهم لم یزالوا بین من اشتغل بالدنیا الفانیة وغفل عن المبدأ والمعاد بالمرة، وبین من استهدف النظر إلی ماوراء الحیاة الدنیا، ولكنهم مع الأسف فما وصلوا بدقیق نظرهم وقیاس أفكارهم إلا إلی أوهام وظنون باطلة، وما اتخذوا آلهتهم إلا أوثانا في الحقیقة بصورها المختلفة من النور والنار والشمس والقمر والكواكب والبشـر وحقیقة الوجود اللامتناهیة الموهومة وأمثال ذلك مما لا یلیق بالألوهیة.

ولكن الرسل والحجج الإلهیة صلوات الله علیهم أثاروا لهم بتبیین الآیات وتذكیر البینات دفائن عقولهم، وجعلوا للمعرفة الفطریة والهدایة الربانیة الذریة


  1. الأنعام (٦): ٧٤..
  2. نور الثقلين، ١ / ٧٣٥ ـ ٧٣٦، عن عيون الأخبار.
معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام٦٠٨

المودعة في قلوبهم فعلیة وظهورا.

وبهذا یعلم أن المعرفة الذریة لا تكون مغنیة عن الرجوع إلی الرسل والحجج الإلهیة في دار الدنیا.

«بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم يس وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أُنْذِرَ آباؤُهُمْ فَهُمْ غافِلُون ».١

الإمام أمیر المؤمنین عليه السلام:

«فبعث فیهم رسله، وواتر إلیهم أنبیائه لیستأدوهم میثاق فطرته، ویذكّروهم منسـي نعمته، ویحتجوا علیهم بالتبلیغ، ویثیروا لهم دفائن العقول، ویُروهم آیات المقدرة».٢

«... إلی أن بعث الله سبحانه محمّدا صلی الله علیه و آله، لإنجاز دعوته وإتمام نبوته، مأخوذا علی النبیین میثاقه... وأهل الأرض یومئذ ملل متفرقة وأهواء منتشـرة، وطرائق متشتتة، بین مشبه لله بخلقه، أو ملحد في اسمه، أو مشیر إلی غیره، فهداهم به من الضلالة، وأنقذهم بمكانه من الجهالة».٣

فحكم بعضهم بأنه "إن عاش إنسان وحده في البراري والفلوات لكان مؤمنا موحدا ومقرا لله بالربوبیة" تخرصا بالغیب!!

ویقول الإمام أبو عبد الله عليه السلام في قوله تعالی:

«كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً فَبَعَثَ الله النَّبِيِّينَ مُبَشـرينَ وَمُنْذِرين »٤:

«


  1. يس (٣٦): ١ ـ ٧.
  2. نهج البلاغة، الخطبة، ١.
  3. نهج البلاغة، الخطبه، ١.
  4. البقرة (٢): ٢١٣.
٦٠٩معرفة الله تعالی بالله

وذلك أنه لما انقرض آدم وصالح ذریته، بقي شیث وصیه لا یقدر علی إظهار دین الله الذي كان علیه آدم وصالح ذریته، وذلك أن قابیل توعده بالقتل كما قتل أخاه هابیل، فسار فیهم بالتقیة والكتمان، فازدادوا كل یوم ضلالا حتى لحق الوصـي بجزیرة في البحر یعبد الله ، فبدا لله تبارك وتعالی أن یبعث الرسل.

ولو سئل هؤلاء الجهال لقالوا: «قد فرغ من الأمر» وكذبوا إنما هو شـيءیحكم به الله في كل عام ثم قرء «فیها یفرق كل أمر حكیم» فیحكم الله تبارك وتعالی ما یكون في تلك ألسنة من شدة أو رخاء أو مطر أو غیر ذلك. قیل: أفضلالا كانوا قبل النبیین أم علی هدى؟ قال: لم یكونوا على هدى، كانوا على فطرة الله التي فطرهم علیها لا تبدیل لخلق الله ، ولم یكونوا لیهتدوا حتى یهدیهم الله . أما تسمع قول إبراهیم: «لئن لم یهدني ربي لاكونن من الضالین» أي ناسیا للمیثاق».١

الإمام الصادق عليه السلام:

«والكفر، إسم یلحق الفعل حین یفعله العبد ولم یخلق الله العبد حین خلقه كافرا، إنه إنما كفر من بعد إن بلغ وقتا لزمته الحجة من الله تعالى، فعرض علیه الحق فجحده، فبإنكار الحق صار كافرا».٢

«إن الله عز وجل خلق الناس كلهم على الفطرة التي فطرهم علیها، لا یعرفون إیمانا بشـریعة ولا كفرا بحجود، ثم بعث الله الرسل تدعوا العباد إلى الإیمان به».٣

«وَمِ


  1. الصافي، عن تفسير العياشى.
  2. بحار الأنوار، ١٠ / ١٧١، عن الاحتجاج.
  3. الكافي، ٢ / ٤١٧ ـ ٦٩.
معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام٦١٠

نْ كَلَامٍ لَأمیر المؤمنین عليه السلام لِكُمَيْلِ بْنِ زِيَادٍ النَّخَعِيِّ: اللَّهُمَّ بَلَى لَا تَخْلُو الْأَرْضُ مِنْ قَائِمٍ لِلهِ بِحُجَّةٍ إِمَّا ظَاهِراً مَشْهُوراً وإِمَّا خَائِفاً مَغْمُوراً لِئَلَّا تَبْطُلَ حُجَجُ اللهِ وبَيِّنَاتُهُ وكَمْ ذَا وأَيْنَ أُولَئِكَ أُولَئِكَ واللهِ الْأَقَلُّونَ عَدَداً والْأَعْظَمُونَ عِنْدَ الله قَدْراً يَحْفَظُ اللهُ بِهِمْ حُجَجَهُ وبَيِّنَاتِهِ حَتَّى يُودِعُوهَا نُظَرَاءَهُمْ ويَزْرَعُوهَا فِي قُلُوبِ أَشْبَاهِهِمْ هَجَمَ بِهِمُ الْعِلْمُ عَلَى حَقِيقَةِ الْبَصِيرَةِ وبَاشـروا رُوحَ الْيَقِينِ واسْتَلَانُوا مَا اسْتَوْعَرَهُ الْمُتْرَفُونَ وأَنِسُوا بِمَا اسْتَوْحَشَ مِنْهُ الْجَاهِلُونَ وصَحِبُوا الدُّنْيَا بِأَبْدَانٍ أَرْوَاحُهَا مُعَلَّقَةٌ بِالْمَحَلِّ الْأَعْلَى أُولَئِكَ خُلَفَاءُ اللهِ فِي أَرْضِهِ والدُّعَاةُ إِلَى دِينِهِ».١

«لم یخل الله الأرض منذ خلق آدم من حجة لله فیها ظاهر مشهور أو خائف مغمور... ولا تخلو إلى أن تقوم الساعة من حجة لله فیها، ولو لا ذلك لم یعبد الله . قال سلیمان: فقلت للصادق عليه السلام: فكیف ینتفع الناس بالحجة الغائب المستور؟ قال: كما ینتفعون بالشمس إذا سترها السحاب».٢

«الحمد لله المحتجب بالنور دون خلقه... وابتعث فیهم النبیین مبشـرین ومنذرین، لیهلك من هلك عن بینة، ویحیى من حي عن بینة، ولیعقل العباد عن ربهم ما جهلوا».٣

«سئل أبو عبد الله عليه السلام عن قول الله عز وجل: «ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا یزالون مختلفین إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم».


  1. نهج البلاغة، ٤٩٧.
  2. إثبات الهداة ١ / ١٠٧، عن إكمال الدين.
  3. إثبات الهداة، ١ / ١١٩، عن ثواب الأعمال.
٦١١معرفة الله تعالی بالله

فقال: كانوا أمة واحدة، فبعث الله النبیین لیتخذ علیهم الحجة».١

ولا یتم الحجة إلا بوجود الحجة:

قال الله تعالى:

«لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُل».٢

«لِئَلَّا يَقُولَ أَحَدٌ لَوْ لا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولًا مُنْذِراً وَأَقَمْتَ لَنَا عَلَماً هَادِي».٣

الإمام الباقر عليه السلام:

«لیس تبقى الأرض یا أبا خالد یوما واحدا بغیر حجة منه على الناس منذ یوم خلق الله آدم وأسكنه الأرض».٤

«... قال فأخبرني عن المجوس أبعث الله إلیهم نبیا؟ فإني أجد لهم كتبا... قال: ما من أمة إلا خلى فیها نذیر، وقد بعث إلیهم نبي بكتاب من عند الله فأنكروه وجحدوا الكتاب».٥

الإمام الصادق عليه السلام:

«لو كان الناس رجلین كان أحدهما الإمام.٦

آخر من یموت الإمام، لئلا تحتج أحد على الله أنه تركه بغیر حجة لله علیه».٧

الإمام الرضا عليه السلام:

«إن الحجة لا تقوم لله على خلقه إلا بإمام حي یعرف».٨

«


  1. إثبات الهداة، ١ / ١١٩، عن علل الشـرائع.
  2. النساء (٤): ١٦٥.
  3. طه (٢٠): ٢٠.
  4. إثبات الهداة، ١ / ٨٠، عن الكافي.
  5. بحار الأنوار، ١٠ / ١٧٩، الإمام الصادق عليه السلام.
  6. الكافي ج : ١ ص : ١٨٠.
  7. إثبات الهداة، ١ / ٨٠.
  8. إثبات الهداة، ١ / ١٣٩، عن الاختصاص.
معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام٦١٢

وقد قطع الله عذر عباده بتبیین آیاته وإرسال رسله لئلا یكون للناس على الله حجة بعد الرسل، ولم یخل أرضه من عالم بما یحتاج إلیه الخلیقه».١

«عن زرارة في الصحیح عن أبي جعفر عليه السلام قال: إذا كان یوم القیامة احتج الله عز وجل على خمسة؛ على الطفل، والذي مات بین النبیین أي في زمان الفترة وغلبة الجور وخفاء الحجة والحق، والذي أدرك النبي صلی الله علیه و آله وهو لا یعقل، والأبله، والمجنون الذي لا یعقل، والأصم والأبكم، فكل واحد منهم یحتج على الله عز وجل. قال: «فیبعث الله إلیهم رسولا».٢

«ولم یخل الله سبحانه خلقه من نبي مرسل، أو كتاب منزل، أو حجة لازمة، أو محجة قائمة».٣

«عن الإمام أبي الحسن الرضا عليه السلام:... قلت له: أتبقى الأرض بغیر إمام قال: لا، قلت: فإنا نروي عن أبي عبد الله عليه السلام أنها لا تبقى بغیر إمام إلا أن یسخط الله على أهل الأرض أو على العباد. قال: لا، لا تبقى، إذا لساخت».٤

وهم ودفع

فبما أوضحناه في المباحث الأربعة:

لا یعرف الله إلا بالله ١

لا یعرف الله إلا بالله٢

لا یعرف الله إلا بالله ٣

لا یعرف الله إلا بالله ٤

یظهر أنه لا تنافي بین: "انحصار طریق معرفة الله تعالى بأفعاله وآثاره" وبین "كون معرفته تعالى به، وامتناع معرفته بغیره" بوجه، فإنه:

قد یسأل أولا: هل لله تعالى شبیه ونظیر وعدیل فیعرف به؟

فیجاب بأنه: لا، بل إنه یعرف به فقط لا بغیره، حیث لا غیر یكون مرآ ة لمعرفته تعالى، وهو ما بیناه


  1. الاحتجاج، ١ / ٣٦٨.
  2. الشبر،"قدس سـره": حق اليقين، ٢ / ١٠٦، عن الخصال.
  3. نهج البلاغة، الخطبه، ١.
  4. إثبات الهداة، ١ / ٧٨ ـ ٧٩، عن الكافي والعلل.
٦١٣معرفة الله تعالی بالله

تحت عنوان: "لا یعرف الله إلا بالله (١)"

وقد یسأل ثانیا: هل للمخلوق بنفسه احتمال وجود الخالق بعینه حتى یثبت وجوده؟!

فیجاب بأنه: لیس ذاك بممكن، بل الله هو الذي یعرّف نفسه إلى خلقه فالمعرفة من صنعه لا غیر. وهو ما بیناه تحت عنوان: "لا یعرف الله إلا بالله (٢)"

وقد یسأل ثالثا: هل المخلوق في معرفته وفعله وقدرته و... مستقل مستغن عن خالقه؟!

فیجاب بأنه: إن المخلوق لا یفعل ولا یدرك ولا... إلا بالله تعالى. وهو ما بیناه تحت عنوان: "لا یعرف الله إلا بالله (٣)"

وقد یسأل رابعا: هل الإنسان بعد الهبوط إلى الدنیا یكون عارفا بالله مؤمنا به بالفعل، أم لا یهتدي إلیه تعالى إلا بتذكیر الحجج وتنبیههم؟!

فیقال: إنه لا یخلص الإنسان من ورطة الشهوات الحاضـرة وشبهات الشیاطین المضلة، ولا یهتدي إلى المعارف الحقة إلا بعد تبلیغ الحجج صلوات الله علیهم أجمین. وهو ما بیناه تحت عنوان: "لا یعرف الله إلا بالله (٤)"

وقد یسأل في مقابل ذلككله خامسا: هل المعرفة یتعلق بالله تعالى بذاته بلا واسطة خلقه، أم لا یحصل العلم بوجوده تعالى إلا من آیاته وأعلامه وصنعه وخلقه؟

فیجاب: لا یعرف الله تعالى إلا بآثاره وأعلامه وآیاته وكل ذلك خلقه. وهو ما بیناه تحت عنوان: "لا یعرف الله تعالى إلا بأثره وفعله".

الباب الثامن

مرائي المعرفة في العوالم كلّها

معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام٦١٦

عشـر:

٦١٧مرائي المعرفة في العوالم كلّها

مرائي المعرفة في العوالم كلها

حیث إنه لا یمكن تعریف الخالق تعالى نفسه لعباده إلا في مرآة إرائة صنعه وفعله وخلقه ویمتنع أن یكون بغیر ذلك فأي مخلوق یلیق بأن یسند على كرسـي كرامة ربه ویكون مرآة لمعرفته ودلیلا على عظمته إلا من هو أشـرفهم وأكملهم، أذلهم عند نفسه وأكرمهم على ربه، أعرف الخلایق بالله وأعبدهم له، حتى تحصل معرفة الخالق للجنّ والإنس والملك بمعرفة أولئك الخلایق وبتعریفهم وتسبیحهم وتنزیههم وتهلیلهم وتقدیسهم للمعبود، فیؤمنوا بربوبیة ربهم ویذعنوا له بالطاعة والعبودیة.

الإمام الصادق عليه السلام:

«لما أراد الله عز وجل أن یخلق الخلق خلقهم ونشـرهم بین یدیه ثم قال لهم: من ربكم؟

فأول من نطق رسول الله صلی الله علیه و آله وأمیر المؤمنین والأئمة صلوات الله علیهم أجمعین، فقالوا: أنت ربنا، فحمّلهم العلم والدین، ثم قال للملائكة: هؤلاء حملة دیني وعلمي وأمنائي على خلقي وهم المسؤولون.

ثم قال لبني آدم: أقروا لله بالربوبیة ولهؤلاء النفر بالطاعة والولایة. فقالوا: نعم ربنا، أقررنا. فقال الله جل جلاله للملائكة إشهدوا، فقالت الملائكة: شهدنا على أن لا یقولوا غدا «إنا كنا عن هذا غافلین أو تقولوا إنما أشـرك آبائنا من قبل وكنا ذریة من بعدهم أفتهلكنا بما فعل المبطلون»، یا داوود الأنبیاء مؤكدة علیهم في المیثاق».١

«


  1. بحار الأنوار، ٥ / ٢٢٤، عن علل الشـرائع والتوحيد، ٣١٩ ـ ٣٢٠.
معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام٦١٨

سألت الصادق عليه السلام عن قول الله عز وجل "هذا نذیر من النذر الأولى"، قال: إن الله تبارك وتعالى لما ذرأ الخلق في الذر الأول أقامهم صفوفا قدامه وبعث الله عز وجل محمّدا صلی الله علیه و آله حیث دعاهم فآمن به قوم وأنكره قوم، فقال الله عز وجل "هذا نذیر من النذر الأولى"یعني به محمّدا صلی الله علیه و آله حیث دعاهم إلى الله عز وجل في الذر الأول».١

وفي الزیارة الجامعة الكبیرة:

«السلام على أئمة الهدى والمثل الأعلى... وحجج الله على أهل الدنیا والآخرة والأولى... ومحالّ معرفة الله ، ونوره وبرهانه وأركانا لتوحیده وشهداء على خلقه وأعلاما لعباده... أشهد أنكم الأئمة المهدیون المعصومون... المصطفون... القوامون بأمره... وكدتم میثاقه...

من أراد الله بدء بكم، ومن وحده قبل عنكم، ومن قصده توجه بكم... لا أحصـي ثنائكم، ولا أبلغ من المدح كنهكم، ومن الوصف قدركم... بكم فتح الله وبكم یختم... وبكم أخرجنا الله من الذل...

بموالاتكم علمنا الله معالم دینا... وبموالاتكم تمت الكلمة... ائتمنكم على سـره واسترعاكم أمر خلقه... فبلغ الله بكم أشـرف محل المكرمین، وأعلى منازل المقربین، وأرفع درجات المرسلین، حیث لا یلحقه لاحق، ولا یفوقه فائق، ولا یسبقه سابق، ولا یطمع في إدراكه طامع، حتى لا یبقى ملك مقرب، ولا نبي مرسل، ولا صدیق، ولا شهید، ولا عالم، ولا جاهل، ولا دني، ولا فاضل، ولا مؤمن صالح، ولا فاجر طالح، ولا جبار عنید، ولا شیطان مرید، ولا خلق في ما بین


  1. نور الثقلين، ٥ / ١٧٣، عن تفسير علي بن إبراهيم.
٦١٩مرائي المعرفة في العوالم كلّها

ذلك شهید إلا عرفهم جلالة أمركم، وعظم خطركم، وكبر شأنكم، وتمام نوركم، وصدق مقاعدكم، وثبات مقامكم، وشـرف محلكم ومنزلتكم عنده، وكرامتكم علیه، وخاصتكم لدیه، وقرب منزلتكم منه...

قال الله تعالى:

«فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ كَذلِكَ نَطْبَعُ عَلى قُلُوبِ الْمُعْتَدِين ».١

وقال أبو جعفر وأبو عبد الله علیهما السلام:

«إن الله خلق الخلق وهي أظلة فأرسل رسوله محمّدا صلی الله علیه و آله فمنهم من آمن به ومنهم من كذبه».

الرسول الأعظم صلی الله علیه و آله:

«لولا أنا وعلي ما عرف الله ، ولولا أنا وعلي ما عبد الله ، ولولا أنا وعلي ما كان ثواب ولا عقاب. ولا یستر علیا عن الله ستر، ولا یحجبه عن الله حجاب، وهو الستر والحجاب في ما بین الله وبین خلقه».٢

وقال رسول الله صلی الله علیه و آله في أمیر المؤمنین عليه السلام:

«هذا الإمام الأزهر، ورمح الله الأطول، وباب الله الأكبر، فمن أراد الله فلیدخل الباب... وحجة الله على خلقه إن الله تعالى لم یزل یحتج به على خلقه في الأمم كل أمة یبعث فیه نبیا.

إن الله تبارك وتعالى تفرد بملكه ووحدانیته فعرف عباده المخلصین نفسه، فمن


  1. يونس (١٠): ٧٥.
  2. بحار الأنوار، ٤٠ / ٩٦، عن سلیم ابن قیس الهلالي.
معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام٦٢٠

أراد أن یهدیه عرف ولایته، ومن أراد أن یطمس على قلبه أمسك عنه معرفته... لما عرج بي... فقلت: ملائكة ربي تعرفوننا حق معرفتنا؟

فقالوا: یا رسول الله لم لا نعرفكم وأنتم أول خلق خلقه الله ، خلقكم الله أشباح نور في نور من نور الله ، جعل لكم مقاعد في ملكوته بتسبیح وتقدیس وتكبیر له، ثم خلق الملائكة مما أراد من أنوار شتى وكنا نمرّ بكم وأنتم تسبحون الله وتقدسون وتكبرون وتحمدون وتهللون فنسبح ونقدس ونحمد ونهلل ونكبر بتسبیحكم وتقدیسكم وتحمیدكم وتهلیلكم وتكبیركم فما نزل من الله فإلیكم، وما صعد إلى الله تعالى فمن عندكم، فلم لا نعرفكم؟»١

الرسول الأعظم صلی الله علیه و آله:

«إن الله عز وجل خلقني وخلق علیا وفاطمة والحسن والحسین من نور، فعصـر ذلك النور عصـرة فخرج منه شیعتنا، فسبحنا فسبحوا، وقدسنا وقدسوا، وهللنا فهللوا، ومجدنا فمجدوا، ووحدنا فوحدوا، ثم خلق السموات والأرضین وخلق الملائكة فمكثت الملائكة ماة عام لا تعرف تسبیحا ولا تقدیسا، فسبحنا فسبحت شیعتنا فسبحت الملائكة، وقدسنا فقدست شیعتنا فقدست الملائكة...

فنحن الموحدون حیث لا موحد غیرنا، وحقیق على الله عز وجل كما اختصنا واختص شیعتنا أن ینزلنا وشیعتنا في أعلى علیین.

إن الله اصطفانا واصطفى شیعتنا من قبل أن نكون أجساما، فدعانا فأجبنا فغفر لنا وشیعتنا من قبل أن نستغفر الله تعالى».٢

الإمام أمیر المؤمنین عليه السلام:

«ما لله آیة أكبر مني».٣


  1. بحار الأنوار، ٤٠ / ٥٧عن كنز جامع الفوائد وتأويل الآيات الظاهرةعن كنز جامع الفوائد وتأويل الآيات الظاهرة.
  2. كشف الغمة، ١ / ٤٥٨.
  3. بحار الأنوار، ٢٣ / ٢٠٦، عن تفسیر القمي.
٦٢١مرائي المعرفة في العوالم كلّها

الإمام الصادق عليه السلام في زیارة أمير المؤمنین عليه السلام:

«السلام عليك يا آية الله العظمى ».١

تفسیر معاینة الله ومخاطبته

وعلی ما بیناه فیكون معرفة هؤلاء العباد المكرمین معرفة الله ، ویتلقى مواجهتهم معاینة الله ومخاطبتهم مخاطبة الله ، ولقاؤهم لقاء الله ، ورؤیتهم رؤیة الله تعالى:

الإمام أبو عبد الله عليه السلام في قول الله عز وجل: «فلما آسفونا انتقمنا منهم» قال:

«ان الله تبارك وتعالى لا یأسف كأسفنا ولكنه خلق أولیاء لنفسه یأسفون ویرضون وهم مخلوقون مدبرون فجعل رضاهم لنفسه رضى، وسخطهم لنفسه سخطا، وذلك لأنه جعلهم الدعاة إلیه والأدلاء علیه فلذلك صاروا كذلك، ولیس أن ذلك یصل إلى الله كما یصل إلى خلقه ولكن هذا معنى ما قال من ذلك وقد قال أیضا "من أهان لي ولیا فقد بارزني بالمحاربة ودعاني إلیها" وقال أیضا: «من أطاع الرسول فقد أطاع الله » وقال أیضا: «إن الذین یبایعونك إنما یبایعون الله »، وكل هذا وشبهه على ما ذكرت لك».٢

قال الله تعالى:

«إِنَّ إِلَيْنا إِيابَهُمْ ثُمَ إِنَ عَلَيْنا حِسابَهُم ».٣

«...


  1. بحارالأنوار، ٩٧ / ٣٧٣، عنالشیخ المفید والشهید والسید ابن الطاووس قدس الله أسـرارهم.
  2. التوحيد، ١٦٨ ـ ١٦٩.
  3. الغاشية (٨٨): ٢٦ ـ ٢٧.
معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام٦٢٢

كنت قاعدا مع أبي الحسن الأول عليه السلام والناس في الطواف في جوف اللیل فقال لی:... إلینا إیاب هذا الخلق وعلینا حسابهم».١

وقال رسول الله صلی الله علیه و آله:

«علی دیان هذه الأمة والشاهد علیها والمتولي لحسابها».٢

«من زارني في حیاتي أو بعد موتي فقد زار الله جل جلاله».٣

ویقول الإمام الصادق عليه السلام:

«إن الله واحد أحد متوحد بالوحدانیة متفرد بأمره، خلق خلقا ففوض إلیهم أمر دینه فنحن هم. یابن أبي یعفور، نحن حجة الله في عباده وشهداؤه على خلقه، وأمناؤه على وحیه وخزانه على علمه، ووجهه الذي یؤتى منه وعینه في بریته، ولسانه الناطق، وقلبه الواعي، وبابه الذي یدل علیه.

ونحن العاملون بأمره، والداعون إلى سبیله. بنا عرف الله ، وبنا عبد الله ، نحن الأدلاء على الله ، ولو لا نا ما عبد الله ».٤

قال الله تعالى:

«ویحذركم الله نفسه».

ونقول في زیارة أبي الأئمة صلوات الله وسلامه علیه:

«السلام على نفس الله القائمة فیه بالسنن... ویده الباسطه بالنعم... أشهد أنك مجازي الخلق، وشافع الرزق، والحاكم بالحق... فالخیر منك وإلیك».٥


  1. نور الثقلين، ٥ / ٥٦٨، عن روضة الكافي.
  2. بحار الأنوار، ٤٠ / ٩٧، عن کتاب سلیم ابن قیس الهلالي.
  3. بحار الأنوار، ٤ / ٣١، عن التوحید والعیون.
  4. التوحيد، ١٥٢.
  5. بحار الأنوار، ١٠٠ / ٣٣١، من الکتاب العتیق الغروي.
٦٢٣مرائي المعرفة في العوالم كلّها

الإمام الكاظم عليه السلام:

«اصطفاهم لنفسه، وجعلهم خزان علمه وبلغاء إلى خلقه، أقامهم مقام نفسه، لأنه لا یرى ولا یدرك ولا تعرف كیفیته ولا أینیته. فهؤلاء الناطقون المبلغون عنه، المتصـرفون في أمره ونهیه. فبهم یظهر قدرته، ومنهم ترى آیاته ومعجزاته، وبهم ومنهم عرف عباده نفسه، وبهم یطاع أمره، ولولا هم ما عرف الله ولا یدري كیف یعبد الرحمن. فالله یجري أمره كیف یشاء في ما یشاء ولا یسأل عما یفعل وهم یسألون».١

ونقول في الزیارة الجامعة الكبیرة:

«إن بیني وبین الله عز وجل ذنوبا لا یأتي علیها إلا رضاكم... من أطاعكم فقد أطاع الله ، ومن عصاكم فقد عصى الله ، ومن أحبكم فقد أحب الله ، ومن أبغضكم فقد أبغض الله ».

الإمام أمیر المؤمنین عليه السلام:

«یا أصبغ، من شك في ولایتي فقد شك إیمانه، ومن أقر بولایتي فقد أقر بولایة الله عز وجل، وولایتي متصلة بولایة الله كهاتین ـ وجمع بین أصابعه ـ یا أصبغ، من أقر بولایتي فقد فاز، ومن أنكر ولایتي فقد خاب وخسـر وهوى في النار، ومن دخل النار لبث فیها أحقابا».٢

الباب التاسع عشـر:

تفسیر ولایة الأولیاء والتفویض إلیهم

ملخص


  1. المستنبط: القطرة من بحار مناقب النبي والعترة، ١ / ٣٢. نقلاً عن تأويل الآيات الظاهرة في العترة الطاهرة للسيد شـريف الدين النجفي رحمه الله.
  2. بحار الأنوار ١ / ٨٤، عن الاحتجاج، ١٢١.

تفسیر ولایة الأولیاء

والتفویض إلیهم

معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام٦٢٦

ما یاتي في هذا الفصل من الكلام:

إن ولایة الأولیاء الأربعة عشـر^ على ما سواهم من المخلوقات لیس أمرا جعلیا صـرفا بل یكون ذلك من فروع توسیطهم في إیصال النعم الإلهیة كلها إلى غیرهم ویكون توسیطهم في ذلك بالمنّ والاختیار المطلق منهم في المنع والإعطاء،

وتكون الأمور مفوضة إلیهم لا على وجه انعزال الخالق تعالی عنها بل على نحو أن یشاؤوا ما شاء الله تعالی، ولا یكون ذلك على جهة الإیجاب العلّي والمعلولي، أو ضـرورة ترتیب السیر النزولي والصعودي كما یزعمه أصحاب الفلسفة، بل على نحو توافق المشیتین الصادرتین عن الاختیار المطلق من جانب الخالق تعالی وأولیاء أمره ^ فتصبح الأدلة المثبتة لولایتهم المطلقة على ما سواهم إرشادا إلى الواقع وإخبارا عن حقیقة ما لهم من المنّ بذلك على غیرهم ولا

٦٢٧تفسیر ولایة الأولیاء

تكون تأسیسا.

إن ولایة الأنوار الأربعة عشـر^ لا تكون جعلیة جعلا صـرفا بلا اقتضاء اي أمر تكویني في ذلك كولایة الموكل على وكیله مثلا بل هم الأولیاء على الخلق مطلقا بمجرد كونهم وسائط في التعریف وبنفس كونهم محال التوحید:

عن الإمام أبي عبد الله عليه السلام في قول الله عز وجل:

«فِطْرَتَ اللهِ الَّتي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها»١:

قال:

«التوحید، ومحمد رسول الله ، وعلي أمیر المؤمنین».٢

«سألت الصادق عليه السلام عن قوله: «فمنكم كافر ومنكم مؤمن» فقال:

عرف الله عز وجل إیمانهم بولایتنا، وكفرهم بتركها یوم أخذ علیهم المیثاق وهم ذر في صلب آدم عليه السلام».٣

قال الله تبارك وتعالى:

«وَإِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَ إِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسَى ابْنِ


  1. الروم (٣٠): ٣٠.
  2. التوحيد، ٣٢٩ ـ ٣٣٠.
  3. بحار الأنوار، ٥ / ٢٣٤.عن تفسیر القمي.
معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام٦٢٨

مَرْيَمَ وَأَخَذْنا مِنْهُمْ مِيثاقاً غَلِيظا».١

فقال الصادق عليه السلام:

«كان المیثاق مأخوذا علیهم لله بالربوبیة ولرسوله بالنبوة ولأمیر المؤمنین والأئمة^ بالإمامة، فقال: «ألست بربكم» ومحمّد صلی الله علیه و آله نبیكم وعلي عليه السلام إمامكم والأئمة الهادین ^ أئمتكم؟" قالوا: بلى».٢

الإمام الصادق عليه السلام:

«إن الله أمهر فاطمة... الجنة والنار، تدخل أعدائها النار وتدخل أولیاؤها الجنة، وهي الصدیقة الكبرى وعلى معرفتها دارت القرون الأولى».٣

ویشهد لذلك وحدة السیاق في السؤال والجواب في قوله تعالى:

«ألست بربكم؟ قالوا: بلى»*

وقوله:

«ألست بربكم ومحمد نبیكم وعلي إمامكم والأئمة الهادون أئمتكم؟ فقالوا: بلى».٤

فإنه لو كانت ولایتهم ^ جعلیة محضة لكان للناس أن یجیبوا عن السؤال المذكور بأن یقولوا: إن تجعلهم لنا ولیا فنعم وإلا فلا.

ولهذا أیضا تكون معرفتهم هي معرفة الله تعالى، والجهل بهم هو الشـرك والضلالة مطلقا، وهذا هو سـر امتناع التفكیك والتفرقة بین التوحید والولایة:


  1. الأحزاب (٣٣): ٨.
  2. البرهان، ٣ / ٢٩٣.
  3. المستنبط ، السيد أحمد: ١٦١، عن أمالي الشيخ قدس الله سـره.
  4. بحار الأنوار، ٥ / ٢٣٦، عن تفسیر القمي.
٦٢٩تفسیر ولایة الأولیاء

وبالجملة فكما أن ولایة الرب تبارك وتعالى لیست جعلیة بل تحصل بمجرد الخلق والإیجاد، فكذلك ولایة الأولیاء الأربعة عشـر^ لیست جعلیة محضة بعد توسیطهم في التعریف، ولا یحتاج إلى أيةمرحلة أخرى من الجعل سوى كونهم وسائط بین الخالق والخلق.

ولا یذهب علیك أن القول بولایتهم عليه السلام من حیث كونهم وسائط لوجود ما سواهم على نحو الصدور الفلسفي وكونهم الصادر الأول عن ذات الخالق وصدور غیرهم عنهم وأمثال ذلك من التعابیر فهي أوهام لا یخفى علیك بطلانها لوضوح بطلان مبانیها وأدلتها ونتائجها.

واعلم أن ولایة الأنوار المقدسة الأربعة عشـر على ما سوى الله تعالى لا تكون من حیث توسیطهم في التعریف فقط، بل هم أولیاء النعم كلها ولیس إیصالهم النعم إلى غیرهم تكلیفا علیهم كتوسیط الملائكة في إیصال فیوضات الخالق تعالى إلى الخلق، بل إن الله تعالى أعطاهم ولم یكلفهم الإعطاء إكراما لهم وإعظاما لشأنهم، فإلیهم المنع والإعطاء، ولهم المنّ بذلك على ما سوى الله تعالى:

«... سألت أبا عبد الله عليه السلام في قوله تعالى: «هذا عطاؤنا فامنن أو أمسك بغیر حساب» قال: أعطى سلیمان ملكا عظیما ثم جرت هذه الآیة في رسول الله صلی الله علیه و آله فكان له أن یعطي ما شاء من شاء ویمنع من شاء، وأعطاه الله أفضل مما أعطى سلیمان لقوله: «ما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا».١


  1. الكافي، ١ / ٢٦٨.
معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام٦٣٠

الإمام الصادق عليه السلام:

«إن الله عز وجل أدّب رسوله حتى قوّمه على ما أراد، ثم فوّض إلیه فقال عز ذكره: «ما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا» فما فوض الله إلى رسوله صلی الله علیه و آله فقد فوّضه إلینا».١

«إن الله عز وجل أدّب نبیه فأحسن أدبه، فلما أكمل له الأدب قال: «إنك لعلى خلق عظیم»" ثم فوض إلیه أمر الدین والأمة لیسوس عباده، فقال عز وجل: «ما آتاكم الرسول فخذوه، وما نهاكم عنه فانتهوا» وإن رسول الله صلی الله علیه و آله كان مسدّدا موفقا مؤیدا بروح القدس، لا یزل ولا یخطئ في شـيء مما یسوس به الخلق».٢

«إن رسول الله صلی الله علیه و آله كان یفوض إلیه، إن الله تبارك وتعالى فوض إلى نبیه محمّد فقال: «ما آتاكم الرسول فخذوه، وما نهاكم عنه فانتهوا».

فقال رجل: إنما كان رسول الله صلی الله علیه و آله مفوضا إلیه في الزرع والضـرع، فلوى جعفر عليه السلام عنه عنقه مغضبا فقال: في كل شـيء، والله في كل شـيء».٣

الإمام الباقر عليه السلام:

«إن علیا عليه السلام كان في ما ولي بمنزلة سلیمان بن داود، قال الله تعالى: «امنن أو أمسك بغیر حساب».٤

وممن روى التفویض في أمر الدین من أهل السنة هو الخطیب الخوارزمي في مناقبه:٥

«قال رسول الله صلی الله علیه و آله: إن الله لما خلق السموات والأرض دعاهن فأجبنه فعرض علیهن نبوتي وولایة


  1. الكافي، ١ / ٢٦٨.
  2. الكافي، ١ / ٢٦٦.
  3. الصفار: بصائر الدرجات، ٣٨٠.
  4. الصفار: بصائر الدرجات، ٣٨٥.
  5. ص ٨٠، طبع تبريز.
٦٣١تفسیر ولایة الأولیاء

علي بن أبي طالب عليه السلام فقبلتاهما، ثم خلق الخلق وفوض إلینا أمر الدین، فالسعید من سعد بنا، والشقي من شقي بنا، نحن المحللون لحلاله والمحرمون لحرامه».١

«... كنت عند أبي جعفر الثاني عليه السلام فأجریت اختلاف الشیعة فقال:

یا محمد، إن الله تبارك وتعالى لم یزل متفردا بوحدانیته ثم خلق محمدا وعلیا وفاطمة فمكثوا ألف دهر، ثم خلق جمیع الأشیاء فأشهدهم خلقها وأجرى طاعتهم علیها وفوض أمورها إلیهم، فهم یحللون مایشاؤون ویحرّمون ما یشاؤون ولن یشاؤوا إلا أن یشاء الله تبارك وتعالى.

ثم قال: یا محمّد هذه الدیانة التي من تقدّمها مرق، ومن تخلّف عنها محق، ومن لزمها لحق، خذها إلیك یا محمد».٢

وفي الزیارة الجامعة الكبیرة:

«السلام علیكم یا أهل البیت النبوة... وأولیاء النعم وعباده المكرمین الذین لا یسبقونه بالقول وهم بأمره یعملون... العاملون بإرادته... إیاب الخلق إلیكم وحسابهم علیكم... وأمره إلیكم... بكم فتح الله وبكم یختم، وبكم ینزل الغیث وبكم یسمك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه، بكم ینفس الهم وبكم یكشف الضـر... وذل كل شـيء لكم...

إن بیني وبین الله عز وجل ذنوبا لا یأتي علیها إلا رضاكم... واسترعاكم أمر خلقه».٣

«... اختلف أصحابنا في التفویض وغیره فمضیت إلى أبي طاهر بن بلال أیام


  1. التستري: إحقاق الحق، ٧ / ٢٥٣.
  2. بحار الأنوار، ٢٥ / ٣٤٠، عن الكافي.
  3. من لايحضره الفقيه، ٢ / ٦١٦.
معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام٦٣٢

استقامته فعرفته الخلاف، فقال: أخّرنى، فأخّرته أیاما فعدت فأخرج إلی حدیثا بإسناده إلى أبي عبد الله عليه السلام قال:

إذا أراد أمرا عرضه على رسول الله صلی الله علیه و آله ثم أمیر المؤمنین عليه السلام واحدا بعد واحد إلى أن ینتهي إلى صاحب الزمان عليه السلام، ثم یخرج إلى الدنیا، وإذا أراد الملائكة أن یرفعوا إلى الله عز وجل عملا عرض على صاحب الزمان عليه السلام، ثم یخرج على واحد واحد إلى أن یعرض على رسول الله صلی الله علیه و آله، ثم یعرض على الله عز وجل، فما نزل من الله فعلى أیدیهم، وما عرج إلى الله فعلى أیدیهم، وما استغنوا عن الله عز وجل طرفة عین».١

الإمام سید الشهداء عليه السلام في قنوته:

«اللهم منك البدء ولك المشیة ولك الحول ولك القوة، وأنت الله الذي لا إله إلا أنت، جعلت قلوب أولیائك مسكنا لمشیتك ومكمنا لإرادتك، وجعلت عقولهم مناصب أوأمرك ونواهیك، فأنت إذا شئت ما تشاء حرّكت من أسـرارهم كوامن ما أبطنت فیهم، وأبدأت من إرادتك على ألسنتهم ما أفهمتم به عنك في عقودهم بعقول تدعوك وتدعو إلیك بحقائق ما منحتهم به».٢

«كان رسول الله صلی الله علیه و آله قاعدا ذات یوم هو وعلي عليه السلام إذ سمع قائلا یقول: ما شاء الله وشاء محمد، وسمع آخر یقول: ما شاء الله وشاء على، فقال رسول الله صلی الله علیه و آله: لا تقرنوا محمّدا ولا علیا بالله عز وجل، ولكن قولوا: ما شاء الله ثم شاء محمّد، ما شاء الله ثم شاء على، إن مشیة الله هي القاهرة التي لا تساوى ولا تكافى ولا تدانى.٣

اختلف جماعة من الشیعة في أن الله عز وجل فوض إلى الأئمة^ أن یخلقوا ویرزقوا،


  1. كتاب الغيبة للشيخ الطوسي قدس الله روحه، ٢٣٨.
  2. مهج الدعوات، ٤٨.
  3. الحر العاملي "قدس الله روحه": إثبات الهداة، ٣ / ٧٦٨، عن تفسير الإمام العسكري عليه السلام.
٦٣٣تفسیر ولایة الأولیاء

فقال قوم: هذا محال، وقال آخرون: بل الله أقدرهم على ذلك، فقال قائل: مالكم لا ترجعون إلى أبي جعفر محمّد بن عثمان العمري فإنه الطریق إلى صاحب الأمر عليه السلام، فكتبوا المسئلة وأنفذوها إلیه فخرج إلیهم من جهته توقیع نسخته:

إن الله تعالى هو الذي خلق الأجسام وقسم الأرزاق لأنه لیس بجسم ولا حال في جسم، لیس كمثله شـيء وهو السمیع البصیر. فأما الأئمة^ فإنهم یسألون الله تعالى فیخلق، ویسألونه فیرزق، إیجابا لمسألتهم وإعظاما لحقهم».١

«... وجّه قوم من المفوضة والمقصـره كامل بن إبراهیم المدني الى أبي محمّد عليه السلام، قال كامل: فقلت في نفسـي: أسأله لا یدخل الجنة إلا من عرف معرفتي وقال بمقالي؟ قال: فلما دخلت على سیدي أبي محمّد عليه السلام... فسلمت وجلست إلى باب علیه ستر مرخى فجائت الریح فكشف طرفه فإذا أنا بفتى كأنه فلقة قمر من أبناء أربع سنین أو مثلها، فقال لي:

یا كامل بن إبراهیم، فاقشعررت من ذلك وألهمت أن قلت: لبیك یا سیدي. فقال: جئت إلى ولي الله وحجته وبابه تسأله: هل یدخل الجنة إلا من عرف معرفتك وقال بمقالتك؟ فقلت: اي والله ، قال: إذن والله یقلّ داخلها، والله أنه لیدخلها قوم یقال لهم: الحقیة. قلت: یا سیدي، ومن هم؟ قال: قوم من حبّهم لعلي عليه السلام یحلفون بحقه ولا یدرون ما حقه وفضله.

ثم سكت صلوات الله علیه عني ساعة، ثم قال: وجئت تسأله عن مقالة المفوضة، كذبوا، بل قلوبنا أوعیة لمشیة الله ، فإذا شاء شئنا، والله یقول: «وما تشاؤون إلا أن یشاء الله » ثم رجع الستر على حالته فلم أستطع كشفه.

فنظر إليّ أبو محمد عليه السلام متبسما فقال: یا كامل، ما جلوسك، قد أنبأك بحاجتك الحجة


  1. بحار الأنوار، ٢٥ / ٣٢٩، عن احتجاج "الطبرسي قدس الله نفسه".
معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام٦٣٤

من بعدي، فقمت وخرجت ولم أعاینه بعد ذلك».١

وفي زیارة أمیر المؤمنین عليه السلام:

«السلام علیك یا حافظ سـر الله ، وممضـيحكم الله ، ومجلى إرادة الله ، وموضع مشیة الله ».٢

الإمام أمیر المؤمنین عليه السلام:

«الإمام كلمة الله ، وحجة الله ، ووجه الله ، ونور الله ، وحجاب الله ، وآیة الله ، یختاره الله ویجعل فیه ما یشاء ویوجب له بذلك الطاعة والولایة على جمیع خلقه. فهو ولیه في سماواته وأرضه أخذ له بذلك العهد على جمیع عباده، فمن تقدّم علیه كفر بالله من فوق عرشه، فهو یفعل ما یشاء وإذا شاء الله شاء...

فهذا الذي یختاره الله لوحیه... ویجعل قلبه مكان مشیته وینادي له بالسلطنة ویذعن له بالإمرة... إن الإمامة... خلافة الله وخلافة رسل الله ، فهي عصمة وولایة وسلطنة... فهي مرتبة لا ینالها إلا من إختاره الله وقدّمه وولاه وحكّمه...

فالولایة هي... تدبیر الأمور... هذا كله لآل محمد لا یشاركهم فیه مشارك... خلقهم الله من نور عظمته وولاهم أمر مملكته فهم... أمره بین الكاف والنون، إلى الله یدعون، وعنه یقولون، وبأمره یعملون...

هم الأئمة الطاهرون... والخلفاء الراشدون... وحجج الله على الأولین والآخرین... وإن الله لم یخلق أحدا إلا وأخذ علیه الإقرار بالوحدانیة والولایة للذریة الزكیة والبرائة من أعدائهم، وإن العرش لم یستقر حتى كتب علیه بالنور، لا إله إلا الله ، محمد رسول الله ، علي ولي الله ».٣


  1. الشيخ الطوسي" قدس سـره": الغيبة، ١٤٨ ـ ١٤٩، بحار الأنوار، ٢٥ / ٣٣٦.
  2. بحار الأنوار، ١٠٠ / ٣٤٨، من زیارة أمیر المومنین (ع).
  3. بحار الأنوار، ٢٥ / ١٦٩ ـ ١٧٤، عن مشارق أنوار الیقین.
٦٣٥تفسیر ولایة الأولیاء

الإمام الصادق عليه السلام:

«إن الله جعل قلوب الأئمة موردا لإرادته، فإذا شاء الله شاوؤا وهو قول الله عز وجل «وما تشاؤون إلا أن یشاء الله ».١

وفي الزیارة المرویة في الكافي عن أبي عبد الله الحسین عليه السلام:

«وإرادة الربّ في مقادیر أموره تهبط إلیكم وتصدر من بیوتكم».٢

وفي زیارة الحجة المنتظر صلوات الله علیه ـ وقال السید بن طاووس أنها معروفة بالندبة وأولها: سلام على آل یس ـ لطائف، منها قوله:

«فما منا شـيء إلا وأنتم له السبب وإلیه السبیل.

ومنها:

أنت... دلیل إرادته.

ومنها:

والقضاء المثبت ما استأثرت به مشیتكم، والممحوما لا استأثرت به سنتكم».٣

رسول الله صلی الله علیه و آله:

«... فقلت ملائكة ربي تعرفوننا حق معرفتنا؟ فقالوا:

یا رسول الله ، لم نعرفكم وأنتم أول خلق خلقه الله ... فما نزل من الله تعالى فإلیكم، وما صعد إلى الله تعالى فمن عندكم».٤

الإمام الباقر عليه السلام:

«نحن حجة الله ونحن باب الله ونحن لسان الله ونحن وجه الله ونحن عین الله في خلقه ونحن ولاة أمر الله في عباده».٥


  1. المستنبط "قدس سـره": القطرة، ٢١ ـ ٢٢، البحار، ٢٥ / ٣٧٢، عن البصائر وتفسير البرهان.
  2. المستنبط "قدس سـره": القطرة، ٢٢، البحار، ٢٢ / ١٥١، ١٠١ / ١٥٣.
  3. المستنبط "قدس سـره": القطرة، ٢٢.
  4. المستنبط "قدس سـره": القطرة، ٧١، عن البحار ٤٠ / ٥٧.
  5. المستنبط،"قدس سـره": القطرة، ٢ / ١٥، عن البحار والبصائر.
معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام٦٣٦

الإمام الصادق عليه السلام:

«لو أذن لنا أن نعلم الناس حالنا عند الله ومنزلتنا منه لما احتملتم. فقال له: في العلم؟ فقال: العلم أیسـر من ذلك، إن الإمام وكر لإرادة الله عز وجل، لا یشاء إلا ما یشاء الله ».١

«إن الله عز وجل خلق خلقا، خلقهم من نوره ورحمته لرحمته، فهم عین الله الناظره وأذنه السامعة ولسانه الناطق في خلقه بإذنه، وأمناؤه على ما أنزل من عذر أو نذر أو حجة، فبهم یمحو الله السیئات وبهم یدفع الضیم وبهم ینزل الرحمة، وبهم یحیي میتا، وبهم یمیت حیا، وبهم یبتلي خلقه، وبهم یقضـيفي خلقه قضائه.

قلت: جعلت فداك من هؤلاء؟ قال: الأوصیاء».٢

«... ونحن علة الوجود وحجة المعبود».٣

الإمام الحجة الغائب المنتظر صلوات الله علیه:

«نحن صنائع ربنا والخلق بعد صنائعنا».٤

الإمام الصادق عليه السلام:

«نحن باب الله وحجته وأمناؤه على خلقه وخزانه في سمائه وأرضه، حلّلنا عن الله ، وحرّمنا عن الله ، لا نحتجب عن الله إذا شئنا وهو قوله تعالى: «وما تشاؤون إلا أن یشاء الله » وهو قوله صلی الله علیه و آله: إن الله جعل قلب ولیه وكرا لإرادته فإذا شاء الله شئنا».٥

ولیعلم أن ولایة الله تبارك وتعالى على غیره وإحاطته بما سواه لا تكون من جهة كون الأشیاء محاطا لوجوده وكونها مراتب ذاته المتعالیة وتجلیاتها كما یزعمه أصحاب الفلسفة


  1. المستنبط، "قدس سـره": القطرة، ٢ / ١٥، عن البحار، ٢٥ / ٣٨٥.
  2. المستنبط، "قدس سـره": القطرة، عن التوحيد ومعاني الأخبار.
  3. المستنبط، "قدس سزه": القطرة، ٢ / ١٩، عن البحار.
  4. المستنبط، "قدس سـره": القطرة، ٢ / ٢٤، عن الاحتجاج.
  5. بحار الأنوار، ٢٦ / ٢٥٦، عن تفسير الفرات.
٦٣٧تفسیر ولایة الأولیاء

والعرفان. بل تكون من حیث سلطانه جل وعلا على غیره إیجادا وإعداما إشـرافا علیه واقتدارا، فإنه هو الفاعل بلا آلة:

الإمام الصادق عليه السلام:

«هو أجل من أن یعاني الأشیاء بنفسه بمباشـرة ومعالجة لأن ذلك صفة المخلوق الذي لا یجيء الأشیاء له إلا بالمباشـرة والمعالجة، وهو تعالى نافذ الإرادة والمشیة فعال لما یشاء».١

ثم إنه كما أنه لا یتحقق شـيء دون مشیة الله تبارك وتعالى فكذلك یكون تحقق الأمور كلها متوقفةً على مشیة الأنوار الأربعة عشـر صلوات الله علیهم بما أعطاهم الله جل وعلا من المنزلة والرفقة، ولكنهم لا یشاؤون إلا ما یشاء الله وإذا شاء الله شاءوا، كل ذلك بما منّ الله علیهم وأعطاهم ما أعطاهم، أكراما لهم وإعظاما لشأنهم. قال الله تبارك وتعالى:

«النبي أولى بالمؤمنین من أنفسهم».٢

وقال رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم:

«من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه، وانصـر من نصـره، و اخذل من خذله».٣

الإمام أمیر المؤمنین عليه السلام:

«... فأما قوله: «الله یتوفی الأنفس حین موتها»، وقوله: «یتوفاكم ملك الموت»...

فهو تبارك وتعالى أجل وأعظم من أن یتولیذلك بنفسه، وفعل رسله ملائكته فعله، لأنهم بأمره یعملون... ولملك الموت أعوان من ملائكة الرحمة والنقمة، یصدرون عن أمره، وفعلهم


  1. الكافي، ١ / ٨٥؛ التوحيد، ٢٤٧.
  2. الاحزاب (٣٣): ٧.
  3. راجع للوقوف على مصادر الحديث إلى: السيد شـرف الدين العاملى، المراجعات: التعليقات: ١٧٣ ـ ٢١١ وهي تختص بذكر مصادر الرواية ـ وهي كثيرة جدا ـ وما يتعلق بها فقط.
معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام٦٣٨

فعله، وكل ما یأتون منسوب إلیه، وإذا كان فعلهم فعل ملك الموت، وفعل ملك الموت فعل الله ، لأنه یتوفي الأنفس على ید من یشاء، ویعطي ویمنع، ویثیب ویعاقب على ید من یشاء وأن فعل أمنائه فعله، كما قال: "وما تشاؤون إلا أن یشاء الله"».١

«إن الله تبارك وتعالى اسمه على ما وصف به نفسه بالانفراد والواحدانیة، هو النور الأزلي القدیم الذي لیس كمثله شـيء، لا یتغیر، ویحكم ما یشاء ویختار، ولا معقب لحكمه ولا راد لقضائه، ولا ما خلق زاد في ملكه وعزه، ولا نقص منه ما لم یخلقه، وإنما أراد بالخلق إظهار قدرته وأبداء سلطانه وتبیین براهین حكمته، فخلق ما شاء كما شاء، وأجرى فعل بعض الأشیاء على أیدي من اصطفى من أمنائه وكان فعلهم فعله، وأمرهم أمره، كما قال: «ومن یطع الرسول فقد أطاع الله ».

... وعرّف الخلیقة فضل منزلة أولیائه، وفرض علیهم من طاعتهم مثل الذي فرضه منه لنفسه، وألزمهم الحجة بأن خاطبهم خطابا یدل على انفراده وتوحده وبأن له أولیاء تجري أفعالهم وأحكامهم مجرى فعله، فهم العباد المكرمون «لا یسبقونه بالقول وهم بأمره یعملون». «هو الذي أیدهم بروح منه».

وعرّف الخلق اقتدارهم على علم الغیب بقوله: «عالم الغیب فلا یظهر على غیبه أحدا إلا من ارتضى من رسول» وهم النعیم الذي یسأل العباد عنه، لأن الله تبارك وتعالى أنعم بهم على من اتبعهم من أولیائهم.

قال السائل: من هؤلاء الحجج؟ قال: هم رسول الله ومن حلّ محلّه من أصفیاء الله الذي قرنهم الله بنفسه ورسوله وفرض على العباد من طاعتهم مثل الذي


  1. الاحتجاج: ١ / ٣٦٨.
٦٣٩تفسیر ولایة الأولیاء

فرض علیهم منها لنفسه، وهم ولاة الأمر الذین قال الله فیهم: «أطیعوا الله وأطیعوا الرسول وأولي الأمر منكم» وقال فیهم: «ولو ردّوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذین یستنبطونه منهم».

قال السائل: وما ذاك الأمر؟ قال علي عليه السلام: الذي به تنزل الملائكة في اللیلة التي یفرق فیها كل أمر حكیم من خلق ورزق وأجل وعمل وعمر وحیاة وموت، وعلم غیب السموات والأرض، والمعجزات التي لا تنبغي إلا لله وأصفیائه والسفرة بینه وبین خلقه وهم وجه الله الذي قال: «فأینما تولوا فثم وجه الله »، هم بقیة الله ـ یعني المهدي ـ یأتي عند انقضاء هذه النظرة، فیملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجورا، ومن آیاته الغیبة والاكتتام عند عموم الطغیان وحلول الانتقام».١

الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام:

«یا أبا حمزة، لا تنامن قبل طلوع الشمس فإني أكرهها لك، إن الله یقسم في ذلك الوقت أرزاق العباد وعلى أیدینا یجریها».٢

*فظهر بذلكبطلان


  1. الاحتجاج: ١ / ٣٧٤ ـ ٣٧٦.
  2. بحار الأنوار: ٧٦ / ١٨٥.

الفهرس

معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام٦٤٢

الفهرس

معرفة الله تعالی بالله٠

معرفة الله تعالی بالله١

لا بالأوهام١

البشـریة الفلسفیة والعرفانیة١

التوحید؛ الحجّة؛ الولایة١

تقدیم٣

كیف ولمَ نقرّ بوجود الخالق المتعال؟!٥

اشارة٧

المرحلة الأولى: الهتاف من السماء إلى تعریف الخالق الحق جل وعلا٧

المرحلة الثانیة: أصول البرهان ومقدماته:١٦

تقریر البرهان:١٨

المرحلة الثالثة إیضاح البرهان وأصولِه ونتائجِه٣٠

تبیین الأصل الأول (وهو أن كل ما يمكن أن يوجد يكون عدديا امتداديا متجزيا محدودا):٣٠

بیان الأصل الثاني (وهو: أن كل ما یمكن أن یوجد فلا بد لوجوده من خالق وموجد):٣٣

*هل هناك مانع منالأخذ ببراهین الكتاب والسنة قبل اثبات الله تعالی أم لا؟!٣٤

تبیین النكتة القادمة (وهو أن الحقيقة الامتدادية لا يمكن أن تكون خالقة وموجدة أبدا)٣٧

بیان٤٣

اللامتناهي، حقیقة أم خیال؟!٤٥

اللامتناهي، حقیقة أو خیال؟!٤٦

الآیات القرآنیة فی استحالة غیر المتناهی٥٢

"الموجود البسیط" موهوم آخر٦١

انتفاء التسلسل والواجب الفلسفي موضوعا.٦٢

٦٤٣معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام

التركیب عن الوجود والعدم!!٧١

نقد العقیدة الفلسفیة القائلة بتشكیك الوجود٧٥

تحریف معنى العلة والمعلول عن حقیقته٧٧

السفسطة أم الفلسفة والعرفان:٨٦

بطلان وحدة وجود الخالق والمخلوق بناء علی الإمكان الفقري٩١

نقد برهان أصحاب الفلسفة لإثبات واجبهم٩٦

الملكة والعدم١٠١

الملكة و العدم١٠٣

الأمر الأول: حدوث الزمان والمكان ونسبة وجود الخالق تعالى إلیهما١٠٧

الروایات الدالة على تنزّه الخالق جل وعلا عن الاتصاف بالمكان، وبطلان الاعتقاد بكون ذاته تعالى في كل مكان:١١٠

المعرفة البشـریة تصف الخالق بالزمان والمكان١١٥

الروایات الدالة١١٩

الأمر الثانی:١٢٩

الباب الثاني:١٣٤

الله تعالى واحد، ما١٣٤

هو تعالى واحد، ما معناه؟ وما هو البرهان علیه؟!١٣٨

التوحید هو المدعى وهو الدلیل١٤٧

الأوهام حول التوحید١٥١

نقد عقیدة التوحید الفلسفي والعرفانی١٥٣

الأوهام حول اللامتناهی!!١٦٠

الأوهام حول اللامتناهي!!١٦١

هل تكون ذات الله تعالى منبعا لكل كمال وواجدة لكل شـيء؟!!١٦٨

معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام٦٤٤

الباب الثالث:١٧٦

أسطورة المجردات١٧٦

أسطورة المجرّدات١٧٧

المجردات هي شـركاء الله تعالى!!١٨١

الأوهام حول عالم المجردات١٨٨

الحركة الجوهریة الموهومة١٩٥

التمسك بالمتشابهات لإثبات عالم المجردات٢٠٢

الباب الرابع:٢٠٣

امتناع٢٠٣

امتناع معرفة ذات الله تعالی٢٠٥

نقد العلم الحضوری٢١٢

المطلب الأول: لا سبیل إلى معرفة الذات المتعالیة ثبوتا.٢١٥

لا یعرف الخالق تعالى من جهة كونه خالقاً ومبدعاً:٢٢٧

المطلب الثانی: إن كل ما یعرف بنفسه فهو مصنوع٢٢٨

المطلب الثالث: لا یعرف الخالق إلا بأثره وفعله٢٣٤

نقد المعرفة الفطرية الفلسفية٢٤٣

نقد مدرسة التفكیك٢٥١

مدرسة التفكیك٢٥٣

الفصل الأول: نصوصهم في وحدة الوجود وانكار المعنی الحقیقي للخلقة٢٥٣

الفصل الثانی: نصوصهم في السفسطة والكشف والشهود٢٥٦

سلسلة مشایخ٢٥٦

الباب الخامس:٢٦٢

٦٤٥معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام

الوجود العام والخاص٢٦٢

الوجود العامّ والخاصّ٢٦٣

الوصف العام والخاص٢٧٤

الوصف العامّ والخاصّ٢٧٥

المعرفة "إحاطیة" و"تصدیقیة"٢٨٧

بیان الروایات المشیرة إلى النقاط المذكورة في ضمن أقسام:٢٩٠

القسم الأول: الروایات المشیرة إلى أن الله تعالى شـيء بحقیقة الشیئیة، وله الشیئیة بالمعنى العام لا الخاص بالخلق:٢٩٠

القسم الثانی: الروایات الدالة على أن الله تعالى له الوجود بالمعنى العام، والوجود بالمعنى الخاص اللائق به تعالى٢٩٤

القسم الثالث: الروایات المشیرة إلى وجوب إرجاع صفات الخالق تعالی إلى معان یضاف إلیها قیود سلبیة٢٩٩

الباب السادس:٣١٣

نسبة الله تعالی مع الصفات٣١٥

نسبة الله تعالی مع الصفات٣١٧

هل أسماء الله تعالى وأوصافه توقیفیة أم لا؟!٣٢٥

تقول المعرفة البشـریة حول مسألة التشبیه والتنزیه:٣٣٦

هل تعرف ذات الخالق تعالى بالعقل؟!٣٣٩

لا یعرف الله تعالی إلا بفعله لا بذاته٣٤٣

لا یعرف الله تعالی إلّا بفعله لا بذاته٣٤٥

نؤمن ولا نعرف؟!!٣٥١

أظهر من كل ظاهر٣٥٣

أظهر من كلّ ظاهر٣٥٥

كیف یمكن الحكم على المجهول المطلق؟!٣٥٩

التحیر، ضلالة أم هدى؟!٣٦١

معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام٦٤٦

الباب السابع:٣٦٣

بم یباین الله تعالی خلقه؟!٣٦٥

بم یباین الله تعالى خلقه؟!٣٦٧

١) لا ممكن إلا وهو حادث٣٦٨

٢). القدیم لایكون مفعولا٣٦٩

الفلسفة تقول بأزلیة العالم:٣٧٢

إشارة إلى بعض ما ورد دالا على حدوث مطلق ما سوى الله تعالى:٣٧٦

الباب الثامن:٣٨١

الإرادة هي صفة فعل٣٨١

الإرادة هي صفة الفعل٣٨٣

قدم الإرادة عند أصحاب الفلسفة:٣٩١

الباب التاسع:٤٠٠

ملاك المعلولیة والاحتیاج٤٠٠

ملاك المعلولیّة والاحتیاج٤٠١

هل یصح أن یكون القدم ملاكا للاستغناء عن العلة:٤٠٨

الباب العاشـر:٤١٢

نقد٤١٢

نقد برهان الوجوب والإمكان٤١٣

خلاصة الإشكالات الواردة على ما زعمه أصحاب المعرفة البشـریة برهانا لإثبات واجبهم:٤٢٨

الباب الحادي عشـر:٤٣٠

حقیقة الأشیاء٤٣٠

حقیقة الأشیاء٤٣١

٦٤٧معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام

الباب الثاني عشـر:٤٣٧

الوحدة العرفانیّة الضالّة٤٣٩

الوحدة العرفانیة الضالة٤٤١

الباب الثالث عشـر:٤٥٧

الله جل جلاله أهو خالق الأشیاء أم نفس الأشیاء ومصدرها؟!٤٥٧

التناقض في قاعدة: "الواحد لا یصدر عنه إلا الواحد"٤٧٢

إن الصدور هو الولادة لا غیر، وإن السنخیة هي العینیة نفسها:٤٧٧

بعض متشابهات الصدور والسنخیة:٤٧٨

الباب الرابع عشـر:٤٨١

اذا كان كمال معرفة الله التصدیق به فما هو حكم استزادة معرفة الله تعالى؟!٤٨٣

١)٤٨٤

٢) القریب٤٨٦

٣) حجاب المعصیة٤٩٠

٤) ریاض القرب٤٩١

٥) الخالق العاجز؟!٤٩٥

٦)أدنى مرتبة المعرفة هو أعلاها٤٩٨

٧)التفكر في٤٩٨

٨)المراد من المعرفة القلبیة٥٠٢

٨)تحنن الخالق وتجّري المخلوق٥٠٣

٩)الدعاء٥٠٥

١٠)التوكل والتسلیم والخشوع والحیاء و...٥٠٦

١١) الضیافة الإلهی٥١٠

معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام٦٤٨

١٢) المحبوب الحقیقي٥١٢

الباب الخامس عشـر:٥١٧

الإقرار بوجود الخالق تعالى عقلي أم تعبدي، أم لا ذاك ولا ذا؟!٥١٩

الانسداد وعجز العقلعن إثبات وجود الخالق المتعال الا بإعانة من الله تعالی٥٢٧

المعرفة من صنع الله ٥٣٢

الإغاثة قبل الاستغاثة٥٣٧

ما هو معنى معاینة الله ومخاطبته؟!٥٤٤

إرائة الآیات أم إرائة الذات؟!٥٤٦

المعرفة الفطریة؟!٥٤٩

الباب السادس عشـر:٥٥١

شأن العقل في طریق٥٥١

شأن العقل٥٥٣

في طریق معرفة الله تعالی٥٥٣

عظمة شأن العقل٥٥٥

العقل أو المعصوم؟!٥٥٦

أبواب المعرفة:٥٦١

الدین بكماله هو معرفة الحجة لا غیر٥٦٣

الدین على أصل واحد٥٦٨

حرمة الأخذ عن غیر صاحب المعجزة عقلا ونقلا٥٧٢

حرمة الأخذ عن غیر صاحب المعجزة٥٧٣

عقلاً ونقلاً٥٧٣

الباب السابع عشـر:٥٩٥

٦٤٩معرفة الله تعالی بالله لا بالأوهام

معرفة الله تعالی بالله٥٩٧

معرفة الله بالله ٥٩٨

لا یعرف الله تعالی إلا بالله (١)٥٩٩

لا یعرف الله تعالى إلا بالله (٢)٦٠٢

لا یعرف الله تعالى إلا بالله (٣)٦٠٣

لا یعرف الله تعالی إلا بالله (٤)٦٠٧

ولا یتم الحجة إلا بوجود الحجة:٦١١

الباب الثامن٦١٣

مرائي المعرفة في العوالم كلّها٦١٥

مرائي المعرفة في العوالم كلها٦١٧

تفسیر معاینة الله ومخاطبته٦٢١

الباب التاسع عشـر:٦٢٣

تفسیر ولایة الأولیاء والتفویض إلیهم٦٢٣

تفسیر ولایة الأولیاء٦٢٥

والتفویض إلیهم٦٢٥